بما فُتح به؛ بـ: لا إله إلا اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (١).
وقال البراء بن عازبٍ: آخرُ سورةٍ نزلت كاملةً براءة (٢).
وقال يحيى بنُ جَعْدةَ: كان عمر ﵁ لا يَكتب آيةً في المصحف حتى يَشهَدَ عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة، فقال عمر ﵁: واللَّه لا أسألك عليهما بينةً كذلك كان رسول اللَّه ﷺ ، فأثبتَه (٣).
والحمد للَّه رب العالمين، قد أتممت هذه السورة بعون اللَّه وطاقته، وتوفيقه ورأفته.
стр. 3747
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق جمال عبد الرحيم الفارس
المجلد الثامن
دار اللباب
стр. 3748
سورة يونس
стр. 3749
سورة يونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الَّذي أنزلَ آياتِ الكتاب الحكيم، الرَّحمنِ الَّذي يدعو إلى دار السَّلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، الرَّحيمِ الَّذي لا رادَّ لفضلِه يصيبُ به مَن يشاءُ مِن عباده وهو الغفور الرَّحيم.
وهذه السُّورة مكيَّةٌ، وهي مئة وعشر آيات، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، والاختلاف في ثلاث آيات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
وكلماتُها ألفٌ وثماني مئة وثلاث وثلاثون، وحروفُها سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون (١).
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ يونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجرِ (٢) عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بيونس وصدَّق (٣) به، وبعددِ مَن غرقَ مع فرعون" (٤).
стр. 3750
وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّه ختم تلك بثنائه بقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وبدأ هذه السُّورة بـ ﴿الر﴾، وهو مُنزل الكتاب الحكيم، ولأنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة تولِّيَ الكفَّار، وفي افتتاح هذه السُّورة في ذكر المنافقين والمشركين (١) وحسنِ عاقبة المخلصين، وفي هذه السُّورة محاجَّةُ الكافرين وما نزل بالكفَّار الماضين، وخلاص المخلصين.
* * *
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أرى (٢).
وروى عكرمة عنه: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ إذا اجتمعَتْ فهي الرَّحمن (٣)
وقيل: هي اسم السُّورة.
وقيل: هي اسم القرآن.
وقيل: هي ثلاثةٌ مِن أسماء اللَّه تعالى الحسنى، وهي اللَّه واللَّطيف والرَّحيم.
وقيل: معناه: اللَّهُ بعثَ جبريلَ به إلى رسولِه.
وقيل: الألفُ آلاءُ اللَّه، واللَّام لطفُه، والرَّاء رحمتُه.
стр. 3751
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: هذه (١)، كما مرَّ في أوَّل (سورة البقرة): ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].
وقال الزَّجَّاج: أي: الآيات الَّتي تقدَّم ذكرُها قبلَ هذه السُّورة (٢).
وقيل: لَمَّا كانت ﴿الر﴾ اسم السُّورة، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إليها، وهو كقولهم: هند هي الكريمة.
وقوله تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: أي: الآتي بالحكمةِ.
وقيل: أي: المحكم عن التَّناقض والتَّغيير والتَّبديل.
وقيل: أي: الحاكم، كالعليم بمعنى العالم؛ أي: فيه بيان الأحكام.
وهذا كلُّه صفةُ القرآن.
وقيل: هو صفةُ اللَّوح المحفوظِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]. وعلى هذا تكون ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الغائب على ظاهر وصفِه؛ أي: هذه السُّورة تلكَ آياتُ الكتابِ المكتوبةُ في اللَّوح المحفوظ، وكَّلْنَا بحفظِها الثِّقات، ثمَّ أوحيناها إليك في أوقاتٍ.
وقيل: أي: هذه تلك الآيات الموعودة لك يوم الميثاق.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذلك الكتاب الذي وعدْتُكم به، وقد حقَّقنا لكم الميعاد، وأوصلنا لكم أسباب الوداد، وانقضى عنكم زمان البِعاد، فاستقيموا على نهج الأحباب، وتمسكوا بوثائق الأسباب (٣).
стр. 3752
(٢) - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: أتعجَّبَ مشركو مكَّة أنْ جعلْنا لنا رسولًا إليهم، وهو من جنسهم، يفهمون منه، ويسكنون إليه، ويعرفون صدقَه وأمانته، أن أنذِر المشركين وبشِّر المؤمنين، وهو كقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [ص: ٤]، و: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [المؤمنون: ٢٤].
وليسَ بعجَبٍ؛ لأنَّ الخَلْقَ خلقُهُ، والمُلْكَ ملكُه، وله أنْ يرسلَ إليهم رسولًا، ويأمرَهم بما يريدُ، وينهاهم عمَّا يريدُ.
وإذا صحَّ هذا في العقول فإرسال البشر أولى وأقرب إلى أن يسكنوا إليهم وأن يعقلوا عنهم من إرسال الملائكة الذين لا يُعايَنون.
ثمَّ ليس في نفسِ ما أتوا به ما تنكرُه العقولُ، إنَّما هو حثٌّ على الشُّكر والطَّاعة للمنعِم، ودعاءٌ إلى شرائعَ بها صلاحُ بينِهم، وتآلُفُ قلوبِهم، وارتفاعُ التَّظالم عنهم، وإنذارٌ لِمَن عصاه بالعذابِ الأليمِ، وتبشيرٌ لِمَن أطاعَه بالنَّعيم المقيم.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: أي: سوابقَ أعمالٍ صالحةٍ قدَّموها ذُخرًا لآخرتهم.
والقَدَمُ: ما قُدِّمَ مِن العملِ؛ قال حسَّان ﵁:
لنا القدمُ العُلْيا إليْكَ وخَلْفُنَا... لأوَّلِنَا في طاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ (١)
стр. 3753
وقال ذو الرُّمَّة:
لكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّها... مع الحَسَبِ العادي طَمَّتْ على البَحْرِ (١)
والصِّدقُ: الحَسَن، ويُذكَر على الإضافة بطريق المدح، يُقال: رجلُ صِدْقٍ، وثَوْبُ صِدْقٍ، وفَرَسُ صِدْقٍ.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: محمَّدٌ ﷺ شفيعٌ لهم يومَ القيامةِ (٢).
وقيل: تُذكَر اليدُ مكان الصَّنعة (٣) مجازًا، والقدمُ مكان السَّعي أيضًا؛ لأنَّ الكسْبَ يقعُ باليد، والسَّعي بالقدم، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].
وقال ابن عبَّاس والحسنُ ﵃: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: عملَ صِدْقٍ يَقدَمُون عليه (٤)؛ قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني: الجنَّة.
وقال عطاء: مَقامَ صدقٍ لا زوالَ عنه ولا بؤسَ فيه (٥).
وقال الرَّبيع بن أنس: ثوابَ صدقٍ (٦).
وقال قتادة: سَلَفَ صدقٍ (٧).
стр. 3754
وقال يمانُ بن رئابٍ: هو إيمانهم (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِلُ أنَّ معناه: ثبتَتْ أقدامهم فلا تزلُّ؛ قال تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] (٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄ في رواية: تسبقُ لهم السَّعادة في الذِّكر الأوَّل (٣).
وقال عبد العزيز بن يحيى: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] (٤).
وقيل: هو تقديم اللَّه تعالى هذه الأمَّة يوم القيامة، قال النَّبيُّ ﷺ : "نحنُ الآخرونَ السَّابقون" (٥)، وقال ﵊: "إنَّ الجنّةَ محرَّمَةٌ على الأنبياء حتَّى أدخُلَها أنا، ومحرَّمَةٌ على الأممِ ما لم تدخُلْها أمَّتي" (٦).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: في أوَّله مضمر؛ أي: لَمَّا جاءَهم وأنذرهم قال الكافرون: إنَّ هذا المدَّعي لساحرٌ مبينٌ، وهو قراءة ابن كثير
стр. 3755
وعاصم وحمزة والكسائي؛ أي: يخدعنا بتخاييله، ويقودنا إلى الانقياد له، ويعرِّضُ أنفسَنا وأهاليَنا وأولادَنا للتَّلَف في مجاهدة عدوِّه.
وقرأ الباقون: ﴿لسحرٌ مبينٌ﴾ (١)؛ أي: إنَّ هذا الَّذي أتى به لَسِحْرٌ ظاهرٌ.
وقال الأستاذ أبو عليٍّ الدَّقاقُ: جوَّزَ الكفَّار أن يكون المنحوت مِن الخشب والمعيول مِن الصُّفر والشَّبَه (٢) إلهًا معبودًا، وتعجَّبوا أنْ يكونَ مثلُ محمَّدٍ في جلالةِ قَدْرِهِ رسولًا مبعوثًا، هذا هو الضَّلال البعيد.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾: هو ما قدَّموه لأنفسِهم مِن طاعات أخلصوا فيها، وعباداتٍ صدَقوا في القيام لها.
وقيل: هو ما قدَّم الحقُّ لهم يومَ القيامةِ مِن عنايتِه بشأنهم، وما قضى لهم مِن فنون إحسانِه.
وقيل: هو ما رفعوه مِن أقدامِهم في بدايتهم في زمان إرادتهم؛ فإن لأقدامِ المريدِيْن المرفوعةِ لأجل اللَّهِ حُرْمَةً عندَ اللَّهِ، ولأيَّامِهم الخالية في حال تردُّدهم، ولياليهم الماضية في طلبه وهم في حرقةِ تحيُّرهم = حقًّا يرعاه اللَّه، قال الشَّاعر:
مَن ينسَ حُرْمَةَ دارٍ قَدْ تَخَوَّنَها... رَيْبُ الزَّمانِ فإنِّي لسْتُ أنساك
стр. 3756
وقال آخر:
تلكَ العهودُ بشدِّها مختومةٌ... عندي كما هيَ عَقْدُها لم يُحْلَلِ (١)
* * *
(٣) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: مرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: قال مجاهد: يقضي الأمرَ وحدَه (٢).
والأمرُ جنسٌ أُريد به الجمع؛ أي: يقدِّرُ الأمورَ كلَّها، ويُمضيها في الدُّنيا والآخرة، مِن خَلْقِ أفعالِ العباد وأقوالهم وأحوالهم، وإظهارِ الحوادث مِن الموت والحياة، والعزِّ والذُّل، والصِّحَّةِ والمرض، والسَّعةِ والضِّيق، والخيرِ والشَّر، وإعطاءِ الذُّكور والإناث مِن الأولاد، وتصريفِ اللَّيل والنَّهار، والرِّيحِ والسَّحاب، والحرِّ والبرد، وكلِّ شيء؛ قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
ولَمَّا كان الموكَّلون على بعض هذه الحوادث من الملائكة، قال في وصفهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥].
وكذلك أمورُ الآخرة كلُّها من الثَّواب والعقاب، واللُّطف والعِتاب، والعفوِ والحساب، والكشف والحجاب، بتدبيرِه وتقديرِه.
وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: أي: لا يفعلُ شيئًا مِن هذه الأمور بشفاعةِ أحدٍ.
стр. 3757
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: أي: هو المستحقُّ للعبادة فإيَّاه فاعبدوا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: أفلا تتَّعظون بما يعظِكُم اللَّهُ به مِن الإيمانِ به وتركِ الشِّرك.
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [يونس: ٣]: لا يحتاجُ فعلُه إلى مدَّةٍ، وكيفَ وهو خالق المدَّة، خلقَ السَّماوات والأرض في ستَّة أيَّام، وتلك الأيَّام أيضًا مِن جُملة ما خلقَ مِن الأيَّام.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناه: اتِّصافُه بعزِّ الصَّمديَّة، وجلال الأحديَّة، وانفرادُه بنعت الجبروت وعلاء الرُّبوبيَّة، تقدَّس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود (١)، والدَّيان عن المكان.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ أي: الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديرِه، وحاصلةٌ بتدبيرِه، فلا شريكَ يعضدُه، ولا معارضَ يقصدُه.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ تعريفٌ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ تكليفٌ، فحصولُ التَّعريف بتحقيقِه، والوصولُ إلى ما وردَ به التَّكليف بتوفيقه (٢).
* * *
(٤) - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
стр. 3758
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: إلى جزاءِ اللَّهِ رجوعُكم جميعًا يومَ القيامةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: نصبٌ على المصدر على إضمار الفعل؛ أي: وَعَدَ اللَّهُ ذلك وَعْدًا صدقًا.
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: أي: ليتعبَّدهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: يميتهم، ثم يعيدهم أحياءً (١) يوم القيامة ليجزيهم.
والخَلْقُ أصلُه مصدرٌ، فلم يُجمَع، ومعناه الجمع، فلذلك وحَّدَ الكنايةَ بعدَه.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدْلِ، وهو قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: يجزي المحسنين جزاء الإحسانِ، والمسيئين جزاء الإساءة، ويفصل بين العدو والولي في الجزاء، وهو العدل.
ويحتمِل: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالفضل، فقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].
وسمَّاه قسطًا وهو العدل؛ لأنَّ العدلَ وضعُ الشَّيء في موضعِه، وهذا وضعُ الفضلِ في (٢) موضعِه، فكان عدلًا من هذا الوجهِ.
ويحتمل أن يكون القِسطُ صفةً للعالمين؛ أي: عملوا الصَّالحات بقسطهم في الدُّنيا؛ أي: عدلهم (٣).
стр. 3759
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: مِن ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّم، ومن صفتِه أنَّه كالمُهلِ يشوي الوجوهَ، وأنَّه يقطِّع أمعاءَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: أي: عذابٌ يَخلصُ وجعُه إلى قلوبِهم بكفرِهم.
* * *
(٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: أي: خلقَ الشَّمسَ فجعلَها ﴿ضِيَاءً﴾ للخلق بالنَّهار.
﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾؛ أي: وخلق القمرَ فجعلَه نورًا لهم باللَّيل.
والضِّياءُ نورٌ معه حرٌّ، والنُّورُ لا حرَّ معه، والضِّياءُ أعمُّ وأتمُّ مِن النُّور، والضِّياءُ والنُّورُ مصدران جُعِلا نعتَيْن.
وقال الكلبيُّ: جعلَ الشَّمسَ ضياءً بالنَّهارِ، والقمرَ نورًا باللَّيل، تضيءُ وجوههُما لأهل السَّماواتِ، وظهورُهما لأهلِ الأرض.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: للعقول نجومٌ، وهي للشَّياطين رجومٌ، وللعلوم أقمارٌ، هي أنوارٌ واستبصارٌ، وللمعارف شموسٌ، ولها على أسرار العارفين طلوعٌ. وقد قيل:
إنَّ شمسَ النَّهارِ تغربُ باللَّيـ... لِ وشمسُ القلوبِ ليسَ تغيْبُ (١)
стр. 3760
وكما أنَّ في السَّماء شمسًا وقمرًا، والشَّمسُ أبدًا بضيائها، والقمرُ في الزِّيادة والنُّقصان أبدًا، وكما استترَ بمحاقِهِ، بدا بعد ذلك حتَّى يكمل بدرًا بإشراقه، ثمَّ يأخذُ في النَّقص إلى أن لا يبقى منه شيء لتمام انمحاقه، ثمَّ يعودُ جديدًا، وكلُّ ليلةٍ تجدُ مزيدًا، فإذا صار بدرًا تمامًا، لم يجد أكثرَ مِن ليلةٍ لكمالِه مقامًا، ثم يأخذ في النُّقصان إلى أن يخفى شخصُه ويتمَّ نقصُه = كذلك مِن النَّاس مَن هو مردودٌ بينَ قبضِه وبسطِه، وصحوِه ومحوِه، وذهابِه وإيابِه، لا فناءَ فيستريح، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ.
قال الشَّاعر:
كلَّما قلْتُ قَدْ دَنَا حَلُّ قَيْدِي... قدَّموني فأوثَقُوا المِسْمارَا (١)
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قيل: أي: وقدَّر القمرَ منازلَ، فعل يتعدَّى إلى مفعولَيْن، وهو كقولِه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، يجري في كلِّها كلَّ شهرٍ مرَّة.
وإنَّما خصَّ القمرَ به لأنَّه هو الذي يعرِّفُ الشُّهور، وباجتماعِها تكون السِّنون.
وقيل: معناه: وقدَّرَهما منازلَ؛ أي: الشَّمس والقمر، وإنَّما وحَّد (٢) اكتفاءً، كما في قولِه : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وهذا لأنَّه يُعرَف بالشَّمس ابتداءُ النَّهار وانتهاؤه، وباجتماع الأيَّام واللَّيالي تُعرَف الشُّهور.
стр. 3761
وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: فعددُ السِّنين: معرفةُ الشُّهور وتمام السَّنة، والحساب: هو الآجالُ والمواقيْتُ المقدَّرة بالشُّهور والسِّنين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: بالشَّمس تُعرَفُ أوقاتُ الصَّلوات في الشِّتاء والصَّيف والرَّبيع والخريف، ولا يُعرَفُ ذلك بالقمر، وبالقمر تُعرَف الشُّهور والسِّنون، ولا يُعرَف ذلك بالشَّمس.
وفي مصحف حفصة ﵂: (وقدَّرهما منازلَ) (١).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال أبو بكر الأصم الكيساني (٢): [أي]: ما خلقَ اللَّهُ ذلك إلَّا وقد جعلَ فيه دلالة معرفتِه.
وقال الإمام الزاهد أبو منصور ﵀: قال قائلون: ما خلقَ اللَّهُ ذلك إلَّا وقدْ جعلَ فيه الشَّهادة له على الخلْقِ، وهو شهادةُ الوحدانيَّة والألوهيَّة.
وقال بعضهم ما خلق اللَّه ذلك إلَّا للأمر الكائن لا محالة، وهو البَعْثُ.
ويحتمل: ما خلق اللَّه ذلك إلَّا بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثًا باطلًا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] (٣).
стр. 3762
وقوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: قرأ أبو عَمرو بياء المغايبة، بناء على قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] (١)، وقرأ الباقون بالنُّون بناءً على قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾.
ومعنى قوله: ﴿نُفَصِّلُ﴾؛ أي: نبيِّن العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ.
وخصَّ العالمين بذلك لأنَّهم هم المنتفِعونَ (٢) بها.
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: قال أهلُ مكَّة: ائتنا بآيةٍ حتَّى نؤمنَ لك، فنزلت هذه الآية (٣).
أي: فيما يتعلَّق بما خلقْنا مِن الشَّمس والقمر -مِن اختلافِ اللَّيل والنَّهار لأوقاتٍ معلومةٍ على نسقٍ واحدٍ- لآياتٌ؛ لأنَّ في ذلك بقاءَ الدُّنيا إلى حين، وتدبيرَ معايشِ أهلِها، فمَن تدبَّر ذلك علم أنَّ الدُّنيا مخلوقةٌ لمكثِ الخَلْقِ فيها، وخالقُهم لم يهملْهُم، بل جعلَها لهم دارَ عملٍ، فلا بُدَّ مِن أمرٍ ونهيٍ، ثمَّ جزاءٍ ليُفرَّق بينَ المطيع والعاصي، فمَن تدَّبر هذا اتَّقى العاقبةَ وما فيها للعاصي مِن العقوبة، فكان الانتفاع بالآيات للمتقين فلذلك أضيفَتْ إليهم.
стр. 3763
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اختصاصُ النَّهارِ بضيائِه، وانفرادُ اللَّيل بظلمائه، مِن غير استيجابٍ لهذا ومن غير استحقاقِ عِتابٍ مع هذا = دلالةٌ على أنَّ الرَّدَ والقَبولَ والمنعَ والوصولَ ليس بمعلولٍ بسببٍ، ولا حاصلٍ بأمرٍ مكتسَب، كلَّا إنَّها إرادةٌ ومشيئة، وحكمٌ وقضيَّة، والنَّهارُ وقتُ حضور الغَفلة في أوطان كسبِهم، واللَّيلُ وقتُ أرباب الوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم (١).
* * *
(٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ قيل: أي: لا يخافون عقابَنا.
وقال مقاتل: لا يخافون البعثَ (٢). كما قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّهِ عظمةً.
وقيل: أي: لا يطمعون في ثوابِنا.
وهذه الكلمة من الأضداد، وقد أوضحنا ذلك في قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
وإنَّما سمَّى ذلك: لقاءَ اللَّهِ؛ لأنَّه لا (٣) يقدر على ذلك إلَّا اللَّه، فجُعِلَ لِقاؤُهُ لقاءَه تفخيمًا لشأنِه، كما جُعِلَ إتيانُ جلائلِ آياتِ اللَّه إتيانَ اللَّهِ لذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾: أي: سكنوا إليها، فلم يفكِّروا في عاقبةٍ ولا حسابٍ ولا جزاءٍ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: لا يتدبَّرون فيها.
стр. 3764
(٨) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: مِن الكفر والمعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أنكروا جوازَ الرُّؤيةِ فلم يرجوها، والمؤمنون آمنوا بجوازِ الرُّؤية فأمَّلوها.
وقيل: لا يرجون لقاءَهُ لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنَّهم لم يحبُّوه، ولم يحبُّوه لأنَّهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنَّهم لم يطلبوه، ولم يطلبوه لأنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ أنْ لا يطلبوه، ولو أرادَ أنْ يطلبوه لطلبوا، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا إليه لرجوا لقاءَه، ولو رجوا لقاءَه لرأَوه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ﴾ الآية [السجدة: ١٣].
وقال في قوله: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أصحابُ الدُّنيا رضوا بالحياة الدُّنيا فحُرِموا الجنَّةَ، والعبَّادُ والزُّهادُ ركنوا إلى الجنَّةِ ورضوا بها، فبقُوا في مراتبِ الوصلةِ.
وقال: لَمَّا كان الذي لا يرجو لقاءَه مأواه العذاب والفُرقة ثبتَ أنَّ الَّذي يرجو لقاءَه فعاقِبتُه الاقتراب والوصلة واللِّقاء والزُّلفة (١).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وهم الَّذين يرجون لقاءَ اللَّهِ.
стр. 3765
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: قيل: يرشدُهم بإيمانهم في الدُّنيا إلى الخيرات، ويرزقُهم الدَّوام عليه والثَّبات.
وعلى هذا القولِ يكون قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: أي: وتجري، بإضمار الواو، وبالحذف يصير كلامًا مبتدأً غيرَ الأوَّل أيضًا.
وقيل: يهديهم في الآخرةِ إلى الجنَّة، وعلى هذا الإضمارِ قال مجاهد: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: لهم نورٌ يمشون به (١).
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: إلى الجنَّة في الآخرة (٢).
وقال مقاتلٌ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ على الصِّراط إلى الجنَّة بالنُّور (٣).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: بينَ أيديهم في البساتين، كما قال: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، ومَا كانَتْ قاعدةً عليه، ولكن كان ذلك بينَ يديها، وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
وقيل: بأمرِهم ومشيئتِهم، كما يُقال: هذا تحتَ تصرُّفِه، وكذا قالوا في قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: يتنعَّمون فيها مِن غير مشقَّةٍ ولا مؤونةٍ.
* * *
(١٠) - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 3766
وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي: دعاؤهم، وهو مِن دعا يدعو، كالشَّكوى مِن شكا يشكو.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾؛ أي: كلامُ أهلِ الجنَّة فيها تنزيهُ اللَّهِ عمَّا كان في الدُّنيا يُضاف إليه مِن الأضداد والشركاء.
وقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: وآخرُ ما يتكلَّمون فيه مِن النَّعيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يحمدونَه على ما أدرَّ عليهم مِن نِعمِه، يبتدئون كلَّ نعمةٍ بالتَّسبيح للَّه، ويختمونها بالحمد للَّه، كما كانوا في الدُّنيا يبتدئونَ النِّعمةَ بالتَّسميةِ ويختمونها بالحمدِ.
وقيل: هي على حقيقة الدَّعوى التي تكون مِن المدَّعي.
قال الإمام أبو منصور ﵀: قال قائلون: أي: يدَّعون في الآخرة مِن الإيمان والتَّوحيد للَّه تعالى والتَّنزيه ما ادَّعوه في الدُّنيا مِن ذلك؛ فإنَّ التَّسبيحَ هو تنزيهُ اللَّهِ تعالى، وتبرئتُه عن جميع العيوب الَّتي وصفَتْهُ بها المشبِّهة والملحِدة (١).
وقيل: الدَّعوى هي التَّمني؛ قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ١٣]؛ أي: يتمنَّون ويشتهون.
وروى سعيدُ بن جبير عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾: كلَّما اشتهى أهلُ الجنَّة شيئًا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فجاءَهم ما يشتهون (٢).
стр. 3767
وقال الكلبيُّ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: قولهم في الجنَّة: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فإذا سمع الخدَّام ذلك أتوهم بما يشتهون (١).
وقال مقاتل: هذا علَم بين أهل الجنَّة وبين الخدَّام في الطَّعام، فإذا قالوا ذلك أتوهم الخدَّام بالموائد، فوضع بين أيديهم ما أرادوا على مائدة هي مِيلٌ في ميلٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾: أي: تحيَّةُ بعضِهم لبعضٍ ذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢].
وقال الكلبيُّ: يحيِّي بعضُهم بعضًا بالسَّلام، وتأتيهم الملائكةُ مِن عند ربهم بالسَّلام (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قال الكلبيُّ: إذا فرغ أحدهم من كلامه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
وقال مقاتل: إذا فرغوا من الطَّعام والشَّراب حمدوا ربَّهم على ما أعطاهم (٥).
وقال ابن جريج: إذا مرَّ بهم الطَّير يشتهونه قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، فتأتيهم فتسلِّم عليهم، فيردُّون عليه، فإذا أكلوا حمدوا (٦).
وقيل: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: هي مِن دعوى أهل الدُّنيا، وهي من تداعيهم في الحروب بآلِ فلان، ومعنى الآية: أنهم كانوا في الدُّنيا متضاغنين متقاتلين، فإذا
стр. 3768
صاروا إلى الجنَّة نُزِعَ ذلك مِن قلوبهم، وصاروا إخوانًا على سررٍ متقابلين، فيكون تداعيهم بتسبيح اللَّه وتحميده، فلذلك وصله بقوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: له ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه بيان أنَّه ليس على أهل الجنَّة شيءٌ من العبادات سوى التَّوحيد، وهي كلمة التَّوحيد.
والثَّاني: أنهم يقولون ذلك لعظيمِ ما يرَون من النَّعيم، وعجيبِ ما عاينوا.
والثَّالث: شكرًا لِمَا أعطاهم مِن ألوان النَّعيم (١).
وقال محمَّد بن عليٍّ الباقر: كلامُ أهلِ الجنَّة ثلاثة: التَّسبيح والتَّحميد وتسليم بعضهم على بعض، ورزَقَ اللَّهُ تعالى هذه الثَّلاثة للمؤمنين في الدُّنيا في الصَّلاة؛ يفتتحون الصَّلاة بالتَّسبيح، ويفتتحون القراءة بالحمد، ويختمون بالسَّلام.
وقال الحسين بن علي: إذا أرادوا الطَّعام والشَّراب سبَّحوا، وإذا فرغوا حمدوا، وإذا اشتاقوا هلَّلوا، وإذا تلاقوا سلَّموا، وإذا تفرَّقوا بعدَ التَّزاور فآخر دعواهم -أي: آخر كلامهم عند التَّفرُّق- الحمد للَّه ربِّ العالمين (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾؛ أي: ثناؤهم عندَ اللِّقاء سبحانَك اللَّهمَّ، وتحيتهم مِن اللَّه عند اللِّقاء السَّلام، يحمدونَه بحمدٍ أبديٍّ سرمديّ، وهو يحييِّهم بسلامٍ أزليّ، وكلامٍ أبديّ، عزيزٍ صمديّ، وحبيبٍ أحديّ (٣).
* * *
стр. 3769
(١١) - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: وهذه منتظِمة بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، ولغفلتهم إذا أُنذِروا استعجلوا العذابَ جهلًا منهم، ولو عجَّل اللَّهُ لهم ذلك إذا استعجلوه بدعائِهم كما يستعجلون بالخير لَمَا قاموا لعذابنا، بل ماتوا؛ لأنَّ تركيبَهم لا يحتمِل ذلك في الدُّنيا.
وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: فُرِغَ منه وقُطِعَ. وقال أبو ذُؤيْب:
وعليهما مَسْرُودتانِ قَضاهُما... داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغ تُبَّعُ (١)
وقرأ ابن عامر: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ بالنَّصب على الفعل الظاهر؛ أي: لقضى اللَّه إليهم أجلَهم، والباقون بالضَّمِّ على ما لم يسمَّ فاعله (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تقديرُ الآية على هذا القولِ: ولو يعجِّلُ اللَّهُ للنَّاس الشَّرَّ إذا استعجلوه كما يعجِّل لهم الخيرَ إذا استعجلوه لهلكوا (٣).
واستعجالُهم الشَّرَّ ذُكِرَ في آياتٍ: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ
стр. 3770
لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ إلى قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
واستعجالُهم بالخير في آياتٍ: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢] ونحوهما.
وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في النَّضر بن الحارث حين قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢] (١).
وقيل: هو في دعاءِ الإنسانِ على نفسِه أو غيرِه بالهلاك عند الغضب، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
قال الكلبيُّ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾؛ أي: العقوبة إذا دعوا على أنفسِهم أو على أولادهم (٢): أخزاهُم اللَّه تعالى ولعنَهم اللَّهُ، كما يعجِّل لهم بالخير إذا دعوه بالرَّحمة والعافية والفرج فيرزقُهم ويدفَعُ عنهم لَمَاتوا وهَلَكوا (٣).
وقال مقاتلٌ: لو استُجيبَ لهم في الشَّرِّ كما يحبُّون أنْ يُستجابَ لهم في الخير لهلَكوا (٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀ مع ذِكْرِ هذَيْن القولَيْن: ويُشبهُ أنْ يكونَ معناه:
стр. 3771
ولو يعجِّلُ اللَّهُ للنَّاس الشَّرَّ باكتسابِهم الشَّر وارتكابهم إيَّاه كما يعجِّل لهم الخير وقتَ اكتسابهم الخيرَ لهلكوا (١).
وقوله تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: وهذا ابتداءُ كلامٍ معناه: فحن نذَر؛ أي: نترك الذين لا يخافون البعثَ في تماديهم يمضون متحيِّرين.
وقيل: فيه مُضمَرٌ: لكنَّا لا نفعلُ ذلك ونؤخِّر عذابهم إلى الآخرة، وندَعُهم في الدُّنيا كذلك.
قال القشيريُّ ﵀: معناه: لو أجبناهم إذا دعوا على أنفسِهم وأعزَّتهم عندَ غيظِهم وضجَرِهم لعجَّلْنا إهلاكَهم، لكنَّا تحمَّلْنا [أنْ] لا نجيبهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمعُ بالإجابة دعاءَهم، وربَّما يشكو العبدُ بأنَّه لا يجيبُ دعاءَه، وتركُ إجابتِه لطفٌ به منه، قال الشَّاعر:
أناسٌ أعرَضوا عنَّا... بِلا جُرْمٍ ولا مَعنى
أساؤوا ظنَّهم فينا... فهلَّا أحسنوا الظَّنَّا
وإنْ كانوا لنا كُنَّا... وإنْ عادوا لنا عُدْنا
وإنْ كانوا قد استغنوا... فإنَّا عنهم أغنى (٢)
* * *
(١٢) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 3772
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾: أي: وإذا أصابَ الواحدَ مِن المشركين البلاءُ والمكروهُ في بدنِه ومالِه.
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: أي: على أيِّ حالٍ كانَ مِن اضطجاعٍ أو قُعودٍ أو قيامٍ.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: أي: فإذا أزلنا عنه بلاءه ﴿مَرَّ﴾؛ أي: استمرَّ على شركِه لا يرى ذلك منَّا، وعادَ إلى ما كان عليه ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: كأنَّه لم يدْعُنا في بلاءٍ أصابَه.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: كالذي زُيِّنَ لهذا الإنسان زُيِّنَ لسائر المشركين المجاوزين حدودَ الشَّرع بالإشراك باللَّه وتكذيب الأنبياء ووضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون به في عبادة الأصنام وغيرها = ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الدُّعاء عندَ البلاءِ والنِّسيان عند الرَّخاء، وهذا التَّزيين مِن اللَّهِ تخليقًا، ومِن الشَّيطان وسوسةً، ومن الأصحاب دعوةً وتلبيسًا.
وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتِ الآيةُ في أبي حذيفةَ هشام بن المغيرة (١).
وقال عطاءٌ: في الوليدِ بن المغيرة وعتبةَ بن ربيعة (٢).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قال بعض أهل التَّأويل: جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]،
стр. 3773
وعندي مَن دخل في هذه الصِّفة من أهل الإيمان -وهي الدُّعاء عند البلاء وتركُه عند الرَّخاء- فهو مرادٌ بهذه الآية (١).
وأنشد القشيريُّ ﵀ في معنى قوله: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ قولَ الشَّاعر:
كأنَّ الفَتى لم يَعْرَ يومًا إذا اكتَسى... ولم يكُ صُعلوكًا إذا ما تموَّلا (٢)
* * *
(١٣) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: بينَ القرنَين ثمانٍ وعشرون سنة (٣).
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: كفروا باللَّه، وهو وضع الشَّيء في غير موضعِه، وهو ظلمُ نفسِه أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: وقد كانت جاءتهم رسلُهم بالحُجَج الواضحة.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾؛ أي: علمنا أنهم لا يؤمنون بدعاء الرُّسل وإظهار الآيات.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: كذلك نفعل بالمجرمين الذين نعلمُ أنَّهم لا يؤمنون، فنحن قادرون على معاجلة هؤلاء المستعجلين بالشَّر،
стр. 3774
لكنَّا نمهلُهُم لعلمنا أنَّ فيهم مَن يؤمنُ، وهو كعكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد ونحوهما.
* * *
(١٤) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: سكانَها ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀:
يحتمِل: جعلَكم مكانَ أولئك لم يهلكْهم (١)، وهو تذكيرٌ للنِّعمة.
ويحتمل: جعلكم خلائف أولئك في المحنة والعبادة؛ أي: ابتلاكم بالأمر والنَّهي كما فعل بأولئك.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال: لم يزلِ اللَّهُ تعالى عالمًا بما كان ويكون منهم مِن الطَّاعة والمعصية، ولكنْ ليَعْلَمهم عصاةً ومطيعين؛ لأنَّ المعصية إنما تكون بعدما يكون النَّهي، والطَّاعة إنما تكون بعدما يكون الأمر، فيَعْلَمكم عاصين كما علم أنه يكون منكم معصية، ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم طاعة (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن لم يعتبر بمَن سبقَه اعتبر به مَن لحقَه، ومَن لم يعتبر بما سمعَه اعتبر به مَن تَبعه (٣).
* * *
стр. 3775
(١٥) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: وهذا إخبارٌ ببعضِ جهالات المشركين، معناه: وإذا تُقرأ عليهم آياتُنا في القرآن واضحاتِ الإعجاز في النَّظم والمعنى ليسمعوه ويتدبَّروه، قال الَّذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء للنِّبيِّ عليه الصلاة السلام: ائْتِ بقرآنٍ غيرِ هذا، ليس فيه شتمٌ لآلهتِنا، ولا تسفيهٌ لأحلامِنا، ولا وعيدٌ بالعذاب لنا، ولا أمرٌ ولا نهيٌ ممَّا يَشُقُّ علينا، أو بدِّل القرآنَ فاجعل فيه بَدَلَ السَّبِّ مدحًا، وبدل الوعيدِ وعدًا.
والإتيانُ بغيرِه قد يكون مع قيامِه، وتبديلُه لا يكون إلَّا برفعِه ووَضْعِ آخرَ مكانَه، أو تغييرِ أشياء منه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: أي: مِن جهةِ نفسي؛ لأنَّه ليس قولي ولا كلامي، وإنَّما هو وحيُ اللَّه تعالى إليَّ، وذلك قوله تعالى:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي﴾؛ أي: ما أتَّبع إلَّا الوحيَ.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: أخشى إنْ عصيْتُ اللَّهَ بتركِ تبليغِه إليكم، أو تبديلِه على مرادِكُم، عذابَ يومِ القيامة.
وقيل: عذاب يومٍ هائلٍ في الدُّنيا يَنزلُ عليَّ العذابُ فيه.
قال قتادة: هم مشركو مكَّة (١).
وقال الكلبيُّ: هم المستهزئون بالقرآن، وهم خمسةُ رهطٍ: الوليدُ بن
стр. 3776
المغيرة، والعاصُ بن وائل، والأسود بن المطلَّب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن غيطلة (١).
وقال مقاتل: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: عبد اللَّه بن أبي أميَّة المخزوميُّ، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد اللَّه بن أبي قيس العامريُّ، والعاص بن عامر بن هاشم، قالوا للنَّبيِّ ﷺ : ائْتِ بقرآن غير هذا القرآن ليس فيه تركُ عبادةِ الَّلات والعزَّى ومناة وهبل، وليس فيه عَيبها، أو بدِّله فكلِّم به مِن تلقاء نفسِك (٢).
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: فإذا أُمِرْتُ بأمرٍ فعلْتُ، ولا أبتدع ما لم أؤمر به، إنِّي أخاف إن فعْلُت ما لم أؤمر به عذابَ يوم عظيم، نسخَها قولُه ﷻ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (٣).
وأنزل اللَّه تعالى في شأنهم: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] (٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا اقترحوا عليكَ أنْ تأتيَهم بما لم آمرْكَ به أو
стр. 3777
تريَهم ما لم أُظهِرْ عليك فأخبرهم أنَّك غيرُ مستقلٍّ بك، ولا موكولٍ عليك، أنا القائم عليك، المصرِّفُ لك، وأنت المتَّبع لِمَا أُجريه عليك، غيرُ مبتدِع بما يحصل منك (١).
* * *
(١٦) - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾: أي: قل يا محمَّدُ لهؤلاء: لو شاء اللَّه ما قرأتهُ عليكم بألَّا ينزِله عليَّ ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: ولا أعلمَكُمُ اللَّهُ به.
دريْتُ الشَّيءَ درايةً؛ أي: علمْتُه، وأدريْتُه غيري إدراءً؛ أي: أعلمْتُه.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ قال الضَّحَّاكُ: لقد لبثْتُ فيكم قبلَ نزول القرآن عمرًا طويلًا أربعين سنة ولا أقرأ لكم شيئًا ولا آتيكم به (٢).
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أنَّه ليس مِن قِبَلي.
وقيل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنِّي لو كنْتُ أردْتُ شيئًا غير طاعتي لربِّي فيما أوحاه إليَّ لكان ذلك قبلَ نزول القرآن -وهو وقت شبابي- أمكَنَ، وأنا على ذلك حينئذ أقدَرُ، وعلى الدَّفع عن نفسي أقوى، وإذا تلوته عليكم في هذا الوقت فإنَّما ذلك للوحي ولخوف العذاب بالعصيان.
وقيل: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ قبلَ نزولِه، تعرفون حالي في مولدي ومنشئي وسفري وحضري، لم أشتغل بتعلُّمه، ولا اختلفتُ إلى مَن يعرفُه، فإذا
стр. 3778
كانت هذه حالتي وجئتكم به مِن غير تعلُّم فاعلموا واعقلوا أنَّه مِن عند اللَّه تعالى.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: لبثْتُ فيكم سِنينَ ولم تعرفوني كذبْتُ قطُّ، فكيفَ أفتري على اللَّهِ، وأخترعُ القرآنَ مِن عندِ نفسي (١)؟!
* * *
(١٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: فمَنْ أظلَمُ ممَّنْ اختلقَ على اللَّهِ كَذِبًا أنَّ معَه شريكًا وصاحبةً وولدًا، أو عبدَ الأوثانَ، أو كذَّبَ بمحمَّدٍ والقرآن، إنَّه لا يأمَنُ المشركون (٢).
ويحتمل هذا ثلاثةَ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّه إخبارٌ مِن اللَّهِ ﷻ ، والصِّفةُ المذكورة في الآية مِن المشركين الكذبُ والتَّكذيب جميعًا.
والثَّاني: أنَّه متَّصل بقول النَّبي ﷺ الذي أمرَه اللَّهُ تعالى به في الآية الأولى أنْ يقول، ومعناه أنَّه قال: لا أحدَ أظلمُ ممَّن افترى على اللَّه كذبًا؛ أضافَ إليه ما لم ينزلْهُ، أو بدَّل ما أنزلَه، وممَّن نفى ما أنزلَه عنه فكذَّبه فيه؛ أي: لا أظلمَ مِن هذين: أحدهما ما ينفيه عن نفسه، والآخر ما يثبتُه للمشركين.
والثالثُ: أنَّه نفى الأمرَيْن عن نفسِه؛ أي: إذا أتيْتُ بغيرِ هذا القرآن، أو بدَّلْتُ هذا القرآنَ، كنْتُ قد افتريْتُ على اللَّه الكذبَ وكذَّبْتُه فيما أنزلَه عليَّ.
стр. 3779
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: لا يظفرون بمطلوبٍ، ولا يصلون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون مِن محذورٍ.
* * *
(١٨) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: ويعبدون من دون اللَّه الأصنامَ الَّتي لا تضرُّ مَن عصاها ولا تنفعُ مَن أطاعَها في معاشٍ ولا رزقٍ ولا غيره (١).
﴿وَيَقُولُونَ﴾: يعني أهل مكَّة: ﴿هَؤُلَاءِ﴾: يعنون الأصنام ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقال الحسنُ: أي: في إصلاحِ المعاشِ؛ لأنَّهم كانوا لا يقرُّون بالمعاد، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: أتخبرون اللَّهَ بما لا يعلمُه موجودًا؛ أي: بما يعلمُه غيرَ موجودٍ؛ لأنَّه لو كان موجودًا لكان معلومًا له وجودُه؛ لأنَّه عالمٌ بكلِّ شيءٍ، وكيف يصحُّ وجودُ ما لا يعلمُه؟
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهُ اللَّهِ عن كلِّ سوءٍ ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ بتاء المخاطبة، كما قال تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾، والباقون على المغايبة، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ (٣).
стр. 3780
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن علَّقَ قلبَه بالمخلوقين في استدفاع المضارِّ واستجلاب المسارِّ فهو كالسَّالكِ سبيلَ عبدةِ الأصنامِ؛ إذِ الموجِدُ والمنشِئُ للأشياء مِن العدمِ هو اللَّهُ المنفردُ بالأزليَّة والقِدَم (١).
* * *
(١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: قال أبو روق: وما كان النَّاس إلَّا أمَّة واحدة على ملَّة الإسلام زمنَ نوح ﵇ بعد الغرقِ، فاختلفوا وتفرَّقوا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بأنْ جعل للدُّنيا مدَّةً وأجلًا، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لأقيمَ عليهم السَّاعة (٢).
وقال الكلبيُّ: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: كافرةً على عهد إبراهيم ﵇، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: فتفرَّقوا مؤمنًا وكافرًا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: أنَّ اللَّهَ أخَّر هذه الأمَّة فلا يهلكُهم بالعذاب كما أهلَكَ الَّذين مِن قبلِهم، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن الدِّين (٣).
وقال الحسنُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: في حكمِه أنَّه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه مِن الثَّواب والعِقاب دونَ القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنيا،
стр. 3781
فأدخلَ المؤمنين الجنَّةَ بأعمالهم، والكافرين النَّارَ بكفرِهم، ولكنَّه سبقَ مِن اللَّهِ الأجَلُ، فجعلَ موعدَهم يومَ القيامةِ (١).
وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً على الإسلام في زمنِ آدمَ صلوات اللَّه عليه (٢).
والآيةُ تنتظِم بقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وهي تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ في تأخير العذاب عنهم.
وقيل: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: بإهلاكِ المبطِلين وتخليصِ المحقِّين.
* * *
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: مِن الآيات المقترحة، كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي: مالكُ الأشياء الغائبةِ والعالِمُ بها هو اللَّهُ تعالى، وهو أعلمُ بما ينزِّلُ عليكم مِن الآيات وما لم ينزِّلْ، وإنَّما أنا نذير مبلِّغ، وقد بلَّغتكم ما نزَّله عليَّ مِن القرآن الَّذي جعلَه آيةً لي، فليس بعدَ هذا إلَّا العقوبة المنتظرَة.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي: فانتظروا إهلاكَهم فإنَّا منتظرون ذلك.
стр. 3782
وقال الحسنُ: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ مواعيدَ الشَّيطان فيما يغرُّكم ويمنِّيكم ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لمواعيد اللَّهِ (١).
* * *
(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾: أي: إذا أعطينا المشركين خِصْبًا بعد جَدْب، ومَطرًا بعد قَحْط، وسَعةً بعدَ ضِيق، ندعوهم بذلك إلى الشُّكر.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾: ﴿إِذَا﴾: كلمةُ مفاجأة؛ أي: ظهرَ منهم مكرٌ في آياتِنا؛ أي: حملَهم الطُّغيان على إخفاء قصد السُّوء بآياتِنا، بأن تصوَّروا أعلام الدُّعاء إلى الشُّكر منهم بغير صورتها، وتغييرها (٢) عن وجهِها، ويقولون: هذا شيءٌ جاءَنا باستحقاقِنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: أي: هو استدراجٌ منه لهم مِن حيثُ لا يعلمون، وإملاءٌ لهم، وهو أسرعُ مِن فعلِهم، فلا حاجةَ للَّهِ في إمضائِه إلى تلبُّثٍ.
ويحتملُ أنْ يكونَ معناه: يستعينون بنعمةِ اللَّهِ على الاحتيال على المؤمنين، والإنفاقِ في ابتغاء الغوائل لهم، فيوقِفُ اللَّهُ تعالى نبيَّه على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
стр. 3783
وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾: لا يقولون: هذا رزقُ اللَّهِ، وإنما يقولون: سُقينا بِنَوْءِ كذا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: صنيعًا (١)، فقتلَهم اللَّهُ يومَ بدرٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾: أي: الحفظة مِن الملائكة.
﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: أي: ما تقولون في الصَّدِّ عن الإيمان والتَّكذيب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: أسرعُ لجزاءِ المكرِ، وأعجل أخذًا لكم من حيث لا تعلمون أنتم (٢).
* * *
(٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وفي قراءة ابن عامر: ﴿يَنْشُرُكُمْ﴾؛ أي: يهيِّئ لكم أسباب الانتشار (٣)، وقرأ الباقون: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ (٤)؛ أي: يهيِّئْ لكم أسبابَ السَّيرِ طلبًا للمعاشِ، ويهديْكُم إلى ذلك، ويُيَسِّرُ لكم ذلك بالدَّوابِّ وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: أي: السُّفُنِ، واشتقاقها مِن فَلْكَةِ الِمغْزَلِ،