← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

قلْنا: معناه: ما لا ينفعُك ولا يضرُّك نفعَ الإلهِ وضرَّه؛ ولأنَّ عبادةَ ما لا ينفعُ ولا يضرُّ أخسرُ للصَّفقة، وأبعدُ عن الشُّبهة (١). * * * (١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: أي: وقيل لي ذلك أيضًا، وهو عطفٌ على الأوَّل. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾؛ أي: يُصبْكَ اللَّهُ بفاقَةٍ في معيشَتِكَ، أو آفةٍ في جسدِكَ، فلا كاشفَ لذلك الضُّرِّ إلَّا هو (٢). ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: يُصبْكَ بسعةٍ وغنًى وصحَّةِ جسمٍ ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانِعَ لرزقِه ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يخصُّ به مَن يشاءُ مِن خلقِه. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: غفورٌ لِمَنْ تابَ مِن شركِه، رحيمٌ بإنعامِه على جميعِ خَلْقِهِ. أمرَه أنْ لا يخافَ شيئًا مِن الأصنام أو أحدًا مِن أولئك الأقوام في مجاهرتهم (٣) بخلاف دينِهم، بل يخافُ اللَّهَ إنْ دعا مِن دونِه ما لا يضرُّه وما لا ينفعُه؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إن أصابَه بضرٍّ فلا كاشفَ له غيره، وإنْ أصابَه بخير فليس إلى أحدٍ سوى اللَّه ردُّه، وهو الغفورُ الذي يسترُ الذُّنوب، والرَّحيم بمَنْ يتوب.

стр. 3887

وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيات نقضٌ على المعتزلة، فإنَّه قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وهم يقولون: أرادَ اللَّهُ مِن الكافر الإيمانَ، وهو ردَّه فلم يؤمِن، وتسميتُه فضلًا يدلُّ على أنَّه ليس على اللَّه شيءٌ، فإنَّ الفَضْلَ هو فعلُ ما ليسَ عليه (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾؛ أي: إنْ كنْتُم في غطاءٍ مِن الذَّنب، فأنا في ضياءٍ مِن الغَيْب، أنتم في ظلمةِ الجهل، وأنا في شموس الفَضْل، أنتم في سُدفَةِ (٢) الضَّلالة، وأنا في خِلْعة الرِّسالة وعلى نور الدِّلالة، أنتم في وَهْدَة العوج، وأنا ثابتٌ على سواء النَّهج. وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾: أي: وقيل لي: أخلصْ قصدَكَ للدِّين، وجرِّدْ قلبَكَ عن إثباتِ كلِّ ما لحقَه قهر التَّكوِيْن. وقال في قوله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية: كما تفرَّد بإبداع الضُّرِّ واختراعِه فلا شريك يعضدُه، كذلك توحَّدَ بكشْفِ الضُّرِّ وصرفِهِ فلا نصير ينجدُه. وقال: عَذُبَ الضُّرُّ حيث كان بفعلِه، فما أوجبَ عينَ الضُّرِّ منَ الحزنِ والحرَبِ (٣)، أبدلَ مكانَه إضا فتُه إلى فعلِه السُّرورَ والطَّرب (٤). * * *

стр. 3888

(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: أي: المذكورون في أوَّل هذه السُّورة، وهم مشركو قريشٍ ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني جاءكم محمَّد ﷺ بالقرآن (١). وقيل: أي: ببيان ما يحقُّ عليكم أن تعتقدوه، وتقولوا به، وتعملوا عليه. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀ -بعدَما ذَكَرَ أنَّ الحقَّ هو محمَّدٌ ﷺ : وقيل: هو القرآن، ويُشْبِه أن يكون هو الدِّينَ الذي شكُّوا فيه؛ أي: قد جاءكم ما يزيلُ عنكم ذلك الشَّكَّ إنْ لم تكابروا في الحججِ والبراهين (٢). ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: أي: فمَنْ سلَكَ سبيلَ الرَّشاد المؤدِّي إلى الحقِّ الَّذي جئْتُ به فإنَّما يهتدي لنفسِه بما يفوزُ مِن رضاءِ خالقِه ومِن ثوابِه، بالنَّعيم المقيم الَّذي لا يشوبُه كَدَرٌ ولا يلحقُه غِيَرٌ. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: عن هذا السَّبيلِ فوقعَ في غيرِهِ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على نفسِه؛ أي: ضرُّه على نفسِه باعوجاجِه عن طريقِ الحقِّ، لا يَضرُّ خالقَه بضلالِه، كما لا ينفعُه باهتدائِه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: قال الحسنُ: أي: بحفيظٍ يحفظُ أعمالَكم، إنَّما أنا نذيرٌ، واللَّهُ الحافظُ عليكم أعمالكم (٣). وقيل: أي: لسْتُ مسلَّطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبِكُم، وإنَّما أنا مبلِّغٌ مُرْشِدٌ.

стр. 3889

(١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: أي: لسْتَ عليهم بوكيلٍ مسلَّطٍ على قلوبِهم فتتصرَّفَ فيها، ولكنَّكَ مبلِّغٌ فاتَّبعْ وحيَنا. وقال الحسنُ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: مِنْ دِيْنِه الَّذي بيَّنه في كتابِه (١). ثمَّ عزَّاه فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾: على ما تسمعُ منهم مِن الأذى والتَّكذيبِ لك ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ تعالى، فيأتيَكَ أمرُهُ ونهيُه وحكمُه، وما وعدَك مِن إظهارِ دينِه (٢) ونصرِكَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ في عدلِ حُكمِه، وإنجازِ وعدِه، وصدقِ كلماتِه. وقيل: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يلحقُه في حكمِه زللٌ ولا خللٌ، ولا يمنعُه عن إمضائِه مانعٌ. وقال ابن عبَّاس ﵄: كان مِن حكمِه أمرُه بالقتال، ونَسَخَ بِهِ: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٣). وقال الضَّحَّاكُ: حكَم بالقتل يومَ بدر وأُحُد والأحزاب. وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية بعثَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى الأنصار، فجمَعهم ولم يجمعْ معهم غيرهم، وقال: "إنَّكم ستجدون بعدي أَثَرةً فاصبروا حتَّى

стр. 3890

تلقَوْني على الحوض"، قال أنسٌ ﵁: فلم يصبروا (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَاصْبِرْ﴾؛ أي: وَقِفْ عندَ جَرَيان أحكامِنا، وانسلِخْ عن مرادِكَ بالكليَّة، ليجريَ عليكَ ما نريدُ مِن القضيَّة (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: سورةُ يونس كلُّها مكيَّة إلَّا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فإنها مدنيَّة نزلَتْ في اليهود (٣). وباللَّه العونُ والتَّوفيقُ (٤). * * *

стр. 3891

سورة هود

стр. 3892

سورة هود بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي أنزل الكتاب المُحكَم المُفصَّل المبيَّن، الرَّحمنِ الذي جعل العاقبة للمتَّقين، الرَّحيمِ الذي لا يُضيعُ أجرَ المحسنين. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورة هود أُعطِيَ مِن الأجر عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن صدَّقَ بنوحٍ وكذَّبَ به وبهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى ﵈، وكان يوم القيامةِ إنْ شاءَ اللَّهُ مِن السُّعداء" (١). وهذه السُّورة مكيَّة، وهي مئة وثلاثٌ وعشرون آية، وقيل: اثنتان وعشرون، وقيل: إحدى وعشرون. والاختلاف في سبع آيات: ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤]، ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ﴿مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨].

стр. 3893

وكلماتُها ألفٌ وتسع مئة وسبع عشرة، وحروفها سبعة آلاف وسبع (١) مئة وسبعة وثلاثون (٢). وانتظامُ هذه السُّورة بسورة يونس: أنَّ هذه السُّورة تشتمل على ما اشتملَتْ عليه تلك السُّورة مِن محاجَّات المشركين وشُبَههم وإنكارهم، وأقاصيصِ الأمم الخالية، وغيرِ ذلك من المعاني. وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّه ذكرَ هناك اتِّباع ما يُوحَى إليه، وذكر هاهنا صفة الكتاب الذي أُوحيَ إليه، ولأنَّ اختتامَ تلك ببيان أنَّ له الفصلَ والأحكام، وافتتاح هذه ببيان أنَّ منه التَّفصيلَ والإحكام. * * * (١) - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيه في تلك السُّورة. قال الإمام القشيريُّ ﵀: الحروفُ الثَّلاثة قَسَمٌ بثلاثةٍ مِن صفاتِ اللَّهِ تعالى؛ أي: بانفرادي بالرُّبوبيَّة، ولطفي بِمَنْ عرفَني بالأحديَّة، ورحمتي على كافَّة البريَّة: أنَّ هذا ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: حُفِظَتْ عن التَّغيير والتَّبديل ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ببيانِ نُعوتِ الحقِّ ممَّا يتَّصف به من جلال (٣) الصَّمديَّة، وما تعبَّد به الخلقَ مِن أحكام العبوديَّة، ثمَّ ما ألاح (٤) لقلوب المحبِّين فيه مِن لطائف القربة في عاجلِهم،

стр. 3894

والبُشرى بما وعدَهم به مِن عزيز لقائِه في آجلِهم، وخصائصهم الَّتي امتازوا بها عمَّن سواهم (١). وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ﴾: أي: هذا كتاب. وقيل: أي: هذه السُّورة المسمَّاة ﴿الر﴾ كِتَابٌ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: نُظمَتْ نَظمًا مُحْكمًا، لا يلحقُه خَللٌ ولا تناقضٌ في النَّظم والمعنى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: جُعلَتْ فُصولًا؛ حلالًا وحرامًا، وأمرًا ونهيًا، وترغيبًا وترهيبًا، ومواعظ وأمثالًا، لكلِّ معنًى منها فصلٌ غير مختلطٍ بغيره، حتَّى يُتَمَكَّنَ مِن تَدبُّرِها كلِّها. وقال الحسنُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالأمر والنَّهي، و ﴿فُصِّلَتْ﴾ بالثَّواب والعقاب (٢). وقال قتادةُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ من الباطل، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالحلال والحرام (٣). وقال مجاهدُ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ بالجملة، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بُيِّنَتْ بِذِكْرِ آية آية (٤). وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾؛ أي: بُيِّن فيها ما بالناس إليه حاجةٌ في أمور دينهم. وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾: أُنْزِلَتْ متفرِّقة شيئًا بعدَ شيء. وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: أي: أنزلَه ربٌّ حكيمٌ مُحْكِمٌ للأمورِ، واضعٌ

стр. 3895

كلَّ شيءٍ موضعَه، خبيرٌ عالمٌ بحقيقةِ الأشياء، وأنزلَه اللَّهُ تعالى، لم يفْتَرِهِ محمَّدٌ ولا تقوَّلَه، ولا قالَتْه الشَّياطينُ، ولا الكهنةُ، ولا الشُّعراء. وقيل: ﴿خَبِيرٍ﴾ بوجوه المصالح فيها، لم يُنزِلْها جملةً، بل مفصَّلًا لِمَا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: لم تُنْسَخْ بكتابٍ كما نُسخَتِ الكتبُ والشَّرائع بها (١). وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾: فُسِّرَتْ (٢). ثمَّ في قولِه: ﴿مِنْ لَدُنْ﴾ أنَّه صلة قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: الإحكام والتَّفصيل مِن اللَّه تعالى. وقيل: هي صلة قوله: ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: هو منزَّل مِن عند اللَّه. وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور رحمه اللَّه تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ فلا يأتيها الباطلُ مِن بين يدَيْه ولا مِنْ خلفِه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: ثم بَيَّنَتْ ما يؤتى وما يُتَّقى، وما لهم وما عليهم (٣). وفيه بيانُ جوازِ تأخُّر البيان لأنَّ (ثم) للتَّراخي (٤). * * *

стр. 3896

(٢) - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: وممَّا فُصِّلَ فيه ألَّا تعبدوا. ويجوز أنْ يكونَ نصبًا بـ (أنْ)، و (أنْ) مع الفعل مصدرٌ، ومعناه: تركُ عبادتِكم غيرَ اللَّه ممَّا فُصِّلَ فيه. ويجوز جزمًا بالنَّهي، وتقديرُه: قلْ يا محمَّد: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، ومِن تفصيلِه أنَّي أقول لكم: لا تَعْبُدُوا غيرَ اللَّه. ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: فإنَّني لكم مِن اللَّهِ مخوِّف بالعذاب إنْ عصيْتُموه، ومُبَشِّرٌ بالثَّواب إنْ أطعْتُموه. * * * (٣) - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: عطف على الأوَّل، وهو دليلٌ أنَّ الأوَّلَ جزمٌ على النَّهي، وهذا عطفُ الأمرِ على النَّهي، وهو أولى مِن تأويل مَن أوَّلَه على إعراب النَّصب. ومعناه: سَلُوا ربَّكّم أنْ يغفر (١) ما أسلفْتُم مِن الذُّنوب بالشِّرك. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: أي: ارجعوا إليه بالإخلاص له. والاستغفارُ ينتظِم النَّدمَ على ما سلف، وإحسانَ العمل في المؤتنَف، حتَّى يكون الإنسانُ راجعًا بعملِه إلى ربِّه، ولهذا قدَّمَ ذِكْرَ الاستغفارِ على ذِكْرِ التَّوبةِ،

стр. 3897

وتقديره: اطلبوا مغفرةَ ربِّكم بالإسلام، والنَّدمِ على سالف الإجرام، والثَّبات على الطَّاعة في باقي الأيَّام، وارجعوا إلى اللَّهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثَّبات والدَّوام. وقيل: أي: اطلبوا المغفرة بأنْ تجعلوها عوضَكم، ثمَّ توصَّلوا إلى مطلوبِكم بالتَّوبة واجعلوها سببَكُم، فالمغفرةُ أوَّلٌ في الطَّلب وآخرٌ في السَّبَب. وقيل: معناه: استغفروا ربَّكم مِن ذنوبِكم السَّالفة، ثمَّ توبوا إليه في المستأنَف متى وقعَتْ منكم المعصيةُ. وقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو جوابُ الأمرِ، وتقديرُه: إنْ تفعلوا ذلك يعمِّرْكُمُ اللَّهُ تعالى في الدُّنيا، فتتمتَّعون بالأرزاق المباحة والملاذِّ المحلَّلة متاعًا حسنًا، لا تَذُمُّون عاقبتَه كمتاع المشركين. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو مدَّة العمر لكلِّ إنسان. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ أي: تستحسِنون في الآخرة ذلك التَّمتُّع، وأمَّا الكفَّار فإنَّهم لا يستحسنون في الآخرة ما مُتِّعوا به في الدُّنيا؛ لأنَّ تمتُّعَهم في الدُّنيا كان للدُّنيا، وتمتُّعَ المسلمين كان للتَّزوُّد للآخرة (١). وأصلُ التَّمتُّع: إطالةُ الشَّيء والمدُّ فيه، يُقال: حبلٌ ماتع؛ أي: طويل، ومَتَعَ النَّهارُ؛ أي: ارتفعَ، وقال اللَّهُ تعالى خبرًا عن نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣]، وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، فهذا كلُّه مِن المَتاعِ الحَسَنِ.

стр. 3898

وقال الفرَّاء: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: وتوبوا إليه؛ لأنَّ الاستغفارَ هو التَّوبة، والتَّوبة هي الاستغفارُ (١). وقال الكلبيُّ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: صلُّوا لربِّكم (٢). وقال مقاتلٌ: فدعا رسول اللَّه ﷺ أهل مكَّةَ إلى التَّوبة والاستغفار وعبادة اللَّه تعالى، فأبَوا فابتلاهم اللَّهُ تعالى بالقَحْطِ سَبْعَ سنين، ثمَّ أكلوا العِظام المحرَّقة والجِيَفَ والكلاب (٣). ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: قال أبو العالية: أي: مَن كثرَتْ طاعاتُه في الدُّنيا زادَتْ درجاتُه في الآخرة؛ لأنَّ الدَّرجات تكون بالأعمال (٤). وقيل: أي: يُؤْتِ كلَّ ذي إفضال على النَّاس جزاءَ إفضالِه، سُمِّيَ جزاءُ الفضلِ فضلًا كما يُسمَّى جزاءُ السَّيئةِ سيئةً. وقيل: أي: ويؤتِ كلَّ ذي فَضْلٍ فضيلةً في الدِّين بعملٍ صالحٍ جزاءَ فضيلتِه وعملِه. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: مَن زادَتْ حسناتُه على سيِّئاتِه دخلَ الجنَّة، ومَن زادَتْ سيِّئاتُه على حسناتِه دخلَ النَّارَ، ومَنِ استوَتْ حسناتُه وسيِّئاتُه كان مِن أهلِ الأعراف، ثمَّ يدخلون الجنَّة (٥).

стр. 3899

وقال مجاهد: هو ما يحتسبُه الإنسانُ مِن كلامٍ يقولُه بلسانِه، أو عملٍ يعملُه بيدِه ورجلِه، أو ما يجتهد فيه من طاعة (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتملُ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ ما آتاه بفَضْله. ويحتمل: [وَيُؤْتِ] كلَّ ذي فضلٍ في الدُّنيا فضلَه في الآخرة (٢). وهو كما روي: "أهلُ المعروفِ في الدُّنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة" (٣)؛ أي: يُجعَلون أهل الشَّفاعة، فيَصطنعون المعروف إليهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أصلُه: تتولَّوا، حذفت إحدى التَّائين تخفيفًا؛ أي: وإنْ تُعْرضوا عمَّا فُصِّلَ لكم مِن هذه المعاني وتصرُّوا على الشِّرك.

стр. 3900

﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: عظيمٍ شديد، وهو يوم القيامة، لِمَا فيه مِنَ الأهوال وجزاء الأعمال. وقيل: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: قتلُهم يوم بدر. * * * (٤) - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا وعيد يوم القيامة. وقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: على مجازاتِكم على أعمالِكم وغير ذلك. وقال القشيري ﵀: ابتدِئوا باستغفاركم، ثمَّ توبوا بترك أوزاركم، والتَّنقي عن إصراركم. قال: ويقال: استغفروا من الذُّنوب، ثمَّ توبوا عن توهُّم نجاتِكم باستغفاركم؛ لعلمكم بأنَّ نجاتكم تكرمةٌ لا بأعمالكم. وقال أيضًا: استغفروا لطلب حظوظكم من عفونا، فإذا فعلتم ذلك فتوبوا عن طلب كلِّ حظٍّ ونصيبٍ، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا راضين بما نختارُه مِن التَّجاوُز عنكم أو غير ذلك ممَّا نختارُه لكم. وقال في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾: هو إعطاءُ الكفايةِ مع زوالِ الحِرْصِ. وقيل: هو القناعةُ بالموجودِ. وقيل: هو أنْ لا يحوجَه ولا يجعلَ لأحد عليه مِنَّة، لا سيَّما لِلَئيم. وقيل: هو أنْ يوفِّقه لاصطناع المعروف إلى المستحقِّين. وقيل: هو أنْ تُقضَى على يدَيْه حوائجُ النَّاسِ.

стр. 3901

وقيل: هو أنْ لا يُلمَّ في حال شبابِه بزلَّة، ولا يتَّصفَ في حال مشيبه عن اللَّه بغفلة. وقيل: هو أنْ يكون راضيًا بما يجري عليه في حالَتَي العسر واليسر. وقال في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾: هو أنْ يَسترَ عليه فضلَه حتَّى لا يلاحِظَ حالَه ومقامَه، بل ينظر إلى نفسه وإلى ما هو منه وله بعين الاستحقار والاستصغار. وقيل: هو أنْ يرقِّيه عن التَّعريج في أوطان البشريَّة إلى مناجاة شهود الأحديَّة، فيُنقَّى (١) عن شُحِّ البشريَّة، والتَّكدُّر بما يبدو مِن مفاجأت التَّقدير. وقال في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: تنقطع الدَّعاوى عند الرُّجوع إلى اللَّه تعالى، وتَنتَفي الظُّنون، ويحصل اليأسُ مِن غير اللَّه تعالى، ويبقى العبد بنعتِ الاضطرار في وصف الانتظار (٢). * * * (٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: أخبر عن معاداة المشركين للنَّبيِّ ﷺ وجهلِهم باللَّهِ في ظنِّهم أنَّهم يَسْتَخْفون منه، فقال: ﴿أَلَا﴾؛ أي: تنبَّهوا على أحوال المشركين، وقِفوا على جهلِهم، فإنَّهم يُسرُّون العداوة في قلوبِهم، وهو كقولهم: طَوَى كَشْحَهُ. ووجهُ ذلك: أنَّ مَن ثنَى الشَّيء -أي: عطَفَه وطواه- خفيَ في أثنائه ما يقع فيه، وخفيَ باطن الشَّيء المطويِّ، فجعلَه مثلًا لإضمار العداوة في الصَّدر.

стр. 3902

﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: أي: يقصدون بذلك إخفاء ذلك على اللَّه تعالى جهلًا منهم. ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: أي: اعلموا أنَّهم حين يتغطَّون بثيابِهم ويُدخلون رؤوسَهم فيها ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلمُ اللَّهُ ما يضمرون، فكيف وهم بارزون؟! ولكنَّهم أهلُ جهلٍ، ومَن كان هذا حالُه لم يُستَبْعَدْ منه أنْ يُشرِكَ باللَّه غيرَه. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: سرائرها وضمائرها. ووجه آخر: أنَّهم كانوا إذا احتاجوا في أمرٍ مِن الأمور أنْ يَمرُّوا بالنَّبيِّ ﷺ طأطؤوا رؤوسَهم وتغشَّوا ثيابهم فيها؛ لِئلَّا يراهم النَّبيُّ ﷺ فيحتاجوا إلى الدُّخول عليه أو التَّسليم عليه، فأخبرَ اللَّهُ عن ذلك وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، وهو عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفْضِ الرَّأس، حتَّى يحتاجُ صاحبُها إلى أنْ ينحنيَ فيثنيَ صدرَه. فيقول: أَلَا حينَ يفعلونَ هذا ويضمُّون إليه في بعضِ الأحوالِ أنْ يغطُّوا رؤوسَهم بثيابهم ليُخفوا أشخاصَهم مِن النَّبيِّ ﷺ يعلمُه اللَّهُ، ويعلم ما يسرُّون في منازلهم عليه وما يعلنون فيه. ووجه آخر: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يَحْنون صدورَهم لتنخفضَ رؤوسُهم وتتطامَنَ آذانُهم، فلا يصلَ إليها ما يَقرأُ عليها رسولُ اللَّه ﷺ مِن القرآنِ، وهو كقوله تعالى في قصَّةِ نوحٍ ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يُخفون ما في صدورِهم مِنَ الشَّحناء والعداوةِ (١).

стр. 3903

نزلَتْ في الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفي، كان رجلًا حلوَ الكلامِ، حلو المنطق، يلقى رسولَ اللَّه ﷺ بما يحبُّ، وينطوي بقلبِه على ما يكرهه (١). وقال قتادة: أي: يحنون صدورَهم، وأخفى ما يكون الإنسانُ إذا حنى صدرَه وتغطَّى بثوبه، وأضمر همَّه في نفسِه (٢). وقال مجاهد وعكرمة: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ بشكٍّ (٣) في اللَّه وفي رسوله (٤). وقال السُّديُّ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يعرضون بقلوبِهم عنك، من قولهم: ثنيْتُ عناني (٥). وقال مجاهدٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ مِن العداوة، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مِن الوِفاق، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بما في القلوب من الخير والشَّرِّ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليستَخْفوا منه إنْ كانت الآيةُ في المنافقين

стр. 3904

فهو الاستسرار والاستتار مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لأنَّهم كانوا يُظهرون موافقَتَه ويضمرون مخالفَتَه، وإن كانت الآيةُ في المشركين فهو على الاستسرار والاستتار مِن اللَّهِ ؛ لأنَّهم كانوا لا يبالون بمخالفة رسول اللَّه ﷺ ، وعندهم أنَّ اللَّهَ لا يطَّلِعُ على ما يسرُّون. وفيه دلالة على نبوَّة محمَّدٍ ﷺ ؛ حيث أخبر عن ضمائرِهم، فثبتَ أنَّه علِم ذلك باللَّه (١). * * * (٦) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: أي: وما مِن شيء مِن الحيوانات التي تدبُّ على الأرض إلَّا واللَّهُ تعالى متكفِّل برزقِها؛ أي: بما يُقيمُها؛ إذ الحيُّ مِن الخلقِ لا بُدَّله ممَّا يقيمُ حياته، ولا قيام للحيوانات إلَّا بكفايتها (٢)، وهي رزقُها. قال مجاهدٌ: ما جاءَها مِن رزقٍ فمِنَ اللَّهِ، وربَّما لم يرزقْها حتَّى تموتَ جوعًا، ولكن ما كان مِن رزقٍ فمِنَ اللَّهِ، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى (من) (٣)، كقوله تعالى: ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: أي: ويعلمُ مستقرَّها مِن الأرضِ

стр. 3905

حيثُ تأوي إليه، وموضعَها الذي تموتُ فيه، أو تُدفَن فيه فتُسْتَودعُ فيه إليه إلى حين تنبعث. وقال مجاهدٌ: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الأصلاب (١). وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: أي: في اللَّوحِ المحفوظِ مكتوبٌ. وقيل: يُكتَب الآنَ موجودًا، كما كُتِبَ في اللَّوح المحفوظِ معلومًا؛ يعني: مَن كانت هذه قدرتُه، وهذه صفتُه في الإحاطة في الأشياء، كيفَ يخفى عليه ما يفعلُه هؤلاء المشركون مِن ثني صدورِهم ظانِّين أنْ يخفى عليه ذلك؟ وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ باللَّيل، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ بالنَّهار في معايشِها، ويُشْبه أن يكون هذا إخبارًا عن العلم بها في كلِّ حالٍ مِن سكونِها وحركتِها، يخبرُ أنَّه إذا لم يَخْفَ عليه كونُ كلِّ دابَّة في بطن الأرض، وما كان في الأرحام، وما استُودِعَ في الأصلابِ، كيف تخفى عليه أعمالُكم الَّتي عليها العقاب ولكم بها الثَّواب (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أراحَ القلوبَ عن تعبِ التَّقسيم، والأفكارَ عن نَصَبِ التَّفكير (٣) في باب الرِّزق، حيث قال: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فسكنَتِ القلوبُ لَمَّا تحققَّتْ أنَّ الرِّزقَ على اللَّه تعالى. قال النَّبيُّ ﷺ : "إذا أُحِيْلَ أحدُكُمْ على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ" (٤).

стр. 3906

ويقال: إذا كان الرِّزقُ على اللَّهِ فمِنَ المحالِ طلبُهُ مِن غيرِ اللَّهِ. قال: ولم يقل: (ما يشتهِيْهِ ومقدار ما يكفِيْهِ)، بل هو موكولٌ إلى مشيئتِه، فمِن موسَّعٍ ومِن مُقتَّرٍ (١). * * * (٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: فسَّرناه عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] في (سورة الأعراف). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: بيَّنَ أنَّ خَلْقَ العَرْشِ والماءِ كان قبلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرض. والعرشُ: شِبْهُ سريرِ المَلِكِ، لتطوفَ الملائكةُ به، ويحفُّون حولَه، ويمجِّدون اللَّهَ تعالى ويعظِّمون مِن حولِه، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الآية [الزمر: ٧٥]. وفي وقوفِ العرشِ على الماءِ، والماءِ على غيرِ قَرار، أعظمُ اعتبارٍ على كمالِ قُدْرةِ الملِكِ الجبَّار، ولو شاءَ لجعلَ العرشَ على غيرِ قَرار، كما جعلَ الماءَ -الَّذي هو أدعى للقرار وأحوجُ إليه- على غير قرار. وعن كعب الأحبار أنَّه قال: لَمَّا أرادَ اللَّهُ تعالى خَلْقَ الماءِ خَلَقَ ياقوتةً خضراء،

стр. 3907

ثمَّ نظرَ إليها بالهيبة فصارَتْ ماءً، ثمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فجعلَ الماءَ على متنِها، ثمَّ وضعَ العَرْشَ على الماء (١). وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ أي: خلقَ جميعَ ذلك ليعامِلَ عبادَه معاملةَ المختبِر لهم، مظاهرةً في الاحتجاج عليهم؛ ليمتثلوا أمرَه، ويؤدُّوا على نعمهِ شكرَه، ويستدلوا بآياتِه على وحدانيَّتِه وقدرَتِه على ما يشاء، وفي ذلك إثباتُ البعثِ لِيُجازيَ المحسِنَ على إحسانِهِ، والمسيءَ على إساءَتِه. ومعنى الابتلاءِ: فعلُ ما يظهرُ به الشَّيء وإنْ كان معلومًا، أَلا ترى أنَّ الرَّجلَ قد يخالفُ الرَّجلَ في جودة فضَّته ورداءتها، وهو عالمٌ بحقيقةِ ما يقول، فيقول لصاحبِهِ: تعالَ ندخلْها النَّارَ، فننظرَ أجيِّدة هي أم رديئة. وقوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أيُّكم أعملُ بالطَّاعة. وقال مقاتلٌ: أيُّكم أتقى للَّه. وقال الحسنُ: ايُّكم أزهدُ في الدُّنيا وأتركُ لها (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أحسنُ الأعمالِ ما غابَ عن ملاحظةِ عاملِهِ. وقال: هو ما ينظرُ إليه صاحبُه بعين الاستصغار والاستقلال. وقيل: أحسنُ الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه عوضًا.

стр. 3908

وقيل: ما غاب عنه صاحبُه لاستغراقِه في شُهود المعبود (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وصلَ هذا بما ذكرَ مِن خلقِ السَّماوات والأرض؛ لأنَّ ذلك ذُكِرَ أساسًا لهذا؛ أي: خلقناها على الاتِّساق والانتظام دلالةً على الخالق القادر، وكان خلقُها للمُمْتَحنِيْن، وما خُلِقَتْ لأنفسِها، لانَّها للفناء، ولو كان لذلك -لا للابتلاء- كان عبثًا، وبالابتلاء ظهرَ المحسِنُ والمسيءُ، وجزاءُ ذلك بعدَ البعثِ. ولو قلْتَ يا محمَّد للمشركين: إنكم مبعوثون للجزاء على ما انكشفَ بالابتلاء، أنكروا وتعجَّبوا، وقالوا: ما هذا القولُ إلَّا سحرٌ ظاهرٌ؛ أي: خديعةٌ منكم لنا، ومنعٌ عن لذَّات الدُّنيا وزينتِها، واجترارٌ إلى الانقيادِ لكم والدُّخولِ في طاعتكم. وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ نفسُ هذا الكلام لا يحتمِل أنَّه يُسمَّى سحرًا، لكن معناه: أنَّه إذا أخبرهُم بِه، وأقام الحُججَ والبراهينَ عليه، قالوا للحججِ والبراهينِ عليه: هذا سحرٌ. ويحتملُ وجهًا آخر: وهو أنَّه بيانُ سَفههِم، أنَّهم اعتادوا نسبةَ كلِّ شيءٍ إلى السِّحرِ حتَّى الأشياء الَّتي لا تحتملُ السِّحرَ، وهي الأخبارُ؛ لأنَّ السِّحرَ إنَّما يكون في تقليب الأشياء، فأمَّا فيما يُخبِرُ عن شيءٍ يكون فلا (٢). * * * (٨) - ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 3909

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: أي: حينٍ معلوم ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾؛ أي: استعجَلُوه على سبيلِ الاستهزاءِ، يعنونَ أنَّ هذا الوعيدَ بالتَّعذيب على التَّكذيب ليسَ بحقٍّ. ثمَّ أخبَرَ أنَّه لا معنى لاستعجالِهم، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾؛ أي: بكثرةِ أعوانٍ، ولا بحيلةِ محتالٍ، ولا بقوَّةٍ مِن قِبَلِهم، ولا مِن قِبَلِ آلهتهم. وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: يحيقُ بهم، يعني: ينزلُ بهم، ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه كائنٌ لا محالةَ، فألحقَه بالحاصِلِ الموجود. * * * (٩) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: أي: إذا أعطينا المشرك المكذِّب باللَّهِ منَّا سَعةً في الدُّنيا، وصحَّةً في الجسم، ووفورًا في الولدِ؛ لِيَشْكُرَ بها لنا، ويستعينَ بها على طاعتِنا. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾: لكفرانِه، فأذقناه ضِيقًا وسُقْمًا ونَقْصًا في المال والولد. ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: لأنه يئس وكفر نعمتنا (١)، وقال: أهانني ربِّي فلا أعبدُ ربًّا يهينُني، كأنَّه يَئِسَ مِن زوالِ ما حلَّ به، فهو لذلكَ معرِضٌ عن ربِّه، لا يتوقَّع خيرًا، ولا يأملُ فَرَجًا. وجاءَ في التَّفسير: أنَّ ﴿الْإِنْسَانَ﴾ هو عبدُ اللَّهِ بنُ أبي أميَّة المخزومي، أذقْنَاه رحمةً منَّا: رخاءً ونعمةً، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾؛ أي: سلبْنَاها منه، ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ في الشِّدة، ﴿كَفُورٌ﴾ في النِّعمة (٢).

стр. 3910

(١٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾: أي: ولَئِنْ أزلنا (١) البأساءَ بالنَّعماء لم يَرَ أنَّ ذلكَ استدعاءٌ للشُّكرِ، ولكنَّه يقول: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾؛ أي: الأحوال السَّيِّئة الَّتي كانت تَسُوؤني؛ أي: كان ذلك سُوءًا أصابني وذهبَ، كما يكون هذا بأكثر الأحوال، ويصيبُ أكثرَ النَّاس تتلوَّن عليهم الأمورُ، فلا يعتبرُ بما يُمْتَحَنُ به وبما يُنْعَمُ عليه، فلا يقابلُ البأسَ بالصَّبرِ، ولا النِّعمةَ بالشُّكرِ، إعطاءً للعبوديَّةِ حقَّها، ولكنَّه في حال البؤس يحيل ذلك على أنَّ اللَّهَ تعالى أهانَه، وفي حالة النِّعمة يعدُّها اتِّفاقًا حسنًا، يحمدُ عليه زمانَه. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: أي: مِن عادتِهِ الفرحُ والبَطَرُ بالنِّعمة، والفخرُ بها على الكافَّة، حتَّى يخرجَ بذلك إلى تكذيبِ الأنبياء، وجحودِ البعثِ والجزاءِ. * * * (١١) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هو استثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكن الذين صبروا على المكاره، وصبروا عن المعاصي، وعملوا الطَّاعات. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: أي: مغفرة الذُّنوب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثوابٌ عظيمٌ. ويجوزُ أنْ يكونَ على حقيقةِ الاستثناءِ، ويكونَ الإنسانُ المذكور في الآية الأولى بمعنى: النَّاس؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ فيصلح للجَمْعِ، فيكون معناه: أكثرُ النَّاسِ على كذا، وقومٌ مستثنًى منهم.

стр. 3911

وعلى القولَيْنِ جميعًا يخرج قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]، إلى قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ الآية [العصر: ٢]. * * * (١٢) - ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: قال مقاتلٌ: إنَّ أهلَ مكَّةَ قالوا: ائتِنا بكتابٍ ليسَ فيه سبُّ آلهتِنا، ولا مخالفةُ آبائِكَ، فهمَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدَعَ سبَّ آلهتِهم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وهذا على النَّهي؛ أي: لا تتركْ بعضَ ما يُوحَى إليك، وهو كما يقولُ الرَّجل لآخرَ: لعلَّكَ تريدُ أنْ تفعلَ كذا، وهو ينهاه عنه. ويتضمَّنُ له البشارةَ بالأمن ممَّا يخافُ أنْ يلحقَهُ مِن جهتِهم، ولزومَ التَّبليغ، وذلك أنَّ الأخيار إذا ابتُلوا بالأشرار فقد يؤذَنُ لهم بمفارقتِهم، وتركِ الأمرِ فيهم، فبيَّنَ أنَّه ليس له ذلك، وعليه التَّبليغُ مع ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ الضَّائقُ يُذْكَرُ للضِّيْقِ العارض، والضِّيْقُ يُذْكَرُ للضِّيْقِ اللازم، وكان ما يلحقُه مِن كلامِهم أمرًا عارضًا، فلذلك قال: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾.

стр. 3912

﴿أَنْ يَقُولُوا﴾؛ أي: بأنْ يقولوا. قال مقاتلٌ: قالَ هذا عبدُ اللَّه بن أبي أميَّة: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ (١)، وكان للمال عندَهم خطرٌ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]؛ أي: ليصدِّقَه بما يقول، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿نَذِيرٌ﴾: مخوِّف مبلِّغ، ليس بيدك الإتيانُ بالأموالِ وإنزالُ الملائكة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: حافظ لكلِّ ما يقولون فيك؛ إذ هو الحفيظ عليهم لا أنت، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، ونظيرُ هذه الآية: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. * * * (١٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: (أم) كلمةُ عطف على استفهامٍ بألفٍ، وتقديره: أيكذِّبونَكَ أمْ يقولون: افتراه. وقيل: أيكتَفُون بما أوحينا إليك أم يقولون: افتراه. والمفسِّرون يقولون: معناه: بل يقولون افتراه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾: أي: مثل القرآن ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾؛ أي: على زعمكم أنَّ القرآن مفترًى. وهذا أمرُ إعجازٍ كما مرَّ في (سورة البقرة)، وهذه الآية نزلَتْ قبلَ قولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، ونزل أوَّلًا قولُه تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾

стр. 3913

[الطور: ٣٤]، وهو كُلُّ القرآن، فلمَّا ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشر سورٍ، ثمَّ لَمَّا ظهرَ عجزُهم عنها تحدَّاهم بسورةٍ، فلمَّا ظهرَ عجزُهم لزمَتْهم الحُجَّة بالكليَّة. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: مِنَ الجنِّ والإنسِ ليُعِينوكم على الإتيان بعشر سورٍ مثلِه، في نظمِه ومعانيه، والأخبارِ الصَّادقة عن الأمور الماضية والآتية، والإطْلاع على ما في ضمائركم، فأتوا بما فيه هذه المعاني، والإطْلاع على ما في ضمير محمَّد (١). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنَّه افتراه مِن عندِه، ولسانُكم مثلُ لسانِه. * * * (١٤) - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: له وجهان: أحدهما: فإنْ لم يستجِبْ لكم أيُّها المشركون أحدٌ مِن العرب ولا مِن غيرهم ممَّنْ استعنْتُم به، عِلْمًا منه بالعجزِ، وأنتم عاجزون أيضًا، فاعلموا حينَئذٍ أنَّ القرآنَ أُنزِلَ مِن عندِ اللَّهِ، فإنَّ اللَّهَ أنزلَه بعلمِه؛ أي: وهو عالمٌ بإنزالِه على ما يكون حجَّة على خلقه. ويحتمل: أنَّه أنزله بالأنباء (٢) الَّتي هو عالمٌ بها، يُعلمُها مَن شاءَ مِنْ خلقِهِ، فاستدِلُّوا بذلك على أنَّه لا إلهَ إلَّا هو.

стр. 3914

ويحتمل: وإذ عجزتم عن معارضته فاعلموا أنَّ محمَّدًا محقٌّ في دعوى الرِّسالة، فلا يجوز أن يكون كاذبًا فيما يخبرُكُم به: أنَّه لا إلهَ إلَّا هو وحدَه، دونَ أصنامِكم، فهل أنتم مسلمون؟ آنَ لكم أنْ تؤمنوا باللَّه وتصدِّقوه. ووجه آخر: فإنْ لم يستجبْ هؤلاء المشركون لكم يا محمَّد ويا أصحاب محمَّد إلى ما دعوتموهم إليه مِن معارضة القرآن على نظمِه، فتيقَّنوا أنتم بلجاجهم وإصرارهم، ودُوموا على علمِكم بأنَّ القرآن مِن عندِ اللَّهِ، وأنْ لا إلهَ إلَّا هو، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون للَّه، مخلصون له، دائمون على الإيمان والإحسان؟ * * * (١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: أي: الدَّاعي لهؤلاء المشركين إلى الدَّوام على الشِّركِ الدُّنيا وزينُتها. وقال الفرَّاء: تقديرُه: مَن يُردِ الحياةَ الدُّنيا، فلذلك قال في جزائه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ بحذف الياء للجزم (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: اختُلف فيها: فقال بعضُهم: الآيةُ في الكفَّار، يعملون أعمالًا هي في الظَّاهر صالحةٌ؛ مِن التُّصدق على الفقراء، وعمارات الطُّرق، واتِّخاذِ القناطر والرِّباطات، يقول: نوفِّ إليهم جزاءَ أعمالهم في الدُّنيا، وهم فيها لا يُنقَصون، وهو ما وُسِّعَ عليهم في الدُّنيا.

стр. 3915

وجائزٌ أنْ يكون: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: نردُّ عليهم أعمالَهم التي عملوها في الدُّنيا فلا نقبلُها (١). ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾؛ أي: لا يُنقَصون ما قُدِّرَ لهم مِن الرِّزق إلى انقضاء مدَّتهم بشركهم باللَّه ﷻ (٢). * * * (١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: خالدين فيها بشركهم. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما هو طاعةٌ عندهم. وقال بعضُهم: هي في المؤمنين الذين عملوا الصَّالحات مراءاةً للخَلْق، نوفِّ إليهم جزاءَ أعمالهم فيها من الذِّكْرِ والشَّرفِ، وما طلبوا بأعمالهم في الدُّنيا من المباهاة وغيرها، وبطلَ ما كانوا يعملون في الآخرة؛ لأنَّهم عملوها لغير اللَّه تعالى، فلا يُجزَوْنَ بأعمالِهم تلك، وإلى هذا ذهبَ ابنُ عبَّاس ﵄ (٣). قال (٤): وروي عن النَّبي ﷺ أنَّه سُئِلَ: ما بالُ العبدِ المعروفِ بالخير يُشدَّد عليه الموت، والرَّجل المعروف بالشَّرِّ يُهَوَّنُ عليه الموت؟ فقال: "المؤمنُ تكون له الذُّنوب فيُجازَى بها عندَ موتِهِ، فيفضي إلى الآخرة ولا ذنبَ عليه، والكافرُ يكون له

стр. 3916

حسناتٌ، فيُجازَى بها عند الموت، يخفَّفُ عنه كَرْبُ الموتِ، ثمَّ يفضي إلى الآخرة، وليسَتْ له حسنةٌ". أو كلام هذا معناه. وعلى هذا معنى الآية: أنَّهم لا يستوجبون بتلك الأعمال إلَّا النَّار؛ لأنَّه إذا راءى بها لم يخلِصْها للَّه تعالى، وضيَّع أمرَه، ومَنْ ضيَّعَ فرائضَ اللَّهِ تعالى استوجبَ التَّعذيب عليه، وله العَفْوُ، وليسَ في الآيةِ أنَّه لا محالةَ يعذِّبهم بعمل المراءاة (١). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقولُ: مَن قنع هنا بالدُّنيا التي الدَّناءة صفتُها، مننَّا عليه بإمتاعِ أيَّامٍ تقلُّ مدَّتها، لكن يَعقبُ أَرْيَ كمالها شَريُ زوالِها، ويتبعُ طعمَ عسلِها سمُّ حنظَلِها (٢). * * * (١٧) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي، والآيةُ في بيان عدم التَّسوية بينَ المؤمنين وهم المذكورون في هذه الآية، وبينَ المشركين وهم المذكورون في الآية الأولى. معناه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: حجَّةٍ وبيان، وهم المؤمنون بمحمَّد والقرآن، فهم على حجَّة بمجيء محمَّد ﵇ ﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: ويتبعُ محمَّدًا (٣)

стр. 3917

الذي هو البيِّنة ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (١)؛ أي: مَن يشهدُ بصدقِه، هو جاءَ به (٢)، وهو القرآنُ. ﴿قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾؛ أي: ولهذا المؤمن مع هذا الشَّاهد شاهدٌ قبلَه، وهو كتابُ موسى التَّوراةُ الَّذي أنزلَه اللَّه تعالى إمامًا لبني إسرائيل يقتدون به، ورحمة لهم أنقذَهم اللَّهُ تعالى به من النَّار في الآخرة، ومِن استعباد فرعون وقومه في الدُّنيا، وفي التَّوراة الشَّهادةُ بمحمَّدٍ، والبشارة به، والإخبار بصفتِه وصفةِ أمَّتِه. يقولُ: أفمَنْ اجتمَعَتْ له هذه الحجج -وهي النَّبيُّ والقرآنُ والتَّوراةُ- الشَّاهدةُ المبشرة فآمنَ بها (٣)، كمَنْ أعرضَ عن النَّذير (٤)، ومالَ إلى الحياة الدُّنيا وزينتِها، فهذا هو الجوابُ المحذوفُ، وبه النَّظمُ بينَ الآيتَيْنِ. وقال الحسنُ بن عليٍّ وعبدُ الرَّحمن بن زيدٍ: الشَّاهد هو النَّبيُّ ﷺ ، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾: مِنَ اللَّهِ تعالى (٥). وقال ابن عبَّاس ومجاهد وإبراهيم والفرَّاء والزَّجَّاجُ: هو جبريلُ يتلو القرآنَ على محمَّد ﵉ (٦).

стр. 3918

وقال الحسنُ وقتادةُ: شاهدٌ مِن النَّبيِّ ﵊، هو لسانُه (١). وقال مجاهدٌ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ قال: ملَكٌ يحفظُه ويسدِّدُه (٢). وقال ابنُ حبيبٍ: ورأيْتُ في بعض التَّفاسير: الشَّاهدُ صورةُ النَّبيِّ ﷺ ووُجُهه ومخايلُهُ؛ لأنَّ مَنْ كانَ له حِسٌّ صحيحٌ ونظرَ إليه علمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ متخرِّصٍ، ولا ساحرٍ، ولا كاهنٍ، ولا مجنونٍ (٣). ويؤيِّد هذا التَّفسير قولُه: ﴿مِنْهُ﴾. وقال مقاتلٌ: ليس الَّذي هو على بيانٍ مِن ربِّه كالَّذي موعدُه النَّار (٤). فجعلَ جوابَه فيما بعدَه، والأوَّلُ جوابُه فيما قبله، وهو كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩]، قيل: جوابُه فيما قبله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقيل: فيما بعده: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: قيل: هم أصحابُ محمَّدٍ ﵊. وقيل: هم أصحاب موسى أهلُ الكتاب الَّذين آمنوا بمحمَّد ﵊. وقوله: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، وقيل: أي: بمحمَّد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: ففي الهاء قولان أيضًا كالأوَّل.

стр. 3919

﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: أي: الفرق والأصناف، وهم اليهود والنَّصارى والمجوس والمشركون. ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أي: إن لم يُسلمْ. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: أي: شكٍّ ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يقصدون التماسَ الحقِّ، فيكونَ همُّهُم التَّصديقَ بما قامَتْ به دلائلُه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ البيِّنةُ لأقوامٍ برهانُ العلمِ، ولأقوامٍ بيانُ الحقيقة على القطع والجزم، يُشهدهم الحقُّ ما لم يُطْلِع عليه غيرَهم، فهو كما قيل: ليلِي مِنْ وجهِكَ شمسُ الضَّحى... وإنَّما السُّدْفَة في الجوِّ والنَّاس في الظُّلمة مِن ليلِهم... ونحنُ مِن وجهِكَ في الضَّوِّ (١) * * * (١٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: لا أظلمُ على نفسِه وعقلِه ممَّنْ كَذَبَ على اللَّهِ، فنفَوا عنه كلامَه، وأضافوه إلى غيرِه.

стр. 3920

﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: في موقف القيامة ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾؛ أي: الملائكة الَّذين كتبوا أعمالهم، وقيل: الأنبياء، وقيل: أهل الجمع: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: قالوا: إن له أضدادًا وأندادًا. وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: هذا إخبارٌ مِنَ اللَّهِ تعالى، وتعليمٌ للخَلْقِ أنْ يلعنوهم، وهم المشركون الواضعون العبادةَ في غير موضعِها، والضَّارُّون أنفسَهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: تُعرَضُ أعمالُهم على أنفسِهم عندَ ربِّهم، كقوله تعالى: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]؛ أي: عندَ ربِّهم؛ إذِ الأمرُ والنَّهيُ كان لأنفسِهم، فكانَ عرضُهم لهم (١). * * * (١٩) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون النَّاس عن دينِ اللَّهِ وطريقِ طاعتِه بالتَّحريف وإدخال الشُّبَهِ. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبونها (٢) -أي: للسَّبيل، وهي مؤنَّثة سماعًا- تعويجًا؛ أي: يطلبونَ أنْ يَعْدلوا بالنَّاس عنها. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون. * * *

стр. 3921

(٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: هو جواب قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: فائتين هربًا؛ أي: لا يتخلَّصون من عذابِه ولو ساروا حيث ساروا في الأرض. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يتولَّون نصرَهُم، وردَّ العذابِ عنهم في الدُّنيا والآخرة، بل ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يواصَلُ ولا يقطع (١)، ويزادون عذابًا على عذابٍ، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الكلبيُّ: يضاعف على الرُّؤساء ضعفَ ما على غيرِهِم مِنَ الأتباع (٢). ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: أي: كانوا يستثقلون أنْ يسمعوا القرآنَ، وأنْ ينظروا إلى عجائب خلقِ اللَّهِ تعالى بالاعتبار. وفي متعارَف الكلام: ما أستطيعُ أنْ أسمعَ كلامَ فلانٍ، أو أنظرَ إلى فلانٍ، إذا كان مستثقَلًا. ودلَّتِ الآيةُ أنَّ الاستطاعةَ الَّتي هي علَّة الفعلِ -وهي قدرةُ الفعل حقيقةً- تكون مع الفعل؛ فإنَّ اللَّه تعالى نفى ذلك عنهم حيث انتفى عنهم الفعل، فأمَّا الاستطاعة الَّتي هي سلامةُ الأسباب والآلات فقد كانت ثابتةً لهم، فإنَّهم كانوا ذوي أذانٍ وعيونٍ. * * *

стр. 3922

(٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: أوردوا أنفسَهم الهلاكَ والعذابَ، حذرًا مِن غير أن اعتاضوا مِن أنفسِهم مِن أعراض الدُّنيا بدلًا، بل تعبوا في الدُّنيا بعبادة الأصنام، ووردوا الآخرة وقد فقدوها (١) ولم يحصلوا منها ومن عبادتها على نفعٍ، وكانوا مفترين في أنَّها آلهةٌ وشفعاءُ وشهداء. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: بطلَ افتراؤُهم فلم يجلبْ ثوابًا (٢). * * * (٢٢) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: (لا جرم) كلمةٌ تقولُها العرب بمعنى: لا بُدَّ، ولا محالةَ، وكثرَتْ في الكلام حتَّى صارَتْ بمعنى: حقًّا. وقيل: (لا) نفيٌ، و (جرم)؛ أي: كَسَبَ، يعني: كَسَبَ كفرُهم خسرانَهم (٣). وقيل: (جرم)؛ أي: قطع؛ أي: لا قطعَ لهم عن الخسران. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَا جَرَمَ﴾ نعم (٤).

стр. 3923

وقال الضَّحَّاكُ: لا شكَّ (١). وقال النَّضر بن شميل: ذلك (٢). وقال مجاهد: حقًّا؛ أي: إنَّهم في الآخرة هم الأعظمون خسرانًا، والأشدُّون عذابًا وهوانًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أولئك الَّذين خسرَتْ صفقتُهم، وبارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوانَ، وذاقوا البأسَ والحرمان (٣). * * * (٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكرَ الأولياءَ بعدَ ذِكْرِ الأعداءِ. ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ اختلفَتْ ألفاظُ المفسِّرينَ فيه: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أنابوا إلى ربهم (٤). وقال مجاهدٌ: أي: اطمأنُّوا إلى ذِكْرِ ربِّهم (٥).

стр. 3924

وقال قتادة: أي: خضعوا وخشعوا (١). وقال الحسنُ: الإخباتُ: الخشوعُ للمخافةِ الثَّابتة في القلب (٢). وقيل: الإخباتُ: سكونُ الجوارحِ خضوعًا للَّهِ تعالى، والخَبْتُ: الأرضُ المستويةُ الواسعةُ (٣). * * * (٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: والفريقان هما المذكوران في هذه الآية، وهما المشركون والمؤمنون، فالأعمى والأصم هو المشرك، عَمِيَ بعين قلبه فلم ينظر نظر اعتبار، وصُمَّ بسمع قلبه فلم يسمع إلى الوعظ للادِّكار، والبصيرُ والسَّميع هو المؤمن، أبصَروا الحقَّ بعيون قلوبِهم، وسمعوا بآذان القلوب مواعظ ربِّهم. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي. وإنَّما ثنَّى -وإنْ ذكرَ أربعةَ أسماءٍ وهي جمعٌ- لأنَّ الأعمى والأصم من صفة إنسانٍ واحدٍ، وكذا السَّميع والبصير لواحدٍ، فكانا اثنين.

стр. 3925

وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: تتَّعظون، استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتَّعِظوا. * * * (٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: وذكرَ قصصَ الأنبياءِ تنبيهًا على ما يلزم (١) رسول اللَّه ﷺ من الصَّبر على أذى قومِه المشركين، وتحذيرًا للمشركين أنْ ينزلَ بهم في تكذيب رسول اللَّه ﷺ ما نزل بالأوَّلين في تكذيب المرسلين، وتبشيرًا للمؤمنين بالنَّصر والنَّجاة والتَّمكين. وقال ابن عبَّاس ﵄: سُمِّيَ نوحًا لكثرة نياحه على نفسِه (٢). وذُكر (٣) أنَّه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحَهُ! فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنِ اخلقْ أنتَ أحسنَ منه، فأخذَ يبكي وينوحُ على نفسِه حتَّى أوحى اللَّهُ إليه: يا نوحُ، كم تنوحُ (٤)؟ فإذا كان في طول عمرِه فعلَ فعلةً واحدةً أو قالَ كلمةً واحدةً لم يؤذَنْ له فيها، فناحَ على نفسِه إلى أنْ سُمِّيَ بالنَّيَّاحِة، فكيفَ حالُ مَن لا يذكرُ يومًا مضى مِن عمرِهِ في مدَّةِ تكليفِه إلَّا على ذنوبٍ كثيرةٍ؟ وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو والكسائيُّ:
следующие страницы →