(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصلُه: وإنْ ما؛ (إن): للشَّرط، و (ما): صلة، والنُّون للتَّوكيد، ومعناه: وإنْ أريناك.
وقال مقاتل: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب؛ يعني: القتلَ ببدر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل عذابهم (١).
فكان البعضُ هو القتلُ ببدرٍ، وسائرُ العذابِ نزلَ بهم بعد الموت.
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بعدَ الموتِ، فنجزيهم بأعمالهم.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار؛ أي: ثم ليُخبركم أنَّ اللَّهَ شهيدٌ ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ مِن الكفر والمعاصي، فيجزيهم عليها.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: قال مقاتل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ فيما خلا ﴿رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعدل، كما يُقضى بينَكَ وبينَ أمَّتك ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في أعمالهم، فلا يُنقصون من محاسنهم، ولا يزادون على مساوئهم (٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: فإذا جاء رسولهم فكذَّبوه قضي بينهم وبين
стр. 3817
رسولهم يوم القيامة، فيقول اللَّه تعالى: ألم يأتكم رسلٌ بكتبي؟ فيقولون: ما أتانا منك رسولٌ ولا كتابٌ، ثم يُؤتَى بالرَّسول فيقول: قد أبلغتُهم كتابَك ورسالاتِك، فيقول اللَّه تعالى: مَن يشهدُ لك؟ فيقول: الملائكة، فتُدعَى الملائكة، فيقولون: نشهدُ أنَّه قد بلَّغ (١).
وقال عطيَّة العوفي: فإذا جاء رسولهم وبلَّغهم الرِّسالةَ، فكذَّبوه، قضي بينهم وبين رسولهم في الدُّنيا بالعدل، فعُذِّبَ المكذِّبون، ونجا الرُّسل والمؤمنون، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذَّبُ أحدٌ بغير ذنبٍ، ولا على غير حجَّةٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لم يخلُ زمانٌ مِن شرعٍ، ولم يخلُ شرعٌ مِن حكمٍ، ولم يخلُ حكمٌ عمَّا يتعقَّبه مِن ثواب أو عقاب (٣).
* * *
(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: قال مقاتلٌ: لَمَّا قالَ: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يعني: من العذاب، قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بنا، فنزل هذا (٤).
* * *
стр. 3818
(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أنْ يملِّكَنيه، وهكذا لا أملكُ إنزالَ العذابِ بكم الآن.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: قال مقاتل: قلْ يا محمَّد لكفَّار مكَّة: لا أملكُ لنفسي دفعَ سُوء عنها، ولا سَوق خيرٍ إليها، إلَّا ما شاء اللَّه فيصيبني، فكيف أملكُ إنزالَ العذابِ بكم، ولكلِّ أمَّة وقتٌ معلوم للعذاب، مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، فإذا جاءَ وقتُ عذابِهم لا يتقدَّمون ساعةً حتَّى يُعذَّبوا ولا يتأخَّرون، فكذلك هذه الأمَّة (١).
والعذابُ: القتلُ ببدر.
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: قيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ وإضمارٌ، وتقديرُه: ما ترَوْن وما تقولون ماذا يستعجِل منه المشركون إنْ أتاكم عذابهُ الذي تستعجلونَه أخذًا بالنَّهار وباللَّيل، كيف تصنعون؟
وقال القشيريُّ ﵀: مَنْ عرَفَ كمالَ القُدْرةِ لم يأمَنْ مِنْ أخذِ الفَجأة، ومَن خافَ البياتَ لم يستلذَّ السُّبات، ومَنْ توسَّد الغفلة أيقظَتْه فجأة العقوبة، ومَنْ استوطأ مركبَ الزَّلَّة عثرَ به في وَهْدة المحنة (٢).
стр. 3819
وقالَتْ بنتُ الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ لأبيها: ما لَكَ لا تنام؟ فقالَ: إنَّ أباكِ يخافُ البيات (١).
* * *
(٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: بعدَما استعجلْتُم العذابَ إذا وقعَ آمنتم باللَّه، وهو غيرُ نافعٍ لكم؛ لأنَّه إيمانُ يأسٍ.
وقيل: ﴿آمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدَّقْتُم بالعذابِ، وكنتم تستعجلون به استهزاءً وتكذيبًا، وحين رأيتم صدَّقتم به.
وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: ويقال لهم ذلك، والألف المقطوعةُ في أوَّله استفهام بمعنى التَّوبيخ.
و ﴿آلْآنَ﴾ أصلُه مِن قولِكَ: آنَ لَكَ أنْ تفعلَ كذا، أُدخلَتْ عليه الألف والَّلام للتَّعريف وجُعل كالاسم، وتُرك على الفتحة لأنَّه فعلٌ في الأصل، وهو كما رُوي: نهى النَّبيُّ ﷺ عن قِيْلٍ وقالٍ (٢). جُعلا كالاسمَيْنِ، وتُرِكا على ما كانا فِعْلَيْن.
يعني: يُقال لهم: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع به.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ في مَهَلٍ لو أردْتُم فيه الإيمان لأمكَنكم، ولم تفعلوا، والآنَ حين ارتفعَ الابتلاء ترجون الانتفاع بالإيمان الذي لا اختيار لكم فيه على الغيب، بل أنتم إليه مضطرون.
стр. 3820
أي: إنَّ هذا ممَّا لا يكون.
وهذه أشياء لم تكن بعدُ، وأخبرَ عنها بفعلٍ ماضٍ تنبيهًا على أنَّها كائنةٌ لا محالةَ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦].
* * *
(٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالشِّرك والتَّكذيب: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: ذوقوا هذا العذابَ، فإنَّه خالدٌ لكم لا يزول، تصيرون إلى القبر فتُعذَّبون فيه، تمَّ تُبعَثون فتُحشرون إلى جهنَّم، فتُعذَّبون فيها خالدين، وهو جزاءٌ وِفاقٌ لكسْبِكُم.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾: أي: ويستخبرونك يا محمَّد بعدَ هذا الاقتصاص منك عليهم: أحقٌّ ما تقولُ، وأنت فيه جادٌّ متيقِّنٌ للصِّدق فيه؛ أي: إنَّ هذا عجيبٌ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾: أي: قلْ: نعم، أقسم باللَّه ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، و (إي) لا يُقال إلَّا مع الأيمان، ولا يُذكَر على الإفراد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين.
وقال الكلبيُّ: ويستخبرونَكَ -أي: أهلُ مكَّة-: أحَقٌّ ما جئْتَنا به مِن نزول العذاب بنا، والبعْثِ بعد الموت؟ قل: نعم، إي وربِّي إنَّ العذابَ نازلٌ بكم، وما أنتم عليه بفائتين (١).
стр. 3821
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: أحَقٌّ ما تدعونا إليه مِن التَّوحيد، وهو كقولهم لإبراهيم ﵇: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]، وقولِهم لموسى ﵇: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] (١).
* * *
(٥٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أخبرَ أنَّه لو كان لكلِّ نفسٍ أشركَتْ جميعُ ما في الدُّنيا مُلكًا لها لافتدَتْ به عندَ نزولِ العذابِ به لشدَّة العذاب طبًا، للخَلاص، وإنْ كانَ الَّذي منعَ الكفَّار عن الإيمان هو حبُّهم الدُّنيا وحرصُهم عليها وبخلُهم بها، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [يونس: ٧] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: هذا ابتداءٌ غيرُ معلَّقٍ بـ (لو)، ومعناه: أخفَوها؛ أي: عن أتْباعِهم.
وقيل: أي: أضمروها على ما كان منهم مِن التَّكذيب.
وقيل: أي: أظهروها، والإسرارُ لغةٌ في الإظهار والإخفاء جميعًا، وهو مِن الأضداد، وهو قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ونحوُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل؛ أي: يُجزى المحسنُ
стр. 3822
على إحسانه، والمسيءُ على إساءتِه، فلا يُنقَصُ مِن ثوابٍ ولا يُزادُ على عِقابٍ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
ثمَّ قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ ﴿وَقُضِيَ﴾ ماضٍ ومعناه المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، لكنَّها كائنةٌ لا محالة، فلذلك ذكرَه بصيغة التَّحقيق.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: لا يُقبَلُ منهم صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ولا يقعُ فيما سبقَ مِن الوعيدِ خُلْفٌ، ولا تنفعُهم نَدامةٌ وإنْ صدَّقوها، ولا ينالهم كرامةٌ وإنْ طلبوها، ولا يجري عليهم ظلمٌ في الجزاء، كلَّا، بل هو اللَّهُ العَدْلُ في القضاء، والفَرْدُ في العَلاء، بنعت الكبرياء (١).
* * *
(٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ليسَ للظَّالم مُلْكُ ما في الأرض ليفتديَ به، بل للَّهِ.
ووجهٌ آخر: أنَّه قادرٌ على تحقيقِ ما أَوعدَ به؛ لأنَّه مالكُ ما في السَّماوات وما في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: كائنٌ، بالرَّحمة كانَ أو بالعذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀:
أي: لا ينتفعون بعلومِهم.
ويحتمل: لا يكتسبون سببَ العلمِ بالتَّامُّل والنَّظر في الأدلَّة.
стр. 3823
وقال في أوَّل الآية: فيه (١) دلالة البعث مِن وجهَيْن:
أحدهما: أنَّ مَن قدرَ على إيجاد السَّماوات والأرض لا عن شيءٍ قدرَ على إحياء الخلق بعدَ إفنائهم.
والثَّاني: أنَّ خلقَ السَّماوات والأرض وتعليقَ منافعِ بعضها ببعض والإفضالِ على الخلق بأنواعِ النِّعم مِن كمال الحكمة، وقد أخبرَ أنَّه ما خلقَهما باطلًا، فلو كانَتا للفناءِ ولا حياةَ بعدَه كانَ يكون خارجًا عن الحكمةِ، ولا وجهَ له (٢).
* * *
(٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تحقيقُ الأوَّل.
وقال الإمام القشيري ﵀: يحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات، ويميْتُ النُّفوسَ بأنواع المجاهدات.
قال: ويُقال: يحيي مَن أقبلَ عليه، ويميْتُ مَن أعرضَ عنه، يحيي بالرَّجاء ويميْتُ بالقنوط (٣).
* * *
(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 3824
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: قريشًا ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: في القرآن، وهي ما دعا إلى النُّسك والخشوع، وصرفَ عن الإثم والفسوق (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هي النَّهيُ، قال اللَّه تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٧]؛ أي: ينهاكم.
قال: وقيل: هي الَّتي تدعو إلى كلِّ مرغوبٍ، وتزجرُ عن كلِّ مرهوبٍ.
قال: وقيل: هي الَّتي تُلينُ كلَّ قلبٍ قاسٍ، وتُجلِّي كلَّ قلبٍ مُظلمٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾: الشِّفاءُ: كالدَّواء لإزالة الدَّاء، وداءُ الجهل أضرُّ مِن داء البدن، وعلاجُه أعسرُ، وأطباؤه أقلُّ، والشِّفاء منه أجلُّ:
لكلِّ داءٍ دواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ... إلَّا الحماقةَ (٣) أعيَتْ مَنْ يُداويها (٤)
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شفاءُ كلِّ أحدٍ على حسب حاله، فشفاء المذنبين بوجود الرَّحمة، وشفاء المطيعين بوجود النِّعمة، وشفاء العارفين بوجود القُرْبة، وشفاء الواجدين بوجود الحقيقة.
و [يقال]: شفاء العاصين بوجود النَّجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدَّرجات، وشفاء العارفين بالقُرْب والمناجاة (٥).
стр. 3825
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾: أي: إرشاد إلى الصَّواب ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منه؛ أي: مِن اللَّه تعالى على عبادِه، ببيان شرائع الدِّين والأمورِ الَّتي توصلُهم إلى جنَّته ونعمته.
وقوله تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: هم الَّذين ينتفعون بها.
وقيل: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تخليصٌ مِن العذاب للَّذين يؤمنون به؛ أي: يصدِّقون بأنَّه مِن عند اللَّه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الموعظةُ لأربابِ الغيبة ليتوبوا، والشِّفاء لأصحاب الحضور ليَطِيبوا.
قال: وقيل: الموعظةُ للعوامّ، والشِّفاء للخواصّ، والهُدى لخاصِّ الخاصّ، والرَّحمة لجميعهم، وبرحمته وصلوا إلى ذلك (١).
* * *
(٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: الفَضْلُ: الزِّيادة في النِّعمة، وفَضْلُ اللَّهِ: إفضالُه، كالنَّبات يجيء بمعنى الإنبات؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
أي: قلْ يا محمَّد لهؤلاء الَّذين هِمَّتُهم جمعُ الأموال وأسباب الرِّفعة في الدُّنيا، لا الإيمان: بفضل اللَّه وبرحمته افرحوا، لا بالمال وأسبابِ الجلال والجمال، وهو قوله تعالى:
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾: قرأ الحسنُ بتاء المخاطبة (٢)، وكان الكسائيُّ يَعيب هذه
стр. 3826
القراءة، والفرَّاء يجيزُها؛ لأنَّه رَدٌّ إلى الأصل، وهو قوله ﵊: "لتأخذوا مصافَّكم" (١).
وقراءة العامَّة بياء المغايبة.
واللام في أمر المغايبة لازمة، وفي المخاطبة جائزة.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: هو يرجع إلى قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وذلك يرجع إلى ما سبق ذكرُه، وهو فضل اللَّه ورحمته.
стр. 3827
وقيل: هما يرجعان إلى القرآن؛ لأنَّها تتَّصل بالآية الأولى وهي في ذكر القرآن، وفيه الفضل والرَّحمة: أمَّا الرَّحمة فقد قال في الآية الأولى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، وأمَّا الفضل فقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال ابن عبَّاس ﵄ والحسن وقتادة وجماعة: فضلُ اللَّه: الإسلام، ورحمتُه: القرآنُ (١).
وقال الضَّحَّاكُ على عكسه (٢).
وقال أبو سعيد الخدريُّ: فضلُ اللَّه: القرآنُ، ورحمتُه: أن جعلَكم مِن أهلِه (٣).
وقال ابن عمر ﵄: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: تزيينُه في قلوبكم؛ قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] (٤).
وقال خالدُ بن مَعْدَان: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: سترُه (٥).
وقال عبد العزيز بن يحيى (٦): فضلُ اللَّه: النِّعمُ الظَّاهرة، ورحمتُه: النِّعمُ الباطنة.
стр. 3828
وقال أبو بكر الورَّاق: فضلُ اللَّه: النَّعماء، وهو ما أعطى وحَبَا، ورحمتُه: الآلاء، وهو ما صرفَ وزوَى.
وقال سفيان بن عيينة: فضلُ اللَّه: التَّوفيقُ، ورحمتُه: العصمة.
وقال سهل بن عبد اللَّه: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: السُّنَّة.
وقال الحسين بن الفضل: فضلُ اللَّه: الإيمانُ، ورحمتُه: الجنَّة.
وقال ذو النُّون المصري: فضلُ اللَّه: دخول الجنان، ورحمتُه: النَّجاةُ من النِّيران (١).
وروى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ قال: "بكتاب اللَّه والإسلام" (٢).
وقيل: فضلُ اللَّه: الإسلامُ، ورحمتُه: الثَّباتُ على الإسلام.
وقيل: فضلُ اللَّه تعالى: الإسلامُ، ورحمتُه: أنْ جعلَنا مِن أمَّة محمَّد ﵊.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: فضلُ اللَّه: ما أباحَ لهم مِن الخيرات، ورحمتُه: ما أزاح عنهم من الآفات.
وفضلُ اللَّه: ما أكرمَهم به مِن إجراء الطَّاعات، ورحمتُه: ما عصمَهم [به] مِن ارتكاب الزّلَّات.
стр. 3829
وفضلُ اللَّه: دوامُ التَّوفيق، ورحمتُه: تمام التَّحقيق.
فضلُ اللَّه: ما اختصَّ به أهل الطَّاعات مِن صنوف إحسانِه، ورحمتُه: ما يختصٌّ به أهل الزَّلات مِن وجوه غفرانه.
فضلُ اللَّه: المعرفةُ في البداية، ورحمتُه: المغفرةُ في النِّهاية.
فضلُ اللَّه: أنْ أقامَك لشهود الطَّلب، ورحمتُه: أنْ رزقَكَ الوجود بعد الطَّلب.
فضلُ اللَّه: أنْ عرَّفك بشرط البرهان، ورحمتُه: أنْ أشهدَكَ بحكم البيان إلى أنْ تراه غدًا بكشف العِيَان.
فضلُ اللَّه: الرُّؤية، ورحمتُه: إبقاؤهم في حالة الرُّؤية.
وقوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾؛ أي: بما أهَّلَكم له، لا بما تتكلَّفون مِن حركاتِكم وسكناتِكم، وتَصِلون إليه بنوعٍ مِن تصنُّعكم وتعمُّلكم.
﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن الأموال الوافية، ويتَّصفون به من الأحوال الزَّاكية (١).
قال: ويُقال: الذي لك منه في سابق القسمة خيرٌ لك ممَّا تكلَّفْتَه مِن صنوف الطَّاعة والخدمة (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآية: أنَّ اللَّه تعالى بإنزال القرآن تفضَّل؛ إذْ له ألَّا ينزِّل، وفيه: أنَّ أهل الفترة يُؤاخذون في حال فَتْرتهم (٣).
стр. 3830
(٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أضافَ إنزاله إلى السَّماء وإنْ كانت الأرزاقُ إنَّما تخرجُ مِن الأرض؛ لِمَا أنَّ أسبابَها متعلِّقة بالسَّماء مِن المطر والشَّمس والقمر، في الإنبات والإنضاج والتَّلوين، وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وهو على هذا.
ويحتمِلُ قولُه: ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: خلقَ، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وقوله: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]: مِن البَحيرة والسَّائبة والوَصيلة والحامي.
وقيل: ما جَعَلوا للَّه ممَّا ذَرَأَ مِن الحَرْثِ والأنعامِ (١). وقد مرَّ بيانُ الأمرَيْن.
وفيه دليلٌ على أنَّ الحرام مِن رِزق اللَّه كالحلال.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾: استفهام بمعنى الإنكار ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: بل على اللَّه تَكْذِبون.
وقال الكلبيُّ: قلْ يا محمَّد لأهل مكَّة: أرأيتم ما أنزلَ اللَّهُ لكم في الكتاب مِن رزقٍ حلالًا، فجعلْتُم ممَّا رزقَكم اللَّهُ حرامًا على النِّساء وحلالًا على الرِّجال، وهذا في شأن البَحيرة والسَّائبة والوصيلة والحامي، قُلْ: آللَّه أمركم به أم على اللَّه تختلقونَ الكذبَ ما لم يأمُر به (٢).
стр. 3831
وقال مقاتل: قلْ لكفَّار مكَّة قريشٍ وخزاعةَ وثَقيفٍ وعامرِ بن صعصعةَ وبني مُدْلجٍ وعامر والحارث ابني عبد مناة: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾؛ يعني: الحرثَ والأنعام، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ يعني: ما حرَّموا للآلهة من الأنعام، ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ بتحريمه، بل على اللَّهِ تقولون الكذب (١).
* * *
(٦٠) - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والتَّقريع، وأضمرَ في آخره: (باللَّه)؛ أي: وما ظنُّهم باللَّهِ في يوم القيامة، ماذا يفعلُ بهم جزاءً على افترائهم عليه؟
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: كيف أُوعدوا بيوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث؟
قيل له: قد ألزمَهم الحُجَّة على كون (٢) البعث بما أقام مِن الدَّلائل، وبما جعلَ في عقولهم من الإيمان به؛ إذْ ليسَ مِن الحكمة خلقُ الخلقِ للفناء خاصَّة.
وبعدُ فإنَّه قد يُوعَد المرء بما لا يَتيقَّنُ به، ويخوَّف عليه وإنْ لم يحطْ علمُه به.
ومعنًى آخر: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لو خرجَ الأمر حقًّا، وظهرَ ما قالَه رسولُ اللَّه ﷺ مِن البعث صدقًا (٣).
стр. 3832
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: على كلِّ النَّاس بما ساقَ إلى الكلِّ مِن الرِّزق، كافرهم ومؤمنهم، وبما أخَّر عنهم العذابَ، وبما بعثَ إليهم الرُّسل والكتب من غير أن كانت منهم سابقةُ صنعٍ يستوجبون به ذلك، ومنه خصوص فضلِ اللَّه على المؤمنين (١).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَه وإنعامَه عليهم؛ لجهلهم بمواقع النِّعم الَّتي ساقَها إليهم.
* * *
(٦١) - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾: واتِّصالُه بما قبلَه: إنَّ اللَّه لذو فضل على النَّاس في الإمهال، وليس إمهالُه لخفاء أحوالهم عليه؛ لأنَّك يا محمَّد ما تكون في شأن؛ أي: أمر ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾؛ أي: وما تقرأ ممَّا أنزلَ عليك ﴿مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ولا تعمل أنت شيئًا وسائر النَّاس ﴿مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: عالميْنَ به شاهدين عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾؛ أي: تسرعون فيه وتنبسطون وتنتشرون.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: لا يغيب (٢).
وقرأ الكسائيُّ بكسر الزِّاي وغيره بالضَّم (٣)، وهما لغتان.
стр. 3833
ومعنى العُزوب: البُعد والغيبة.
﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: أي: وزنِ نملةٍ صغيرةٍ.
وقيل: الذَّرُّ: ما يَتراءى في الهواء عندَ وقوع الشَّمس في الكوَّة ونحوها.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾: قرأ (١) حمزة بالضَّم (٢)، ردًّا على موضع قوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾؛ لأنَّ ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وتقديرُه: وما يَعزبُ عن ربك مثقالُ ذرَّة.
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: قال أبو روق: هو اللَّوح المحفوظ (٣).
وقيل: أي: هو مثبَتٌ عندَ اللَّهِ، كتبَه ملائكةُ اللَّهِ، وأحصاهُ اللَّهُ.
ويُقال: ردَّهم إلى كتابة ذلك عليهم لعدمِ اكتفائِهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه برؤيتِهِ وعلمِهِ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: خوَّفهم بما عرَّفهم مِن اطِّلاعه عليهم في جميع أحوالهم، ورؤيتِه لِمَا يُسْلفونه مِن فنون أعمالِهم، والعلمُ بأنَّه يراهم يوجِبُ استحياءهم منه، وهذه حالةُ المراقبة، فالعبد إذا علم أنَّه يراه مولاه استحيى منه، وترك متابعة هواه، ولا يحوم حول ما نهاه، وأنشدوا في معناه:
كأنَّ رقيبًا منك حلَّ بمُهْجَتي... إذا رُمْتُ تسهيلًا عليه تصعَّبا (٤)
стр. 3834
وقال آخر:
أعاتِبُ عنك النَّفسَ في كلِّ خَصلةٍ... تعاتِبُني فيها وأنتَ مقيمُ
وقال في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: فكيفَ يخفى عليه ذلك، أو يتقاصرُ عنه علمُه، وهو مُنشِئُه ومُوجِدُه؟ وببعض أحكامِه الجائزة عليه (١) مخصِّصُه (٢).
* * *
(٦٢) - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ولَمَّا خوَّفَ بيومِ القيامة أعداءَه ذكرَ ما يعطي فيه أولياءَه.
قال ابنُ كيسان: أولياءُ اللَّهِ هم الَّذين تولَّى اللَّه هداهم بالبرهان الَّذي أتاهم، وتولَّوا القيام له بحقِّه، والدُّعاءَ إليه عامَّةَ خلقِه (٣).
وقيل: هم الَّذي يُوْلِيهِم اللَّهُ ثوابَه وكرامَته.
وقال القشيريُّ ﵀: الوليُّ على وزن فعيل، مبالغةٌ مِن الفاعل، وهو مَن توالَتْ طاعاتُه مِن غير أنْ يتخللَّها عصيان.
ويجوزُ أن يكونَ الفَعيل بمعنى المفعول هاهنا، كالجريح والقتيل، فيكون الوليُّ مَن يتوالى عليه إحسانُ اللَّهِ وإفضاله، ويكون في معنى كونه محفوظًا في عامَّة
стр. 3835
أحواله مِن المحن، وأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي، فيعصمُه اللَّهُ تعالى دوام أوقاته عن الزَّلات (١).
وروي عن النَّبي ﷺ أنَّه سُئِلَ عن أولياء اللَّه قال: "هم الَّذين إذا رُؤوا ذُكِرَ اللَّه" (٢).
وقال عمر ﵁: سمعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ مِنْ عبادِ اللَّهِ أناسًا ما هُمْ بأنبياءَ ولا شهداءَ يَغبِطُهُم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللَّهِ تعالى"، فقال رجلٌ: مَنْ هُمْ يا رسولَ اللَّه؟ وما أعمالُهم؟ نحبُّهم بذلك. قال: "رجالٌ يتحابُّون بِرُوْحِ اللَّهِ مِنْ غيرِ أرحامٍ بينَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها بينَهم، فواللَّهِ إنَّ وجوهَهُمْ لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلَى منابِرَ مِنْ نُورٍ، لا يخافونَ إذا خافَ النَّاسُ، ولا يحزنونَ إذا حَزِنَ النَّاسُ"، ثمَّ قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣).
стр. 3836
وقال ابن زيد: أولياءُ اللَّهِ: هم الَّذين وصفَهم اللَّه في الآية الثَّانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] (١).
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِن النَّار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفَوْتِ الجنَّة.
وقال مقاتل: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن يدخلوا النَّار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن يُخرجوا مِن الجنَّة (٢).
وقال ابن كيسان: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من عذاب اللَّه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مِن فوات ثواب اللَّه (٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الحال ولا في المآل؛ لأنَّ حقيقةَ الخوفِ: توقُّعُ محذورٍ يصيب في المستقبل، أو ترقُّبُ محبوبٍ يزولُ في المستأنَف، وهم بحكمِ الوقْتِ ليس لهم تطلُّع في المستقبل، والحزنُ مِن الحُزونة، وهم في الحال في رَوح الرِّضا بكلِّ ما جرى (٤).
* * *
(٦٣) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: قيل: هو نصبٌ نعتًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾.
стр. 3837
وقيل: هو مبتدأٌ، وخبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
وقال الكلبيُّ: يتَّقون الشِّرك والمعاصي.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿آمَنُوا﴾: أقاموا بقلوبهم موجب المعارف، و ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف (١).
* * *
(٦٤) - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مِن الملائكةِ عندَ قبضِ الأرواحِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ تتلقَّاهم لإدخال الجنَّة.
وروى أبو الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "هي الرُّؤيا الصَّالحة يراها المسلمُ أو تُرَى له" (٢).
وقال الضَّحَّاك: يعلمُ أينَ هو مِن قبلِ أنْ يموتَ (٣).
وقال الزُّهريُّ: هي البشارةُ قبلَ الموتِ (٤).
وقال ابن عبَّاس ﵄: هي قولُه لنبيِّه ﵊: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧] (٥).
стр. 3838
وقال الحسنُ: هي ما بشَّرَ اللَّهُ به المؤمنين في كتابه (١)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: أي: لمواعيدِه في كُتُبِه، وعلى ألسنةِ رسلِه.
وقيل: لهذه البشارة.
وقيل: لِمَا مَضى مِن سُنَّته في الأوَّلين مِن الإهلاك والاستئصال للمكذِّبين.
وقيل: لحُجَجِ اللَّهِ وبراهينِه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: ذلك التَّبشير.
وقيل: أي: ذلك الموعود هو الفلاح العظيم؛ لأنَّه نَيْلُ جميعِ ما يُرْجى، والأمنُ مِن كلِّ ما يُخْشَى.
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ إذا قاموا بما به أُمِروا، واستقاموا في ترك ما عنه زُجِروا، وبشَّرتهم الشَّريعة بالخروج عن عُهدة الإلزام، وبشَّرتهم الحقيقة باستيجابِ الإكرام بما كوشفوا به مِن أعلام هذه البُشرى في عاجلِهم، وأمَّا في آجلهم فالحقُّ يتولَّى ذلك، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١].
قال: ويُقال: البِشارة العظمى: ما يجدونه في قلوبهم مِن ظفرهم بنفوسهم، وسقوط مآربهم، والرِّضا بالكائن بتقدير ربِّهم، هذه هي النِّعمة العظمى، ووجدانُ هذه الحالة هي البشارةُ الكُبْرى (٢).
стр. 3839
(٦٥) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: أضافَ النَّهيَ إلى قولِهم؛ لأنَّه هو السَّبب لحزنِه، ومعناه: لا تحزن بقولهم، وهو كقولك: لا أراك هاهنا، تضيفُ النَّهي عن الرُّؤية إلى نفسِك، ومعناه: لا تكن هاهنا فأراك، ومعنى الآية: لا تحزن بقولهم: متى هذا الوعد؟
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ تكذيبهم (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: هو ابتداءٌ بمعنى: فإنَّ العزَّة كلَّها للَّه، له المنعةُ والسُّلطان.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ أي: بضمائرِهم وأفعالهم، وهو مُنْزِلٌ بهم عذابَه، فلا يمتنعون عنه.
وقال ابن المسيِّب: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾: يعزُّ مَن يشاءُ، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وعزَّةُ الرَّسول والمؤمنينَ باللَّهِ جميعًا، فهي كلُّها للَّه (٢).
وقال مقاتلٌ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: إنَّك مفترٍ كذَّاب (٣).
وقيل: في القرآن: إنَّه سِحر وإنَّه مُفترًى.
وقيل: في اللَّه بما لا يليق به مِن الصَّاحبة والولد.
* * *
стр. 3840
(٦٦) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كلُّهم عبيدُه، يفعلُ بهم ما يشاء، ولا يَمتنِع مِن تعذيبِه مَن شاءَ تعذيبَه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: له وجوهٌ:
أحدُها: أنَّه استفهام، ومعناه: أيَّ شيءٍ يتَّبع الَّذين يدعون الأصنامَ شركاءَ للَّه؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتَّبعون إلَّا الظَّنَّ، وهو توهُّمهم شفاعةَ الأصنام لهم، حتَّى قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، [الزمر: ٤٣] ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا يَكذِبون، وقيل: يقولون بالظَّنِّ.
والثَّاني: أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى: الَّذي، ومعناه: والذين يتَّبعون الذين يدَّعونهم شركاء ما يتَّبعون فيهم إلَّا الظَّنَّ.
والثَّالثُ: أنَّ ﴿مَا﴾ للنَّفي، ومعناه: ولا يتَّبعُ الَّذين يدعون مِن دون اللَّه شركاء، وهو مفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ لا ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: الَّذين يتَّبعونهم ليسوا بشركاء، وإنَّما يتَّبعونهم ظنًّا أنَّها تنفعهم، وهو ظنٌّ كاذبٌ.
والرَّابع: أنَّ ﴿مَا﴾ للنَّفي، و ﴿إِنْ﴾ نفيٌ، وهو تكرارٌ لنفيِ شيءٍ واحدٍ للتَّأكيد، وهو كتكرار (قبل) في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾ [الروم: ٤٩].
* * *
стр. 3841
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: وهو إخبارٌ عن قدرته على ما تعجزُ عنه أصنامُهم.
يقول: هو الَّذي جعلَ لكم اللَّيل تسكنون فيه إذا أويتم إلى منازلكم منصرفين من الحركة والاضطراب في طلب المعاش، وجعل النَّهار ذا إبصار؛ أي: يقع فيه الإبصار على المبصَرات، ويكون فيه بروزُ الأشياء للعيون بعدَ الاستتار بظلمة اللَّيل، وهو كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذاتِ رضًا، و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: ذي دَفْقٍ، وليلٍ نائم؛ أي: ذي نومٍ؛ أي: يُنام فيه.
وقال جريرٌ:
لقدْ لُمْتِنَا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرَى... وَنِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيِّ بنائِمِ (١)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: أي: لَعَلامَاتٍ على قُدرةِ اللَّهِ تعالى ووحدانيتِه لِمَن يسمعُ الوَعْظَ فيتدبَّرُه بقلبٍ حاضرٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الليل لأهل الغَفْلة بعدٌ وغيبةٌ، ولأهل النَّدم توبةٌ وأوبةٌ، وللمحبِّين زلفةٌ وقربةٌ (٢).
وأوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇: كَذَبَ مَن ادَّعى محبَّتي فإذا جَنَّ اللَّيلَ نام عَنِّي (٣).
стр. 3842
(٦٨) - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: وهذا تعجيبٌ مِن اللَّهِ تعالى مِن جرأةِ المشركين على الافتراء على اللَّهِ تعالى بإضافةِ الأولاد إليه.
وحاجَّهم في ذلك فقال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: وهو ما كانوا يقولون: إن الملائكة بنات اللَّه.
ثمَّ نزَّه نفسَه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنبيهًا للعباد على تنزيهِه.
ثمَّ قال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فلا حاجةَ به إلى الولدِ الَّذي إنَّما يُتكثَّر به ويُتعزَّز به في الحياة وبعد الوفاة، فمَن كان مالكًا للسَّماوات والأرض لم يوصَف بالحاجة إلى التَّكثُّر والتَّعزُّز.
ثمَّ أخبرَ أنَّه لا سلطان لهم بهذا؛ أي: لا حجَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقال القشيريُّ ﵀: لا يجوز في صفةِ اللَّهِ تعالى الوِلادةُ لتوحُّده، وأنَّه لا قسيم له، ولا يجوز منه التَّبني أيضًا لتفرُّده، وأنَّه لا شبيهَ له (١).
стр. 3843
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: إنَّ في الشَّاهد مَن اتَّخذ ولدًا إنَّما يَتَّخذُ لأحدِ أوجهٍ ثلاثةٍ: إمَّا لحاجة تمسُّه، أو لشهوة تغلبُه، أو لِمَا يَستنصرُ به على آخر ممَّن يخافه، فإذا كان له مُلْك السَّماوات والأرض، وملك ما فيهما، وكلُّهم عبيده وإماؤه، فلا حاجةَ تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغنيُّ والمالك (١).
* * *
(٦٩) - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: أي: الَّذين يقولون: للَّهِ ولدٌ، لا ينجونَ في الآخرةِ مِن العقوبةِ، ولا يصلون إلى ما رجَوا مِن الأصنام مِن الشَّفاعة.
* * *
(٧٠) - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾: أي: هو متاعٌ لهم؛ أي (٢): تمتُّعٌ وانتفاعٌ بالدُّنيا الفانية القليلة مدَّةً قصيرة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
стр. 3844
(٧١) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾: هذه تسليةٌ للنَّبي ﷺ فيما نالَه مِن إيذاءِ قومِه بالتَّكذيب، وإعلامٌ للمشركين خبرَ المستعجِلين بالعذابِ: أنَّ الأمم الماضية استعجلوا فأُمْهِلوا إلى أنْ حَقَّ القولُ ثم أُخذوا، فليسَ إمهالي هؤلاء للعجزِ، بل لِمَا كانَ للأوَّلين حين وقعَ اليأسُ مِن إيمانِهم.
ومعنى قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾؛ أي: واقرأْ يا محمَّد على قومِك المشركين خبرَ نوحٍ ﵇.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: شَقَّ عليكم وثَقُلَ ﴿مَقَامِي﴾؛ أي: قيامي فيكم بحقوقِ اللَّهِ تعالى ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الَّتي أوحاها إليَّ، وجعلَها علاماتٍ لحقيَّة (١) هذا الدِّين.
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: اعتمدْتُ.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: قرأَ نافع بالوصل، مِن الجَمْع، وقرأ الباقون بالقَطْع، مِن الإجماع (٢)، وهو العزم؛ أي: اعزموا على أمركم.
وقوله تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: وادْعوا شركاءَكم، أضمرَ فعلًا آخر سوى الأوَّل (٣). وهو كقول القائلِ:
стр. 3845
علَفْتُها تبنًا وماءً باردا (١)
أي: وسقيتها ماء باردًا.
وقال آخر:
ورأيتُ زوجك في الوغى... متقلِّدًا سيفًا ورمحا (٢)
أي: ومعتقِلًا رمحًا.
وقال الزَّجَّاج: هو مفعول معه؛ أي: مع شركائِكم (٣).
وقال بعضهم: (أَجْمِعوا)؛ أي: أَعِدُّوا، فيقع على الاسمين جميعًا (٤): ﴿أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: آلهتكم، وقيل: أي: الَّذين يشاركونكم في التَّكذيب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: هو نهيُ مغايبةٍ للأمر، ومعناه: لا تجعلوا أمركم عليكم غمة (٥).
стр. 3846
قال المبرِّد: أي: فرِّجوا عن (١) أنفسِكم ولا تغمُّوها.
وقيل: أي: ضيقًا وغمًّا.
وقيل: أي: مغطًّى ملبَّسًا. قاله الأخفش (٢)، وأنشدوا لطرفة:
لَعَمْرُكَ ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ... نهاري ولا ليلي عليَّ بِسَرْمَدِ (٣)
وهو من قولهم: غُمَّ الهلال، وأصلُه: أنَّ مَن أضمرَ شيئًا فكَّر في إمضائه، وانتهزَ الفرصة فيه، فهو في غمٍّ منه والتباس، لا يدري أيتهيَّأ له إمضاؤه أم لا؟
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: افرُغوا إليَّ ممَّا تريدون بي، ومعناه: أتمُّوه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
وإدخال (إلى) على معنى: أَلْقوا إليَّ ما استقرَّ رأيكم عليه مفروغًا منه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: ولا تُمهِلون.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: قولكم وعملكم ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: واستعينوا بآلهتكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ يعني: أظهروا أمركم ولا تكتموا ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ امضوا ﴿إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: لا ترقبوا فيَّ أحدًا (٤).
وقال الضَّحَّاكُ: أي: انهضوا إليَّ ولا تؤخِّرون (٥).
стр. 3847
(٧٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: فإن أعرضتم ﴿سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ فتحتجُّوا به عليَّ لإعراضكم.
وقيل: أي: فلا ضرر عليَّ لانّي لم أَدْعُكم إلى الإيمان لأجرٍ آخذُه منكم يفوتُني إذا لم تؤمنوا، فإنَّما الضَّرر في ذلك عليكم بما يفوتكم مِن ثواب اللَّه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقول: كيف أعرضْتُم عن قَبوله ولم أسألكم أجرًا على ذلك فيكونَ لكم عذر في الإعراض، وهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠].
وفيه دلالةٌ على منعِ أخذِ الأجر على تعليمِ العلم؛ لأنَّه لو جازَ ذلك لكان لهم عذرٌ ألَّا يبذلوا ذلك، ولا يتعلَّموا شيئًا مِن ذلك، وفيه هَدمُ شرائعِ اللَّهِ تعالى وإسقاطُها (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي: المُنقادين.
وقيل: أي: مِن المخلصين.
* * *
(٧٣) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: أسكناهم في الأرض بعد إهلاك الَّذين قبلَهم، وأغرقنا المكذِّبين.
стр. 3848
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي: الَّذين أنذرَهم نوحٌ صلوات اللَّه عليه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان أنذرَ نوحٌ جميعَ قومِه مَن آمن ومَن لم يؤمن، فيَحتمِل أن يكون معناه: فانظر كيف كان عاقبة مَن أجاب ومَن لم يجب.
ويحتمل أن يكون معناه: عاقبةُ الَّذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، وكانت بالهلاك والاستئصال (١).
* * *
(٧٤) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: أي: أقوامِهم؛ كصالحٍ إلى ثمودَ، وهودٍ إلى عاد، وغيرهما.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أصرُّوا على التَّكذيب، وكان في علمِ اللَّه تعالى أنَّهم لا يؤمنون، وكذلك أرادَ منهم.
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: نختم على قلوب الظَّالمين؛ أي: المجاوزين الحدَّ؛ أي: مَن علمنا منه اختيارَ الإصرار على الكفر خذلناه، وأوجدنا منه ذلك.
وقيل: أي: فما كان المتأخِّرون ليؤمنوا بما كذَّب به مَن قبلَهم مِن الأممِ كقوم عادٍ وثمود.
وقال ابن عبَّاس ﵄: فلم يكونوا ليصدِّقوا بالرَّسول والكتاب بما كذَّبوا به في أخذ الميثاق عليه (٢).
стр. 3849
وقال الفرَّاء: لم يكونوا ليؤمنوا لك يا محمَّد بما كذَّبوا به في الكتاب الأوَّل. يعني: اللَّوح المحفوظ (١).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: ويحتمِل: بما كذَّبوا به مِن قبلِ بعثِ الرَّسول، ويكون دليلًا على أنَّ أهل الفترة يُؤاخذون بالتَّكذيب في حالِ الفترة.
ويحتمِل: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (٢) بعد إتيان البيِّنات ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ﴾ مِن قبلِ إتيان البينات (٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قصَّ اللَّهُ تعالى عليه نبأَ الأوَّلين، وشرح له أحوال جميع الغابرين، ثمَّ فضَّلَه على كافَّتهم أجمعين، فكانوا نجومًا وهو البَدر، وكانوا أنهارًا وهو البَحر، به انتظم عقدُهم، وبنورِه أشرقَ نهارُهم، وبظهورِه خُتِمَ عددُهم، فكان كما قيل:
يومُك وجهُ الدَّهر مِن أجلِه... حَنَّ غَدٌ والتَفَتَ الأمْسُ (٤)
وقوله تعالى: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾: وهو بلفظ الاستفهام، وقد ذَكَرَ عنهم أنَّهم قطَعوا القول به حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦].
فيجوز أن يكونوا قطَعوا القول به مرَّة، وكذلك بلفظ الاستفهام على وجه الإنكار مرَّة، يعني: أتأتينا بهذا على مقابَلةِ سِحرنا مع كثرته وتقدُّمنا في صنعته؟! فذكرَ اللَّهُ تعالى ما ذكروا في الحالَتَيْنِ جميعًا.
ويجوز أن يكون معناه: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ وتمَّ الكلام؛ أي: أتقولون هذا للحقِّ لَمَّا جاءكم، ثمَّ قال: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾، وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وتعجيبٌ مِن قولِهم، وليس بحكايةٍ لقولِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: أي: لا يفوزون في الدُّنيا ولا في الآخرة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الفلاحُ: الظَّفرُ بالحاجةِ والغَلَبةُ، والسِّحرُ باطلٌ، فيكون مغلوبًا والحقُّ غالبٌ.
ويحتمل: والسَّاحرون في الدُّنيا لا يفلحون في الآخرة.
ويحتمل أن يكون معناه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ بسحرهم في حال سحرِهم، وكذا: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] و ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، فإذا تَرَكُوا ذلك أفلَحُوا (١).
* * *
(٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 3852
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: أي: لِتصْرِفَنا، وقد لَفَتَهُ فالْتَفَتَ؛ أي: صَرَفَهُ فانْصَرَفَ.
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: لا نعرِفُ نبوَّةً ولا مَلِكًا ولا إلهًا غيرَ فرعون.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: المُلْك في أرضنا، فتعظموا علينا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين في دعوة النُّبوَّة ووعيد العذاب، أرادوا قطعَ أطماعِهما في إيمانِهم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: عمَّا كان يعبدُ آباؤنا، وكانت لفرعون أصنامٌ صغارٌ صنعَها لهم، وأمرَهم بعبادتها، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: السُّلطان والمُلْك والشَّرف في الأرض؛ أي: في أرض مصر (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: وتكون لكما الألوهيَّة الَّتي كان يدَّعي فرعونُ لنفسِه؛ لأنَّ عندهم أنَّ مَن أُطيعَ واتُّبعَ فقد عُبِدَ ونُصِّبَ إلهًا (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: رَكَنوا إلى التَّقليد فيما دانوا، فاستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا، فلحقهم سوء العقيدة وسوء الطَّريقة حتَّى توهَّموا أنَّ الأنبياء إنَّما دعَوهم إلى اللَّه لتكون لهم الكبرياء على خلق اللَّه، ولم يعلموا أنَّهم إنَّما دعَوهم إلى اللَّهِ للَّه بأمرِ اللَّه (٣).
* * *
стр. 3853
(٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: ولَمَّا جاء موسى بالعصا واليد البيضاء وصارَتِ العصا ثعبانًا قالوا لفرعون: إنَّه سِحْرٌ، فاستشارَهم، فأشاروا عليه بجمع السَّحرةِ، فأمرَ بذلك.
وإنَّما قال: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ للتَّعاون، ولئلَّا يفوتَه شيء مِن السِّحر بتخلُّف البعض.
* * *
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي: فسترون إبطالَ اللَّهِ تعالى ذلك.
ولم يكن هذا أمرًا بالسِّحر ولا رضًى به، لكنَّه تهديدٌ مِن الوجه الَّذي قلنا، والواثِقُ بالحجَّة يمكِّنُ الخصمَ مِن الابتداء بالشُّبهة، حتَّى إذا بلغَ الغاية جاءَ الحقُّ فدمغ الباطل، وليس لِمَنْ أعانَه اللَّهُ غالبٌ.
* * *
(٨١) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: قرأ أبو عَمرو بالمدِّ على الاستفهام، وعلى قراءته: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ استفهام؛ أي: أيُّ شيءٍ جئْتُم به؟ ثم قال: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: أهو السِّحر؟
стр. 3854
وقرأ الباقون بغيرِ مَدٍّ (١)، وعلى هذا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ بمعنى: الَّذي جئتم به، وهو مبتدأ، و ﴿السِّحْرُ﴾ خبرُه، ومعناه: هذا هو السِّحر الَّذي أضفتُموه إليَّ.
ومعنى قراءة المد: تجيئون بالسِّحر تقصدون به معارضةَ المعجزة، وهو إنكارٌ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: أي: يجعله مغلوبًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو: لا يجعل أعمالَهم الفاسدة صالحةً (٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الحقُّ حَقٌّ وإن لم يَحِقّ، والباطلُ باطلٌ وإنْ لم يَبطل، وقد قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ولكن معناه: ليجعل الحقَّ في الابتداء حقًّا، فيصير حقًّا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلًا، فيكون باطلًا؛ أي: بإبطاله الباطل يكون باطلًا، وبتحقيقه الحقَّ يكون حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: برسالات رسلِه؛ إذ بهم يظهر الحقُّ من الباطل، وهم حُجَجُ اللَّه في الأرض، وبالحُجَجِ يظهرُ الحقُّ مِن الباطل.
ويحتمل: بآياتِه الَّتي أَنزلَ عليه بها ظهورَ الحقِّ وبُطْلانَ السِّحر.