← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وللتسوية: إذا كانت الألفُ في أحدِ الشيئين (١) و (أم) في الشيء الآخَر، كما في قوله (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]. وفي الاستفهام مدخلٌ للتسوية أيضًا في قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرٌو؟ وإنما تقول ذلك حين استوَى علمُك فيهما (٣) أنَّ أحدهما فيها، ولذلك تقول في التحقيق: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرٌو. وقال صاحب "النظم" (٤): وإنما ورد هذا بألفِ الاستفهام -والاستفهامُ (٥) غيرُ محقَّقٍ وهذا محقَّقٌ- لأنه يستقيم هاهنا أن يقال: سواءٌ عليهم أيَّهما فعلتَ: الإنذارَ وتركَ الإنذار، وكلمة (أيّ) في الأصل للاستفهام، وهذا في معناه، فصَلح فيه الاستفهامُ. ثم الإنذارُ هو التخويفُ، وقيل: الإبلاع، وقيل: الإعلام بالعذاب. وأما قراءتُه فقد قرأ أبو جعفرٍ وشيبةُ ونافع غيرَ قالون (٦) والأعمشُ ممدودةً مهموزةً

стр. 422

بهمزةٍ واحدة، وكذلك أبو عمرٍو، ولأبي عمرٍ وطريقٌ آخَرُ (١) في اجتماعِ الهمزتين، فإن كانتا متَّفقتين منصوبتين أو مرفوعتين أو مخفوضتين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢) [الزمر: ٣٣] ﴿عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليَّن الأولى وحقَّق (٣) الثانيةَ، فإنْ كانتا مختلفتَينِ: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] حقَّق (٤) وليَّن الثانية، وأما عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ وابن ذكوانَ عن ابن عامر (٥)، فإنهم يُثبتون الهمزتين جميعًا على الأصل (٦). ثم قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ خطابٌ للنبيِّ ﷺ ، فكان الإنذارُ منه، والإنذار المذكور في القرآن من ستة: من اللَّه تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. ومن كتابه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]. ومن أنبيائه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢]. ومن المصطفى محمدٍ ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤٥]. ومن العلماء: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].

стр. 423

ومن الشَّيب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] فالشيبُ نذيرُ الموت، وبريدُ الموت، ورسولُ الموت، ورائدُ الموت، والمخبِرُ بمجيء الموت. واختلفوا في الذين أُريدوا بهذه الآية: قال الكلبيُّ ﵀: هم رهطٌ من اليهود: كعب بنُ الأشرف وحييُّ بن أخطبَ وجديُّ بن أخطبَ وأبو ياسرِ بنُ أخطب -وليس بأخي حييٍّ- وشعبةُ بن عمرٍو، ومالك بن الصَّيف (١)، وأبو لُبابةَ، وقد مرَّت قصتُهم عند تفسيرنا ﴿الم﴾ بتطويلها، وتفسيرُهم المقطَّعات بتفصيلها. وبنحوه قال ابن عباس ﵄: أن الآية نزلت في شأن اليهود، منهم: كعب بن الأشرف وحييُّ بن أخطبَ ومالك بن الصَّيف وأبو لبابة، وكان مالكٌ رأسَ اليهود، وقد جادل النبيَّ ﷺ يومًا، فقال النبيُّ ﷺ : "هل وجَدْتَ في التوراةِ أن اللَّه تعالى يُبغض الحَبْرَ السَّمين؟ " قال: نعم، فقال النبيُّ ﷺ : "أنت منهم"، فغضب مالك وقال: ما أنزل اللَّه على بشر من شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فقال اليهود لمالكٍ: ما حملك على هذا الإنكار؟ قال: إنه أغضبني، قالوا: كلما غضِبْتَ كفَرْتَ؟! فعزلوه عن الرِّئاسة وأقاموا كعبَ بن الأشرف مقامَه (٢). إلى أن بَعث رسولُ اللَّه ﷺ رَهْطًا من الأنصار فقتلوه.

стр. 424

وكان اليهود (١) آمنوا بالنبيِّ ﷺ قبل مَبعثه، وكان يستنصِرون به، فلما جاءهم ما عَرفوا كفروا به، وكان سببُ كفرهم: حبَّ الرئاسة وأخذَ الرِّشوة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال مقاتلٌ: نزلت الآيةُ في شأن شيبةَ وعُتبةَ والوليدِ بنِ المغيرة. وقال الرَّبيع: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بدر. وقال أبو رَوقٍ: نزلت في شأنِ أبي جهلٍ وجماعةٍ معه، سألوا رسول اللَّه ﷺ معجزةً، حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه -وكان يسري بالليل فاستقبله رسولُ اللَّه ﷺ فقال-: أرني آيةً على نبوَّتك هالا لأقتلنَّك (٢)، فقال: "ما تريد؟ "، قال: شقُّ القمر نصفين (٣)، فأشار النبي ﷺ إلى القمر، قال ابن مسعود ﵁: فانشقَّ نصفين (٤)، فرأيتُ حراءً بين شقَّي القمر، فقال اللَّعينُ: ما أسحَرَك يا محمد! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]، وكان النبيُّ ﷺ يطمعُ في إيمانهم بعد رؤيتهم المعجزةَ وإيقانهم، فأنزل (٥) اللَّه تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] (٦).

стр. 425

وقوله تعالى: ﴿أَمْ﴾: هذه الكلمةُ في القرآنِ على أربعة أوجُهٍ: أحدها: عطفٌ على ما دخله ألفُ استفهام (١) كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) [الملك: ١٧]. والثاني: ابتداءُ استفهامٍ كالألف (٣): ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: ألهم؟ والثالث: بمعنى (بل): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: بل أنا خير. والرابع: بمعنى (أو) من غير استفهامٍ كما في هذه الآية: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: أو لم تنذرهم، فلا استفهام في هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿لَمْ﴾: كلمةُ نفي، وكلماتُ النفي: (لم) و (لمَّا) للماضي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. و (ليس) للحال (٤): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. و (لن) للمستقبل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]. و (ما) و (لا) و (إنْ) الخفيفةُ للكل:

стр. 426

أمَّا (ما) فتَصلحُ للماضي: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وللحال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وللمستقبل: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. وأمَّا (لا) فتَصلحُ للماضي: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وللحال: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، وللمستقبل: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وأمَّا (إنْ) فتصلح للماضي: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وللحال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، وللمستقبل: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿تُنْذِرْهُمْ﴾ مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: قيل: هو جوابٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي الآية تقديمٌ وتأخير، ونظمُه: إن الذين كفروا لا يؤمنون سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فهما ابتداءان وجوابان وخبران (١). وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابتداءٌ، وقولَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢): ابتداءٌ آخَر، وجوابُ الابتداء الثاني قولُه: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾: أي: سواءٌ عليهم إنذارُك وتركُك الإنذارَ، ثم هذا الابتداءُ وخبرُه جوابٌ للابتداء الأول، وقد اتَّصل بالأول الهاءُ (٣) العائدة؛ أي (٤): التي في قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وهو كقولك:

стр. 427

زيدٌ وجهُه حَسَنٌ، ثم قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كلامٌ تامٌّ فيه (١) تأكيدٌ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وبيانٌ له. ثم هذا تخفيفٌ على النبيِّ (٢) ﷺ وتفريغٌ لقلبه، حيث أَخبره عن حالِ هؤلاء في الابتداء بما أَخبر نوحًا -صلواتُ اللَّه عليه وعلى سائر الأنبياء- في الانتهاء؛ فإنه تعالى قال لنوحٍ بعد طولِ الزمان ومقاساةِ الشدائدِ والأحزان: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فدعا بهلاكهم بعد ذلك، وكذلك سائرُ الأنبياء. وفي الآية: معجزةٌ للنبي ﷺ ، حيث أَخبر أنهم لا يؤمنون، فكان كما أَخبر، وهذا غيبٌ لا يطَّلع عليه بشرٌ إلا بإطْلاع اللَّه تعالى، واللَّه (٣) عزَّ وعلا لا يُطْلع على الغيب إلا مَن اختصَّه بالرسالة قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. وفي الآيةِ: إثباتُ فعلِ العباد؛ فإنه قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وفيه إثباتُ الاختيارِ ونفيُ الإكراهِ والإجبار؛ فإنه لم يقل: لا يستطيعون، بل قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإن قالوا: لمَ قال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وترى (٤) بعضَ الكفارِ يؤمنون؟ قلنا: ليس هذا في حقِّ كلِّ كافر، بل في حقِّ قومٍ بأعيانهم، وقد بينَّاهم.

стр. 428

فإن قالوا: لمَّا (١) عَلِم اللَّه أنهم لا يؤمنون، فلمَ أَمر النبيَّ ﷺ بدعائهم إلى الإيمان (٢)؟ قلنا: كان الإنذارُ للإعذار، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية [طه: ١٣٤]. فإن قالوا: لمَّا أَخبر اللَّهُ تعالى رسوله أنهم لا يؤمنون، فهلَّا أهلكهم كما أهلك قومَ نوح بعد ما أخبر أنهم لا يؤمنون؟ قلنا: لأن النبيَّ ﷺ كان رحمةً للعالمين كما ورد به الكتاب، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. وقال الإمام القُشيريُّ: مَن كان في غطاءِ وصفه (٣) محجوبًا عن شهودِ حقِّه فسِيَّانِ عنده قولُ مَن دلَّه على الحقِّ وقولُ مَن أعانه على استِجْلابِ الحظ، بل هو إلى داعي الغفلةِ أميلُ، وفي الإصغاءِ إليه أَرغبُ. وكما أنَّ الكافر لا يَرْعَوِي عن ضلالته لِمَا سَبق من شقاوته، فكذلك المربوطُ بأغلالِ نفسه محجوبٌ عن شهودِ غَيبه وحقِّه، فهو لا يُبصِرُ رُشْدَه ولا يَسلُكُ قَصْدَه. وقال أيضًا: إنَّ الذي بقيَ في ظلماتِ رعونته (٤) سواءٌ عنده نصحُ الراشدِينَ وتسويلاتُ المبْطِلين؛ لأن اللَّه تعالى نزعَ عن أحوالهِ بركاتِ الإنصاف، فلا يُصغي إلى داعي الرَّشاد، كما قيل:

стр. 429

وعلى النَّصُوح نَصِيحتي... وعليَّ عصيانُ النَّصوحِ (١) وكتب الغزاليُّ إلى رئيسِ ولاةِ الأمور حين استَنصَحه: أمَّا بعدُ، فإن الذي يَنْصَحُك لا يَصْحَبُك، والذي يَصحَبُك لا يَنْصَحُك، والسلام (٢). * * * (٧) - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: انتظامُه بما قبله: أنه ذَكر هؤلاء بصفاتهم وحالاتهم، ثم أَلحق به (٣) ذكرَ عقوباتهم. والختم في اللغةِ لثلاثِ معانٍ: للطَّبع: ومنه سمِّي الخاتم؛ لأنه يُطبَعُ به. وللإتمام وبلوغِ الآخِرِ: ومنه ختمُ القرآن، ومنه قولُه تعالى في صفة النبيِّ ﷺ : ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: هو آخر النبيِّين ومُتمُّ عِدَّةِ المرسَلين، وقولُه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ أي: آخِرُ ما تجدُ فيه رائحةُ المسك. وللإعلام: يقال: ختَم على الكتاب وعلى الباب وعلى الشهادة؛ أي: أَعْلم عليها. فأمَّا تفسيرُه هاهنا فقد قال ابن عباس ﵄: طبع اللَّه على قلوبهم فلا يعقلون الخير (٤).

стр. 430

وقال مجاهدٌ: هو أن تَحفَّ الذنوبُ بالقلب من كلِّ نواحيه حتى تلتقيَ عليه (١). وقال القُتَبيُّ: أي: أَقفل عليها وأَغلقها فلا تَعِي خيرًا ولا تَسمعُه (٢). والتحقيقُ على طريقِ اللغة على الأول: أن اللَّه عز وعلا طبَع عليها فجعلها بحيث لا يَخرج منها (٣) ما فيها من الكفر، ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان. وعلى الثاني: أن اللَّه عز وعلا أتمَّ جحودها وكُفرَها وعنودها، وجَعل ذلك آخِرَ أمرها، فلا تزول ولا تحول. وعلى الثالث: أن اللَّه تعالى أَعلم عليها ووسَمها بما فيها، فبه تُعرَف وبه تُوصَف. وأمَّا معنى هذا الختمِ فعلى ثلاثةِ أوجُهٍ لثلاثِ طوائفَ من المتكلِّمين: فأمَّا (٤) الجبريَّةُ: فقد جعلوا ذلك من اللَّه منعًا عن الإسلام والمعرفةِ، وإجبارًا على الكفر والنَّكَرة (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]: أنه منعٌ حقيقيٌّ، وهذا منهم جَرْيٌ على مذهبهم الفاسدِ في أن العباد مجبورون ولا فِعْلَ لهم اختيارًا، وفسادُ كلامهم ظاهرٌ. وأمَّا المعتزلةُ: فقد جعلوا ذلك إعلامًا محضًا على القلوب بما يُظهر للملائكة أنهم كفارٌ، فيَلعنونهم ولا يَدْعون لهم بخير؛ كخَتْم الكتاب أو الباب إعلامٌ عليه

стр. 431

بعلامةٍ مجرَّدة، وجعلوا ذلك أيضًا مجرَّدَ شهادةٍ؛ من قولك: كتب فلان شهادته (١) وخَتم عليها؛ أي: أَثْبتَ شهادته، فيقولون ما (٢) معناه: شَهِد اللَّه عليها بكُفرها، وأَظهر ذلك للملائكة. وهذا أيضًا جَرْيٌ منهم (٣) على مذهبهم الفاسدِ في أن أفعال العباد ليست بمخلوقةٍ للَّهِ تعالى، ولا هي بقضائه وتقديره ومشيئته وإرادته. وأمَّا أهلُ السنَّة والجماعة فقد قالوا: إنه إثباتُ فعلِ الكفر وإيجادُه (٤). وحاصلُ الختم عند أهل الحق: عقوبةٌ من اللَّه تعالى لا تَمنع العبد من (٥) الإيمان جبرًا، ولا تحمله على الكفر كرهًا، بل هي زيادةُ عقوبةٍ له على سوء اختياره وتمادِيهِ في الكفر وإصراره، يُحرم بها عن اللُّطف الذي يَسهُل به فعلُ الإيمان وتركُ العصيان. يدلُّ (٦) عليه: أنهم بَقُوا مخاطَبين بالإيمان بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧]، ومَلُومين عن الامتناع عنه بقوله (٧): ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، وقولهِ تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٩]، وموبَّخين على الكفر بقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]؛ أي: ما حمَله على الكفر؟ ولو صاروا مجبورين، وعن الإيمان عاجزين، لزال الخطاب، وسقط اللوم والعتاب،

стр. 432

كما في الختم على الأفواه يومَ الحساب، لمَّا عجزوا به حقيقةً عن الكلام لم يبقَ الخطابُ بالكلام. وتحقيقُ المذهب: إثباتُ فعلِ العبد، وتخليقِ اللَّه تعالى. والمذكور في هذا المعنى في كتاب اللَّه تعالى ثلاثةُ أشياء: الختمُ والطبعُ والكنانة (١)، وفي كلِّ واحد منها ذكرُ فعل نفسه وفعل العبد. أما في الختم فقد قال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وهذا إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال تعالى قبلَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا إثباتُ فعلِهم. وقال في الطَّبع: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، فقولُه: ﴿طَبَعَ﴾: فعلُه، وقولُه: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾: فعلُهم. وقال في الكِنانة (٢): ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، وقال قبله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ﴾ [الكهف: ٥٧]. ثم الختمُ في القرآنِ على ثلاثةِ أوجُهٍ: للعقوبةِ: كما في هذه الآية. وللكرامة: كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، قال مقاتل: أي: يَختمْ بالصبر فلا تجدُ غصَّةَ التكذيب، وهذا تسهيلٌ عليه بطريق الكرامة. وللموعظة: كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى

стр. 433

قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾، قالوا: يَحتمِلُ أخذَ (١) أعيانِها، ويحتمِلُ أخذَ مَنافعها مع بقاء صور أعيانها، وتقديره: أيها الشاغِلون الأسماعَ والأبصارَ والقلوبَ بغيرِ الحق (٢)، لو أَخَذ اللَّه تعالى هذه الأعيان وأذهبَها فمَن يأتي بها؟ وأيها الشاغلون هذه الأشياءَ (٣) بالحق، لو أن اللَّه أزالها عن الحقِّ فمَن الذي يُعيدها إليه؟ فهو تنبيهٌ وعِظَةٌ للمبطِل والمُحِقِّ جميعًا. ثم سببُ هذه العقوبة: الإصرارُ على الذنوب، فقد (٤) روَى أبو هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إنَّ المؤمنَ إذا أَذنَبَ كانت عليه (٥) نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزَعَ واستَغْفرَ صُقِلَ قلبُه منها، وإنْ زاد زادَتْ حتى تَعْلُوَ قلبَه" (٦). وقالوا: سببُ الحفظِ عن هذا الختمِ: رفعُ الختم عن الكيِّس فلا يمنعُه عن حقٍّ، ووضعُ الختم على اللسان فلا يُطلِقُه في باطلٍ. وقولُه تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: هي جمعُ القلب وهو الفؤاد، وقلبُ كلِّ شيءٍ خالصُه وأشرفُه، وعَرَبيٌّ قَلبٌ؛ أي: خالصٌ، وقلبُ النخلة: ما في وَسَطِها، وقلبُ الشيء: صِرْفُه، وانقلابُه: انصرافُه، والقلب: نجمٌ من منازل القمر، والقُلَّب والحُوَّل بالتشديد: الذي يَقلبُ الأمورَ ويحتالُ لها، فسمِّي قلبُ الإنسان به؛ لأنه أشرفُ أعضائه؛

стр. 434

لِمَا فيه من العقلِ والفهمِ ونحوِ ذلك، ولانقلابه ولإضاءته كالنجم، ولتقلُّبِه في الأمور، ولتصريفِه الأعضاءَ. والقلبُ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قيل: أي: عقلٌ (١). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: فالسَّمْعُ في الأصل: هو السَّماع، وهو مصدرٌ، والسَّمْع أيضًا الأُذُن بمعنى: السامعة، والسِّمْعُ بالكسر: الصِّيتُ، والاستماعُ: الإصغاءُ للسَّماع، والسَّامعُ والسَّميع (٢): النَّعت، والسَّميع أيضًا: المُسْمِعُ؛ كالبَديعِ بمعنى: المُبْدِع. وقولُه: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥]؛ أي: فأطيعون، و"دعاءٍ لا يُسْمعُ" (٣): أي: لا يجابُ، و (سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِده)؛ أي: قَبِلَ وأجاب. و ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ أي: قائلون للباطل. ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: جواسيسُ. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]؛ أي: لا تَقدر على (٤) أن توفِّق الكفارَ لقبول الحق. ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: سماعَ القرآن لبغضِ الرسول.

стр. 435

وفي الخبر: أيُّ الساعاتِ أسمعُ (١)؛ أي: أحقُّ بالدعاءِ وأَرْجَى للإجابة. وفي الحديث: لم أسمعْ قولًا أسمعَ منه (٢)؛ أي: أبلغَ وأنجعَ في القلب. كلُّ هذا من السَّماع. ثم معنى الآيةِ: ختَم اللَّه على آذانهم فجعلَها لا تُصغي إلى خيرٍ ولا تَعيهِ ولا تقبلُه، عقوبةً لهم على سوءِ اختيارهم وميلِهم إلى الباطل وإيثارهم. وقول المعتزلة (٣) والجبريَّة فيه -وقد ردَدْنا (٤) قولَهم- على نحوِ ما سبق في ختم القلب (٥). ثم قولُه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ على الوحدان دون الجمع لوجوهٍ: أحدها: أنه في الأصل مصدرٌ، والمصدر يَصلُح للواحد والاثنين والجمع، يقال: هو يَضرب ضربًا، وهما يضربان ضربًا، وهم يضربون ضربًا، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥]، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا

стр. 436

وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤]، وقال تعالى خبرًا عن إبراهيم: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨]: فوحَّد الضيف (١) لأنه في الأصل مصدرٌ. والثاني: أن فيه إضمارًا، ومعناه: وعلى مواضعِ سمعِهم -أي: سماعِهم (٢) - وهي الآذان، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهلَها، وثبت هذا الإضمارُ دلالةَ أنَّ السمع فعلٌ، ولا يُختم على الفعل وإنما يُختم على محلِّه. والثالث: أنه أراد سمعَ كلِّ واحد منهم، وهذا كما يقال: ائتني برأسِ كبشين، وقال الشاعر: كُلوا في نصفِ بطنِكم تعيشوا... فإنَّ زمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ (٣) والرابع: قولُ سيبويه: إنه توسَّط بين (٤) جمعينِ، فدلَّ على الجمع وإنْ وحِّد؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] دل على الأنوار ذكرُ الظلمات، وقال الرَّاعي: بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عظامُها... فبِيضٌ وأمَّا جلدُها فصَلِيبُ (٥)

стр. 437

أي: جلودُها صَليبة. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾: أي: على عيونهم، فالبصرُ: العين، وجمعُه: الأبصار، كالسفر جمعُه: الأسفار، والإبصارُ بالكسر: الرُّؤية، والبَصَارةُ: صفة البَصير (١)، وقد بَصُر من حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار بصيرًا، وبَصرَ (٢) به؛ أي: رآه، قال تعالى خبرًا عن السامريِّ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦]. والبصيرة: رؤيةُ القلب، والبصيرةُ: البيِّنة أيضًا، وقولُه تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قيل (٣): أي: جوارحُه بصيرةٌ؛ أي: شاهدةٌ عليها بما رأت من عملها يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]؛ أي: علمُك نافذٌ. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]؛ أي: يُبصَرُ فيه. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]؛ أي: مضيئةً.

стр. 438

والاستبصار (١): التيقُّن. فإنْ قالوا: لمَ جَمع الأبصار والواحد: بصرٌ، وهو مصدرٌ كالسمع؟ قُلنا: لأنه اسمٌ للعين أيضًا، فكان اسمًا لا مصدرًا، فجُمع لذلك. ومعنى الكلمةِ واللَّه أعلم: وعلى أبصارِ قلوبهم حجابُ غَفلةٍ، وغطاءُ شُبهةٍ، وسحابُ ظُلمةٍ، فلا يَرون الحقَّ ولا يَقبلونه ولا ينقادون له. وقيل: معناه: يتعامَون عن الحقِّ مع وجودِ العيون، كما (٢) يَتصامُّون عنه مع وجود الآذان. وقوله تعالى: ﴿غِشَاوَةٌ﴾: فالغِشاوةُ والغِشاءُ: الغطاءُ، والتغشيةُ: التغطية، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥]؛ أي: يتغطَّون بها، وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]؛ أي: يغطِّي ظلامُه الأفق. وقولُه: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؛ أي: علَاهم فغطَّاهم. وقولُه: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ أي: وَطِئها، وفيه التغطيةُ. والغاشيةُ: ما يسترُ السَّرج. وقولُه تعالى: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]؛ أي: عقوبةٌ تجلِّلُهم. وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]: هي القيامة تجلِّلُ الخَلْق. وقوله: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]؛ أي: لُحفٌ من نار. والغَشْيُ: الإغماء، وقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]؛ أي: يُغمى عليه، وفيه سترُ العقل.

стр. 439

ثم اختُلف في قراءة هذه الكلمة: فقراءةُ العامة: بكسر الغين وزيادةِ (١) الألف ورفعِ الآخِر. وقراءةُ الحسن: بضم الغينِ مع الألف. وقراءةُ أصحابِ (٢) عبد اللَّه بن مسعودٍ ﵁: (غَشوةً) بفتح الغين بغير ألفٍ. وقراءة الجحدريِّ: (غَشاوةٌ) بفتح الغين مع الألف. وقراءة المفضَّل عن عاصم: (غِشاوةً) بكسر الغين مع الألف ونصبِ الآخر (٣). ويستقيمُ في اللغة ستةُ أوجهٍ: غشاوةٌ: بفتح الغين وضمِّها وكسرها مع الألف (٤)، غشوةٌ: بغير ألفٍ بفتح الغين وضمِّها وكسرها. وأظهرُها وأصحُّها: الكسر مع الألف، قال الشاعر: تَبِعْتُك إذعَيني عليها غِشاوةٌ... فلمَّا انجَلَتْ قطَّعْتُ نفسي ألومُها (٥)

стр. 440

وقراءةُ الأكثر برفعِ الآخِرِ، فإن قوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذا كلامٌ مبتدأٌ، وهو غيرُ معطوفٍ على الأول بالختم، ومَن نصبه فعلى إضمار: جَعَل (١)؛ أي: وجَعَل على أبصارهم غشاوةً. ثم معناه: وعلى أبصارِ قلوبهم غطاءُ غَفلةٍ وغلافُ شبهةٍ، وكما تعامَوا عن الحقِّ في الدنيا فكذلك يُبعثون في العُقبى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]. ولمَّا جُعِلوا على أبصارهم غشاوةٌ، تتَّصلُ بهم هذه الحالة في الدنيا، وعند (٢) الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وفي النار: قال تعالى في الدنيا: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وقال في الموت: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. وقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، قيل: هي القيامةُ تغشاهم بظُلمتها وفظاعتها، وقيل: هي النار. وقيل: هي ثلاثةُ أشياءَ: غاشيةُ الأبصار وهي الحَجْبةُ عن لقاء اللَّه تعالى، وغاشيةُ الأبدان وهي حرُّ (٣) النار، وغاشيةُ القلوب (٤) وهي هَيبةُ القطيعة، فهذه

стр. 441

غشاوةٌ في الدنيا أورَثَتْهم هذه هذه الغشاوات في العقبى، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. ثم إنما ذكر في هذه (١) الآية القلوبَ والسمعَ والأبصار، لأن الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحق، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وكان هذا الخطابُ بعد أن هيَّأ اللَّه لهم الأسباب، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] فلم يستعملوها فيما أُمروا باستعمالها فيه، فعُوقِبوا في الدنيا بالختم على القلوب والأسماع، والغشاوةِ على الأبصار، ويومَ القيامة من جنس ذلك عقوباتُها، وهي ما قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨]؛ أي: شديدةُ الاضطراب، ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٢) [الهمزة: ٧]، ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]؛ أي: المُصِمَّة، وقال (٣): ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩]؛ أي: ذليلةٌ، لِمَا عرَاها (٤) من التغيُّر والتحيُّر، وقال (٥): ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]؛ أي: عُميًا. ثم بيَّن عقوبتهم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فالعذابُ: العقوبة، والعَذْب: ذو (٦) العذوبة، وهو (٧) نقيضُ المُلوحة.

стр. 442

وإعذابُ النفس عن كذا: هو مَنْعُها عنه، وسمي العذاب عذابًا لأنه يَمنع من (١) الجناية إذا تأمَّلَ فيها العاقل. وقيل: إنما سمي به لأنه جزاء ما استعذَبه المرء بطبعه؛ أي: استطابهُ، ولذلك قال: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي﴾ (٢) [القمر: ٣٩] وإنما يُذاق الطيِّب، على معنى: أنه جزاءُ ما استطابه واستحلاه بهواه في دنياه. وقوله تعالى: ﴿عَظِيمٌ﴾: أي: كبيرٌ، وقيل: أي: كثيرٌ، وقيل: أي: دائم، وهو التعذيب بالنار أبدًا. ثم عِظَمُه بأهوالِه، وشدَّةِ أحوالِه، وكثرةِ سلاسلهِ وأغلالِه. وقيل: هو القتل والأسر في الدنيا، والتحريقُ بالنار في العُقبى. ثم ذَكر بعد ذِكر المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، والكافرين ظاهرًا وباطنًا، المنافقين الذين آمنوا ظاهرًا وكفروا باطنًا: * * * (٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: أي: ومن جنسِ الإنس، والناس: جمع إنسانٍ على غير لفظه، فالإنسانُ فِعْلانٌ من أَنِسَ، ومأخذُه من آنسَ؛ أي: أَبصر، والجنُّ مَن اجْتَنَّ، أي: استَتَر، فالبشرُ يُرَون والجنُّ لا يُرَون. وقيل: هو من الأُنْسِ الذي هو ضدُّ الوحشة، وسمِّي به لاستئناس روحه ببدنه، وبدنِه بروحه.

стр. 443

وقيل: هو: إِفْعِلَان، وأصله: إِنْسِيَان، ودليلُ ذلك أنه يقال في التصغير: (أُنَيْسِيَان) فتعادُ الياء المحذوفة، وسمي به لنسيانه، قال اللَّه تعالى في حقِّ آدم ﵇: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] أي: نَسَّاءٌ للنِّعم ذَكَّارٌ للمِحَن. و (الناس) جمعُه لا من لفظه، فإنه (١) لايستقيم جعلُه من الإنس، ولا من النسيان (٢)، ومعنى هذا الجمعِ من (النَّوسِ) وهو التحرُّك، سمُّوا به لحركاتهم في مباحاتهم وواجباتهم ومحظوراتهم، وحركاتُ سائر الحيوانات لا توجدُ وجودَها منهم. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾: (مَن) كلمةٌ تصلُح للواحد والجمع، وهاهنا للجمع؛ أي: قومٌ (٣) يقولون، وهم عبدُ اللَّه بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ومعتِّبُ بنُ قُشَيرٍ، وجَدُّ بنُ قيسٍ، وغيرُهم، وهؤلاء رؤوسُ المنافقين. قال مجاهدٌ: أربعُ آياتٍ من أوَّل السورة في نعتِ المؤمنين، وآيتانِ في نعتِ (٤) الكافرين، وثلاثَ عَشْرةَ آيةً في المنافقين (٥). وقال مقاتلٌ: آيتان من أوَّلها في نعتِ المؤمنين المهاجرين، وآيتان في مؤمِني أهل الكتاب، وآيتان في الكفَّار، وثلاثَ عشرة آيةً في المنافقين (٦).

стр. 444

وقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أخبر عنهم أنهم يدَّعون ذلك. ثم قال (١): ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ليسوا بمؤمنين، فنَفَى الإيمانَ عنهم لأنه لم يكن (٢) في قلوبهم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال (٣) تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤]، وبَطَل بهذا (٤) قولُ الكرَّامية: إنه مجرَّد الإقرار، فإن المنافقين أقرُّوا بذلك واللَّه تعالى نفَى عنهم ذلك. ثم إنه قال: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ وهذا فعلُ الواحد، لأن كلمة (مَن) تصلُح له، ثم قال: ﴿وَمَا هُمْ﴾ على الجمع لأنه هو المراد، فحَمَل على المعنى، وهو كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وهذا على الوحدان (٥) للصيغة، ثم قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] على الجمع للمعنى. وكذا قولُه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧]. وقولُه تعالى: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء للتأكيد، وهو كقوله عزَّ وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢]، ويجوز حذفُها، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وهذا لأن (ما) بمعنى: ليس، ويجوز في (ليس) الباءُ

стр. 445

وحذفُها، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقال أيضًا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣]. وفي الآيةِ معجزةُ النبيِّ ﷺ ؛ فإنهم أظهَروا الإيمانَ وأضمَروا الكفر، والنبيُّ ﷺ أَخبر عما في قلوبهم، وذلك غيبٌ، واللَّهُ ﷻ يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦]. ودلَّت الآية أن الدعوى مردودةٌ إذا لم يقم عليها دلالةُ الصحة، قال قائلهم: مَن تحلَّى بغيرِ ما هو فيه... فضَح الامتحانُ ما يدَّعيه وإن (١) من مدَحَ نفسه ذُمّ، ومَن ذَمَّ نفسه مُدِح، قال فرعونُ عليه لعائن اللَّه: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وقال يونسُ صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فقيل له: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]. * * * (٩) - ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: فالخَدْع: الخَتْلُ، والإخداع: الإخفاء، ومنه: المخدَعُ (٢)، وهو البيت الصغيرُ يُخْفَى فيه الشيء، وخُدِع فوه؛ أي: تغيَّرت رائحتُه، ودينارٌ خادعٌ؛ أي: ناقصٌ، وسِنونَ خدَّاعةٌ؛ أي: قليلةُ المَرَافق. فقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قيل: معناه: يخادعون رسولَ اللَّه ﷺ والمؤمنين بإظهارِ

стр. 446

الإيمان مع إضمار الكفر، ورفَع (١) درجة النبي ﷺ والمؤمنين حيث جعَل خداعَهم خداعَه، كما جعَل إيذاءَهم إيذاءَه. وقيل: معناه: يُفسدون ما أظهَروا من الإيمان بما أضمَروا من الكفر. وقيل: معناه: يخادعون اللَّه على زعمهم؛ أي: هو عندهم خداعُ اللَّه، يظنُّون أنهم يُخفون على اللَّه عزَّ وعلا شيئًا، وهو كما قال: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمكم (٢)، وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]؛ أي: على زعمهم. وقال مقاتلٌ: معناه: اجترؤوا (٣) على اللَّه تعالى، وقالوا فيما بينهم: نحن نخادعُ اللَّه، وكان هذا بهتانًا منهم، كسائر ما افترَوا على اللَّه. وقيل: معناه: أيخادعون اللَّه، على الاستفهام، وهو كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: أهذا ربي (٤). وقيل (٥): إنهم أظهَروا شيئًا وأضمَروا خلافه، فتَصوَّر بصورةِ الخداع، فسُمي به وإن لم يكن هو، فإن حقيقته أن يمكرَ بأحدٍ فلا يَعلمَ به الممكور، وهو (٦) كقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ولا صبرَ لأحدٍ عليها، لكنْ لما دامُوا على الفعل الذي به يصيرون إلى النار تَصوَّر ذلك بصورة الصبر على النار.

стр. 447

وقيل: معناه: يحتالون لإزالةِ الحق بالباطل. ثم المخادَعةُ وهي على (١) المفاعَلة، وإن كان أصلُها لِمَا يكونُ بين اثنين، فقد تكون لفعلِ الواحد، كالمسافَرة والمصادفة (٢)، وإنْ حملت على الوَضع: فالخداعُ كان منهم وجزاءُ الخداع من اللَّه تعالى على ما تبيَّن (٣). فإنْ قالوا: إن لم يعرفوا اللَّهَ تعالى فكيف خادَعوه (٤)؟ وإن عرَفوه فكيف قصدوا خداعَه؟ قلنا: قد بينَّا أنهم عمِلوا عمَل المخادِعينَ من الوجوه التي ذكرناها. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطفٌ على الأول؛ أي: ويخادعون المؤمنين أيضًا، ويجوز حملُه على الحقيقة في حقِّهم فإنه في وُسعهم، فأمَّا قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فقد مرَّ قولٌ أن معناه: يخادعون الرسول والمؤمنين، والصحيحُ أن يحمل ذلك على مخادَعتهم الرسولَ وحده دون المؤمنين؛ فإن خداعهم المؤمنين مذكورٌ على التصريح بعده، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم إنما جعَل مخادَعتَهم الرسول (٥) مخادعتَه تعالى تشريفًا له، كما جعَل نصرتَه نصرتَه، بقوله (٦): ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]؛ أي: إنْ تنصُروا رسولَه، وكما

стр. 448

جعل مخادعتَه مخادعةَ اللَّه، فقد جعَل مبايعتَه مبايعةَ اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وكذا في أشياءَ ذكرها في آياتٍ: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) [الأنفال: ١]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ ونافعٌ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بألفٍ، على موافقةِ الكلمة الأولى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بغيرِ ألفٍ (٢)، لأن خَدْعهم أنفسَهم لا يَعْدُوهم. وقال بعضُ (٣) أهل اللغة: يقال: خادَعَ: إذا لم يَبلُغ مرادَه، وخدع: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذ خداعُهم فيما قصَدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقع ضررُ فعلهم على أنفسهم كان في حقِّ أنفسهم خدعًا. وتفسيرُه: ولا ينفذُ خداعُهم فيمَن قصَدوه، فكأنهم خدَعوا أنفسهم، كما يقال: فلانٌ يسخر بفلانٍ وما يَسخر (٤) إلا بنفسه.

стр. 449

وقيل: معناه: وما يرجعُ وَبالُ خداعهم إلا إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ومثلُه: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. وقال (١) في الإحسان: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠]. ثم قال هاهنا: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال في سورةٍ أخرى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وأريد به الجزاء. وقيل: يعاملُهم على وَفق ما عامَلوه، وذلك فيما جاء: أنهم إذا أُلْقوا في النيران، وعذِّبوا فيها طويلًا من الزمان، واستغاثوا بالرحمن، قيل لهم: هذه الأبوابُ قد فتحت فاخرجوا، فيبادروا إلى الأبواب، فإذا انتهَوا إليها غلِّقت دونهم، وأُعيدوا إلى الآبار والتوابيت، مع الشياطين والطواغيت. يقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الشِّعْرُ: العلمُ والفِطنة، والإشعار: الإعلام، وإشعارُ الهَدْيِ منه، والشِّعار: العلامة، والمشاعر: المعالم، والشعائر: العلامات، وهي معالمُ الحج وأعمالُه، واحدتُها شَعِيْرةٌ وشَعَارةٌ، ثم هو اسمٌ لعِلمٍ خاصٍّ،

стр. 450

وهو العِلمُ بدقَّة النظر في الشيء، مأخوذٌ من الشِّعر، ولذلك يطلقُ الشِّعر (١) على معرفة الكلام المقفَّى الموزونِ بوزنٍ خاصٍّ. وأما التفسير (٢): فقد قيل: أي: وما يعلَمون أنه خداعٌ لأنفسهم. وقيل: أي: وما يعلمون أن وَباله راجعٌ عليهم. وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه تعالى يطَّلع على خداعهم رسولَه والمؤمنين. وقيل: أي: وما يعلمون أنهم لا يقدِرون أن يخادعوا اللَّه. وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه خادعُهم؛ أي (٣): جازيهم جزاءَ خداعِهم. وقيل: أي: وما يعلمون أن اللَّه يعلم بصنيعهم، وهذا كما قال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، والعِظَةُ فيه: أن المنافق عَمِلَ ما عَمِلَ وهو لا يعلمُ بوَبال ما عَمِل، والمؤمِنُ يَعلم به ثم يعمل به (٤)، فما عذرُه (٥) عند ربِّه؟ ثم في هذه الآيةِ نفيُ العلم عنهم، وفي قولهِ تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] إثباتُ العلم لهم، والتوفيقُ بينهما: أنهم علِموا به حقيقةً، ولكنْ لمَّا (٦) لم يعمَلوا بما علِموا فكأنهم لم يعلَموا، وهو كقوله عز وعلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾

стр. 451

[البقرة: ١٨]، وكانوا سامِعين ناطقين ناظِرين حقيقةً، لكنْ لم ينتفِعوا بذلك فكانوا كأنهم صمٌّ بكم عميٌ، فذو الآلةِ إذا لم يَنتفِع بها فهو وعادمُ الآلة سواءٌ، والعالمُ الذي لا يعمل بعلمه فهو والجاهلُ سواءٌ، والغنيُّ الذي لا يَنتفع بماله فهو والفقيرُ سواءٌ، والحيُّ الذي لا يَستمتِع بحياته فهو والميتُ سواءٌ. ثم إنَّ اللَّه تعالى أثبتَ للمؤمنين العلمَ بقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأثبت لهم الجهلَ بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، كما أثبت للكفار العلم بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، والجهلَ بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وليسوا سواءً، بل إثباتُ العلم للمؤمنين إثباتُ الكرامة، وذكرُ الجهل تلقينُ عذرِ المعصية، وإثباتُ العلم للكفار إلزامُ الحجة، وذكرُ الجهل إثباتُ المَنقَصة. * * * (١٠) - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: المرضُ في اللغة: العلَّةُ، والإمراضُ: إثباتُ صفة المرض، والتمريضُ: القيام على المريض. وقيل: هو كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدِّ الصحة في جسدٍ أو اعتقادٍ (١)؛ من علةٍ أو نفاقٍ أو تقصيرٍ في أمرٍ. والمرضُ في القرآن لأربعة أشياءٍ: للعلة: في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. وللجراح: في آية التيمُّم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 452

وللفجور: في قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وللشكِّ: في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. وأمَّا التفسير فقد قال ابن مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه وابن عباسٍ والربيعُ وقتادةُ ﵃: أي: شكٌّ (١). وقال مقاتلٌ: أي: نفاقٌ. وقال ابن الأنباريِّ: أي: ظُلمةٌ، قال: يقالُ: ليلةٌ مريضةٌ؛ أي: مُظلمةٌ (٢). وقال بعضُهم: أي: غمٌّ (٣) بسبب نصرةِ النبيِّ ﷺ وزوالِ رئاستهم إليه. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: أي: اضطرابٌ وتردُّدٌ، ومَرَضُ الجسم كذلك، وطريقُ تسمية النفاق مرضًا: أن المؤمن يسمَّى (٤) حيًّا والكافرَ ميتًا، فسمِّي المنافق مريضًا لتردُّده بين موافقةِ الظاهر ومخالفةِ الباطن، كتردُّد المريض بين بقائه حيًّا وبين موته (٥). ولأن (٦) اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] أي: خالٍ عن الشكِّ والشِّرك، فكان قلبُ المنافق بخلافه، فلم يكن سليمًا بل كان مريضًا. وقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: الزيادة خلافُ النقصان، ويجيءُ متعدِّيًا كما

стр. 453

في هذه الآية، ولازمًا كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ونظيرُها (١) نقيضُها وهو النقصان، وهو متعدٍّ في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ولازمٌ في قول النبي ﷺ : "هن ناقصاتُ العقلِ والدِّين" (٢). وأما التفسيرُ: فقد قيل: معناه: جازاهم اللَّه بزيادةِ شكٍّ على شكِّهم عقوبةً لهم على إصرارهم وعنودهم. وقال السدِّيُّ ﵀: فزادتهم عداوةُ اللَّه مرضًا. وقيل: أي: زادهم اللَّهُ تعالى غمًّا على غمِّهم. وقال الإمام أبو منصورٍ الماتُريدي ﵀: أي: زاد (٣) اللَّه تعالى خَلْقَ الكفر في اعتقادهم (٤). وقالت المعتزلةُ: هو على التَّخلية بين المنافق ونفاقه. وهذا بناءً على أصلهم الفاسد، أنهم (٥) لا يَرون الكفر والمعاصيَ بتخليق اللَّه تعالى ومشيئته، فلا (٦) يَحمِلون مثلَ هذا إلا على التخلية.

стр. 454

وقيل: معناه: زادهم ضعفًا عن الابتِصار (١)، وعجزًا عن الاقتدار، كما قال الشاعر: يا مُرسِلَ الريحِ جَنوبًا وصَبا... إنْ غَضبت زيدٌ فزِدْها غَضَبا (٢) وزيدٌ قبيلةٌ، ومعنى الدعاءِ في هذا البيت: أي: لا تُقْدِرْها على الابتصار (٣) فيما غضِبت منه. ثم هذه الصيغةُ للتحقيق عند بعضهم، وللدُّعاء عند آخرين. فإن قالوا: الدعاءُ للعاجز عُرفًا، فما معنى هذا الدعاءِ من اللَّه تعالى؟ قلنا: هذا تعليمٌ من اللَّه تعالى أنه يجوزُ الدعاءُ عليهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقولهِ: ﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٧]، وقريبٌ منه: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]، وقولُه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. ثم: في هذه الآيةِ إثباتُ خلقِ الأفعالىِ من اللَّهِ تعالى طاعاتِها ومعاصيها، قال تعالى هاهنا: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. ثم قيل: زيادةُ مرضِهم كان بإنزالِ الآياتِ المتتابِعةِ والبراهينِ والحُجج المتناصِرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ

стр. 455

فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وذلك على وجه التسبُّب (١)؛ أي: صارت الآيةُ سببًا لزيادة يقينِ هؤلاء ولزيادةِ شكِّ هؤلاء، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، وقال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦]. ومن العجَبِ ازديادُ شكِّهم بالآيات النيِّرة، واضطرابُ قلوبهم مع الدلائلِ البيِّنة (٢)! لكنَّ الشمسَ تزيدُ عليلَ العين علةً، والماءَ يزيدُ الحجرَ الصُّلبَ صلابةً، هم قومٌ زادهم القرآنُ الذي أنزل شفاءً ورحمةً في القلوب علةً ومرضًا. وقيل: كانت زيادةُ مرضهم بإنزال الفرائض والحدود، فقد كان يَشُقُّ عليهم التكلُّم (٣) بالشهادة، فكيف وقد لحقَتْهم الزيادة (٤)؟ وهي وظائفُ العباداتِ ثم العقوباتُ على الجنايات، فازدادوا بذلك اضطرابًا على اضطراب، وارتيابًا على ارتياب، ويزدادون بذلك في الآخرة عذابًا على عذاب، قال تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] والمؤمنون لهم في الدنيا ما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وفي العُقبى ما قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا (٥) في العُقبى، والأولُ في الدنيا، والألمُ في اللغة: الوجع، والأليم: الوجيع، وهو بمعنى: المؤلم؛ أي: المُوجِع، كما يقال: السميعُ بمعنى المسمِع، قال الشاعر:

стр. 456

أمِن ريحانةَ الدَّاعي السميعُ... يُؤرِّقُني وأصحابي هُجوعُ (١) وأما تفسيرُه: فقد قيل (٢): أي: يصلُ ألمُه إلى القلوب. وقيل: هو الشديدُ الذي لا يزولُ ولا ينقطع. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: أي: بكونهم كاذبين، فإنَّ (ما) مع (كان) مصدر، وكذا كلُّ فعلٍ؛ تقول: سمعتُ ما قلتَ؛ أي: قولَكَ. وكلمةُ (كان) قد تَجيءُ للماضي، كما في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. وقد تجيءُ للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. وقد تجيءُ للحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وقد تجيءُ جامعًا لذلك كلِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]؛ أي: لم يَزَلْ رحيمًا بهم في الأزلِ وفي الحالِ وفي الأبد. وقد تَجيءُ بمعنى: صار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].

стр. 457

وقد تجيءُ بمعنى: وَقَع، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ثم الكذبُ خلافُ الصدق، وفيه لغتان: كَذِبٌ وكِذْبٌ، كقولك: لَعِبٌ ولِعْبٌ، والتكذيب: النسبةُ إلى الكذب. وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف (١)، وهو كذبُهم فيما قالوا، وقرأ غيرهم بالتشديد، وهو تكذيبهم اللَّهَ تعالى ورسولَه. وأما تفسيرُه: فقد قيل: أي (٢): يَكْذبون على اللَّه تعالى بإثباتِ الشريك. وقيل: أي: بتحليلِ ما حرَّمه اللَّه وتحريمِ ما حلَّله. وقيل: أي: بقولهم: إنك لرسولُ اللَّه، بألسنتهم من غير تصديقِ قلوبهم بذلك، وهو منصوصٌ عليه بقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقيل: أي: بقولهم: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من غيرِ اعتقادٍ، وهو الذي سبَق ذكرُه في هذه الآيات، وتحقَّق به ما قلنا: أن (٣) الإيمان ليس هو مجردَ الإقرار، فقد كذَّبهم اللَّه تعالى في دعوى الإيمان مع إقرارهم باللسان؛ لمخالفةِ (٤) الجَنان، واللَّهُ المستعان.

стр. 458

(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: (إذا) كلمة توقيتٍ، وهي ظرفٌ للزمان المستقبَل، و (إذ) ظرفٌ للزَّمان الماضي، والفسادُ ضدُّ الصلاح، والإفسادُ ضدُّ الإصلاح. وأمَّا تفسيره: فقد قيل: أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين (١): لا تَعملوا المعاصيَ (٢) في أرض المدينة وما حولها. وقيل: أي: لا تُداهِنوا. وقيل: أي: لا تفرِّقوا الناسَ عن محمدٍ ﷺ . وقيل: أي: لا تَصُدُّوا الناس عن دينِ اللَّه واتِّباع رسوله. وقيل: أي: لا تُمايلوا (٣) الكفار. وقيل: أي: لا تتَّبعوا الهوى بتركِ المأمور وارتكابِ المنهيِّ. واختلفوا في المرادِينَ بهذه (٤) الآيةِ: قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ وجماعةٌ ﵃: هم المنافقون (٥).

стр. 459

وقال مقاتلٌ، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄: هم اليهودُ من هاهنا إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، قال: ويَدلُّ عليه قولُه تعالى (١): ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ واليهودُ هم الذين كانوا يعتقدون هذا الإفسادَ إصلاحًا (٢)، ويُظهِرون ذلك، فأما (٣) المنافقون فما كانوا يقولون ظاهرًا: إن هذا إصلاحٌ، ولو قالوا ذلك لظَهر كفرُهم فقُتلوا، فأما (٤) اليهود -لعنهم اللَّه- فقد كانوا أَظهروا أنهم على الحقِّ وغيرَهم على الباطل، والمنافقون (٥) كانوا يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ودليلٌ آخَرُ: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ والمنافقون ما كان يمكنُهم التكلُّم بهذا ظاهرًا. فثبَت أنه في اليهود، وإفسادُهم هو كتمانُ حالِ النبيِّ ﷺ ، وصدُّ الناس عنه، وأخذُهم الرشوةَ، وتغييرُهم الأحكامَ بها (٦). وأما القائلون بأنَّ الآية في المنافقين فقد قالوا: إن ما قبلها وما بعدها في المنافقين على ما بيَّنَّا ونبيِّنُ، فأمَّا قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فمعناه أنهم قالوا: لا نفعلُ هذه الأشياءَ التي هي إفسادٌ (٧) بل نتَّبعُكم على دِينكم، وهذا إنكارٌ منهم للنِّفاق والإفساد.

стр. 460

وكان إفسادُهم على قولِ هؤلاء: ما ذُكر في هذه الآيات: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وهي قصةُ تنفيرِهم ناقةَ النبيِّ ﷺ ليلةَ العقبة، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٧]، ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وهو كعب بن الأشرف، ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحشر: ١١]، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٦٧]، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٥]، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، ونحوها. وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ هي وجهُ بساطِ الدنيا، والسماءُ سقفُها. وقيل: أريدَ بها هاهنا أرضُ المدينة، فإن إفسادَ المنافقين كان فيها. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ كلمتان في الأصل، (إنَّ) كلمةُ تأكيدٍ قُرنت بـ (ما)، فصارتْ للحَصْر والقَصْر، فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] تقديرُه: لا إله لا اللَّه الواحد، وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] كذلك، وكذا هاهنا معناه: ما نحن إلا مصلحون. وقوله: ﴿نَحْنُ﴾: جمعُ (أنا) على غير لفظه، كـ: (هؤلاء) جمع (هذا) و (هذه)، وكقولهم: (أولئك) هو جمعُ (ذاك) و (ذلك) و (تلك)، وكالنسوة جمع المرأة، وكالإبل جمع الجمل والناقة، وكالغنم جمع الشاة.
следующие страницы →