← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

فأدخلَ المؤمنين الجنَّةَ بأعمالهم، والكافرين النَّارَ بكفرِهم، ولكنَّه سبقَ مِن اللَّهِ الأجَلُ، فجعلَ موعدَهم يومَ القيامةِ (١). وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً على الإسلام في زمنِ آدمَ صلوات اللَّه عليه (٢). والآيةُ تنتظِم بقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وهي تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ في تأخير العذاب عنهم. وقيل: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: بإهلاكِ المبطِلين وتخليصِ المحقِّين. * * * (٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: مِن الآيات المقترحة، كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي: مالكُ الأشياء الغائبةِ والعالِمُ بها هو اللَّهُ تعالى، وهو أعلمُ بما ينزِّلُ عليكم مِن الآيات وما لم ينزِّلْ، وإنَّما أنا نذير مبلِّغ، وقد بلَّغتكم ما نزَّله عليَّ مِن القرآن الَّذي جعلَه آيةً لي، فليس بعدَ هذا إلَّا العقوبة المنتظرَة. وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي: فانتظروا إهلاكَهم فإنَّا منتظرون ذلك.

стр. 3782

وقال الحسنُ: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ مواعيدَ الشَّيطان فيما يغرُّكم ويمنِّيكم ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لمواعيد اللَّهِ (١). * * * (٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾: أي: إذا أعطينا المشركين خِصْبًا بعد جَدْب، ومَطرًا بعد قَحْط، وسَعةً بعدَ ضِيق، ندعوهم بذلك إلى الشُّكر. وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾: ﴿إِذَا﴾: كلمةُ مفاجأة؛ أي: ظهرَ منهم مكرٌ في آياتِنا؛ أي: حملَهم الطُّغيان على إخفاء قصد السُّوء بآياتِنا، بأن تصوَّروا أعلام الدُّعاء إلى الشُّكر منهم بغير صورتها، وتغييرها (٢) عن وجهِها، ويقولون: هذا شيءٌ جاءَنا باستحقاقِنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: أي: هو استدراجٌ منه لهم مِن حيثُ لا يعلمون، وإملاءٌ لهم، وهو أسرعُ مِن فعلِهم، فلا حاجةَ للَّهِ في إمضائِه إلى تلبُّثٍ. ويحتملُ أنْ يكونَ معناه: يستعينون بنعمةِ اللَّهِ على الاحتيال على المؤمنين، والإنفاقِ في ابتغاء الغوائل لهم، فيوقِفُ اللَّهُ تعالى نبيَّه على ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].

стр. 3783

وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾: لا يقولون: هذا رزقُ اللَّهِ، وإنما يقولون: سُقينا بِنَوْءِ كذا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: صنيعًا (١)، فقتلَهم اللَّهُ يومَ بدرٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾: أي: الحفظة مِن الملائكة. ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: أي: ما تقولون في الصَّدِّ عن الإيمان والتَّكذيب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾؛ أي: أسرعُ لجزاءِ المكرِ، وأعجل أخذًا لكم من حيث لا تعلمون أنتم (٢). * * * (٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وفي قراءة ابن عامر: ﴿يَنْشُرُكُمْ﴾؛ أي: يهيِّئ لكم أسباب الانتشار (٣)، وقرأ الباقون: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ (٤)؛ أي: يهيِّئْ لكم أسبابَ السَّيرِ طلبًا للمعاشِ، ويهديْكُم إلى ذلك، ويُيَسِّرُ لكم ذلك بالدَّوابِّ وغيرها. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: أي: السُّفُنِ، واشتقاقها مِن فَلْكَةِ الِمغْزَلِ،

стр. 3784

وفَلَكِ السَّماء، ومعناها: الدَّورانُ في الماءِ، وهي تجيءُ للجَمْعِ والواحدِ، ويذكَّرُ ويؤنَّثُ، وهاهنا للجمعِ. وقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾: والنُّون للجمع، ثمَّ رجع للمغايبة بقوله: ﴿بِهِمْ﴾ بعدَ ذِكْرِ المخاطبة: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾، وهو طريق مسلوك لأهل اللِّسانِ، ومعدودٌ في الفصاحةِ والبيان، مع أنَّه خِطابٌ لِمَنْ كانَ في تلك الحالة، وإخبارٌ لغيره من النَّاس، وهو كقولِ لَبِيْدٍ: باتَتْ تَشَكَّى إليَّ النَّفسُ مُجْهِشَةً... وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِيْنَا (١) وقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: أي: جرَتِ السُّفنِ براكبيها بريحٍ ليِّنةٍ يُسْتَطابُ هبوبُها، ويستقيمُ مرورُ السُّفنِ بها. وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: سُرُّوا بهذه الرِّيح، وأمنِ السَّفينةِ لمحالِّها (٢). وقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾: أي: انتقلَتِ الرِّيح فصارَتْ عاصفًا شديدةَ الهبوبِ. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: تلاطَمَتِ الأمواجُ مِن كلِّ جانبٍ مِن جوانبِ السَّفينةِ. وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: أي: أشرفوا على الهَلَكَةِ، وغلَبَ ظنُّهم أنَّهم لا يتخلَّصون مِن الغرقِ. وقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: بالاعتقادِ والعلمِ أنَّه لا يخلِّصُهم

стр. 3785

منها غيرُه: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: فقالوا: ربَّنا لَئِنْ خلَّصْتَنا مِن هذه الرِّيح ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لَكَ، لا نُنْكِرُ نعمَتَكَ، ولا نعبدُ غيرَكَ، ولا نشرِكُ بِكَ شيئًا. * * * (٢٣) - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾: أي: منها ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: عادوا إلى خلافِ الشُّكر، واستطالوا في الأرضِ على النَّاس، بغير أن يكون ذلك مباحًا لهم فيكون حقًّا، وقهرُوهم وسلبُوهم وقتلُوهم ونسُوا عهودَهم. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: بغيكُم يجلبُ إلى أنفسِكُم المكارِهَ، فهو أوقعُ عليكم، ضارٌّ بكم. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: قرأ عاصم في رواية حفص بالنَّصب على الحال أو القطع، والباقون بالرَّفع على إضمار (هو) أو (ذاك) (١). أي: ومدَّةُ البغي وصاحبِه مدَّةٌ قليلة في الدُّنيا، كالشَّيء يُتَمَتَّعُ به ثمَّ ينقضي. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾: في الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فنخبرُكُم بذلك، ونجزيكُم عليها. وقال محمَّد بن كعب القرظيُّ: ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغيُ والنَّكثُ والمكر؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] (٢).

стр. 3786

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يريدُ أنَّهم يُصبِحونَ في النِّعم يجرُّون أذيالَهم، ثمُّ يمسُون يشكون بلبالهم (١)، وقد يبيتون والبهجةُ ملكَتْهم، ثمَّ يصبحون وخفايا التَّقدي أهلكَتْهم، وقد قيل في معناه (٢): أقمْنا زمانًا والعيونُ قريرةٌ... ومِنْ بعدُ عُدْنا والعيونُ سَوافِكُ (٣) فإذا رجعوا إلى اللَّهِ بإخلاصِ الدُّعاء جادَ عليهم بكشْفِ البَلاءِ، فلمَّا أنجاهم بإجابة دعائهم إذا هم في بغيهم يرجعون، وعلى مناهجِهم في تمرُّدهم يسلكون (٤). وقال: إنَّما بغيُكم على أنفسِكم؛ أي: تمتُّعكم في أيَّام قلائل، ثمَّ تلقون في ذلك وبيلًا، وتقاسُون بذلك عذابًا طويلًا. * * * (٢٤) - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: ثمَّ بيَّنَ متاعَ الحياة

стр. 3787

الدُّنيا المذكورةِ في الآية المتقدِّمة: أنَّ مثال هذه الحياة، أو صفةَ هذه الحياةِ القريبةِ المدَّةِ، كمطرٍ أنزلناه مِن السَّحاب ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾؛ أي: فنبَتَ نباتًا مختلفَ الأنواع، مختلطٌ (١) بعضُها ببعضٍ، وهو فيما لم يَنبُت بعدُ، فيَنبُتُ به. ويجوز أن يكون في النَّبْتِ الحادث: إذا نزلَ به المطرُ اختلطَ بالمطرِ؛ أي: اتَّصل كلُّ واحدٍ منهما بالآخر، فاهتزَّ ورَبَا. ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾: مِن اللُّبَاب ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾؛ أي: البهائمُ والمواشي وغيرها من القشور. وهو فيما يشتملُ على القشر واللُّبِّ، فقد ينبُتُ مَا يأكلُ كلَّه النَّاسُ كالحبوب، وما يأكلُ كلَّه الأنعامُ كالحشيش. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: أي: زِيْنَتَها، والزُّخرفُ: الذَّهبُ. وقال قتادة: بهجتَها. وقال الضَّحاكُ: حسنها. وقال أبو العالية: جمالها. وقوله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ أي: تزيَّنَتْ، أُدغمَت التَّاءُ في الزَّاي، وزِيدَت الألفُ ليكون الابتداء بالمتحرِّك؛ أي: اكتسبَتْ رونقًا وجمالًا باختلاف ألوان النَّبات مِن صُفرة وحمرة وخضرة وبياض ونحوِها. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: قيل: أي: على استصحابِ تلكَ الحال، وحصلوا على غير شيء منها؛ لأنَّ القادرَ عليهم وعليها أهلَكَها.

стр. 3788

وقيل: أي: قادرون على أخذِ ما فيها مِنَ النَّبات والحبِّ والثَّمر، وعلى التَّنزُّهِ بزهرتِها، والانتفاعِ بوجوهِ منافعِها. وقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: وهو ما يرسلُه عليها مِن عذابٍ يستأصل نباتَها، مِن بردٍ أو ريحٍ أو صاعقةٍ أو نحو ذلك. قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾: أي: باللَّيل ﴿أَوْ نَهَارًا﴾؛ أي: بالنَّهار ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾؛ أي: مقطوعًا ساقطًا ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: لم تكنْ على تلكَ الصِّفة فيما قبلُ. وقد غَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، من حدِّ عَلِم. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: فكما بيَّنا هذا المثل نبيِّن سائرَ الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: هم المنتفعون بها. وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قيل: ضرب مثل الحياة الدُّنيا بالزَّرع مِن وجوهٍ: أحدها: إنَّه يخبرُ عن سرعةِ زوالِها وانقطاعِها، كالنَّبات الَّذي يتسارع إلى الزَّوال والانقطاع بالآفة. والثَّاني: إنَّه يخبرُ عن تغيُّرها (١) وانقلابِ أمرِها، كالنَّبات الَّذي يتغيَّر في أدنى مدَّة. والثَّالث: إنَّه ذكر مسرَّة صاحب الدُّنيا وابتهاجَه بالحياة الدُّنيا كما يكون ذلكَ لصاحبِ الزَّرع به، ثم يكون ما ذكر. والرَّابع: أنَّ معناه: مَثَلُ الحياة الدُّنيا للحياة الدُّنيا فيما ينفقون (٢) فيها، مثَلُ

стр. 3789

صاحب الزَّرع الذي يُنْفِقُ عليه لِمَا يأمُلُ مِن المنافع، ثمَّ يكون ما ذكر، ولو علم ذلك في الابتداء ما فعل، فكذلك صاحبُ الدُّنيا فيما فعل (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شبَّه الحياةَ الدُّنيا بالماء الذي ينزل من السَّماء، ينبُتُ به النَّبات، وتخضرُّ به الأرض، وتظهر الثمار، ويوطِّن أربابُها عليها أنفسَهم، فتصيبهم جائحة سماويَّةٌ بغتةً، وتصيرُ كأنْ لم تكنْ، كذلك الإنسانُ بعد كمالِ سِنِّه، وتمام قوَّتِه، واستجماع الخصال المحمودة فيه تخترمُه المنيَّة، وكذلك أمورُه المنتظِمةُ تبطل وتختلُّ بوفاته، كما قيل: فقدناه لَمَّا تمَّ واعتمَّ بالعُلا... كذاك كسوفُ البدرِ عندَ تمامِهِ (٢) ومِن وجوهِ تشبيهِ الأموالِ الدُّنيويَّة بالماء المنزَل مِن السَّماء: أنَّ المطرَ لا يُستنزَل بالحيلة، كذلك الدُّنيا لا تساعد إلَّا بالقسمة (٣)، ثمَّ إنَّ المطرَ وإنْ كان لا يجيء إلَّا بالتَّقدير فقد يُستسقَى، كذلك الرِّزق وإن كان بالقسمة فقد يُلتَمَس مِن اللَّه تعالى ويُستعطَى. ومنها: أنَّ الماءَ في موضعِه سببُ حياةِ النَّاس، وفي غير موضعِه سببُ خرابِ

стр. 3790

الموضع، كذلك المال لمستحقِّه سببُ سلامتِه وانتفاعِ المتَّصلين به، وعند مَن لا يستحقُّه سببُ طغيانِه وسببُ بلاءِ مَن هو متَّصلٌ به، كما قيل: نِعمُ اللَّهِ لا تُعاب، ولكن ربَّما استُقبِحَتْ على يد أقوام. ومنها: أنَّ الماءَ إذا كان بمقدارٍ كانَ سببَ الصَّلاحِ، فإذا جاوزَ الحدَّ كان سببَ الخراب، كذلك المالُ إذا كان بقدر الكفاية والكفاف فصاحبُه منعَّم، فإذا زادَ وجاوزَ الحدَّ أوجبَ الكُفران والطُّغيان. ومنها: أنَّ الماءَ ما دام جاريًا كان طيِّبًا، فإذا طالَ مكثُه تغيَّر، كذلك المالُ إذا أنفقَه صاحبُه كان محمودًا، فإذا ادَّخره وأمسكَه كان معلولًا مذمومًا. ومنها: أنَّ الماءَ إذا كان طاهرًا كان حلالًا يصلُح للشُّرب ويصلح للطُّهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غير طاهرٍ فبالعكس، وكذلك المالُ إذا كان حلالًا، وبعكسه إذا كان حرامًا. ويُقال: كما أنَّ الرَّبيعَ تتورَّد أشجارُه، وتظهر أزهارُه، وتخضرُّ رِباعُه، وتتزيَّن بالنَّبات وِهادُه وتلاعُه (١)، ثم لا يُؤْمَنُ أنْ تصيبَه آفةٌ مِن غير ارتقاب، وينقلبُ الحالُ بما لم يكنْ في الحساب، كذلكَ مِن النَّاس مَن يكون له أحوالٌ صافية، وأعمالٌ بشرطِ الخلوص زاكية، وغصونُ أُنْسِهِ متدلِّية، ورياضُ قُرْبِهِ مُؤْنِقَة، ثمَّ تصيبُه عينٌ، فيذبلُ عودُ وِصالِه، وينسدُّ بابُ عوائدِ إقبالِه، كما قيل: عينٌ أصابَتْكَ إنَّ العينَ صائبةٌ... والعينُ تسرعُ أحيانًا إلى الحسَنِ (٢)

стр. 3791

(٢٥) - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾؛ أي: لا يدعوكم إلى الرُّكون إلى الدُّنيا الَّتي هي تعرض الآفات، بل إلى الجنَّة الَّتي فيها السَّلامة عن كلِّ العاهات. قال الزَّجَّاجُ: ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار السَّلامة عن كلِّ آفةٍ (١). والسَّلام والسَّلامة، كاللَّذاذ واللَّذاذة، والرَّضاع والرَّضاعة (٢). وقال الحسنُ وقتادةُ: السَّلام: اللَّهُ، ودارُه: الجنَّةُ (٣). ومعنى الآية على القول الأوَّل: واللَّهُ يدعوكم إلى عمل الآخرة الَّتي سَلِمَ صاحبُها مِن الحزن والخوف، ونعيمُها مِن التَّغيُّر والفناء. وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: مَن حَسُنَتْ إجابته أجابَه اللَّهُ إليها؛ أي: هداهُ إلى الطَّريق الَّذي يفضي به إليها. فالدُّعاءُ عامٌّ، والهدايةُ خاصَّة؛ إذ الكلُّ مدعوُّون، والسُّعداءُ منهم مهديُّون. وقيل: ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار التَّحيَّة؛ قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]: وهى مِن بعضهم لبعض؛ وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ

стр. 3792

عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]: وهو سلام الملائكة، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]: وهو سلام اللَّه تعالى. وقال الإمام القشيري ﵀: الدُّعاءُ تكليفٌ، والهدايةُ تعريفٌ، فالتَّكليف على العموم، والتَّعريف على الخصوص، التَّكليف بحقِّ سلطانه، والتَّعريف بحكم إحسانِه، الدُّعاء قولُه، والهداية طَولُه. و ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: دار السَّلامة؛ سلم أهلُها مِن الحُرْقةِ والفُرْقةِ؛ سلموا مِن الحُرْقةِ فحصلوا على لذَّة عطائِه، وسلموا مِن الفُرْقةِ فوصلوا إلى عزيز لقائهِ. وقيل: لا يصلُ إلى دار السَّلام إلَّا مَن سلمَتْ نفسُه مِن سجود الصَّنم، وقلبُه من الشِّرك والظُّلم. ودرجاتُ تلكَ الدَّار متفاوتةٌ، فالَّذي سلمَ قلبُه عن صحبة الأغيار أعلى درجةً ممَّنْ سلمَتْ نفسُه عن الذُّنوب والأوضار. والصِّراطُ المستقيمُ: طريقُ المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثمَّ طريقُ المؤمنين وهو طريق الخواصِّ بشرط عين اليقين، ثمَّ طريقُ المحسنين وهو طريقُ أشراف الخواصِّ بشرط حقِّ اليقين، فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بوصف العِيَان، وهم الَّذين قال لهم النَّبيُّ ﷺ : "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنَّكَ تراهُ" (١)، و: "المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدِهِ" (٢). والمحسنُ: مَن سَلِمَ الخَلْقُ بأجمعِهم عَن قلبِه.

стр. 3793

(٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: أي: للَّذين أحسنوا الأعمال الحسنى (١). قال ابن عبَّاس ﵄: الحُسنى: الحسنة (٢)، والزِّيادة: عشرةُ أمثالِها. وعن علقمة قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: هي التَّضعيف (٣). وقال الحسن: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف (٤). وقال مجاهد: الحُسنى: الجنَّة، والزِّيادةُ: المغفرةُ والرِّضوانُ (٥). وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الزِّيادةُ: غرفةٌ مِن لؤلؤةٍ واحدةٍ، لها أربعةُ أبوابٍ، الغرفةُ والأبوابُ مِن لؤلؤةٍ واحدةٍ (٦). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الحُسنى: الجنَّة لأنَّها جزاءُ الإحسان، كما سمَّى النَّارَ السُّوأَى؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] لأنَّها جزاءُ الإساءة.

стр. 3794

قال: وقيل: الزِّيادة: المحبَّة في قلوب العباد، يحبُّه المحسنون ويهابه كلُّ أحدٍ من غير سلطان. قال: وقيل: التَّضعيف حتَّى يكون عشرًا وسبعَ مئة وما شاء اللَّه؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في مقابلتِه: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾. قال: وقال قائلون: الزِّيادة هي قَبول حسناتِه مع ما فيها مِن الخَلْطِ بالسَّيئات. قال: وقال قائلون: الحُسنى: ما تقدِّرُها العقول وتدركُها وتصوِّرها الأوهامُ، والزِّيادةُ هي الَّتي لا تقدِّرها العقولُ ولا تدركُها ولا تصوِّرها الأوهامُ، كما قال ﵊: "وفيها ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشر" (١). وقال أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁: سألْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن هذه الآية، فقالَ: "الحُسْنَى الجنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجهِ اللَّهِ تعالى" (٢). وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ في قولِه ﷻ : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قالَ: "يتجلَّى لهم ربُّهم" (٣). وعن صهيبٍ ﵁: أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى

стр. 3795

وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ "إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ نادى منادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ، إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا، يريدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوْهُ. فيقولون: ما هو؟ ألم يبيِّضْ وجوهَنا، ويثقِّلْ موازينَنا، ويدْخِلْنا الجنَّةَ، ويجرْنا من النَّار؟ قالَ: فيَكْشِفُ الحِجابَ، فيتجلَّى لهم، فينظرون إليه، والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، ما أعطاهم شيئًا هو أحبُّ إليهم ولا أقرُّ لأعينِهم مِنَ النَّظرِ إليه" (١). والآيةُ تنتظمُ هذه الأقاويلَ كلَّها، وأولى التَّفاسيرِ تفسيرُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد قال به جماعة من الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم والتَّابعين: أبو بكر الصِّدِّيق، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وكعب بن عجرة، وصهيب بن سنان، وعبادة بن الصامت، وابن عبَّاس، وعامر بن سعد، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الرَّحمن بن سليط، وعكرمة، والحسن، والضَّحَّاك، والسُّدي، ومقاتل، وعطاء (٢)، وعامَّة المفسِّرين: الزِّيادةُ: النَّظر إلى وَجْهِ اللَّهِ تعالى. وروى قيسُ بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه قال: كنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فنظرَ إلى القمرِ ليلةَ البَدْرِ، فقال: "إنَّكُمْ سَتروْنَ ربَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ" (٣). وهذا تشبيهُ الرُّؤيةِ بالرُّؤيةِ، لا تشبيهُ المرئيِّ بالمرئيِّ، وهو القول الحقُّ، وعليه أهل السُّنَّة والجماعة (٤).

стр. 3796

وروى منصور بن عمَّار، عن يزيد بن شجرة قال: إنَّ مِنَ الزِّيادةِ أنْ تَمُرَّ السَّحابةُ بأهلِ الجنَّةِ، فتقولَ: ما تريدون أنْ أُمطرَكُمْ؟ فلا يريدون شيئًا إلَّا مطرتْهم (١)، فتمطرُهُمْ منعَّمات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: أي: لا يغشاهم غبارٌ. وقيل: القترةُ: غَبَرةٌ معَها سوادٌ؛ أي: على وجوهِهم سِيْما الفرح والسُّرور، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩]. وهو خلافُ حالِ وجوه أهل النَّار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، وقال هاهنا: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: أي: هَوَان. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هذا ظاهرٌ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ في الواجبات، ولم يبخلوا بالمندوباتِ.

стр. 3797

وقيل: ﴿أَحْسَنُوا﴾: لم يبقَ عليهم حقٌّ إلَّا قاموا به، إن كانَ حقَّ الحقِّ فمِن غير تقصيرٍ، وإنْ كان حقَّ الخَلْقِ فمِن غير تأخيرٍ. وقيل: أحسنوا في المآل كما أحسنوا في الحال، فاستداموا بما فيه واستقاموا. وقيل: الحسنى في الدُّنيا: توفيقٌ بدوام وتحقيقٌ في تمام، وفي الآخرة: غفرانٌ معجَّلٌ، وعِيَانٌ على التأبيد محصَّل. وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ قال أهلُ المعرفةِ: الحسنى، الرُّؤية، والزِّيادةٌ دوامُها. وقيل: الحسنى: اللِّقاء، والزِّيادة: البقاء في حال اللِّقاء. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾؛ أي: لا يُردُّون مِن غير شهودٍ إلى رؤيةِ غيره. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: في فنونِ أفضالهم، في جميع أحوالهم (١). * * * (٢٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: قال الكلبيُّ: عملوا الشِّركَ والمعاصي (٢). ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾: أي: لهم جزاءُ سيَّئةٍ ﴿بِمِثْلِهَا﴾؛ أي: قصاص ذلك بمثلِها، وهي النَّارُ، هي مثلُها؛ أي: هي موافِقة لعمَلِهم، اعتقدوا الشِّركَ على الأبدِ، فعُوقِبوا فيها على الأبد. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: يغشاهم هوانٌ، وآثار خيبةٍ وحرمان، وهو كقوله تعالى:

стр. 3798

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]. وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: أي: مانع مِن عذابِ اللَّهِ تعالى مِن جهة أصنامِهم وأعوانِهم. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾: قرأ ابن كثير والكسَّائيُّ بسكون الطَّاء. وقال الأخفش: معناه؛ أي: بعضًا من اللَّيل، وقرأ الباقون بفتح الطَّاء، وهي جمع قِطْعة (١). وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: نصبه على الحالِ مِن قولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ حالَ إظلامِه، وهو كقوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال القشيريُّ ﵀: وُسِمُوا بذلِّ الحِجاب، وعُوْقِبوا بتأبيد العذاب (٢). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: وهذا ظاهر. * * * (٢٨) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: نجمع الَّذين كسبوا السَّيئات وما عبدوهم من دونِ اللَّه تعالى في الموقف ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: للمشركين: ﴿مَكَانَكُمْ﴾: نصب على الملازَمةِ (٣)، معناه: الزَموا مكانَكم واثبتوا مكانَكم (٤).

стр. 3799

وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيدٌ لأسماء المخاطَبين بالأمر بلزومِهم مكانَهم و ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليهم. وأضاف الشُّركاء إليهم لأنَّهم القائلون بذلك. وقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فرَّقنا بينَهم، وقد زِلْتُهُ أزِيْلُهُ؛ أي: فرَّقْتُه، وزَيَّلْتُه للتَّكثير والتَّكرير، وليس مِن الزَّوال، وذاك واويٌّ وهذا يائيٌّ. وقال تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، وجاء في الحديث: "خَالِطُوا النَّاسَ وزايِلُوْهُم" (١)؛ أي: خالطوهم بالأبدان، وفارقوهم في الأعمال. يقول: إنَّا نقولُ للمشركين: الزموا مكانَكم وآلهتكم للحسابِ، لا تفرَّقوا. وقيل: أي: اثبتوا مكابمم مع شركائِكم ليعينوكم، ويشفعوا لكم، ويعصموكم من عذاب اللَّه، وهي كلمةُ توبيخٍ.

стр. 3800

وقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾؛ أي: ميَّزْنا بينَ العابدين والمعبودين؛ لأنَّ المعبودين إنْ كانوا ملائكةً فهم مميَّزون عن أهل النَّار إلى المواضع التي هي مقاماتهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: قيل: هم الملائكة: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]؛ أي: قالت الملائكةُ: إنَّ الجنَّ -وهم الشَّياطين- دعَتْهم إلى عبادَتِنا، ونحن منهم بُرَءاءُ، فإنَّما عبدوا الشَّياطين؛ لأنَّهم أطاعوهم فيما أمروهم، وهو كقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. وقال الكلبيُّ ومقاتلٌ ومجاهدٌ: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: الأصنامُ، يُنْطِقْهُمُ اللَّهُ تعالى، فيقولون: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: ما علمْنَا بعبادتكم إيَّانا، ولا أَمَرْنا بها، ولا عبادةَ إلَّا بأمْرِ المعبودِ (١). وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: فرَّقنا بينَ المشركين وبين أصنامِهم وما كان بينَهم من التَّواصل. وقيل: أي: جعلنا الأصنام ترابًا، وجعلنا المشركين في النَّار. وقيل: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: أعوانهم وقرناؤهم في الشِّرك، وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ هو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآية [البقرة: ١٦٦]، قاله مجاهد (٢).

стр. 3801

وقيل: فرَّقنا بينهم فلم يتناصروا، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]. وقيل: هو تفريقهم في الدَّرَكَات في النَّار؛ لأنَّ بعضَهم أسفل من بعضٍ. * * * (٢٩) - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾؛ أي: ما كنَّا عنها إلَّا غافلين. ﴿شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أعمُّ وأحسنُ مِن قولِه: شهيدًا لنا ولكم، أو: علينا وعليكم؛ لأنَّه ينتظمُهما. قال الكلبيُّ: لَمَّا قالتِ الأصنام: لم نعلمْ بعبادتكم إيَّانا، قالوا: بل عبدناكم، فيقولون هذا. وعلى قول مَن قال: هم الملائكة، فهم يقولون هذا؛ أي: اللَّهُ يشهدُ ويعلمُ أنَّا لم نعلم بها، ولم نرضَ، ولم نأمرْ. * * * (٣٠) - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿تتلو﴾ بتاءَيْن، مِن التِّلاوة؛ أي: يقرأُ في كتابِه، وهو قول الفرَّاء (١).

стр. 3802

وقيل: تَتْبَعُ. وقال ابن زيدٍ: تُعاين (١). وقيل: هو معنى ما رُوي: (يُمَثَّلُ لكلِّ عابدٍ معبودُه، فيُقال له: اتْبَعْهُ، فيتَّبِعُهُ، فيوردُهُ النَّارَ) (٢). وقرأ الباقون: ﴿تَبْلُو﴾ بالباء المعجمة مِن تحتِها بواحدة (٣). وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: تَخْتبِرُ (٤) ح معناه: في هذا الموقف تَختبِرُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَتْ من عملٍ، حتَّى ترى تَنتفِعُ به أو لا تَنتفِعُ. والمعنى: ظهور الأعمال؛ أي: هنالك تظهرُ للعاملين أعمالُهم الَّتي قدَّموها، وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] أنه يرجع إلى ظهور أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: أي: ورُدَّ العابدون والمعبودون

стр. 3803

إلى حكم اللَّهِ الذَّي هو مولاهم في الحقيقة، لا مولَى لهم غيرُه، فيحكم بينهم، ويتبيَّن الصَّادق مِن الكاذب. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يضلُّ ما كانوا يقولون: نعبدُهم ليشفعوا لنا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طعْمَ هوانِهم، فإذا رُدُّوا إلى اللَّهِ لم يجدوا إلَّا البعد مِن اللَّه، والطَّرد عن اللَّه، وذلك جزاءُ مَن آثرَ غيرَ اللَّهِ على اللَّهِ (١). * * * (٣١) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: وهذه محاجَّة لهم بما يُبطِلُ اعتقادَهم وقولَهم بالشِّرك، يقول: قلْ يا محَّمد للمشركين: مَنْ يُنزِلُ مِن السَّماء ومَن يخرِجُ مِن الأرضِ رزقَكم، ومَنْ يدبِّرُ أمرَ ذلكَ؟ أمَّنْ يملِكُ أسماعَكُم وأبصارَكُم يصرِّفُها كيفَ يشاءُ، ولو أرادَ أنْ يسلبَها حسَّها لفعَل؟ ومَنْ يخرِجُ الولدَ الحيَّ مِن النُّطفةِ الميتةِ -وعلى القلب- ويخرِجُ الشَّجرةَ مِن النَّبات -وعلى القلب- والزَّرعَ مِن الحبَّة -وعلى القلب- والمؤمنَ من الكافر -وعلى القلب- ومَن يقدِّرُ أمورَ الخلائق؟

стр. 3804

﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾؛ لأنَّ ذلك اعتقادهم ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ مِن تعجيزكم إيَّاه عن إعادة الموتى أحياءً في الآخرة كما كانوا في الدُّنيا. وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقوبَته ونقمَته بالإشراك؟ ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عبادةَ غيرِه دونَه، وإشراك غيره في الألوهِيَّةِ به؟ ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ صرْفَ شكرِه إلى غيرِه، وقد أقررْتُم أنَّه هو المنعِم عليكم بهذه النِّعم؟ ويحتمل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عصيانَه ومخالفتَه وقد عرفتُموه (١)؟ وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ولكن ظنًّا لا عن بصيرةٍ، ونُطقًا لا عن تصديقِ سريرة (٢). * * * (٣٢) - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾: أي: فاعلُ ذلك كلِّه هو اللَّهُ الحقُّ، يحقُّ له الرُّبوبيَّةُ والألوهيَّة. وقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾: أي: فليسَ بعدَ عبادتِه إذا عبدْتُم غيَره إلَّا الضَّلالُ عن الحقِّ. وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أي: مِن أين تُصرَفون عن هذا الأمر بعدَ المعرفة.

стр. 3805

وقال عطاء: فكيفَ تَصْرفون عقولَكم إلى عبادةِ مَن لا يَسمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يخلقُ ولا يرزقُ (١). * * * (٣٣) - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هاهنا وفي آخر هذه السُّورة على الجمع، والباقون على التَّوحيد (٢)؛ أي: حَقَّ كلامُ ربِّك؛ أي: خبره. ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: وهم قومٌ بأعيانِهم، خرجوا عن طاعة اللَّه تعالى، وعلمَ اللَّهُ منهم اختيارَ البقاءِ على الضَّلالة. ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: وهو كقولِه : ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧]. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

стр. 3806

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: قل يا محمَّد لأهل مكَّة: هل مِن أصنامِكم مَن يبدأُ الخلْقَ في بطنِ أمِّه نطفةً وعلقةً ومضغةً، ثمَّ يعيدُه ببعثِه بعدَ الموتِ؟ فإنْ أجابوك فقالوا: اللَّه، وإلَّا فقلْ لهم: اللَّهُ يبدأُ الخلقَ ثمَّ يعيدُه بعدَ الموت، فمِن أينَ تُصرَفون عن الحقِّ؟ استفهام بمعنى التَّوبيخ (١). والخَلْق: اسمُ جنسٍ يصلح للجَمْع، وهو في الأصل مصدر أيضًا، فلا يُثنَّى ولا يُجمَع. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: قال مقاتلٌ: قُلْ: هل مِن شركائِكم الَّلاتِ والعُزَّى ومناةَ والأصنامِ الَّتي تعبدونها أحدٌ يَهدِي إلى دين الإسلام؛ أي: فلا بُدَّ لهم مِن أن يقولوا: لا، إنَّها لا تعقلُ ولا تميِّز، ولا تضرُّ ولا تنفعُ، فقلْ لهم أنت -وذلك قوله تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ أي: إلى الحقِّ (٢). والهداية تتعدَّى على ثلاثة أوجه، يُقال: هديتُه كذا، ولكذا، وإلى كذا. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: قرأ ابنُ كثير وابن عامر وورش عن نافع: ﴿يَهَدِّي﴾ بفتح الهاء وتشديد الدَّال، وأصلُه: يهتدي، فأُدغمتِ التَّاء في الدَّال، ونُقلَتْ فتحتُها إلى الهاء لئلَّا يجتمع ساكنان. وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية غير ورش: ﴿يَهدِّي﴾ باختلاس فتحة الهاء وتشديد الدَّال (٣).

стр. 3807

وقرأ عاصم (١): ﴿يَهِدِّي﴾ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدَّال إتباعًا لكسرة الدَّال بعد الهاء. وعن عاصم في رواية أبي بكر بكسر الياء لانكسار الهاء؛ لتتَّفق الحركات. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿يَهْدِي﴾ بإسكان الهاء وتخفيف الدَّال على الأصل الثلاثي (٢). وأمَّا معناه: فقد قال عطاء: إنَّ محمَّدًا دعا قومَه إلى الحقِّ والرَّشاد، وهو أحقُّ أنْ يُتبعَ ممَّن لا يدعو إلى الحقِّ ولا يهتدي إلَّا أنْ يُهْدَى (٣). وقال الحسنُ: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وذلك هو اللَّه تعالى ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾؛ أي: يُعمَلُ بأمرِه ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ إلى خير؛ أي: هو جمادٌ لا يعرفُ هدًى مِن ضلالٍ، ولا خيرًا مِن شرٍّ، ولا نفعًا مِن ضُرٍّ (٤). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ قيل: هو استثناءٌ منقطع، ومعناه: لكنَّه يُهْدَى؛ أي: يُحْمَلُ ويُنْقَلُ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، والهديةُ: ما تُنْقَلُ وتُحْمَلُ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، والهَدْيُ: ما يُنْقَلُ إلى الحرم، وهَدَى العروسَ: نقلَها إلى بيتِ زوجِها. أي: هو لا يستطيعُ أنْ ينتقلَ بنفسِه، فكيفَ يهدِي غيره؟ وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: إلَّا أنْ يُنطقَه اللَّهُ في القيامةِ، ويهديَه إلى القولِ بالحقِّ، كما تقدَّم ذكرُه في قوله: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]، ﴿إِنْ

стр. 3808

كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩]، فإذا فعل اللَّه تعالى بهم ذلك صاروا كذلك، ويكون معناه: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾؛ أي: يجعلَهم اللَّهُ بحيث يهتدون إذا هُدُوا، ويجيبون إذا دُعوا (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: كذلك. وقيل: معناه: كيف تقضون بالجَوْر، وصَرْف العبادة والشُّكر إلى مَن لا يملكُ شيئًا. * * * (٣٦) - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: أخبرَ بالسَّبب الَّذي صاروا به إلى الضَّلال، فقالَ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾؛ أي: بغير دليل، نحو اقتدائِهم بأسلافِهم ظنًّا منهم أنَّهم مصيبون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: لا ينفعُ في معرفةِ الحقِّ نفعًا مّا؛ أي: لا يدلُّ عليه، ولا يوجبه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: مِن الشِّرك، واتِّباع الظَّنِّ، وترك الحقِّ، فهو يجازيهم على ذلك، وهو وعيدٌ لهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: هم كبراؤهم، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].

стр. 3809

وقال بعضُهم: هم أتباعُهم، فإنَّ الكُبراء عرفوا البراهين وعاندوا، والعوامَّ قلَّدوا ظنًّا منهم أنَّ الكبراء على الحقِّ (١). * * * (٣٧) - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يخرج على وجهَيْن: أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمِل الافتراء من دون اللَّه؛ لخروجِه عن طَوْقِ البشر ووُسْعِهم، كذلك الذي يُحِيْلُ لكونه مفترًى في نفسِه (٢). والثَّاني: لِمَا أُودِعَ فيه من الحكمة والصِّدق، يدلُّ على كونِه مِن عند اللَّهِ؛ إذ كلامُ غيرِه يحتملُ السَّفه والكذب والاختلاف (٣). وهذه الآية تتَّصل بقولِه: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ -الآية- ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: نصبه بـ (كان)؛ أي: يصدِّقُ هذا القرآنُ الكُتبَ المتقدِّمة، ولو كان محمَّد هو الَّذي افتراه مِن عند نفسِه لم يخرج موافِقًا لها؛ لأنَّ محمَّدا لم يعرف سائر الكتب، ولَمَّا خرج موافقًا لها دلَّ أنَّه مِن عند اللَّهِ جاء؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ الآية [العنكبوت: ٤٨].

стр. 3810

وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: أي: ما كُتِبَ لهم وعليهم. وقال الحسنُ: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: الوعدَ لِمَنْ أطاعَه بالنَّعيم المقيم، والوعيدَ لِمَنْ عصاه بالعذاب الأليم (١). وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: لا شكَّ فيه أنَّه كلامُ ربِّ الخلائق أجمعين. * * * (٣٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: أم ينسبونه (٢)، على استفهام فعلِه (٣)، فيتَّصل بقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]، أو يُضمَر هاهنا استفهام، وهو: أفيعترفون بهذا أم يقولون افتراه. وقيل: بل معناه كما في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿قُل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وهذا أمرُ إعجاز؛ أي: أنتم أصحابُ لسانٍ وبيانٍ، وإنَّما أنا رجل منكم، فتكلَّفوا أنتم أن تأتوا بسورةٍ مثلِ هذا القرآن في نظمِه وصحَّة معانيه وزوال الاختلاف عنه، فاستعينوا بمَن استطعتم مِن خلق اللَّه تعالى إنْ كنتم صادقين أنَّه مفترًى، وأنَّ محمَّدًا يقدر على الإتيان بقرآن غيره وتبديله.

стр. 3811

وقال القشيريُّ ﵀: انسدَّتْ بصائرُهم، فلم يزدادوا بكثرة السَّماع إلَّا عمًى على عمًى، كما أنَّ أهلَ الحقيقة ما ازدادوا إلَّا هدًى على هدًى، فسبحانَ مَن جعلَ سماعَ خطابِه لقومٍ سببَ تحيُّرهم، ولآخرين مُوجِبَ تبصُّرهم (١). * * * (٣٩) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: ليسَ تكذيبُهم القرآنَ لكونه مفترًى عندهم بيقينٍ، مِن غير إحاطةِ علمِهم به أنَّه كذلك، ولم تأتهم حقيقةُ ما تؤُول إليه عاقبةُ مَن كذَّب به مِن نزول النِّقمة بهم. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: ما يكون منه في الدَّنيا وما يكون منه في القيامة مِن العذاب (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: بل كذَّبوا بالبديهة ما لم يحفظوا نظمَه ولا لفظَه، ولا نظروا فيه، ولا تدبَّروا ليعلموا معناه وتأويله وتفسيره (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مِن الأمم رسلَهم تسرُّعًا لا تثبُّتًا. وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الَّذين ظلموا نفوسَهم وعقولَهم كيف نزل بهم العذابُ، فليتَّقِ هؤلاء أن تكون عاقبتُهم كذلك. وهو تسلية للنَّبيِّ ﵊، وتخويفٌ للمكذِّبين.

стр. 3812

(٤٠) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قال الكلبيُّ ومقاتل: ومن أهل مكَّة مَن سيؤمنُ بالقرآن ويصدِّق به (١). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أي: لا يصدِّق أنَّه مِن عند اللَّه. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بالمعاصي، وقيل: مَن يدوم منهم على فسادِ الكفر ممَّن يتوبُ منهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: على علمٍ بما يكون منهم، خلقَهم لا عن غفلةٍ وجهلٍ، لا يضرُّه فسادُ مفسِدٍ، ولا ينفعُه صلاحُ مصلحٍ. ويحتمل أنَّه على الوعيد والتَّهديد (٢). * * * (٤١) - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: فإنْ كذَّبوك قبلَ أن يكون إيمانُ مَن علمَ اللَّهُ أنَّه يؤمِنُ فقل لهم: لي عملي في التَّبليغ والتَّنبيه، ولكم عملكم الَّذي تُؤْثِرونَه لأنفسكم، وأنتم بريئون ممَّا أعمل وأنا بريء ممَّا تعملون، كلٌّ يُحاسَبُ على عملِه دونَ عملِ غيِره. وقال الكلبيُّ ومقاتل: نسخَتْها آيةُ القتال (٣).

стр. 3813

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بَرِحَ (١) الخفاءُ، وكُشِفَ الغِطاءُ، فلا المحسنُ بجُرمِ المسيءِ مُعاقَب، ولا المسيءُ بحُكمِ المحسِنِ مخاطَب، بل كلٌّ بما يعملُه مُحاسَب (٢). * * * (٤٢) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: للرَّدِّ، لا للفهم، و (مِن): اسمُ جنسٍ، فصلح للجمع بمعناه. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: استفهام بمعنى الجحد؛ أي: لسْتَ بقادرٍ على إفهامِ مَن يتصامَم عن سماعِ الحقِّ، فلا يعقلُه ولا يفهمُه. * * * (٤٣) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾: وحَّدَ الفعل لأَنَّه واحد في اللَّفظ، وإن كان جمعًا في المعنى للجنس. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: أي: كما ليس لك أنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ، فتجعلَ لهم أسماعًا يعقلون بها عنك ما تقول، فليسَ لك أن تهدِي العُمْيَ إلى طريقٍ يسلكونَه وهم لا يبصرون، وهو كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦].

стр. 3814

وقال الإمام أبو منصور ﵀: نفى في الأوَّل العقلَ، وفي الثَّاني البصر؛ لأنَّه بالبصر يُتوصَّلُ إلى اهتداء الطُّرُقِ والسُّلوك فيها، ألا ترى أنَّ البهائمَ قدْ تُبْصرُ الطُّرُقَ وتَسلكُ فيها، وتتقي بها المهالِكَ، ولا تَعقِل لِمَا ليس لها سماع العقل مع سماعها الصَّوت، فبظاهرِ البصرِ تبصِرُ الأشياء، وبظاهرِ السَّمع بدون العقل لا تعرفُ الأشياء (١). * * * (٤٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أخبرَ أنَّ ما حلَّ بأولئك مِن عذاب الاستئصال فإنَّما حلَّ بهم بظلمِهم أنفسَهم، واللَّهُ تعالى مُنزَّه عن أنْ يظلمَ أحدًا مِن خلقِه. وقيل: إنَّ اللَّهَ تعالى لا ينقصُ مِن ثواب العباد شيئًا، ولكنهم ينقصون ذلك بفعلِهم. * * * (٤٥) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي: اذكر يومَ نحشرُهم إلى الموقف ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾: وهي مقدارٌ مِن الزَّمان يُقسَم به اليومُ واللَّيلة على أربعةٍ وعشرين منها، ذكَّرَهم القيامة وما فيها من الجزاء ليخافوا ويتهيَّؤوا لها.

стр. 3815

قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في قبورِهم ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ (١). وقال الضَّحَّاكُ: قصرَتِ الدُّنيا في قلوبِهم مِن هولِ ما استقبلوا، فكأنَّهم لم يلبثوا في الدُّنيا إلَّا ساعة (٢). وقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يعرفُ بعضُهم بعضًا ساعةً، ثمَّ تنقطع المعرفة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: قيل: هو حالهم حين خسروا. وقيل: هو ابتداءٌ ومعناه: قد هلكَ وغُبِنَ المكذِّبون بالقيامة اغترارًا بالحياة الدُّنيا، وهذه حالها. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: حيث اعتقدوا التَّكذيب بالقيامة. ويحتمل أن يكون قولُه: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ عطفًا على قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾، ويحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾. قال الإمام القشيريُّ ﵀: الأيَّام بعد مضيِّها في حكمِ اللَّحظةِ لمن أمكن فيها، ومتى يكون لها أثرٌ بعد تقضِّيها؟ والآتي من الوقتٌ قريبٌ كأنْ قَد، والماضي مِن الدَّهر بعيدٌ كأن (٣) لم يُعهَد (٤).

стр. 3816

(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصلُه: وإنْ ما؛ (إن): للشَّرط، و (ما): صلة، والنُّون للتَّوكيد، ومعناه: وإنْ أريناك. وقال مقاتل: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب؛ يعني: القتلَ ببدر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل عذابهم (١). فكان البعضُ هو القتلُ ببدرٍ، وسائرُ العذابِ نزلَ بهم بعد الموت. ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بعدَ الموتِ، فنجزيهم بأعمالهم. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار؛ أي: ثم ليُخبركم أنَّ اللَّهَ شهيدٌ ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ مِن الكفر والمعاصي، فيجزيهم عليها. * * * (٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: قال مقاتل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ فيما خلا ﴿رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعدل، كما يُقضى بينَكَ وبينَ أمَّتك ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في أعمالهم، فلا يُنقصون من محاسنهم، ولا يزادون على مساوئهم (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: فإذا جاء رسولهم فكذَّبوه قضي بينهم وبين

стр. 3817

رسولهم يوم القيامة، فيقول اللَّه تعالى: ألم يأتكم رسلٌ بكتبي؟ فيقولون: ما أتانا منك رسولٌ ولا كتابٌ، ثم يُؤتَى بالرَّسول فيقول: قد أبلغتُهم كتابَك ورسالاتِك، فيقول اللَّه تعالى: مَن يشهدُ لك؟ فيقول: الملائكة، فتُدعَى الملائكة، فيقولون: نشهدُ أنَّه قد بلَّغ (١). وقال عطيَّة العوفي: فإذا جاء رسولهم وبلَّغهم الرِّسالةَ، فكذَّبوه، قضي بينهم وبين رسولهم في الدُّنيا بالعدل، فعُذِّبَ المكذِّبون، ونجا الرُّسل والمؤمنون، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذَّبُ أحدٌ بغير ذنبٍ، ولا على غير حجَّةٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لم يخلُ زمانٌ مِن شرعٍ، ولم يخلُ شرعٌ مِن حكمٍ، ولم يخلُ حكمٌ عمَّا يتعقَّبه مِن ثواب أو عقاب (٣). * * * (٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: قال مقاتلٌ: لَمَّا قالَ: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني: من العذاب، قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بنا، فنزل هذا (٤). * * *

стр. 3818

(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أنْ يملِّكَنيه، وهكذا لا أملكُ إنزالَ العذابِ بكم الآن. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: قال مقاتل: قلْ يا محمَّد لكفَّار مكَّة: لا أملكُ لنفسي دفعَ سُوء عنها، ولا سَوق خيرٍ إليها، إلَّا ما شاء اللَّه فيصيبني، فكيف أملكُ إنزالَ العذابِ بكم، ولكلِّ أمَّة وقتٌ معلوم للعذاب، مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، فإذا جاءَ وقتُ عذابِهم لا يتقدَّمون ساعةً حتَّى يُعذَّبوا ولا يتأخَّرون، فكذلك هذه الأمَّة (١). والعذابُ: القتلُ ببدر. * * * (٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: قيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ وإضمارٌ، وتقديرُه: ما ترَوْن وما تقولون ماذا يستعجِل منه المشركون إنْ أتاكم عذابهُ الذي تستعجلونَه أخذًا بالنَّهار وباللَّيل، كيف تصنعون؟ وقال القشيريُّ ﵀: مَنْ عرَفَ كمالَ القُدْرةِ لم يأمَنْ مِنْ أخذِ الفَجأة، ومَن خافَ البياتَ لم يستلذَّ السُّبات، ومَنْ توسَّد الغفلة أيقظَتْه فجأة العقوبة، ومَنْ استوطأ مركبَ الزَّلَّة عثرَ به في وَهْدة المحنة (٢).

стр. 3819

وقالَتْ بنتُ الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ لأبيها: ما لَكَ لا تنام؟ فقالَ: إنَّ أباكِ يخافُ البيات (١). * * * (٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: بعدَما استعجلْتُم العذابَ إذا وقعَ آمنتم باللَّه، وهو غيرُ نافعٍ لكم؛ لأنَّه إيمانُ يأسٍ. وقيل: ﴿آمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدَّقْتُم بالعذابِ، وكنتم تستعجلون به استهزاءً وتكذيبًا، وحين رأيتم صدَّقتم به. وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: ويقال لهم ذلك، والألف المقطوعةُ في أوَّله استفهام بمعنى التَّوبيخ. و ﴿آلْآنَ﴾ أصلُه مِن قولِكَ: آنَ لَكَ أنْ تفعلَ كذا، أُدخلَتْ عليه الألف والَّلام للتَّعريف وجُعل كالاسم، وتُرك على الفتحة لأنَّه فعلٌ في الأصل، وهو كما رُوي: نهى النَّبيُّ ﷺ عن قِيْلٍ وقالٍ (٢). جُعلا كالاسمَيْنِ، وتُرِكا على ما كانا فِعْلَيْن. يعني: يُقال لهم: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع به. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ في مَهَلٍ لو أردْتُم فيه الإيمان لأمكَنكم، ولم تفعلوا، والآنَ حين ارتفعَ الابتلاء ترجون الانتفاع بالإيمان الذي لا اختيار لكم فيه على الغيب، بل أنتم إليه مضطرون.

стр. 3820

أي: إنَّ هذا ممَّا لا يكون. وهذه أشياء لم تكن بعدُ، وأخبرَ عنها بفعلٍ ماضٍ تنبيهًا على أنَّها كائنةٌ لا محالةَ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]. * * * (٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالشِّرك والتَّكذيب: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: ذوقوا هذا العذابَ، فإنَّه خالدٌ لكم لا يزول، تصيرون إلى القبر فتُعذَّبون فيه، تمَّ تُبعَثون فتُحشرون إلى جهنَّم، فتُعذَّبون فيها خالدين، وهو جزاءٌ وِفاقٌ لكسْبِكُم. * * * (٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾: أي: ويستخبرونك يا محمَّد بعدَ هذا الاقتصاص منك عليهم: أحقٌّ ما تقولُ، وأنت فيه جادٌّ متيقِّنٌ للصِّدق فيه؛ أي: إنَّ هذا عجيبٌ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾: أي: قلْ: نعم، أقسم باللَّه ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، و (إي) لا يُقال إلَّا مع الأيمان، ولا يُذكَر على الإفراد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين. وقال الكلبيُّ: ويستخبرونَكَ -أي: أهلُ مكَّة-: أحَقٌّ ما جئْتَنا به مِن نزول العذاب بنا، والبعْثِ بعد الموت؟ قل: نعم، إي وربِّي إنَّ العذابَ نازلٌ بكم، وما أنتم عليه بفائتين (١).
следующие страницы →