← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وقوله تعالى: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾: وهو بلفظ الاستفهام، وقد ذَكَرَ عنهم أنَّهم قطَعوا القول به حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]. فيجوز أن يكونوا قطَعوا القول به مرَّة، وكذلك بلفظ الاستفهام على وجه الإنكار مرَّة، يعني: أتأتينا بهذا على مقابَلةِ سِحرنا مع كثرته وتقدُّمنا في صنعته؟! فذكرَ اللَّهُ تعالى ما ذكروا في الحالَتَيْنِ جميعًا. ويجوز أن يكون معناه: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ وتمَّ الكلام؛ أي: أتقولون هذا للحقِّ لَمَّا جاءكم، ثمَّ قال: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾، وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وتعجيبٌ مِن قولِهم، وليس بحكايةٍ لقولِهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: أي: لا يفوزون في الدُّنيا ولا في الآخرة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: الفلاحُ: الظَّفرُ بالحاجةِ والغَلَبةُ، والسِّحرُ باطلٌ، فيكون مغلوبًا والحقُّ غالبٌ. ويحتمل: والسَّاحرون في الدُّنيا لا يفلحون في الآخرة. ويحتمل أن يكون معناه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ بسحرهم في حال سحرِهم، وكذا: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] و ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، فإذا تَرَكُوا ذلك أفلَحُوا (١). * * * (٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3852

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: أي: لِتصْرِفَنا، وقد لَفَتَهُ فالْتَفَتَ؛ أي: صَرَفَهُ فانْصَرَفَ. وقوله تعالى: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: لا نعرِفُ نبوَّةً ولا مَلِكًا ولا إلهًا غيرَ فرعون. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: المُلْك في أرضنا، فتعظموا علينا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين في دعوة النُّبوَّة ووعيد العذاب، أرادوا قطعَ أطماعِهما في إيمانِهم. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: عمَّا كان يعبدُ آباؤنا، وكانت لفرعون أصنامٌ صغارٌ صنعَها لهم، وأمرَهم بعبادتها، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: السُّلطان والمُلْك والشَّرف في الأرض؛ أي: في أرض مصر (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: وتكون لكما الألوهيَّة الَّتي كان يدَّعي فرعونُ لنفسِه؛ لأنَّ عندهم أنَّ مَن أُطيعَ واتُّبعَ فقد عُبِدَ ونُصِّبَ إلهًا (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: رَكَنوا إلى التَّقليد فيما دانوا، فاستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا، فلحقهم سوء العقيدة وسوء الطَّريقة حتَّى توهَّموا أنَّ الأنبياء إنَّما دعَوهم إلى اللَّه لتكون لهم الكبرياء على خلق اللَّه، ولم يعلموا أنَّهم إنَّما دعَوهم إلى اللَّهِ للَّه بأمرِ اللَّه (٣). * * *

стр. 3853

(٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: ولَمَّا جاء موسى بالعصا واليد البيضاء وصارَتِ العصا ثعبانًا قالوا لفرعون: إنَّه سِحْرٌ، فاستشارَهم، فأشاروا عليه بجمع السَّحرةِ، فأمرَ بذلك. وإنَّما قال: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ للتَّعاون، ولئلَّا يفوتَه شيء مِن السِّحر بتخلُّف البعض. * * * (٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي: فسترون إبطالَ اللَّهِ تعالى ذلك. ولم يكن هذا أمرًا بالسِّحر ولا رضًى به، لكنَّه تهديدٌ مِن الوجه الَّذي قلنا، والواثِقُ بالحجَّة يمكِّنُ الخصمَ مِن الابتداء بالشُّبهة، حتَّى إذا بلغَ الغاية جاءَ الحقُّ فدمغ الباطل، وليس لِمَنْ أعانَه اللَّهُ غالبٌ. * * * (٨١) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: قرأ أبو عَمرو بالمدِّ على الاستفهام، وعلى قراءته: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ استفهام؛ أي: أيُّ شيءٍ جئْتُم به؟ ثم قال: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: أهو السِّحر؟

стр. 3854

وقرأ الباقون بغيرِ مَدٍّ (١)، وعلى هذا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ بمعنى: الَّذي جئتم به، وهو مبتدأ، و ﴿السِّحْرُ﴾ خبرُه، ومعناه: هذا هو السِّحر الَّذي أضفتُموه إليَّ. ومعنى قراءة المد: تجيئون بالسِّحر تقصدون به معارضةَ المعجزة، وهو إنكارٌ عليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: أي: يجعله مغلوبًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو: لا يجعل أعمالَهم الفاسدة صالحةً (٢). * * * (٨٢) - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الحقُّ حَقٌّ وإن لم يَحِقّ، والباطلُ باطلٌ وإنْ لم يَبطل، وقد قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ولكن معناه: ليجعل الحقَّ في الابتداء حقًّا، فيصير حقًّا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلًا، فيكون باطلًا؛ أي: بإبطاله الباطل يكون باطلًا، وبتحقيقه الحقَّ يكون حقًّا. وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: برسالات رسلِه؛ إذ بهم يظهر الحقُّ من الباطل، وهم حُجَجُ اللَّه في الأرض، وبالحُجَجِ يظهرُ الحقُّ مِن الباطل. ويحتمل: بآياتِه الَّتي أَنزلَ عليه بها ظهورَ الحقِّ وبُطْلانَ السِّحر.

стр. 3855

ويحتمل: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بمواعيده بظفَرِ موسى وقومِه وهلاكِ أعدائِه (١). وقيل: إحقاقُ الحقِّ: إظهارُه وتمكينُه بالدَّلائل الواضحة والآيات اللائحة حتَّى يرجع الطَّاعن عليه حسيرًا والمُناصب له كسيرًا. وقيل في قوله: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: هي مواعيده بقولِه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٥]: وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ الآية [القصص: ٣٥]، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، ثمَّ بيَّن الكلمةَ: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: قال مقاتل: يعني القِبْط (٢). وقال القَفَّال: أي: فرعونُ وقومه؛ لأنَّه سمَّاهم مجرمين في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥]. والمجرمُ: مَنِ اعتادَ اكتسابَ المعاصي، يُقال: فلانُ جريمُ أهلِه؛ أي: دائمٌ على الاكتساب لهم. * * * (٨٣) - ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄:

стр. 3856

يعني: لم يصدِّق موسى إلَّا قليلٌ مِن قوم فرعون، وهم سبعون أهل (١) بيت مِن القبط مِن آل فرعون، والأمَّهات مِن بني إسرائيل، فجعل الرَّجلُ يتبع أمَّه وأخواله (٢). ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ (٣) يعني: أشراف قومه وجنده (٤) أن يقتلهم. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لمخالف في أرض مصر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ يعني: مع المشركين في النَّار، وهذا تسليةٌ للنَّبيِّ ﵊ في قلَّة مَن آمنَ بِهِ. وقيل: معنى الآية: فما صدَّق موسى إلَّا أعقابُ قومٍ مِن قوم موسى، وهم بنو

стр. 3857

إسرائيل، كان الزَّمان بعدَ مجيء موسى امتدَّ على موسى حتَّى ماتَ كثيرٌ من الآباء وبقي أولادُهم فآمنوا به. وهو قول مجاهد (١). والصَّحيح: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ مِن قوم فرعون ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ حقَّقوا أقوالهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] إلَّا يسيرٌ ممَّن قلنا: إنَّ أمهاتهم كنَّ إسرائيليَّات آمنوا ميلًا إليه مِن جهة قرابات الأمَّهات، ومع هذا كانوا خائفين مِن فرعون وأعوانه أن يفتنوهم عن دينهم؛ أي: يصرفوهم؛ إذ كان فرعونُ -إلى أن أهلَكَه اللَّه- غالبًا في ملك مصر لأهلِها (٢) بالغَلَبة والقَهْر، مسرفًا مجاوز القَدْرَ في الكفر بادِّعاء الألوهيَّة، وقتل النُّفوس. وقيل: هؤلاء النَّفر اليسير: امرأةُ فرعون، وخربيل مؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه (٣). ثم قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ على الجمع له ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّه يرجع إلى الذُّرِّيَّة. والثَّاني: أنَّه يرجع إلى فرعونَ، وكان ملكًا، وذكرَهُ مع أتباعِهِ، يُقال: قدمَ الخليفةُ مع أتباعِه وأنا أخافُ السُّلطانَ؛ أي: أخافُه وأتباعه. والثَّالث: أنَّه ذَكَرَ فرعون، ومعناه: آل فرعون، أضمر الآل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: يا أمَّة النَّبيِّ.

стр. 3858

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: أخبرَ أنَّ موسى لم يضعفْ قلبُه لقلَّة مَن آمن مِن قوم فرعون، بل قال لِمَنْ آمنَ به منهم: على اللَّه توكَّلوا، ولا تخافوا فرعونَ وملأه. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: فيه دلالة أنَّ الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ؛ لأنَّه بَدأَ بالإيمان وخَتَمَ بالإسلام، وإنَّما جمعَ بينَهما لأنه يشير إلى زيادةِ فائدةٍ مع أنَّ الأصلَ واحدٌ، فإنَّ الإيمانَ هو اعتقادُ تركِ تضييع كلِّ حقٍّ، والإسلامَ اعتقادُ تسليمِ كلِّ حقٍّ، ولأنَّ الإيمانَ هو التَّصديق بكليَّة الأشياء فيما فيها الشَّهادة للَّه تعالى بالرُّبوبيَّة والألوهيَّة، والإسلامَ هو جعلُ كلِّ الأشياء للَّه تعالى سالمة (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّنَ أنَّه لا يُكتَفى بالأقوال، بل لا بدَّ مِن صدقِ الأحوال. وحقيقةُ التَّوكُّل: توسُّلٌ يتقدَّمُه تنصُّل، ثمَّ يَعلمُ أنَّ نجاته بفضلِ اللَّه تعالى تحصل، لا بما يأتي به من التَّكلُّف والتَّعمُّل (٢). * * * (٨٥) - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أجابوه إلى ما أمرَهم به. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال مجاهدٌ: له معنيان: أحدُهما: لا تعذِّبْنا بأيدي قوم فرعون، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].

стр. 3859

والثَّاني: لا تعذِّبْنا بعذابٍ مِن عندك، فيقولَ قومُ فرعون: لو كانوا على حقٍّ ما عُذِّبوا، وما سُلِّطنا عليهم، فيُفْتَنوا فتنةَ كفرٍ وضَلالٍ (١). * * * (٨٦) - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أخرجْنا مِن بين أظهرِهم، فنأمنَهم ونعبدَك آمنين. وقيل: أي: خلِّصنا مِن استعبادهم، وأخذهم (٢) بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة. * * * (٨٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾: أي: هارون ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾؛ أي: اتَّخذوا، وقيل: أي: تَمَكَّنَا. و (مصر) لا تُصرَف؛ لأنَّه مؤنَّث معرفة؛ لأنَّها بلدة أو كورة أو أرض. ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾؛ أي: لأجلِهم. ﴿وَاجْعَلُوا﴾: أي: أنتماوهم ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: قال مجاهدٌ: أي: نحو الكعبة (٣).

стр. 3860

وقيل: فيه إضمار؛ أي: اجعلوا بيوتكم قبلةً إلى الكعبة. وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ فرعون لَمَّا أتاه موسى ﵇ بالرِّسالة أمرَ بمساجد بني إسرائيل فكُسِّرَتْ كلُّها، وكانت المساجدُ ظاهرةً، فأمرهما اللَّه تعالى أن يَجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت، ولا يظهروها (١). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: حافظوا عليها بشروطها. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: يا موسى، بشِّرْهم بقُرْبِ الخَلَاص. وخصَّ به موسى لأنَّ هارون كان تابعًا له، وذلك أنَّ موسى صلوات اللَّه عليه كان يأمرُ فرعونَ بأنْ يُرْسِل معه بني إسرائيل، فيَخرجوا مِن مصر إلى الشَّام بوعد اللَّه تعالى أنْ يُوْرثهم إيَّاها ويجْعلَهم سكانَها، وكان فرعونُ يأبى عليه، وكان لذلك وقتٌ معلومٌ، فأمرَهما اللَّهُ تعالى أنْ يُقيْمَا بمصر مطمئنين متمكِّنين، لا يستعجلان، وأنْ يَأْمُرا بني إسرائيل بذلك، ويتَّخذوا مساجدَ في بيوتهم، ويصلُّوا فيها سِرًّا، منتظرين للفرج، وهكذا عادة المسلمين إذا حزبَهم أمرٌ فَزِعوا إلى الصَّلاة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتمِل هذا الأمرَ بالانفصال مِن فرعون وقومه باتِّخاذ البيوت لهم في طرفٍ مِن المصر، حتَّى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك، ولا يكون المرورُ عليهم، وكان ذلك الانفصال مِن جهة القِبلة (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَهَّدْنا لهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسُهم، ولمعارفنا منازلَ وهي قلوبُهم، ولمحبَّتنا مواضعَ وهي أرواحُهم، ولمشاهدتنا معاهدَ

стр. 3861

وهي أسرارُهم، فنفوسُ العابدين بيوتُ الخدمة، وقلوبُ العارفين أوطان المعرفة، وأرواحُ المهيَّمِين مشاهد الحِشمة، وأسرار الموحِّدين منازل الهمَّة (١). * * * (٨٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضاقَ صدرُ موسى مِن معاملةِ فرعون وقومه، فدعا عليهم فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ في هيآتهم في المحافل، وإذا ركبوا وبرزوا للنَّاس، ﴿وَأَمْوَالًا﴾ مِن ذهب وفضَّة. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: أي: يا ربنا أعطيتهم ذلك ليُضِلُّوا النَّاس عن طاعتك (٢). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: أي: أهلِكْها وأذهبْ آثارَها؛ لأنَّهم

стр. 3862

يستعينون بنعمتِكَ على معاصيك، وإنَّما أمرتَهم بأن يستعينوا بها على طاعتِك وسلوك سبيلِك. قال ابن عبَّاس ﵄: بلغَنا أنَّ الدَّراهم والدَّنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدَّراهم والدَّنانير (١). وقوله تعالى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهَين: واجعل على قلوبهم قساوةً وغلظةً تنفِّر الأتباع منهم ومَن يقلِّدهم عن اتِّباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع، وأَدْعى للأتباع إلى الإيمان. الثَّاني: اطبعْ على قلوبهم (٢). ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: ليرَوا ذلك، ويحتمِل الغاية؛ أي: إلى أن يروا العذاب الأليم، وكان كذلك فإنَّهم لم يؤمنوا إلى الغرق، وكان ذلك إيمانَ يأسٍ، فلم يُقْبَل. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ يحتمِل النَّصبَ جوابًا للأمر بالفاء، ويحتمِل عطفًا على قوله تعالى: ﴿لِيُضِلُّوا﴾، ويحتمِل الجزمَ بالنَّهي على معنى الدُّعاء، وهو كقول الشَّاعر: فلا يَنْبَسِطْ مِنْ بينِ عينيكَ ما انْزَوَى... ولا تلْقَني إلَّا وأنفُكَ راغِمُ (٣)

стр. 3863

وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾؛ أي: أهلكْهم كفَّارًا (١). وقال مجاهد: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بالضلالة، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: باللَّه تعالى بما يرون مِن الآيات ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا محمولٌ على أنَّ اللَّه تعالى أخبرَ موسى ﵇ أنَّهم لا يؤمنون، فيَسَعُه (٣) هذا الدُّعاء، كما أخبر اللَّه تعالى نوحًا أنَّه لن يؤمن مِن قومِك إلَّا مَن قد آمن، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فأمَّا قبل أنْ يخبرَه بذلك فلا يسعه أن يدعوَ بهذا الدعاء، وهو إنَّما أرسلَه إليهم ليدعوهم إلى الإيمان (٤). وهذه الآيةُ دليلٌ على أنَّ الدُّعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفرًا، ولا يكون رضًا بالكفر، ولا استحسانًا له، بل هو غاية استقباح له، فإنَّه لا يدعو به على أحدٍ إلَّا وعنده أنَّه أفحش جنايةٍ، وعليه أعظم عقوبةٍ. * * * (٨٩) - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾: والدُّعاء كان مِن موسى ﵇ وحدَه في الظَّاهر؛ فإنه قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا﴾، وإنَّما قال: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ لوجوه:

стр. 3864

أحدها: أنَّه يحتمل أنَّ هارون دعا أيضًا، وإنما ذُكر عن موسى لأنَّه كان أصلًا. والثَّاني: يحتمل أنَّ هارون اقتدى به فيما دعا، واتَّبع ألفاظَه فيه، فكان الأصلُ موسى فأُضِيفَ إليه، ثمَّ كانت الإجابة لهما. والثَّالث: أنَّ موسى ﵇ يدعو وهارون ﵇ يؤمِّنُ، والتَّأمينُ دعاءٌ، فإنَّ معناه: كذلكَ فليكُنْ. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: على ما أنتما عليه من الإبلاغ والوعظ إلى حلول الوقت، ولا تستعجلا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فرعون وقومه. قرأ ابنُ عامر: ﴿وَلَا تَتَّبعانِ﴾ بتخفيف النُّون (١)، وهو إخبارٌ لا نهيٌ، وقرأ الباقون بالتَّشديد: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ نهيٌ، والنُّون للتَّأكيد، كما في الواحد: لا تقولَنَّ ولا تفعلَنَّ. وقال ابن عبَّاس وابن جريج ﵃: مكثَ فرعون بعد الدَّعوة أربعين سنة (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مِن شرط الدُّعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثمَّ حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمالُه بالرِّضا بجريان الأقدار، بما يبدو مِن المسارِّ والمضارّ. والاستقامةُ في الدُّعاء: سقوطُ التَّقاضي على الغيب، والخمودُ عن الاستعجالِ بُحسْنِ الثِّقة وجميل الظَّنِّ (٣).

стр. 3865

(٩٠) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: أي: أجبنا دعاءَهما، وأمرنا بني إسرائيل بالخروج للوقت المعلوم، ويسَّرنا لهم أسبابَه، فلم يعلمْ فرعونُ وملؤُهُ بهم، ولا بخبرِ استعدادِهم للخروج، لإخفائِنا ذلك عنهم، وصَرْفِنا إيَّاهم عنهم باشتغالهم بدفن أبكارِهم، إذْ متنَ تلك اللَّيلة. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: أي: طلبوا لحاقَهم، وكذا قولُه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. ﴿بَغْيًا﴾: أي: استطالةً عليهم ﴿وَعَدْوًا﴾؛ أيْ: ظلمًا واعتداءً. قال قيس (١): كانَ مع موسى ﵇ مِن بني إسرائيل ستُّ مئة ألف، وكان مقدِّمة فرعون سبعَ مئة ألف، كلُّ رجل منهم على حصان، على رأسه بيضة، وبيده حَرْبَة، وهو خلفَهم في جمعٍ كثيرٍ، فلمَّا انتهى بنو إسرائيل إلى البحر قالوا: يا موسى، أين ما وعدتنا؟ هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ على أثرنا وجنوده، فقال موسى للبحر: انفلقْ أبا خالد، قال: لن انفلق لك، أنا أقدمُ منك وأشدُّ خلقًا، فنُودي موسى: أنِ اضرِبْ بعصاك البحرَ، فضربَ، فانفلقَ البحرُ، وكانوا اثني عَشَرَ سِبْطًا، حتَّى كان لكلِّ سِبْطٍ طريقٌ (٢). قال وهبٌ: وارتفعَ بينَ كلِّ طريقَيْن الماءُ كالجبل، وكانوا بني عمٍّ، لا يرى

стр. 3866

بعضُهم بعضًا، ولا يسمعُ بعضُهم كلامَ بعضٍ، فأوحى اللَّه تعالى إلى الجبال من الماء أن تشبَّكي، فظهرَتْ مشبَّكاتٌ حتَّى رأوا وسمعوا ومضوا، فعاد البحر إلى حالِه، فلمَّا انتهى أوَّل جنود فرعون هابَتِ البَحر (١)، ومُثِّلَ لحصان فرعون فرسٌ عليه جبريل، وفرعونُ لا يراه، فوجدَ الحصانُ ريحهَا، فانسلَّ خلفَ فرس جبريل في الماء، فقال فرعون: هابني البحرُ، فلمَّا دخل آخرُ جنود فرعون البحر وخرج آخرُ بني إسرائيل انطبقَ عليهم (٢). فلمَّا ألجمَه الغرقُ، وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: ﴿الْغَرَقُ﴾ بفتح الرَّاء: القُرْبُ مِن الهلاكِ بغَمرةِ الماء، والغَرْقُ بتسكينها: الهلاكُ فيها. وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿إنَّه﴾ بالكسر على الابتداء، فقوله: ﴿آمَنْتُ﴾ كلامٌ، وقولُه: ﴿إِنَّهُ﴾ ابتداءُ كلامٍ آخر، وهو كالبدل عن الأوَّل، وقرأ الباقون بفتحها (٣) لوقوع ﴿آمَنْتُ﴾ عليها. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: المؤمنين، وقيل: أي: المخلصين، وقيل: أي: المنقادين. * * * (٩١) - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: قال جبريل: ﴿آلْآنَ﴾ استفهام بمعنى التَّوبيخ، وأضمر فيه: آلَان آمنْتَ؛ أي: عندَ الغرق، وهي

стр. 3867

حالة اليأس، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ أمرَ اللَّهِ بالإيمان ﴿قَبْلُ﴾ هذه الحالة، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في أرض مصرَ بالدُّعاء إلى عبادة غير اللَّه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: أبعدَ طول الإمهال، والإصرارِ على ذميم الأفعال، والرَّكض في ميدان الاغترار، وفَوْت وقت الاعتذار، هيهات هيهات، لقد استوجبْتَ أنْ يُرَدَّ عذرُك في وجهِكَ، فلا لِعُذرِكَ قَبولٌ، ولا لك إلى ما تَرومُه وصولٌ (١). وروى ابنُ عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: لَمَّا قال فرعون: لا إلهَ إلَّا اللَّه، أتاهُ جبريلُ فحشا فاه بالتُّراب، خشيةَ أنْ تدرِكَه رحمةُ اللَّه تعالى (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يُقبَلْ إيمانُ فرعونَ في ذلك الوقت لوجهَيْنِ: أحدهما: أنَّ إيمانَه عندَ خوفِ الهلاكِ إيمانُ دفعِ البأس، لا إيمانُ حقيقةٍ، وهو كإيمان الكفرة في الآخرة. والثَّاني: أنَّ الإسلامَ تسليمُ النَّفس إلى اللَّه تعالى، فإذا آمنَ في وقتٍ خرجَتْ نفسُهُ مِن يدِه لم يَصِرْ مُسْلِمًا نفسَه إلى اللَّه تعالى؛ إذ ليسَ نفسُه في يدِه فيُسْلِمَها (٣). وعن كعبِ الأحبار قال: أمسك فيضُ (٤) مصرَ عن الجري، فقالَتِ القبطُ لفرعونَ: إنْ كنْتَ ربًّا فأجرِ الماء، فركبَ وأمرَ جنودَه بالرُّكوبِ، وكان مناديه ينادي كلَّ ساعةٍ: ليقفْ فلانٌ بجنوده قائدًا لهم، فجعلوا يقفون على درجات، حتَّى بقي

стр. 3868

هو وحجَّابُه ووزراؤُه، فأمرَهم بالوقوف، فتقدَّمهم وحدَه بحيث لا يرونَه، ونزلَ عن دابَّته، ولبس ثيابًا، فأتاه جبريل وهو وحده يستفتي: ما قولُ الأميرِ في عبدٍ لرجلٍ، نشأَ في مالِه ونعمتِه، ولا سيِّدَ له غيره، فكفرَ نعمتَه، وجحدَ حقَّه، وادَّعى السِّيادة دونَه، فكتبَ فرعون فيه: يقول أبو العبَّاس الوليدُ بنُ مصعب بن ريَّان: جزاءُ العبد الخارج على سيِّده الكافر نعماءَه أن يغرقَ في البحر، فأخذَه جبريل ومرَّ، فلمَّا ألجمَه الغرق وأيقنَ بالهلاك ناولَه جبريلُ خطَّه وغرَّقه. قال كعب: ورماه الماءُ كأنَّه ثور إلى السَّاحل (١). * * * (٩٢) - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. وقوله (٢) تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾: أي: نلقِيْكَ على نَجْوَةٍ مِن الأرض؛ أي: ارتفاعٍ ﴿بِبَدَنِكَ﴾؛ أي: جسدًا لا روحَ فيه. وقيل: أي: مع درعك، والبَدَنةُ والبَدَنُ: الدِّرعُ. وقيل: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ مِن النَّجاة، وهي الخَلاص؛ أي: تخلصُ مِن دوابِّ البحر، فنخرجُكَ ولم تأكلْكَ. وروي أنَّ بني إسرائيل قالوا: ما ماتَ فرعونُ، ولا يموتُ أبدًا، فألقاه البحرُ بأمر اللَّه تعالى إلى السَّاحل، فعاينوه وأيقنوا بموتِه (٣).

стр. 3869

وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: أي: لتكونَ لِمَنْ بقيَ مِن بعدِكَ علامةً، فتزولَ وساوسُ الشَّيطان وخُدَعُه عن الضَّعَفة بتوهُّمِهم حياتَه أو خلاصَه عن الهلاك؛ إذ كانَ عندَهم إلهًا معبودًا، وتكون آيةً يستدلُّون بك على ما يلزمُهم مِن الانقيادِ للأنبياء، والإجابةِ لدعوتِهم، وإلَّا حَلَّ بهم ما حلَّ به. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: أي: فعلْنا ذلكَ بفرعونَ مع تكبُّرِه وإسرافِه ودعواه الإلهيَّةَ، فنحنُ على إهلاك هؤلاء المشركين الذين هم دونَه لقادرون، ولو فكَّروا لعلموا ذلك، لكنَّهم غافلون. وقال السُّديُّ: قالَتْ بنو إسرائيل: إنَّ فرعونَ لم يغرقْ، وإنَّه يدركُنا الآنَ ويقتُلُنا، فأوحى اللَّهُ تعالى إلى البحرِ فقذَفَه، فأخذَ بنو إسرائيلَ أسلحتَهم (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: لم يكنِ الماءُ ينبذُ الغريقَ قبلَ فرعونَ، فلمَّا أغرقَ اللَّهُ فرعونَ أمرَ الماءَ بنَبْذِ الغريق (٢). وذُكِرَ أنَّ في قراءة أبي حنيفة ﵁: (فاليومَ نُنَحِّيكَ) بالحاء المهملة مِن تحتها (٣)، مِن التَّنحية، التَّبعيد، (ليدَيْكَ): تثنية اليدِ (٤)، (لتكونَ لمَنْ خلقَكَ)

стр. 3870

بالقاف (١) (آيةً)؛ أي: نبعدك عن الرَّحمة بما كسبَتْ يداكَ مِن الجفوة، لتكون من خالقِكَ لخلْقِهِ آيةً. * * * (٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: أي: مكنَّاهم بعدَ إغراق فرعون وقومه مكانًا حَسنًا محمودًا، وأنزلناهم منازلَ فرعونَ وقومِه، وأورثناهم أرضَ الشَّام وهي منازل الصِّدق. قاله قتادة (٢). وقال الحسن: أي: مصر، وهو منزلٌ صالحٌ آمنٌ خصْبٌ (٣). وقال الضَّحَّاكُ: مصر والشَّام (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قولُه : ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾؛ أي: صدَّقنا لهم بها ما وعَدْنا بقولنا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٥]. ويحتمل: مبوَّأَ أهلِ صدقٍ، كما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠] (٥).

стр. 3871

وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأقواتِ والأطعمة المستطابة. ويحتمل: المَنَّ والسَّلوى. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: قيل: فما اختلفوا في نبوَّة محمَّد ﷺ إلى أن جاءَهم هو، فحينئذٍ كفرَ بعضُهم به وآمنَ بعضُهم. و ﴿الْعِلْمُ﴾: معرفتُهم به قبلَ خروجِه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]. وقيل: بل كانوا مختلفِيْنَ في كثيرٍ مِن أمورِ دينِهم قبلَ المَبْعَثِ، طلبًا للرِّئاسة، وبغيًا مِن بعضهم على بعضٍ، حتَّى ألجأَهُم ذلك إلى القتال، تعسُّفًا في التَّأويل، وتعصُّبًا للمذاهب، وقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾؛ أي: الكتاب والأحكام، فاختلفوا بعد فراقِهم موسى ﵇، على الوجه الَّذي قُلْنا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيَمِيزُ المحقَّ من المُبْطِلِ، فيجزي كلًّا منهم على استحقاقِه، ويُنزله منزلةَ استيجابه (١)، على حكم وعده ووعيده. وقيل: أراد به اليهود الَّذين كانوا في عصر النَّبيِّ ﷺ ، أنزلَهم اللَّه تعالى منزلةَ كرامةٍ وفضلٍ، فما اختلفوا في محمَّد حتَّى جاءَهم العلمُ عيانًا؛ أي: المعلوم، وهو محمَّد ﵊. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يقول: أَدَلْنَا لهم الأيام، وأكثَرْنا عليهم الإنعام،

стр. 3872

وأكرَمْنا لهم المقام، وأتَحْنا لهم فنونَ الحسنات، وأدْرَرنا عليهم جميع الخيرات، فلمَّا قابلوا النِّعمةَ بالكفرانِ، وأصرُّوا على البغي والعُدوان، أذقناهم سوءَ العذاب، وسدَدْنا عليهم أبواب ما فتحْنا لهم مِن التَّكريم والإيجابِ، ذلك جزاءُ مَن حادَ عن طريقةِ الوِفاق، وجنحَ إلى جانبِ الشِّقاقِ (١). * * * (٩٤) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: يقول: إنَّ قصَّة فرعون وموسى على ما اقتَصَصْتُه عليك، فإنْ كنْتَ شاكًّا فيه ﴿فَاسْأَلِ﴾ المؤمنين مِن أهل الكتاب عن ذلك ﴿الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أي: مِن الشَّاكِّيْنَ. وتكلَّمَ النَّاسُ في هذه الآية وأكثروا؛ لأنَّ ظاهرَها مشكِلٌ فإنَّ النَّبيَّ ﵊ لم يكن يشكُّ فيما أُنْزِلَ عليه. قال أكثرُ المفسِّرين: الخطابُ للنَّبي ﵊، والمرادُ غيرُه ممَّنْ شكَّ فيه، والعربُ تفعل كذلك، وفيه المثل السَّائر: إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة (٢). ومثله في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ويدلُّ عليه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] على الجمع.

стр. 3873

وقال القتبي: الخطابُ لغيرِه، وهو مَن شكَّ فيه. قال: كان النَّاس على عهد النَّبيِّ ﷺ أصنافًا: منهم كافرٌ مكذِّب لا يرى إلَّا أنَّ ما جاءَ به باطل. ومؤمنٌ مصدِّق يعلم أنَّ ما جاءَ به حقٌّ. وشاكٌّ في الأمرِ لا يدري كيف هو؟ يقدِّم رجلًا، ويؤخِّر أخرى. فخاطَبَ اللَّهُ تعالى هذا الصِّنفَ مِن النَّاسِ، فقالَ: إنْ كنْتَ أيُّها الشَّاكُّ في شَكٍّ ممَّا أنزلْنا إليك من الهدى على لسان محمَّد، فسَلِ الأكابرَ مِن أهلِ الكتاب والعلماء الَّذين يقرؤون الكتاب مِن قبلِكَ، مثل عبد اللَّه بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الدَّاري وأشباههم، شهدوا على صدقِه، ولم يُرِدِ المعاندين منهم (١). وقيل: خرجَ هذا الكلامُ مخرجَ المبالغةِ في شِبْهِه (٢)، وهو كقولِكَ لعبدِكَ: إنْ كنْتَ عبدي -وتعلَمُ أنَّه كذلك- فانتهِ إلى أمري، وإلَّا فأسألِ النَّاسَ يخبروك أنَّك عبدي، وهو لا يشكُّ في عبوديَّتِه لسيِّده (٣).

стр. 3874

وتقديرُ هذه الآية على هذا: قدْ أخبَرْناكَ بما تعلمُ أنَّك لا تشكُّ فيه، فإنْ كنْتَ في شَكٍّ فيه فاسألِ العلماءَ به، ثمَّ يعودُ حقيقة الأمر إلى أنَّ ما أخبرناك به صِدقٌ، ينبغي للكفَّار أنْ يصدِّقوك، فإنْ لم يصدِّقوك فلْيَسألوا غيرَك مِن أهل الكتاب. والأمورُ إذا وقعَتْ فيها المبالغةُ خرجَ الخطاب فيها إلى ما لا يكون، قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]؛ أي: لو جازَ كونُ هذه الأشياء لكانت في هذه الحالة. فكذا هذا معناه: لو كنْتَ ممَّنْ يلحقُكَ شَكٌّ فيما أخبرناك به، فسألْتَ أهلَ الكتاب، لأزَالُوا عنك الشَّكَّ بتصديقِهم إيَّانا فيما أخبَرْناك به، وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ أي: لَئِنْ كنْتَ ممَّن يجوزُ ذلك عليك لبطلَ عملُكَ. وقيل: علم اللَّه تعالى أنَّ الرَّسولَ ﵊ لا يشكُّ، فإنَّما خاطبَه بهذا ليقول: أنا لا أشكُّ؛ لِيُثاب على ذلك، كما قال لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ لِيُثَابَ على ذلك. وقد رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لجبريل: "أنا لا أشكُّ، ولا أسألُ" (١). وقال الزُّهريُّ: نزلَتِ الآيةُ في السَّماء، ومعنى قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: الملائكة.

стр. 3875

وقال عبد العزيز بن يحيى: أي: فإنْ كنْتَ في ضِيقِ صَدْرٍ مِن تعنُّتِ الكفَّار لِمَا أُنْزلَ عليك، فاسألْ أهلَ الكتابِ: كيفَ صبَرَ الأنبياءُ على أذى قومِهم، وكيف كانَتْ عاقبةُ أمرِهم (١). * * * (٩٥) - ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي خطابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ظاهرًا، والمراد به غيره، أو هي خطابُ غيرِه، وهو على ما مرَّ في الأولى. وإنْ حُمِلَتْ على خطابِه وإرادَتِه فقد مَرَّ مرَّات أنَّ العِصمةَ لا تزيلُ النَّهيَ، بل قيام النَّهيِ شرطٌ لتحقُّقِ العصمة. * * * (٩٦ - ٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وهي تسليةُ رسول اللَّه ﷺ وإزالةُ ضِيقِ صَدْرِه بتأخُّر إسلام قومِه. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هو قولُه : ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].

стр. 3876

ويحتمِلُ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]. وحاصلُه: أنَّ مَن علمَ اللَّهُ منه اختيارَ الكُفْرِ وإصرارَه عليه شاء له الكُفْرَ فلا يؤمِنُ أبدًا (١). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ عندَ البأسِ فيؤمنون به، ولا ينفعُهم، أو في القيامة فلا يُقبَل منهم. * * * (٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية: أي: فهلَّا، وهو تحريضٌ، و ﴿قَرْيَةٌ﴾؛ أي: أهلُ قرية؛ أي: فهلَّا آمنَ أهلُ قريةٍ مِن الَّذين عُوجِلوا بالعذاب، فكان ينفعهم إيمانهم ويُقبَل منهم، وهاهنا مُضمَر: ولم يؤمنوا فضرَّهم كفرُهم ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: والخزيُ: الهوانُ الَّذي يفضحُ صاحبَه. وقال الحسنُ: لم يكن ذلك فيما خلا -أنْ يؤمِنَ أهلُ قرية بأسرها حتَّى لا يشذَّ أحدٌ منهم- إلَّا قوم يونس؛ أي: فهلَّا كانت القُرى كلُّها هكذا. وقوله تعالى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: أي: إلى حضورِ آجالِهم.

стр. 3877

وأكثر المفسرين على أن إيمان قوم يونس لم يكن حين عاينوا هذا العذاب، لكنَّ يونسَ صلوات اللَّه عليه أخبرَهم بدنوِّ نزول العذاب بهم، وفارقَهم، وتلك حالةٌ لم يَزُلِ التَّكليفُ فيها عنهم، فراجعوا عقولَهم، فأبصروا رشدهم، فآمنوا، فانصرفَ العذابُ الَّذي كان أشرفَ عليهم عنهم. وكان ذلك مخالفًا لحالةِ فرعونَ حين أدركَه الغرقُ؛ لأنَّه آمنَ في حالِ معاينةِ العذابِ، وهي حالةُ زوالِ التَكليف عنه، فلم ينفَعْهُ الإيمانُ، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وقوله تعالى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ لا يدلُّ على حصولهم في العذاب، بل يقع ذلك على إشراف العذاب عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كان الإنقاذُ منها حالةَ الإشراف عليها، لا الحصولِ فيها. وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ قومَ يونسَ ﵇ كانوا بنِيْنَوى مِن أرضِ الموصِل، فلمَّا فقدوا نبيَّهم قذفَ اللَّهُ في قلوبِهم التَّوبة، فلبسوا المسوحَ، وخرجوا فنزلوا على تلٍّ، وفرَّقوا بينَ كلِّ بهيمةٍ وولدِها، وعجُّوا أربعين ليلةً، فلمَّا علمَ اللَّهُ تعالى الصِّدق مِن قلوبِهم، كشفَ عنهم العذابَ، وتابَ عليهم، ومتَّعهم إلى حين الموت (١). وقال وهبٌ: قال يونسُ لقومِه: إنَّ أجلَكُم أربعون يومًا وليلة، فإنْ لم تستجيبوا له عذَّبكم عذابًا يفنيكُم ويستأصلُكم. قالوا: فإنَّ آيةَ ما بينَنا وبينك الأجل، فإنْ رأيْنا أسبابَ العذابِ صدَّقْناك، فدخلوا مدينتهم يأتمرون وينتظرون في أمره، فلمَّا مضى مِن الأجل خمسة وثلاثون يومًا غامَتْ عليهم السَّماء غيمًا أسودَ هائلًا، يدخِّنُ دخانًا شديدًا، ثمَّ يهبط حتَّى يغشى مدينتهم، حتَّى اسودَّتْ سطوحُهم منه، فلمَّا رأَوا ذلك

стр. 3878

قد تتابعَ عليهم أيقنوا بالهلاك، فنقلوا يونسَ إليهم (١)، فنزلَ بينَ أظهرِهم، وبرزوا إلى الصَّعيد بأنفسِهم ونسائِهم وصبيانِهم ودوابِّهم، فعجُّوا إلى ربِّهم، وفرَّقوا بين دوابِّهم وأولادِها، فحنَّ بعضُها إلى بعضٍ، وعلَتْ أصواتُها، وفعلوا ذلك عمدًا لتختلط أصواتُها بأصواتِهم، وحنينُها بحنينِهم؛ ليرحمَهم ربُّهم، فرحمَهم، واستجابَ لهم، وقَبِلَ توبتَهم، وكشفَ العذابَ عنهم، فذلِكَ قولُه تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨] (٢). وقال مقاتل: كان العذابُ فوقَ رؤوسِهم قدْرَ ميلٍ (٣). فكشفَ اللَّهُ عنهم يومَ عاشوراء يومَ الجمعة، فحذَّرَ اللَّهُ تعالى أهلَ مكَّة أنهم إنْ آمنوا عندَ نزولِ العذابِ لم ينفعْهم، كما لم ينفعِ الأممَ الخالية إلَّا قومَ يونسَ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تداركَتْهم الرَّحمة الأزليَّة فيما أَجْرَى عليهم [من] توفيق التَّضرُّع، فكشَفَ عنهم العذابَ، وبرحمَتِه وصلوا إلى تضرُّعِهم، لا بتضرُّعِهم وصلوا إلى رحمتِه (٤). * * * (٩٩ - ١٠٠) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 3879

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾: أخبرَ عن كمالِ قُدْرَتهِ ونفوذ مشيئتِه: أنَّه لو شاءَ لآمنَ مَن في الأرض كلُّهم فلا يبقى فيها إلَّا مؤمنٌ موحِّدٌ، ولكنَّه شاءَ أنْ يؤمِنَ به مَن عَلِمَ منه اختيارَ الإيمانِ به، وشاءَ ممَّنْ عَلِمَ منه أنَّه يختارُ الكُفْرَ ولا يؤمِنُ به ألَّا يؤمِنَ به. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لا تملكُ أنت يا محمَّد أنْ تكرِهَهم على الإيمان؛ لأنَّ الإيمانَ يكونُ بالاعتقادِ والإقرار، ولا يمكن الإكراه على الاعتقاد. وقيل: كان هذا بمكَّة حين لم يُؤمَروا بالقتال، ثمَّ أُمِروا بالمدينة بالقتال، وهو إكراهٌ على الإيمان. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: كان رسولُ اللَّه ﷺ حريصًا على إسلام أبي طالب وقومِه، فأبى اللَّهُ ذلك عليه إلَّا مَن علم في سابق علمه أنَّه يؤمِنُ، فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠] (١). قال عطاء: أي: بمشيئةِ اللَّه تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢). وقال عطيَّةُ العوفيُّ: أي: بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه (٣). وقال عبد العزيز بن يحيى: أي: بعلمِ اللَّه وتوفيقِه (٤).

стр. 3880

وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا تحتمِلُ الآية إلَّا هذا (١)، ولا تحتمِلُ الأمرَ والإطلاقَ؛ لأنَّه كم مِن مأمورٍ بإيمانٍ لم يُؤْمِن به، فلم تحتملِ الأمر، ولا تحتملُ الإباحةَ؛ لأنَّه لا يُباحُ تركُ الإيمان في حالٍ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هذا مبتدأٌ، ومعناه: ونجعل الإثم، وقيل: العذاب. وقيل: أي: جزاءَ الرِّجس؛ أي: الكفرَ. وقيل: الرِّجس: الشَّيطان؛ قال ﵊ في دعاء الخَلاء: "اللَّهمَّ إنِّي أعوُذ بك مِن الرِّجْسِ النَّجِس، الخبيثِ المُخْبِث، الشَّيطانِ الرَّجيمِ" (٣). أي: ويسلِّط الشَّيطانَ على الَّذين لا يستعملون عقولَهم، ولا يعملون بما تدعوهم إليه. * * * (١٠١) - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 3881

وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: قلْ يا محمَّد للمشركين: انظروا أيُّ شيءٍ في السَّماوات والأرض مِن العِبَرِ؟ مِن مجيء الَّليل والنَّهار، ومجرى النُّجوم والأفلاك، ونتاج الحيوان، وخروج الزُّروع والثِّمار، ووقوف السَّماوات والأرض بغير عمادٍ، وكلُّ ذلك تدبيرٌ يقتضي مدبِّرًا لا يُشبِهُ الأشياء، ولا يُشْبِهُه شيءٌ. وقيل: أي: فيها عجائبُ الصُّنع الذي أنتم مقرُّون بأنَّ اللَّهَ تعالى خلقَها، فإنَّكم إذا نظرْتُم علمْتُم أنَّه مِن صُنع مَن لا يجوز أنْ يكونَ له في مُلْكِه شريك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾: يجوزُ أنْ تكونَ (ما) نفيًا، ويجوز أن تكونَ استفهامًا ﴿وَالنُّذُرُ﴾: الرُّسل ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: وما ينفعُ ذلك إذا لم يستدلُّوا به فيؤمنوا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الأدلَّة وإنْ كانت ظاهرة فما تغني إذا كانت البصائرُ مسدودة، كما أنَّ الشَّمس وإنْ كانَتْ طالعةً فما تغني إذا كانَتِ الأبصارُ عن الإدراكِ بالعَمى مردودة، كما قيل: وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بمُقْلَتِهِ... إذا استوَتْ عندَهُ الأنوارُ والظُّلمُ (١) * * * (١٠٢) - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: فلينتظرْ

стр. 3882

هؤلاء المتَّبعون للهوى والظَّنِّ، التَّاركون للنَّظر والاستدلال في الشِّرك والتَّكذيب، أنْ (١) ينزلَ عليهم مِن عذابِ اللَّهِ ما نزلَ على الأممِ الخاليةِ المكذِّبة أنبياءَها. وقال قتادة: إلَّا مثلَ وقائعِ اللَّهِ في الأوَّلين قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (٢). وقال يمان بن رئابٍ: ﴿مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مثل عذابهم، والعربُ تسمِّي العذابَ: أيَّامًا، والنَّعيم: أيَّامًا؛ قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]؛ أي: بنِعمِ اللَّهِ، وكلُّ ما مضى عليك مِن خير أو شرٍّ فهو أيَّامٌ؛ لوقوعه في الأيَّام (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي: إنجازَ وعدِه لي في إنزال العذاب بكم إنْ أقمْتُم على تكذيبي. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يحتمِل: هل ينتظرون بي يومًا مِن الهلاك إلَّا مثلَ ما انتظر الَّذين خَلَوا مِن قبلِهم برسلِهم مِن الهلاك. ويحتمل: هل ينتظرون نزولَ العذاب بهم إلَّا مثل ما انتظرَ أولئك مِن نزول العذاب بهم. ويحتمل: هل ينتظرون مِن تأخيرهم الإيمانَ إلى وقتِ نزولِ العذاب بهم إلَّا مثلَ ما أخَّرَ أولئك، وهو يخرج على الإياس من إيمانهم. * * * (١٠٣) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ثمَّ نخبركم أنَّ مِن سُنَّتِنا إذا أنزلْنا العذابَ بقومٍ أنْ نُخْرِجَ مِن بينِهم رسولنا والذين آمنوا معَه.

стр. 3883

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ننجِي المؤمنين مِن العذابِ في كلِّ زمانٍ. ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾: ظاهرُه: واجبًا علينا، وحقيقتُه: وَعْدًا منَّا مؤكَّدًا لا خُلْفَ فيه؛ لأنَّ العبادَ لا يجبُ لهم على اللَّهِ تعالى شيءٌ. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾؛ أي: أنجيْنا؛ لأنَّه لا رسولَ بعدَ رسولِنا محمَّد ﷺ (١). فهذا مستقبلٌ بمعنى الماضي، وفي بعضِ الآيات ماضٍ بمعنى المستقبَل. * * * (١٠٤) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهم المذكورون في أوَّل السُّورة: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾: ما هو؟ (٢) أو في دينِ الإسلام الَّذي علمْتُم ما هو، لكن شككْتُم أحقٌّ هو أم لا؟ فها أنا أكشفُ لكم ماهيتَه وحقيقتَه. أمَّا الأوَّل: فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأصنامَ والجنَّ والملائكة ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾؛ أي: يميتُكم، وهو الذي يحييكم، فهو القادر على كلِّ شيءٍ على الكمال، فله استحقاقُ العبادة دونَ غيرِه، وهو إشارةٌ إلى بيانِ حقيقة دينِه.

стр. 3884

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: إنْ كنتم في شَكٍّ مِن دينِ الإسلام أحقٌّ هو؟ شككْتُم في دينكم أيضًا، فإنْ لم تجيبوني إلى هذا الدِّين الذي لا شكَّ فيه، ودعوتُموني إلى دينِكم مع الشَّكِّ فيه، فهو سَفَهٌ. ويحتمل: إنْ كنْتُم في شكٍّ مِن ديني الَّذي أدينُ به وأدعوكم إليه، فأنا لا أشكُّ فيه، فلا أعبدُ الذين تدعون مِن دون اللَّهِ، هذا مضمَرٌ. ويحتمل: إنْ كنْتُم في شكٍّ مِن ديني وما أعبد، فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تَدينون، وهو كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] (١). وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أمرني اللَّه تعالى به، فقال: كُنْ مِن المؤمنين، ولذلك عطف عليه ما هو بصيغة الأمر. * * * (١٠٥) - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: أي: أَخْلِصْ عملَك (٢). وقيل: أي: قوِّم إقبالَك وتوجُّهَكَ على ما أُمِرْتَ به. وقيل: أي: أقمْ نفسَكَ للَّه خالصةً سالمةً، لا نَصِيْب فيها لغير اللَّه. وهذا قول الإمام أبي منصور ﵀ (٣).

стр. 3885

وقيل: أي: أقمْ وجهَكَ في الصَّلاة نحو الكعبة. وقال أيضًا: أقمْ نفسَكَ على ما عليها شهادةُ (١) خِلْقتها، إذ خِلْقةُ كلِّ نفسٍ تشهدُ على وحدانيَّة اللَّه تعالى وأُلوهيَّته. وقال أيضًا: أقمْ وجهَ أمرِكَ لِمَا تَدِيْنُ به وتُقِيْمُ عليه (٢). ﴿حَنِيفًا﴾: أي: مستقيمًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: قيل لي ذلك، عطفًا على الأوَّل، وكذلك قوله تعالى: * * * (١٠٦) - ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا تدعُ غيرَ اللَّهِ إلهًا. وقيل: أي: لا تعبدْ. وقيل: أي: لا تَدْعُهُ بحوائجِكَ. وقولُه: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾؛ أي: لا يقدر على نفعٍ ولا ضرٍّ، وهو صفةُ الأصنام. فإنْ قيل: ولِمَ قال: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، وهو لو نفعَ وضرَّ لم تجزْ عبادتُه؛ لأنَّها لا تحقُّ إلَّا للَّه وحدَه؟

стр. 3886

قلْنا: معناه: ما لا ينفعُك ولا يضرُّك نفعَ الإلهِ وضرَّه؛ ولأنَّ عبادةَ ما لا ينفعُ ولا يضرُّ أخسرُ للصَّفقة، وأبعدُ عن الشُّبهة (١). * * * (١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: أي: وقيل لي ذلك أيضًا، وهو عطفٌ على الأوَّل. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾؛ أي: يُصبْكَ اللَّهُ بفاقَةٍ في معيشَتِكَ، أو آفةٍ في جسدِكَ، فلا كاشفَ لذلك الضُّرِّ إلَّا هو (٢). ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: يُصبْكَ بسعةٍ وغنًى وصحَّةِ جسمٍ ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانِعَ لرزقِه ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يخصُّ به مَن يشاءُ مِن خلقِه. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: غفورٌ لِمَنْ تابَ مِن شركِه، رحيمٌ بإنعامِه على جميعِ خَلْقِهِ. أمرَه أنْ لا يخافَ شيئًا مِن الأصنام أو أحدًا مِن أولئك الأقوام في مجاهرتهم (٣) بخلاف دينِهم، بل يخافُ اللَّهَ إنْ دعا مِن دونِه ما لا يضرُّه وما لا ينفعُه؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إن أصابَه بضرٍّ فلا كاشفَ له غيره، وإنْ أصابَه بخير فليس إلى أحدٍ سوى اللَّه ردُّه، وهو الغفورُ الذي يسترُ الذُّنوب، والرَّحيم بمَنْ يتوب.

стр. 3887

وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيات نقضٌ على المعتزلة، فإنَّه قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وهم يقولون: أرادَ اللَّهُ مِن الكافر الإيمانَ، وهو ردَّه فلم يؤمِن، وتسميتُه فضلًا يدلُّ على أنَّه ليس على اللَّه شيءٌ، فإنَّ الفَضْلَ هو فعلُ ما ليسَ عليه (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾؛ أي: إنْ كنْتُم في غطاءٍ مِن الذَّنب، فأنا في ضياءٍ مِن الغَيْب، أنتم في ظلمةِ الجهل، وأنا في شموس الفَضْل، أنتم في سُدفَةِ (٢) الضَّلالة، وأنا في خِلْعة الرِّسالة وعلى نور الدِّلالة، أنتم في وَهْدَة العوج، وأنا ثابتٌ على سواء النَّهج. وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾: أي: وقيل لي: أخلصْ قصدَكَ للدِّين، وجرِّدْ قلبَكَ عن إثباتِ كلِّ ما لحقَه قهر التَّكوِيْن. وقال في قوله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية: كما تفرَّد بإبداع الضُّرِّ واختراعِه فلا شريك يعضدُه، كذلك توحَّدَ بكشْفِ الضُّرِّ وصرفِهِ فلا نصير ينجدُه. وقال: عَذُبَ الضُّرُّ حيث كان بفعلِه، فما أوجبَ عينَ الضُّرِّ منَ الحزنِ والحرَبِ (٣)، أبدلَ مكانَه إضا فتُه إلى فعلِه السُّرورَ والطَّرب (٤). * * *

стр. 3888

(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: أي: المذكورون في أوَّل هذه السُّورة، وهم مشركو قريشٍ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني جاءكم محمَّد ﷺ بالقرآن (١). وقيل: أي: ببيان ما يحقُّ عليكم أن تعتقدوه، وتقولوا به، وتعملوا عليه. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀ -بعدَما ذَكَرَ أنَّ الحقَّ هو محمَّدٌ ﷺ : وقيل: هو القرآن، ويُشْبِه أن يكون هو الدِّينَ الذي شكُّوا فيه؛ أي: قد جاءكم ما يزيلُ عنكم ذلك الشَّكَّ إنْ لم تكابروا في الحججِ والبراهين (٢). ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: أي: فمَنْ سلَكَ سبيلَ الرَّشاد المؤدِّي إلى الحقِّ الَّذي جئْتُ به فإنَّما يهتدي لنفسِه بما يفوزُ مِن رضاءِ خالقِه ومِن ثوابِه، بالنَّعيم المقيم الَّذي لا يشوبُه كَدَرٌ ولا يلحقُه غِيَرٌ. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: عن هذا السَّبيلِ فوقعَ في غيرِهِ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على نفسِه؛ أي: ضرُّه على نفسِه باعوجاجِه عن طريقِ الحقِّ، لا يَضرُّ خالقَه بضلالِه، كما لا ينفعُه باهتدائِه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: قال الحسنُ: أي: بحفيظٍ يحفظُ أعمالَكم، إنَّما أنا نذيرٌ، واللَّهُ الحافظُ عليكم أعمالكم (٣). وقيل: أي: لسْتُ مسلَّطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبِكُم، وإنَّما أنا مبلِّغٌ مُرْشِدٌ.

стр. 3889

(١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: أي: لسْتَ عليهم بوكيلٍ مسلَّطٍ على قلوبِهم فتتصرَّفَ فيها، ولكنَّكَ مبلِّغٌ فاتَّبعْ وحيَنا. وقال الحسنُ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: مِنْ دِيْنِه الَّذي بيَّنه في كتابِه (١). ثمَّ عزَّاه فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾: على ما تسمعُ منهم مِن الأذى والتَّكذيبِ لك ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ تعالى، فيأتيَكَ أمرُهُ ونهيُه وحكمُه، وما وعدَك مِن إظهارِ دينِه (٢) ونصرِكَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ في عدلِ حُكمِه، وإنجازِ وعدِه، وصدقِ كلماتِه. وقيل: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يلحقُه في حكمِه زللٌ ولا خللٌ، ولا يمنعُه عن إمضائِه مانعٌ. وقال ابن عبَّاس ﵄: كان مِن حكمِه أمرُه بالقتال، ونَسَخَ بِهِ: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٣). وقال الضَّحَّاكُ: حكَم بالقتل يومَ بدر وأُحُد والأحزاب. وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية بعثَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى الأنصار، فجمَعهم ولم يجمعْ معهم غيرهم، وقال: "إنَّكم ستجدون بعدي أَثَرةً فاصبروا حتَّى

стр. 3890

تلقَوْني على الحوض"، قال أنسٌ ﵁: فلم يصبروا (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَاصْبِرْ﴾؛ أي: وَقِفْ عندَ جَرَيان أحكامِنا، وانسلِخْ عن مرادِكَ بالكليَّة، ليجريَ عليكَ ما نريدُ مِن القضيَّة (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: سورةُ يونس كلُّها مكيَّة إلَّا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فإنها مدنيَّة نزلَتْ في اليهود (٣). وباللَّه العونُ والتَّوفيقُ (٤). * * *
следующие страницы →