← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

(٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: هو جواب قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: فائتين هربًا؛ أي: لا يتخلَّصون من عذابِه ولو ساروا حيث ساروا في الأرض. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يتولَّون نصرَهُم، وردَّ العذابِ عنهم في الدُّنيا والآخرة، بل ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يواصَلُ ولا يقطع (١)، ويزادون عذابًا على عذابٍ، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الكلبيُّ: يضاعف على الرُّؤساء ضعفَ ما على غيرِهِم مِنَ الأتباع (٢). ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: أي: كانوا يستثقلون أنْ يسمعوا القرآنَ، وأنْ ينظروا إلى عجائب خلقِ اللَّهِ تعالى بالاعتبار. وفي متعارَف الكلام: ما أستطيعُ أنْ أسمعَ كلامَ فلانٍ، أو أنظرَ إلى فلانٍ، إذا كان مستثقَلًا. ودلَّتِ الآيةُ أنَّ الاستطاعةَ الَّتي هي علَّة الفعلِ -وهي قدرةُ الفعل حقيقةً- تكون مع الفعل؛ فإنَّ اللَّه تعالى نفى ذلك عنهم حيث انتفى عنهم الفعل، فأمَّا الاستطاعة الَّتي هي سلامةُ الأسباب والآلات فقد كانت ثابتةً لهم، فإنَّهم كانوا ذوي أذانٍ وعيونٍ. * * *

стр. 3922

(٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: أوردوا أنفسَهم الهلاكَ والعذابَ، حذرًا مِن غير أن اعتاضوا مِن أنفسِهم مِن أعراض الدُّنيا بدلًا، بل تعبوا في الدُّنيا بعبادة الأصنام، ووردوا الآخرة وقد فقدوها (١) ولم يحصلوا منها ومن عبادتها على نفعٍ، وكانوا مفترين في أنَّها آلهةٌ وشفعاءُ وشهداء. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: بطلَ افتراؤُهم فلم يجلبْ ثوابًا (٢). * * * (٢٢) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: (لا جرم) كلمةٌ تقولُها العرب بمعنى: لا بُدَّ، ولا محالةَ، وكثرَتْ في الكلام حتَّى صارَتْ بمعنى: حقًّا. وقيل: (لا) نفيٌ، و (جرم)؛ أي: كَسَبَ، يعني: كَسَبَ كفرُهم خسرانَهم (٣). وقيل: (جرم)؛ أي: قطع؛ أي: لا قطعَ لهم عن الخسران. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَا جَرَمَ﴾ نعم (٤).

стр. 3923

وقال الضَّحَّاكُ: لا شكَّ (١). وقال النَّضر بن شميل: ذلك (٢). وقال مجاهد: حقًّا؛ أي: إنَّهم في الآخرة هم الأعظمون خسرانًا، والأشدُّون عذابًا وهوانًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أولئك الَّذين خسرَتْ صفقتُهم، وبارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوانَ، وذاقوا البأسَ والحرمان (٣). * * * (٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكرَ الأولياءَ بعدَ ذِكْرِ الأعداءِ. ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ اختلفَتْ ألفاظُ المفسِّرينَ فيه: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أنابوا إلى ربهم (٤). وقال مجاهدٌ: أي: اطمأنُّوا إلى ذِكْرِ ربِّهم (٥).

стр. 3924

وقال قتادة: أي: خضعوا وخشعوا (١). وقال الحسنُ: الإخباتُ: الخشوعُ للمخافةِ الثَّابتة في القلب (٢). وقيل: الإخباتُ: سكونُ الجوارحِ خضوعًا للَّهِ تعالى، والخَبْتُ: الأرضُ المستويةُ الواسعةُ (٣). * * * (٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: والفريقان هما المذكوران في هذه الآية، وهما المشركون والمؤمنون، فالأعمى والأصم هو المشرك، عَمِيَ بعين قلبه فلم ينظر نظر اعتبار، وصُمَّ بسمع قلبه فلم يسمع إلى الوعظ للادِّكار، والبصيرُ والسَّميع هو المؤمن، أبصَروا الحقَّ بعيون قلوبِهم، وسمعوا بآذان القلوب مواعظ ربِّهم. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي. وإنَّما ثنَّى -وإنْ ذكرَ أربعةَ أسماءٍ وهي جمعٌ- لأنَّ الأعمى والأصم من صفة إنسانٍ واحدٍ، وكذا السَّميع والبصير لواحدٍ، فكانا اثنين.

стр. 3925

وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: تتَّعظون، استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتَّعِظوا. * * * (٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: وذكرَ قصصَ الأنبياءِ تنبيهًا على ما يلزم (١) رسول اللَّه ﷺ من الصَّبر على أذى قومِه المشركين، وتحذيرًا للمشركين أنْ ينزلَ بهم في تكذيب رسول اللَّه ﷺ ما نزل بالأوَّلين في تكذيب المرسلين، وتبشيرًا للمؤمنين بالنَّصر والنَّجاة والتَّمكين. وقال ابن عبَّاس ﵄: سُمِّيَ نوحًا لكثرة نياحه على نفسِه (٢). وذُكر (٣) أنَّه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحَهُ! فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنِ اخلقْ أنتَ أحسنَ منه، فأخذَ يبكي وينوحُ على نفسِه حتَّى أوحى اللَّهُ إليه: يا نوحُ، كم تنوحُ (٤)؟ فإذا كان في طول عمرِه فعلَ فعلةً واحدةً أو قالَ كلمةً واحدةً لم يؤذَنْ له فيها، فناحَ على نفسِه إلى أنْ سُمِّيَ بالنَّيَّاحِة، فكيفَ حالُ مَن لا يذكرُ يومًا مضى مِن عمرِهِ في مدَّةِ تكليفِه إلَّا على ذنوبٍ كثيرةٍ؟ وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو والكسائيُّ:

стр. 3926

﴿أنِّي لَكُمْ﴾ بالفتح؛ لو قوع فعلِ الإرسال عليه، وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء (١)، وتقديرُه: فقلنا له: قل لهم: إنِّي لكم ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: مخوِّف لكم، ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهِرٌ ذلك. * * * (٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ قيل لئلَّا تعبدوا، وقيل: بأن لا تعبدوا، ثمَّ هو يحتمِلُ النهيَ، ويحتمِل النَّصب؛ لوقوع فعل الإرسال أو الإنذار على المصدر. وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ الأليمُ في الظَّاهرِ صفةُ العذاب، وإنَّما خُفضَ ولم يُنصبْ للمجاورة. وقيل: هو صفةُ اليومِ، وتقديرُه: عذاب يومٍ أليمٍ عذابُه، كما يُقال: أخشى عذابَ يومٍ شديدٍ عذابُه، وهو كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصف الرِّيح. وهذا اليوم يجوز أن يكون في الدُّنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. وقال ابن عبَّاس ﵄: هو الغرق والطُّوفان (٢). * * * (٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.

стр. 3927

وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾؛ أي: قال أشرافُ قومِه الَّذين يتكلَّمون عمَّن دونهم: ما نراك إلَّا إنسانًا مثلنا، والَّذي (١) تدَّعيه مِن النُّبوَّة يوجبُ فضلًا لكَ علينا يُلْزِمُنا أنْ نكون أتباعًا لك، وإنَّما أنت آدميٌّ مثلنا، ولم يتَّبعْكَ مِن قومِكَ خيارُ قومنا وعقلاؤنا فيلزمَنا اتِّباعهم، بل سَفِلتُنا وسُقَّاطنا. والرَّذْلُ: الحقيرُ، وجمعُه: الأرذال، وجمعُ الجمعِ: الأراذل. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرأ أبو عَمرو: ﴿بادئ﴾ مهموزًا، ومعناه: أوَّلَ الرَّأي؛ أي: اتَّبعوك بأوَّل رأيهم مِن غير أن يستشيروا أو يتأمَّلوا (٢). وقرأ غيرُه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ بغير همزة (٣)؛ أي: ظاهر الرَّأي؛ أي: بما بدا لهم مِن غير تأمُّل. وقبل: ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾؛ أي: بأوَّل الرُّؤية وبظاهر الرَّأي يعرفهم أنَّهم أراذل، وما نرى لك يا نوحُ ولا لمنْ اتَّبعَك علينا فضلًا نِلْتموه لمخالفتنا في دينِنا فنتبعَكم طلبًا لذلك الفضل، بل نظنُّكم كاذبين في دعوى الرِّسالة. والأظهرُ أنَّ الأراذل جمع الأرذل (٤)، فقد قال تعالى في سورة الشعراء خبرًا عنهم: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].

стр. 3928

وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهكذا كان الكفَّار يردُّون على الرُّسل بهذا: أنتم بشرٌ مثلُنا، وجوابُ ذلك ما قال خبرًا عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وجواب قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: أنَّ هؤلاء لَمَّا لم يتَّبعوا الرُّؤساء الذين هم أرباب الأموال والنِّعم، واتَّبعوا الرُّسل الَّذين لم يرَوا في أيديهم ذلك، دلَّ أنَّهم إنَّما اتَّبعوهم بالحُجَج والبراهين (١). وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ دلَّ أنَّهم كانوا يردُّون الدَّلالات الباهرة بالظُّنون الكاذبة. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أنكروا نبوَّته لمشاكلتِه إيَّاهم في الصُّورة، ولم يعلموا أنَّ المباينةَ بالسَّريرة والسِّيرة لا بالصُّورة. ونظروا إلى مَنْ آمنَ به بعين الاستحقار، وشاهَدوهم بالاستصغار، وما استصْغَرَ أحدٌ أحدًا برؤية الفضل عليه إلَّا سلَّطَه اللَّهُ عليه، والمرءُ بأصغَرَيْه، وبالمعاني الامتيازُ لا بالمباني، قال الشَّاعرُ: ترى الرَّجلَ النَّحيف فتزدَرِيْهِ... وفي أثوابِهِ رجل يزيرُ (٢) فإنْ أكُ في شراركمُ قليلًا... فإنِّي في خياركمُ كثيرُ (٣)

стр. 3929

(٢٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: أي: قال نوحٌ: يا قومِ أخبروني إنْ كنْتُ على بيانٍ وحجَّةٍ ووضوحٍ مِن ديني، وكان اللَّهُ آتاني رحمةً مِن عندِه، بأنْ جعلَني رسولًا إليكم، ووعدني النَّصر عليكم، واشتبهَتْ عليكم تلك الرَّحمة، وخفيَتْ حتَّى صرْتُم كالعُمْي عنها، أيتهيَّأ لي أنْ أُلزِمَكُمْ إيَّاها؛ أي: أَقهَرَكم وأُكرهَكم على فهمِها ورؤيتِها بأبصارِ قلوبِكم، وأنتم لها كارهون؟! ويحتمِل أنْ يكونَ المراد مِن الرَّحمة: ما أنعمَ اللَّه عليه مِن الهدى، يقول: إنْ كانَ اللَّهُ تعالى هداني فأردْتُ أنْ أُشركَكُم فيها، وخفيَ عليكم هذا فظننْتُم بي غير الحقِّ، أيتهيَّأ لي أنْ ألزمَكُم هذه النِّعمة، فأوصلَها إليكم على كرهٍ منكم؟! وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على دِينٍ. وقال الضَّحَّاك: أي: على بصيرةٍ. وقال عطاء: على أمرٍ ظاهرٍ مكشوفٍ (١).

стр. 3930

وقال مقاتلٌ: على معرفة (١). ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني: الرِّسالة والعاقبة (٢). وقال مقاتل: هدًى (٣). وقوله تعالى ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصمٍ بضمِّ العين وتشديد الميم؛ أي: عمَّاها اللَّهُ تعالى عليكم؛ أي: أخفاها، والباقون بتخفيف الميم وفتح العين (٤)؛ أي: خَفِيَتْ، يُقال: عَمِيَ عليَّ خبرُ فلان؛ أي: التبس. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الصُّبحُ لا خللَ في ضيائِهِ لكون الحاضرين عُميانًا، فالسَّيفُ لا خللَ في إمضائه لكونِ ضاربِيْه صبيانًا (٥). * * * (٢٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: لا أطلبُ منكم على

стр. 3931

تبليغِ الرِّسالة مالًا، فلا تهمةَ عليَّ فيما أدعوكم إليه، ولا صورتي صورةُ مَن يطمعُ في أموالكم، والرِّياسةِ في أمور الدُّنيا عليكم، فتظنُّوا بي الكذبَ، وما أَجري إلَّا مِن اللَّهِ بوعد اللَّه، فللَّه أعملُ، ومنه أرجو، وما أنا بطارد الَّذين آمنوا بي واتَّبعوني -والطَّردُ: الإبعادُ على وجهِ الهوان- إنِّي إذا كنْتُ لا اسألُكم شيئًا مِن أموالكم، فأراذلكم وأفاضلُكم عندي سواء؛ لأنِّي داعٍ للجميع، فمَنْ أجابني قبلْتُه. وقولُهم: اتَّبعوك بادي الرَّأي، فعليَّ العمل بظاهر ما أرى، فأكتفي بظاهر إيمانهم، وأَكِلُ باطنهم إلى اللَّه، فإنَّهم ملاقوه، وصائرون إليه، فيسألهم عن أعمالهم، ويجزيهم على وفق صنيعهم، ويطردهم عن رحمتِه إنِ استحقوه بمخالفةِ باطنهم ظاهرَهم. وقيل: سألوه طردَهم ليؤمنوا به؛ أنَفةً مِن أن يكونوا معهم. وهذا عن ابن جريج (١). ثمَّ قال: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: فتظنُّون أنَّ النَّاس يتفاضلون بالأحساب والأنساب، لا بالأعمال والأحوال. وقيل: تجهلون أنَّهم خير منكم. * * * (٣٠) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 3932

وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: مَن يمنعُني مِن عذابِ اللَّهِ ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: فتُخْطِرون (١) ببالكم فتعلموا أنَّه لا يجوزُ لي طردُهم والحال هذا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: طردُ مَن قرَّبَه اللَّهُ وأدناه يوجِبُ لصاحبه الخِزْيَ في الدُّنيا، والصَّغارَ في عُقباه (٢). * * * (٣١) - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ولا ادَّعي أنَّ عندي خزائنَ الأموالِ فأبذلَها لكم لتتَّبعوني، وأستميلَكم بها لتُطيعوني. وقيل: ما عندي خزانةُ الهداية لأهديَكم أنا إلى الحقِّ دون الأراذل، ولا أعلم الغيب فأخبرَكم بما تسألونني عن الأمور الكائنة من بعدُ مِن النِّعم والمحن لتطلبوها وتتحرَّزوا عن المخاوف، ولا أقول: إنِّي ملَك من السَّماء أخبركم بأخبار السَّماء، ولا أقول لهؤلاء الَّذين تحتقرهُم أعينُكم -وقد زَرَيْتُ عليه زِرايةً؛ أي: عِبْتُهُ، وأزرَيْتُ عليه؛ أي: قصَّرْتُ به، وازدريْتُهُ؛ أي: احتقرْتُهُ- ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾؛ أي: إيمانًا ﴿اللَّهُ

стр. 3933

أَعْلَمُ بِمَا فِي﴾ قلوبِهم مِن الصِّدق وغيره، وعليه أحدُ تأويلات قولِه تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ أي: ما في قلوبهم، ولو طردتهم فأنا إذًا مِن الظَّالمين أنفسَهم بطردِ مَن أُمِرْتُ بقَبولِه. * * * (٣٢) - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾؛ أي: خاصمْتَنا فبالَغْتَ فيها -وقد جادَلَه يجادِلُه؛ أي: خاصمَه ليُرجِعَهُ عمَّا هو عليه، وأصلُهُ الجَدْلُ، وهو الفَتْلُ (١) - وليس ذلك ممَّا يُثْبِتُ عندَنا صدقَكَ في دعوى رسالتِكَ فيُخافَ إنذارُك. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على مخالفتِنا إيَّاك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: صادقًا في ذلك. * * * (٣٣) - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: (إنَّما) كلمةُ تحقيقٍ، ومِن تحقيقِه أنْ يكونَ له دونَ غيره؛ أي: ليسَ الإتيانُ بالعذابِ إليَّ، وإنَّما يأتي اللَّهُ به إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ صرفَه عنكم، وما أنتم بفائتين (٢) عنه إن تأخَّر عنكم حتَّى يلحقَكُم، بل يلحقُكُم متى شاءَ. * * *

стр. 3934

(٣٤) - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: النُّصح نقيضُ الغش، وهو إمحاضُ إرادةِ الخيرِ في الدلالة. وقيل: هو إعلامُ موضعِ الغيِّ ليُتَّقى، والرُّشدِ لِيُقْتَفَى (١). يقول: نصحْتُكُم، ولكن لا ينفعُكُم نصحي إذا لم تقبلوه وأراد اللَّه إغواءَكم، هو اللَّهُ ربُّكم؛ أي: مدبِّركم ومُقِيمكم في الدُّنيا إلى وقت إهلاكِكم، ثمَّ إليه تُرجَعون فيحاسبُكم ويجازيكم. * * * (٣٥) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾: قال مقاتلٌ: هذا كلامٌ اعترضَ في قصَّة نوح سلام اللَّه عليه، والمعنى: أم يقول أهلُ مكَّة: افترى محمَّدٌ القرآنَ؛ أي: اختلقَه مِن تلقاء نفسِه، قل يا محمَّد: إنْ اختلقْتُه فعليَّ جزاءُ جرمي، وأنا بريء ممَّا تجرمون أنتم. ثم رجعَ إلى قصَّة نوحٍ ﵇ (٢). وقيل: تقديرُه وتلفيقُه: أفيؤمِنُ أهلُ مكَّة بما أخبرْتَهم يا محمَّدُ مِن قصَّة

стр. 3935

نوحٍ تقريرًا لحالك، أم يقولون: اختَلَقه؟ فإنْ قالوا ذلك فقلْ: إنِ افتريتُهُ فعليَّ عقابُ ذنبي، وأنتم بريئون من جُرمي لا تُؤاخذون به، وأنا أيضًا بريء مِن جُرمكم لا أؤاخَذ به. وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: قال بعضهم: هو قولُ قومِ نوحٍ: إنَّ نوحًا افترى على اللَّه أنَّه أرسلَه إليهم، فأجابَهم بما أجابَ (١). فعلى هذا القصَّة منتظِمة. * * * (٣٦) - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: أوحينا إليه فقلْنا له: لن يصدِّقَكَ بعدَ هذا منهم إلَّا مَن قد آمن (٢)، فلا تحزن ولا تبأس، هو حزنٌ في استكانةٍ، وهو افتعال مِن البؤس؛ أي: فلا تتصوَّر بصورةِ مَن أصابه البؤس بما فعلوا، ولَمَّا أُخْبِر بذلك وأيسَ مِن إيمانهم دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّتِ الآيةُ أنَّ للإيمانِ حكمَ التَّجدُّد؛ فإنَّ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ استثناءٌ ممَّن لا يؤمِن في المستقبل، فكان إثباتًا لإيمانهم في حادث الوقت. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يحتمِل الكفر؛ لأنَّ الأنبياء كانوا يحزنون

стр. 3936

بكفر المشركين؛ قال اللَّه تعالى لنبيِّنا ﵇: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ويحتمِل أنَّهم كانوا همُّوا بقتله والمكرِ به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعَون في هلاكك؛ فإنِّي أكافيهم (١). * * * (٣٧) - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: أي: بحِفْظنا إيَّاك حفظَ مَن يراك ويملكُ دفعَ السُّوء عنك. وقيل: بأعين أوليائنا مِن الملائكة الموكَّلين بك. ﴿وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: أَمْرِنا وتعرِيْفنا صفتَها وقدرَها وهيئاتِها. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: في الكافرين بسؤال النَّجاة، وقيل: بسؤال الإيمان، وقيل: في سؤال بعض أهلِك مِن جملتهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾: أي: كلُّهم حقَّ القولُ عليهم بأنَّهم لا يؤمنون، وبإغراقنا يُغرقون، وهو تعريفٌ للمشركين في عهد النَّبيِّ ﷺ المستعجِلين العذابَ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يعذِّبُهم عذابَ الاستئصال إلَّا إذا كان في معلومِ اللَّه أنَّهم لا يؤمنون، ولا يخرجُ مِن أصلابهم مَن يؤمن. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: قمْ بشرطِ العبوديَّة في صنع السَّفينة بأمرنا

стр. 3937

وتحقُّق شهودِنا، وأنَّك بمرأًى منَّا، ومَن علِم اطِّلاع الحقِّ عليه لم يلاحِظ نفسَه ولا غيرَه، ولا سيَّما وقد تحقَّق بأن المجريَ هو اللَّه . ثمَّ قال له: راعِ حقَّ الأدب فيما لم يكن لكَ إذنٌ منَّا في الشَّفاعة لأحد، فلا تخاطبْنا فيه (١). * * * (٣٨) - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾: أي: وكان يصنعُ السَّفينة؛ أي: يعملُها، وكلَّما مرَّ عليه أشرافُ قومِه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾؛ أي: مِن نوح. وقيل: مِن صنعِه (٢). وقيل: كانوا يقولون: صرْتَ نجَّارًا بعدَ النُّبوَّة، على طريق الاستهزاء. وقيل: السُّخريةُ: إظهارُ خلافِ الإبطان على جهةٍ يُفهَم منها استضعاف (٣) عقلِ مَن يُسْخَر منه (٤)، ومنه (٥) التَّسخيرُ، وهو التَّذليل والاستضعاف.

стр. 3938

وقيل: لَمَّا كانت هائلةً طويلةً عريضةً واسعةً، ولا ماء هناك يحمِل مثلَها، كانوا يتضاحكون ويتعجَّبون من عملِها، فقال نوحُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾. قال الزَّجَّاج: أي: إنْ تستجهلونا فإنَّا نستجهِلُكم (١). وقيل: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ في الدُّنيا ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بكم العذاب. وقيل: فإنَّا نُظهرُ (٢) عاقبة هذا العمل بما تعملون إذا نزلَ بكم العذاب. وقيل: إنَّا كنَّا نسخرُ منكم إذْ نكتُمُكم حقيقةَ عملِنا، ولا نكشِفُ لكم عمَّا يُراد بكم منه. قال ابن عبَّاس ﵄: أعدَّ (٣) نوحٌ ﵇ السَّفينة في سنَتَين، وكانت مِن السَّاج، فجعل لها ثلاثةَ أبواب، بعضها أسفلَ من بعض، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسِّباع، وجعل في البطن الأوسط الأنعام والدَّواب، وركب هو ومَن معه البطن الأعلى مع ما يحتاجُ إليه مِن الزَّاد (٤). وقال مقاتلٌ: وحمل معه جسدَ آدمَ، وجعلَه معترضًا بينَ الرِّجال والنِّساء (٥).

стр. 3939

وفي تفسير مالك بن سليمان الهروي: أنَّ الحيَّة والعقرب أَتَيا نوحًا ﵇، فقالَتا: احملْنا، فقال نوحٌ صلوات اللَّه عليه: إنَّكما سببُ الضُّرِّ والبلاءِ (١)، فأنا لا أحملكما، قالَتا: احملْنا فإنَّا نضمنُ لَكَ أنَّا لا نضرُّ أحدًا ذكرَكَ، فمَنْ قرأَ حين خاف مضرَّتهما: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٩ - ٨١] ما ضرَّتاه (٢). * * * (٣٩) - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: يتَّصل هذا بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ﴾، ولقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان: الرَّفع إذا جعل معناه: فسوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يخزيه. والنَّصب إذا جعل تقديرُه: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه؛ أي: يفضحه، وهو الغرقُ، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: يجب عليه عذابٌ دائم؛ أي: عذاب الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]. * * * (٤٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

стр. 3940

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: أي: فعمل السَّفينة وفرغ ومضى زمانٌ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: حضر وقتُ مجيء أمرِنا بإهلاكِهم ﴿وَفَارَ﴾؛ أي: ارتفع الماء من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ (١) ﴿التَّنُّورُ﴾. قال الحسن: كان تنورًا لحوَّاء، حتَّى صار إلى نوحٍ، فقيل له: إذا رأيْتَ الماءَ يفورُ مِن التَّنُّور فاركبْ أنت وأصحابُك السَّفينة (٢). وقال مقاتلٌ ومجاهدٌ: تنور الخابزة في منزل نوحٍ (٣). وقال الشَّعبيُّ: اتَّخذَ نوحٌ السَّفينة في جوف مسجدٍ بالكوفة، وكان التَّنُّور على يمين الدَّاخل فيه، ممَّا يلي بابَ كندة (٤). وقال ابن عبَّاس ﵄: التَّنُّورُ وجهُ الأرض (٥). وبه قال الزُّهريُّ وسفيان بن عيينة (٦).

стр. 3941

وقال قتادة: التَّنُّورُ أشرفُ موضعٍ في الأرض (١). وقال الضَّحَّاك: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: انبجسَ من وجه الأرض (٢). وقال عليٌّ ﵁: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: طلع الفجر (٣). وقال عطاء: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾؛ أي: طلعت الشَّمس (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: في رواية حفصٍ عن عاصم: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتنوين؛ أي: من كلِّ صنفٍ من البهائم والسباع ودوابِّ البر والبحر والهوامِّ والطُّيور ﴿زَوْجَيْنِ﴾ وهو مفعولٌ ﴿اثْنَيْنِ﴾ وهو توكيد له. وقرأ الباقون: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ على الإضافة (٥)؛ أي: مِن كلِّ صنفٍ له ذكر وأنثى، والزَّوج واحدٌ له شكلٌ، والزَّوجان ذكر وأنثى. وقال الحسن في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: السَّماء زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشِّتاءُ زوجٌ والصَّيف زوجٌ، واللَّيل زوجٌ والنَّهار زوجٌ، حتَّى يصير الأمرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذي لا يشبهُهُ شيءٌ (٦). وكان اللَّهُ أرادَ أنْ يكون عندَه في السَّفينةِ أصلٌ لكلِّ حيوانٍ لتتناسلَ إذا زال الطُّوفان؛ لأنَّ الباقي كان يهلك بالغرق.

стр. 3942

وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على الأوَّل، يعني: واحملْ أهلَكَ، وهم أولادُه ونساؤُه. ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ﴾؛ أي: الوعيد. وقيل: أي: الحكمُ بالهلاك، وهذا المستَثنى ابنُه كنعان وامرأتُه. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾؛ أي: واحملْ مَن آمنَ، عطف على الأوَّل، وهو للجمع؛ أي: والَّذين آمنوا. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: قال الأعمش: هم سبعة (١). وقال ابن جريح: ثمانية (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: ثمانون نفسًا (٣). ولما خرجوا من السفينة بالجودي سكنوا قرية وهناك موضعٌ يُقال له: سوق الثَّمانين (٤). وقيل: كانوا عشرة، وهم نوحٌ وبنوه الثَّلاثة ونساؤهم ونفرٌ آمنوا به. وقال الكلبيُّ: كان في السَّفينة ثمانون نفسًا (٥)؛ نوحٌ وامرأتُه سوى الَّتي غرقَتْ، وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنسانًا سواهم.

стр. 3943

وروى أبو أمامةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لم يكن في السَّفينة مع نوح غير ثمانية؛ نوح وامرأته وبنوه وكنائنهم" (١). وقال سعيد بن المسيِّب: ولدُ نوحٍ ثلاثةٌ؛ سام وحام ويافث، ووُلِدَ لكلِّ واحدٍ منهم ثلاثةٌ، فولد سام العرب وفارس والرُّوم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والتُّرك والصَّقالب، وولد حام السُّودان والقبط (٢) والبربر (٣). * * * (٤١) - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾؛ أي: وقال نوحٌ: اركبوا في السَّفينة، وهو الأظهر. ويحتمل: وقال اللَّه تعالى: اركبوا فيها وقولوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. ويحتمل ألَّا يكون هذا على معنى الَّتكلُّم به، ولكن على معنى ما يُقال للرَّجل: سِرْ على اسم اللَّه، وافعل كذا بسم اللَّه، دعاء له؛ أي: افعلْه مباركًا لك فيه. وقوله تعالى: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ قرأ حمزة والكسائيُّ وحفص عن عاصم: ﴿مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم ومعناه: جريانها.

стр. 3944

وقرأ الباقون بضمِّ الميم (١)، ومعناه: إجراؤها. وقيل: ﴿مَجْرَاهَا﴾: موضعُ جريانها، ووقتُ جريانها، وبالضَّمِّ: موضعُ إجرائِها ووقتُ إجرائِها. وفي إعرابِه وجهان: الرَّفع لأنَّه خبر الباء (٢)، والنَّصبُ بنزع الخافض: عند مجريها (٣)، أو: في مَجْريها (٤). ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بالضَّم بالإجماع، وهو من الإرساء، وهو الثَّبات، وله ثلاثة معانٍ أيضًا: الإثبات، وموضع الإثبات، ووقت الإثبات. وإعرابُه أيضًا النَّصب والرَّفع على ما مرَّ، فالرَّفع على الإخبار، والنَّصب على التبَرُّك (٥) والتَّكلُّمِ بالتَّسمية.

стр. 3945

وقال الضحَّاك: كان نوحٌ صلوات اللَّه عليه إذا أرادَ أن تجري قال: بسم اللَّه، فجرَتْ، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم اللَّه، فرسَتْ، والإرساء: إمساكُ السَّفينة بما تقفُ به (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل أنَّها بسم اللَّه تجري وبه تقف، وأنَّها ليست كسائر السُّفن الَّتي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الَّذين يتولَّون إجراءَها ووقفَها، وسفينةُ نوح ﵇ كان جريها باللَّه وبه رُسوُّها، لا صنعَ لهم في ذلك، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢]، وما كان في تصرُّف (٢) النَّاس لم يجرِ في مثل هذه الحال سالمة (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: غفورٌ لنا رحيمٌ بنا، يسترُ علينا الزلَّات، ويرحمنا بالنَّجاة. وقال الكلبيُّ: ركب فيها نوح ﵇ لعشرٍ مضَيْن مِن رجبٍ، وخرجوا منها يومَ عاشوراء (٤). * * * (٤٢) - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 3946

وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: أي: ركبوا في السَّفينة فجرَتْ بهم في أمواجٍ عظيمةٍ هائلةٍ تشبه الجبال؛ أي: كانت الأمواج ترفع السَّفينة، وكانت السَّفينة كالموج العظيم الَّذي يشبه الجبال. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾: أي: كان معتزلًا عنه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: من الكافرين؛ لأنَّ حالَته كانت ملتبِسةً عليه؛ لأنَّه كان ينافقه. وقيل: علِمَ كفرَه، ولكن معنى ندائه: يا بُنَيَّ أسلِمْ ولا تكن ثابتًا على الكفر مع الكفَّار، واركبْ معنا تسلَمْ. * * * (٤٣) - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾: أي: قال ابنه كنعان: سألتجئ إلى جبل يمنعني من الماء ويمسكني. ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا مانعَ اليومَ من عذاب اللَّهِ الَّذي نزلَ بأمرِه ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾؛ أي: إلَّا اللَّه الَّذي قد رحمنا بما آمنَنا مِن الغرق. وقيل: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا معصوم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: مرضيَّة، وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق، وقال الشَّاعر:

стр. 3947

بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا... مِ أضحَى فؤادِي به فاتنا (١) أي: مفتونًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾؛ أي: إلَّا مَن رحم اللَّهُ، وإنَّما يرحمُ اللَّهُ مَن أسلَمَ، فأسلِمْ تسلَمْ، وكان هذا حين فار التَّنُّور قبلَ أنْ يصيرَ (٢) الغرقى بحالٍ يعاينون أسبابَ الآخرة، فيكونَ إيمانُهم إيمانَ يأسٍ. وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: قيل: أي: حالَ بينَ كنعان وبين الالتجاء بالجبل الموجُ. وقيل: حالَ بينَ نوحٍ وبينَ ابنِه الموجُ. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: أي: صارَ من المغرقين، أو كان في علمِ اللَّه تعالى أنَّه يغرق، لا أنَّه كان مِن المغرقَيْن قبلَ ذلك، وعلى هذَيْن الوجهَيْن قولُه في إبليس: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: أخطأ المسكين من وجهَيْن: أحدهما: أنَّه رأى الهلاك مِن الماء، وكان من اللَّه تعالى. ورأى النَّجاة والعصمة من الجبل، وهي من اللَّه ﷻ .

стр. 3948

قال: ويقال: احتمل أنْ لو قيل له: يا نوح، غرَّقنا العالم بدعائِكَ، فلا عليكَ إنْ غرَّقنا ولدًا لك في جملتِهم (١). وذكرَ الشَّيخ الإمام أبو بكر الفارسيُّ (٢) في "تفسيره" قال: رُوِي عن عكرمة أنَّه قال: لمَّا قال نوح لابنه كنعان: اركب معنا؛ قال: سآوي إلى جبل أتَّخذ فيه (٣) قبَّة من صُفْر، وحملَ فيها الطَّعام والشَّراب، وردمَ بابَها، فلمَّا علا الماءُ فوقَها؛ ألقى اللَّه تعالى عليه البول، فجعل يبولُ ولا ينقطع حتَّى امتلأَتِ القبَّة، فغرَّق اللَّه تعالى الكفَّارَ بالماء وغرَّقه ببوله (٤). * * * (٤٤) - ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ أي: نشِّفي ماءَك الَّذي يخرج منك ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾؛ أي: احبسي ماءَك، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾؛ أي: نقصَ ونشَّفته الأرض، وصار ما نزل من السَّماء هذه البحورَ، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: هلكَ مَن هلكَ ونجا مَن نجا، واستقرَّت

стр. 3949

السَّفينة بعدَما طافَتِ الأرضَ كلَّها في ستَّة أشهر (١) ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وهو (٢) جبلٌ بأرض الموصل، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾؛ أي: سُحقًا، ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: قوم نوح الَّذين غرقوا. وقالوا: معنى الآية: جرت بهم السَّفينة إلى أن تناهى (٣) الأمر وبلغ هذا المبلغ. الابتلاع: الازْدِراد، والإقلاع: الإمساك، والغيض: النَّقص متعدٍّ، والاستواء: الاستقرار، وقُضِيَ الأمر: فُرِغ منه، والبُعْد: الهلاك. وما ذُكِرَ في الآية من القول فيحتمل أن تكون الملائكةُ قالَتْ ذلك لفظًا، وقد وضع اللَّه تعالى فيها (٤) فهمًا، ويحتمل أن يكون عبارة عن بلوغ الأمر ذلك المبلغَ وجَرْيِه على ما جَرَى؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وفي الآيةِ من عجيْبِ البلاغة وجوهٌ كثيرةٌ: منها: أنَّه خرجَ مخرجَ الأمرِ على معنى التَّعظيم لفاعلِه؛ لأنَّه مِن غير معاناة ولا لُغوب. ومنها: حسنُ تقابلِ المعاني. ومنها: حسنُ ائتلافِ الكلام. ومنها: حسنُ البيانِ في تقرير الحال.

стр. 3950

ومنها: الإيجازُ مِن غير إخلال. ومنها: سياق القصَّة في أوجز خطبة. إلى غير ذلك ممَّا دلَّ عليه هذا الكلام مِن الحُسْن العجيب واللُّطْف البديع. وقال الضَّحَّاك: مطرَتِ السَّماءُ أربعين يومًا اللَّيل والنَّهار، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فارتفع الماءُ على كلِّ جبل خمسة عشر ذراعًا، وسارَتْ بهم السَّفينةُ، وطافَتْ بهم في الأرضِ كلِّها ستَّة أشهرٍ لا تستقرُّ على شيءٍ، حتَّى أتَتِ الحرَمَ وطافَتْ أسبوعًا، ورُفِع البيت الَّذي بناه آدم إلى السَّماء السَّادسة، وهو البيت المعمور (١). وقال قتادة: بعثَ نوحٌ ﵇ الغرابَ لينظرَ، فوجد جيفةً فوقعَ عليها، فبعثَ الحمامة فأتَتْه بورق الزَّيتون، فأُعْطِيَتِ الطَّوْقَ في عنقِها والخضابَ في رجلها (٢). * * * (٤٥) - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾. وقول اللَّه تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: أي: دعا اللَّهَ تعالى فقال: ربِّ؛ إنَّ ابني مِن أهلي، وقد وعدتني إنجاءَ أهلي، ووعدُك الصِّدق لا خُلْفَ فيه، وأنت الحاكمُ بالعَدْل لا يشوبُ حكمَكَ زللٌ

стр. 3951

ولا خطأٌ فترجعَ، وقد حكمْتَ بإنجاء أهلي، وهذا ابني مشرِفٌ على الهلاك، فعرِّفني السَّبب فيه لأكونَ على علمٍ، فيسكنَ له قلبي. قال ابن عبَّاس ﵄: كان هذا ابنَه مِن صُلْبِهِ (١). وقال مجاهد: كان ابن امرأته (٢). وقال قتادة: سألْتُ عنه الحسن فقال: واللَّه ما كان ابنه، قلْتُ: إنَّ اللَّه تعالى أخبر عنه أنَّه قال: ﴿إِنَّ ابْنِي﴾ وأنت تقول: لم يكن ابنه، وإنَّ أهل الكتاب لا يختلفون في أنَّه كان ابنه، فقال الحسن: ومَنْ يأخذ دينَه مِن أهل الكتاب (٣). وقال: إنَّ نوحًا قال: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ ولم يقلْ: منِّي (٤). ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الوعدَ بالعذاب هو الصِّدق، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قضيْتَ لقومٍ بالنَّجاةِ ولقومٍ بالغرقِ. * * * (٤٦) - ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: كان عند نوح أنَّ

стр. 3952

ابنه كان على دينه؛ لِمَا أنَّه كان يُظهرُ الموافَقة له، وإلَّا لا يحتمِل أنْ يقولَ: إنَّ ابني مِن أهلي، ويسألَه نجاته، وقد سبق عنه النَّهيُ عن سؤال مثلِه؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، فكان سألَ على الظَّاهر الَّذي عندَه، كما كان أهل النِّفاق يظهرون الموافقة لرسولِنا ويُضمِرون خلافَه، ولم يَعلَمْ بذلك حتَّى أطلَعَه اللَّهُ تعالى عليه، فكذلك حال نوح ﵇، ولم يكن قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ تكذيبًا لقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، لكن معناه: هو مِن أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك الذي بشَّرْتُك بنجاتهم (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: قرأ الكسائيُّ على الفعل؛ أي: ﴿عَمَلٌ﴾ ابنُك عملًا ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ أي: كفرَ وما أسلَمَ، فأفسدَ وما أصلحَ. وقرأ الباقون: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾ بالتَّنوين ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بالرَّفع (٢)، وله وجهان: أحدهما: إنَّ سؤالَك هذا عملٌ ليسَ بصالحٍ، وهذا عن ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وإبراهيم (٣). وقيل: ﴿عَمَلٌ﴾ نعتُ الابنِ، مصدرٌ أُقيمَ مقامَ الفاعل؛ قاله الزَّجاج (٤)، وأنشد قول الخنساء: ترتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكرَتْ... فإنَّما هيَ إقبالٌ وإدبارٌ (٥)

стр. 3953

أي: مقبلةٌ ومدبرةٌ. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الذين وعدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهُمْ (١). وقال الضَّحَّاكُ: أي: ليسَ مِن أهلِ دينِكَ ووِلَايَتِكَ (٢). ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: أخبرْتُكَ عن حالِ ابنِكَ إذْ كنْتَ غيرَ عالم به، فلا تسألني بعدَها ما ليس لك به علم؛ أي: معرفةُ باطنه حتَّى آذنَ لك فيه ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بأحكامي الَّتي منها ألَّا تسألني ما لم آذنْ لكَ فيه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ هو كما قال لنبيِّنا محمِّد ﵇: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وإنْ كان في علمِهِ أنَّه لا يكون مِنَ الجاهلين، وهو لِمَا ذكرنا مرَّات أنَّ العصمةَ لا تمنع النَّهيَ عن الشَّيء، بل بالنَّهي تظهر العصمة (٣). * * * (٤٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: أنْ أعودَ إلى ما لا أعلمُ بالإذن في سؤالِه.

стр. 3954

﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: وإنْ لم تسترْ عليَّ ما مضى من هذا السُّؤال، ولم ترحمني بقَبول إنابتي، أكنْ مِن الهالكين. وهذا ثناءٌ مِنَ اللَّهِ تعالى على نبيِّه نوح، وتعريفٌ لنبيِّه محمَّد صلَّى اللَّه عليهما وسلَّم تعظيمَ الأنبياء قبلَه أمرَ اللَّهِ، وتَوَقِّيهم عن تقصيرٍ يقعُ منهم أو انبساطٍ وإنْ قَلَّ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾؛ أي: بالعصمة عن العَود إلى مثلِه ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾ هو طلبُ المغفرةِ والرَّحمةِ بالكناية، وهو آكدُ وأبلَغُ مِن قوله: (اللَّهم اغفرْ لي وارحمْني)؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾ قطعُ رجاءِ المغفرةِ والرَّحمةِ مِن غيرِه، وإخبارٌ أنَّه لا يملِكُ أحدٌ ذلك غيرَه، وليس في قوله: (اغفرْ لي وارحمْني) قطعُ كونِ ذلك مِن غيرِه، بل هو يدلُّ على طلبِ المغفرةِ والرَّحمة لا غيرَ، وعلى ذلك سؤالُ آدم وحوَّاء: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (١). * * * (٤٨) - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: قلْنا له؛ لأنَّه قال: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾. وقيل: قالَتِ الملائكةُ بأمرِنا.

стр. 3955

﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾؛ أي: انزل من السَّفينة إلى الأرض. وقيل: مِن الجوديِّ إلى قرار الأرض. ﴿بِسَلَامٍ﴾؛ أي: تحيَّةٍ؛ كما قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، وهو الثَّناءُ الحسَنُ. وقيل: أي: بسلامةٍ مِن الآفاتِ. ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾: جمعُ بَرَكَةٍ؛ وهي ثبوتُ الخيرِ بتمامه (١)، وهو في حقِّه تكثيرُ ذرِّيَّتِه وأتباعِه، وجعلُ أكثرِ الأنبياء مِن ذرِّيَّتِه، وأئمَّةِ الدِّين في القرون الباقية مِن نسلِهِ، وسائرُ المنافعِ. ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أرادَ الأممَ الَّذين كانوا مِن بعدِه، فإنَّه لم يكنْ معَه يومَئذ إلَّا نفرٌ يسيرٌ، ودلَّ هذا أنَّ دينَ الأنبياءِ جميعًا دينٌ واحدٌ وإنِ اختلفَتْ شرائِعُهم، فإنَّه جعلَهم ممَّن معَه على اختلافِ شرائعِهم (٢). ثمَّ يجوز أن يكون هذا السَّلام ممَّا سألَ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾، والبركات ممَّا سألَ: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هذا ابتداء كلام (٣)؛ أي: أُمَمٌ مِنَ الكفَّار مِن نسلِكَ أُمَتِّعُهم في الدُّنيا إلى انقضاءِ آجالِهم، ثمَّ يصيبُهم في الآخرة عذابٌ أليمٌ في النَّار. * * *

стр. 3956

(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: هذه الأنباءُ مِن أنباءِ الغيبِ؛ أي: مِن أنباءِ الأممِ السَّالفة التي يَغيبُ العلمُ بها عمَّن لم (١) يعرِّفْه اللَّهُ تعالى. ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾: نقصُّها عليك؛ لِتَقِفَ عليها بعدَ أنْ كُنْتَ أنتَ وقومُكَ لا تعلمُونها، إذْ كنتم أُمِّيِّين. ويحتمِل أنْ يكونَ العربُ لم يعرفوا خبرَ الطُّوفان أصلًا، فإنَّ بعضَ الملاحدة والفلاسفة ينكرون ذلك إلى يومِنا. ويحتمِل أنَّهم عرفوا قصَّةَ الطُّوفانِ لشهرَتِه، لكن لم يعرفوا قصَّة الابنِ الَّذي غرقَ، وهذا أولى. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾؛ أي: على ما أُمِرْتَ به ونُهِيْتَ عنه. وقيل: على أذى الكفَّار. وقيل: كما صبرَ الأنبياء، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قيل: اتَّقَوا الشِّرك، فإنَّه ذكر هذا بمقابلةِ قولِه: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ وهم الكفَّار.

стр. 3957

وقيل: أي: الذين اتَّقَوا الشِّرك والمعاصيَ، ولهم العاقبةُ الحميدةُ المطلقة، وقد مرَّ بيان (١) هذه القصَّة بتمامها في (سورة الأعراف). * * * (٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه وشرحُه في (سورة الأعراف). ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللَّهِ في إضافتكم إليه الشُّركاء. * * * (٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي: خلَقَني. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما أقولُ لكم فتتدبَّروه، فيتبيَّنَ لكم صِدْقي. وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ يحتمِلُ: في تسميتِكُم الأصنامَ آلهةً، ويحتمِل: في قولِكم: اللَّه أمرنا بها، ويحتمِل: في إنكارِكم الرِّسالة، أو البعْثَ بعدَ الموت.

стр. 3958

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ واحدٌ، وأنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ (١). * * * (٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: مرَّ تفسيرُه في أوَّلِ هذه السُّورة، وقدَّم الاستغفارَ على التَّوبة لأنَّ المغفرةَ هي الغرضُ، والتَّوبةَ سببٌ يُتوصَّلُ به إليها، فقدَّمَ ذِكْرَ الغرضِ على السَّببِ. وقيل: استغفروا بالإيمان، ثمَّ ارجعوا بأعمالِكم وأموالِكم إليه دونَ غيرِه. وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: أي: يُرسِل المطرَ في وقتِه مدرارًا لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ (٢) الذي لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ المتتابع، و (مِفْعَال) صفةُ مبالغة؛ كقولهم: مِتجار ومِعطار ومِطعام (٣) ومِغوار. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿مِدْرَارًا﴾: متتابعًا (٤). وقال مقاتلُ بن حيَّان (٥): دائمة. وقال ابن كيسان: غزيرًا كثيرًا (٦).

стр. 3959

وقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: أي: يَهَبْ لكم أموالًا وأولادًا زيادةً على ما حصلَ عندَكم اليومَ مِن ذلك، فتقدروا على دفعِ أعدائِكم بكثرةِ عددِكُم، وكانوا في قوَّةٍ فوُعِدوا الزِّيادة على ذلك. وقال مقاتلٌ: حبسَ اللَّهُ تعالى عنهم المطرَ ثلاثَ سنين، وأعقمَ أرحامَ نسائِهم، فلذلك قال ذلك (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: أي: لا تُعْرِضوا عن الإيمان مُذْنِبين. وقال القشيريُّ ﵀: ثمَّ توبوا بعد الاستغفار مِن توهُّمكم أنَّ نجاتكم باستغفاركم، بل تحقَّقوا أنَّكم لا تجدون نجاتكم إلَّا بفضلِ ربِّكم، فبفضلِه وصلْتُم إلى استغفاركم، لا باستغفارِكُم وصلْتُم إلى نجاتِكُم. وقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الاستغفارُ: قَرْعُ بابِ الرِّزْق، فإذا رجعَ العبدُ إلى اللَّهِ تعالى بحسْنِ تضرُّعِه فتحَ اللَّهُ تعالى عليه أبوابَ رحمتِه، ووفَّر عليه أسبابَ نعمتِه (٢). * * * (٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: أي: بحجَّةٍ واضحةٍ على دعوى رسالَتِكَ لِتُلْزِمَنا تصديقَكَ والانقيادَ لك.

стр. 3960

﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: مِن أجلِ قولِك؛ كما يُقال: كسوْتُكَ عن عُرْيٍ؛ أي: مِنْ أجلِ عُرْيِكَ. وقيل: الباء و (عن) متناوبان (١)، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ أي: عنه، وقال ها هنا: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: بقولِكَ. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين. * * * (٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: ما نقولُ إلَّا أصابَكَ بعضُ آلهتنا بجنونٍ؛ أي: خَبَلٍ في عقلِكَ؛ قالَه ابنُ عبَّاس والحسنُ ومجاهد (٢). وقيل: أي: ما نظنُّ وما نقولُ فيما بيننا إذا ذكرنا حديثَكَ إلَّا أنَّ بعضَ أصنامِنا الَّتي نعبدُها أصابَكَ بجنون، عقوبةً لك على الدُّعاء إلى تركِها ورفضِ عبادتِها. فقال هودٌ: ليسَ هو كما تقولون، وأنا أُشهِدُ اللَّهَ تعالى وأُشهِدُكم أنِّي بريءٌ مِن شركِكم، غيرُ موافقٍ لكم على دينِكم، فاستعمِلوا الحيَلَ أنتم وآلهتُكم الَّتي تزعمون
следующие страницы →