(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: هذه الأنباءُ مِن أنباءِ الغيبِ؛ أي: مِن أنباءِ الأممِ السَّالفة التي يَغيبُ العلمُ بها عمَّن لم (١) يعرِّفْه اللَّهُ تعالى.
﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾: نقصُّها عليك؛ لِتَقِفَ عليها بعدَ أنْ كُنْتَ أنتَ وقومُكَ لا تعلمُونها، إذْ كنتم أُمِّيِّين.
ويحتمِل أنْ يكونَ العربُ لم يعرفوا خبرَ الطُّوفان أصلًا، فإنَّ بعضَ الملاحدة والفلاسفة ينكرون ذلك إلى يومِنا.
ويحتمِل أنَّهم عرفوا قصَّةَ الطُّوفانِ لشهرَتِه، لكن لم يعرفوا قصَّة الابنِ الَّذي غرقَ، وهذا أولى.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾؛ أي: على ما أُمِرْتَ به ونُهِيْتَ عنه.
وقيل: على أذى الكفَّار.
وقيل: كما صبرَ الأنبياء، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قيل: اتَّقَوا الشِّرك، فإنَّه ذكر هذا بمقابلةِ قولِه: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ وهم الكفَّار.
стр. 3957
وقيل: أي: الذين اتَّقَوا الشِّرك والمعاصيَ، ولهم العاقبةُ الحميدةُ المطلقة، وقد مرَّ بيان (١) هذه القصَّة بتمامها في (سورة الأعراف).
* * *
(٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه وشرحُه في (سورة الأعراف).
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللَّهِ في إضافتكم إليه الشُّركاء.
* * *
(٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي: خلَقَني.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما أقولُ لكم فتتدبَّروه، فيتبيَّنَ لكم صِدْقي.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ يحتمِلُ: في تسميتِكُم الأصنامَ آلهةً، ويحتمِل: في قولِكم: اللَّه أمرنا بها، ويحتمِل: في إنكارِكم الرِّسالة، أو البعْثَ بعدَ الموت.
стр. 3958
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ واحدٌ، وأنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ (١).
* * *
(٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: مرَّ تفسيرُه في أوَّلِ هذه السُّورة، وقدَّم الاستغفارَ على التَّوبة لأنَّ المغفرةَ هي الغرضُ، والتَّوبةَ سببٌ يُتوصَّلُ به إليها، فقدَّمَ ذِكْرَ الغرضِ على السَّببِ.
وقيل: استغفروا بالإيمان، ثمَّ ارجعوا بأعمالِكم وأموالِكم إليه دونَ غيرِه.
وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: أي: يُرسِل المطرَ في وقتِه مدرارًا لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ (٢) الذي لا ينقطع، والمدرارُ: الكثيرُ المتتابع، و (مِفْعَال) صفةُ مبالغة؛ كقولهم: مِتجار ومِعطار ومِطعام (٣) ومِغوار.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿مِدْرَارًا﴾: متتابعًا (٤).
وقال مقاتلُ بن حيَّان (٥): دائمة.
وقال ابن كيسان: غزيرًا كثيرًا (٦).
стр. 3959
وقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: أي: يَهَبْ لكم أموالًا وأولادًا زيادةً على ما حصلَ عندَكم اليومَ مِن ذلك، فتقدروا على دفعِ أعدائِكم بكثرةِ عددِكُم، وكانوا في قوَّةٍ فوُعِدوا الزِّيادة على ذلك.
وقال مقاتلٌ: حبسَ اللَّهُ تعالى عنهم المطرَ ثلاثَ سنين، وأعقمَ أرحامَ نسائِهم، فلذلك قال ذلك (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: أي: لا تُعْرِضوا عن الإيمان مُذْنِبين.
وقال القشيريُّ ﵀: ثمَّ توبوا بعد الاستغفار مِن توهُّمكم أنَّ نجاتكم باستغفاركم، بل تحقَّقوا أنَّكم لا تجدون نجاتكم إلَّا بفضلِ ربِّكم، فبفضلِه وصلْتُم إلى استغفاركم، لا باستغفارِكُم وصلْتُم إلى نجاتِكُم.
وقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الاستغفارُ: قَرْعُ بابِ الرِّزْق، فإذا رجعَ العبدُ إلى اللَّهِ تعالى بحسْنِ تضرُّعِه فتحَ اللَّهُ تعالى عليه أبوابَ رحمتِه، ووفَّر عليه أسبابَ نعمتِه (٢).
* * *
(٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: أي: بحجَّةٍ واضحةٍ على دعوى رسالَتِكَ لِتُلْزِمَنا تصديقَكَ والانقيادَ لك.
стр. 3960
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: مِن أجلِ قولِك؛ كما يُقال: كسوْتُكَ عن عُرْيٍ؛ أي: مِنْ أجلِ عُرْيِكَ.
وقيل: الباء و (عن) متناوبان (١)، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ أي: عنه، وقال ها هنا: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾؛ أي: بقولِكَ.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدِّقين.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: ما نقولُ إلَّا أصابَكَ بعضُ آلهتنا بجنونٍ؛ أي: خَبَلٍ في عقلِكَ؛ قالَه ابنُ عبَّاس والحسنُ ومجاهد (٢).
وقيل: أي: ما نظنُّ وما نقولُ فيما بيننا إذا ذكرنا حديثَكَ إلَّا أنَّ بعضَ أصنامِنا الَّتي نعبدُها أصابَكَ بجنون، عقوبةً لك على الدُّعاء إلى تركِها ورفضِ عبادتِها.
فقال هودٌ: ليسَ هو كما تقولون، وأنا أُشهِدُ اللَّهَ تعالى وأُشهِدُكم أنِّي بريءٌ مِن شركِكم، غيرُ موافقٍ لكم على دينِكم، فاستعمِلوا الحيَلَ أنتم وآلهتُكم الَّتي تزعمون
стр. 3961
أنَّها اعترتني بسوءٍ في الإساءةِ بي وإيصالِ المكاره إليَّ، ثمَّ لا تؤخِّروا ذلك؛ لننظرَ هل يمكنكم أو يمكن آلهتكم أن يفعلوا بي شيئًا مِن السُّوء؟
وهذا دليلُ صحَّة نبوَّتِه؛ لأنَّه قال ذلك لثقته بوعدِ اللَّه بحفظِه ونصرتِه.
فإنْ قالوا: لِمَ قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، وقد قالوا أقولًا غيرَ ذلك؟
قلْنا (١): معناه: في سببِ الخلاف، ويدلُّ عليه ظاهر الحال.
فإنْ قالوا: لِمَ قالَ: ﴿وَاشْهَدُوا﴾، وليسوا بأهلٍ للشَّهادةِ؟
قلْنا: لتقومَ الحجَّة عليهم، لا بهم (٢).
* * *
(٥٦) - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّهِ تعالى، مدبِّري ومدبِّركم، ومُقِيمي ومُقِيمكم، لا أعتمدُ إلَّا عليه، ولا أخافُ غيرَه؛ إذ كلُّ شيءٍ في قبضةِ قدرَتِهِ وسلطانِهِ.
وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: أي: ما مِن (٣) نفسٍ تَدِبُّ على الأرض إِلَّا هو قاهرٌ لها مصرِّفٌ لها على ما يريدُه بها.
стр. 3962
والأخذُ بالنَّاصية كنايةٌ عن الإذلالِ والقَهْر، وكانت العربُ إذا أسرَتْ رجلًا فأرادَتْ إطلاقَه جزَّت ناصيتَه؛ ومثلُه قولُه تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قيل: أي: إنَّ ربِّي يدلُّ على صراطٍ مستقيمٍ. وقيل: يحثُّ عليه. وقيل: يحملُكم عليه.
وقيل: هو بغير إضمارٍ، ومعناه: إنَّ ربِّي على الحقِّ لا يَعدلُ عنه.
* * *
(٥٧) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أصلُه: فإن تتولَّوا، سقطَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ أي: فإنْ تُعرِضوا بعدَ هذا عن الإيمان باللَّه لم يلزمْني مِنْ تَبِعَةِ إعراضِكُم شيء (١).
وقولُه تعالى: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾: مِن الدُّعاء إلى الإيمان ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾؛ أي: ويهلكُكم اللَّهُ بعدَ هذا، ويجعلُ غيرَكم خَلَفًا عنكم.
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾: ولا يدخلُ مُلْكَه بإهلاكِكم نقصٌ، ولا تقدرون على أن تضرُّوه أو تضرُّوا أولياءَه بكيدِكُم.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: أي: لا يخفَى عليه شيءٌ، ولا يذهبُ عنه شيءٌ، ولا يفوتُه.
стр. 3963
وقيل: أي: بكلِّ شيءٍ حفيظ، فيحفظُ أنبياءَه وأولياءَه.
وقيل: أي: يحفظُ الأعمالَ فيُجازي عليها.
* * *
(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: أمرُنا بإهلاكِ عادٍ ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: شديد، وأصله: الكثيف الثَّقيل، وهو ها هنا استعارةٌ عن الشِّدَّةِ والهولِ، وهو ما نزلَ بهم مِن عذابِ الدُّنيا.
وقيل: هو عذابُ الآخرة أيضًا في حقِّ المؤمنين.
وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يدلُّ على أنَّ مَن نجا نجا برحمةِ اللَّهِ تعالى لا بعملِه، ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يدخلُ أحدٌ الجنَّةَ إلَّا برحمةِ اللَّهِ"، قيل: ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ولا أنا، إلَّا أنْ يتغمَّدني اللَّهُ برحمَتِهِ" (١).
ثم يحتمِل قوُله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: ببعثِ هودٍ إليهم حتَّى اتَّبعوه فنجَوا لذلك.
ويحتمل: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: بتوفيقنا إيَّاهم للإيمان حتَّى نجَوا به (٢).
* * *
(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
стр. 3964
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: بالنَّبيِّ والحُجج (١) ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لأنَّهم إذا عصَوا هودًا فقد عصَوا كلَّ الرُّسل؛ لأنَّ كلَّ الرُّسل يدعون إلى اللَّه تعالى، فعصيانُ واحدٍ منهم عصيانُ الكلِّ.
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: كلِّ متكبِّر مخالف؛ وهم رؤساؤهم.
قال السُّدِّيُّ: الجبَّار: الَّذي يقهَرُ النَّاسَ ويُجْبِرُهم على ما أراد (٢).
وقال عكرمةُ: الجبَّار: الَّذي يقتلُ على الغضب (٣).
وقال أبو عوسجةَ: الجبارُ: المتجبِّر، وهو المتكبِّر، والعنيدُ: هو المعاند المخالف (٤).
وقال القُتَبي: العَنود والعَنيد والعانِد: المعارضُ لك بالخلاف عليك (٥).
وقال أبو عبيدة: العَنيد والعَنود والعاند: الجائر (٦).
وفي الآيةِ تسليةُ النَّبيِّ ﷺ فيما كان يقاسي مِن البلاء، وتقويةٌ للمؤمنين فيما نُدبوا إليه مِن حُسْنِ الرَّجاء، والوعدُ بتبديل ما كانوا يلقونَه مِن الشِّدَّة والرَّخاءِ.
* * *
وقيل: أي: القائمين بعمارتها بالزِّراعة والغرس والبناء والحفر.
وقيل: أي: عمَّركم فيها؛ أي: جعل لكم فيها أعمارًا.
وقيل: أعمرها لكم (١)؛ أي: جعلها لكم مدَّة عمركم.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: أي: اسألوا مغفرتَه بالإيمان ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: ارجعوا إليه بالنَّدم وسؤال الثَّبات.
﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾: أي: إلى مَن رجاه ﴿مُجِيبٌ﴾ لمن دعاه.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: أعاشكم (٢).
وقال الضَّحَّاكُ: أطالَ عُمُرَكم (٣).
وقال مجاهدٌ: أعمرَكم، من العُمرى (٤).
وقال قتادة: أسكنكم فيها (٥).
وكان هود ﵇ يسكنُ وادي القرى بين المدينة والشَّام (٦)، وكانت عاد باليمن.
* * *
شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فقال: أخبروني عنكم؛ إنْ كنْتُ محقًّا في دَعوى الرِّسالة، وكنْتُ على بيانٍ مِن ربِّي في أنَّه لا إلهَ غيرُه، وأنَّه أرسلني إليكم، وأمرَني بإنذارِكم، وكان اللَّه تعالى أعطاني من عندِه كرامةً، وخصَّني بها مِن الإيمان والرِّسالة، أيجوز لي مع هذا أنْ أعصيَ ربِّي فأُقصِّرَ في تبليغ رسالته، وأقابل رحمتَه بمعصيتِه فأستحقَّ نزولَ عذابِه وسَخطِه؟! فمَن ينصرُني حينَئذٍ فيمنعَ عنِّي عذابَه؟ فما تزيدونني بهذا الاحتجاج (١) غيرَ أنْ أضلِّلَكم وأَضلِّل (٢) آباءكم.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: غير بصارةٍ (٣) في خسارتِكم (٤).
وقال الحسينُ بنُ الفضل: غير نسبتي إيَّاكم إلى الخسارة (٥).
وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: قال بعضُهم: فما تزيدونني بمجادلتكم إلَّا خسرانًا.
وقيل: فما تزدادون بمعصيتكم إيَّاي إلَّا خسرانًا لأنفسِكم.
وقال القتبيُّ: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غير نقصان (٦).
стр. 3969
وقال أبو عوسجة: هو من الخسران [يقال: خسَّرتُه]؛ أي: ألزمْتُه الخسران (١).
* * *
(٦٤) - ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: إذا أُضيفَتْ جزئيَّةُ الأشياء إلى اللَّه تعالى فهو على تعظيمِ تلك الجزئيَّات المضافة إليه.
فإذا أُضيفَتْ إليه كليَّة الأشياء فهو على إرادة تعظيم اللَّه تعالى وتبجيلِه؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١] (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ يقول: إنْ شكَكْتم في أمري فهذه آيةُ اللَّهِ معجزةٌ تبيِّن لكم صدقَ نبوَّتي.
والآيةُ فيها أنَّ اللَّهَ تعالى أخرجَها لهم (٣) من الصَّخرة وهم يشاهدونها، وخرجَتْ وهي حاملٌ كما طلبوا، وكانت تشربُ يومًا تنفردُ به ولهم يومٌ وتأتي هي المرعى يومًا والوحشي يومًا، وقد مرَّتْ قصَّتُها في (سورة الأعراف).
стр. 3970
وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: قيل: بمنعٍ عن الشُّربِ، فقد قال: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقيل: بعَقْرٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (١): أي: عاجلٌ إنْ مَسَسْتموها بسوء.
وقال أبو موسى الأشعريُّ: أتيْتُ مصدرها (٢) الَّذي اضطُرَّتْ إليه فلم تجدْ منفذًا، فإذا هو ستُّون ذراعًا (٣).
* * *
(٦٥) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: أي: فعقرَها أخو ثمود قُدار بن سالف، ومعه مِصْدَع بن مَهْرَج.
﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾: أي: بلدكم.
وقيل: أي: في دار الدُّنيا، ولو أراد بها المنازل لقال: في دياركم.
وقيل: أراد بالواحد الجمع؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]، وتقديرُه: ليتمتَّعْ كلُّ واحدٍ منكم في دارِه.
والتَّمتُّع: التَّلذُّذ بالمدركَات الحسيَّة.
يقول: أمهلَكُم اللَّهُ تعالى ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ بلا زيادةٍ، ثمَّ تُعذَّبون، وهو العذابُ القريبُ الَّذي ذكرْتُ لكم.
стр. 3971
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: أي: مكذوبٍ فيه.
ورُوِي أنَّه قال لهم: تمتَّعوا في دارِكُم ثلاثةَ أيَّام، ثمَّ يجيء هلاكُكُم، فتصبح ألوانُكم في أوَّلِ يومٍ مصفرَّة، وفي اليوم الثَّاني محمرَّة، وفي اليوم الثَّالث مسودَّة، ثمَّ تُستأصَلون في اليوم الرَّابع (١).
فكان كما قال؛ لأنَّهم عقروا النَّاقة يوم الأربعاء، واستُؤصِلوا يوم السَّبت.
* * *
(٦٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: بالعذاب ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ أي: أخرجناهم مِن بينهم.
وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ فسَّرناها في قصَّة عاد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾: قرأ الكسائيُّ ونافع في روايةٍ بنصب الميم على الظَّرف، والباقون بالخفض على الإضافة (٢).
والخزيُ: الفضيحةُ بالعذابِ المُهين المستأصِل.
стр. 3972
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: أي: القادر على إهلاك مَن يريد، المنيعُ سلطانُه (١) مِن أنْ يغالبَه العبيد (٢).
وقيل: ﴿الْقَوِيُّ﴾ في نصرة أوليائِه، ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنتقِم مِن أعدائه لأوليائِه.
* * *
(٦٧) - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾: يُقال: صاحَ بهم جبريل، ويُقال: الصيحةُ: النِّداء بوقوع العذابِ ونزولِ الصَّاعقة.
وقيل: هو الصَّوت الهائل الذي يجيء فلا تتمالكُ له القلوب، بل تنفطرُ وتنخلع، فيموت السَّامعون لها.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الصَّيحة: الصَّاعقة.
وقيل: هي اسمٌ لكلِّ عذاب، ولا يُدرَى كيف كان؟ أو كان عذابهم قَدْر صيحةٍ مِن سرعة وقوعِه بهم، أو لمَّا رأوا العذاب صاحوا فيما بينهم، فلمَّا جاءتهم الصَّيحة ماتوا (٣).
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: أي: صاروا.
وقيل: كان العذابُ باللَّيل؛ فلذلك قال: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾؛ أي: ساقطِيْن على الوجوه.
وقيل: ساقطين على الرُّكب.
стр. 3973
وقيل: لازقِيْن بالأرض.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ميِّتين (١).
وقال قتادة: هالكين (٢).
وقال مجاهد: جامدين (٣).
وقال ابن كيسان: ساقطين كجثوم الطَّائر.
* * *
(٦٨) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنْ لم يقيموا فيها، غَنِيَ بالمكانِ -مِن حدِّ علم-: إذا أقامَ به (٤).
﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: فبذلك استحقُّوا هذا العذاب ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾؛ أي: هلاكًا.
وقرأ الكسائيُّ وحده بالتَّنوين والخفض موافقةً للأوَّل، والباقون تركوا تنوينه وفتحوه، ونوَّنوا الأوَّل (٥)؛ لأنَّ (ثمودًا) إنْ جُعِلَ اسمَ قبيلةٍ لم يُصرَف لاجتماع
стр. 3974
التَّعريف والتَّأنيث فيه، وإن جُعِل اسمًا للقوم صُرِف؛ لأنَّ العلَّتَيْن لم تجتمعا، ولمَّا جاز صرفُه وتركُ صرفِه اختير الصَّرف في النَّصب دون الرَّفع والجرِّ؛ لأنَّ النَّصبَ أخفُّ الحركات.
* * *
(٦٩) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾: ﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: الملائكة.
قال ابن عبَّاس ﵄: جبريل وملكان (١).
وقال الضَّحَّاك: كانوا تسعة.
وقال السُّدِّيُّ: كانوا أحدَ عشرَ ملَكًا على صورة الغِلمان الحسان (٢).
كانوا نزلوا لإهلاكِ قومِ لوطٍ وقراهم بنواحي الشَّام، وإبراهيمُ كان ببلاد فلسطين فمرُّوا به، ولوطٌ كان ابن أخي إبراهيم (٣)، فجاؤوا إبراهيم بالبشرى:
قيل: البشارة بهلاك قوم لوط.
وقال الحسن: البشارة بأنَّ اللَّهَ تعالى يهَبُ له إسحاق ولدًا، ويجعله رسولًا إلى عبادِه، وبعدَه يعقوب نافلة (٤).
стр. 3975
وقيل: بسلامته وسلامة قومِه مع هلاك قوم لوط.
وقيل: بدوام الخُلَّة والوصلة.
وقيل: بسلام اللَّه.
وقيل: هو سرٌّ بين الحبيبَيْن لا اطِّلاع عليه للغير، قال قائلُهم:
بينَ المحبِّيْنَ سرٌّ ليسَ يفشيْه... قولٌ ولا قلمٌ للخَلْقِ يحكيْهِ (١)
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: نصبٌ بوقوعِ القولِ عليه، كأنَّه قال: أظهَروا سلامًا، أو: قدَّموا سلامًا، وما يجري مَجراه.
وقيل: ﴿قَالُوا﴾ مقرَّر على نظمِه، و ﴿سَلَامًا﴾ منصوبٌ بإضمار الفعل؛ كأنَّهم قالوا: نسلِّم عليك سلامًا، أو قالوا: نسلِّم سلامًا؛ لأنَّ السَّلام بمعنى السَّلامة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أنَّه نصبٌ على إضمارِ الفعلِ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: أي: عليكم سلامٌ.
وقال: الفرَّاء: قال حين نَكِرهم: ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: هو سلام -أي: سلامةٌ- إن شاء اللَّه، مَن أنتم (٢)؟
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: أي: وَلَد بقرةٍ، سُمِّي به لتعجيلِ أمرِهِ بِقُرْبِ مِيلادِه.
قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة: أي: نَضيجٍ (٣).
стр. 3976
وقال الحسن: أي: مشويٍّ (١).
وقال ابن عرفة: مشويٍّ بالرِّضاف. والرَّضيف: الحجرُ المحمَّى، وهو (فعيل) بمعنى مفعول، وقد حنذَه؛ أي: شواه تحتَ الأرض بالحجارة المحمَّاة.
وقيل: هو السَّمين الَّذي يسيل منه الوَدكُ (٢).
ومعنى ﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ أي: فما مكَثَ؛ إذ كان عندَه طعامٌ مُعَدٌّ للأضيافِ كلَّ يوم، أو عجَّل تقديم الطَّعام، فأمرَ بذبحِ عجلٍ وحنَّذه، وجعل قرب المدَّة بسبب التَّعجيل كعدم اللَّبْث مبالغةً مجازًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ على أنَّ الأدبَ إذا نزل الضَّيف هو تقديمُ الطَّعام قبلَ المحادثة والمساءَلَة، ولو كان إبراهيم ﵇ اشتغلَ بذلك عرف أنَّهم ملائكةٌ، فلم يشتغلْ باتِّخاذ الطَّعام (٣).
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾: أي: لمَّا رآهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطَّعام للأكل ﴿نَكِرَهُمْ﴾؛ أي: أنكرهم، يقال: نَكَر وأنْكَر واستَنْكَر، قال الأعشى:
стр. 3977
وأنكرَتْني وما كانَ الَّذي نَكِرَتْ... مِنَ الحوادثِ إلَّا الشَّيْبَ والصَّلَعَا (١)
وقال أبو العالية: يقال: نَكِرَ بقلبِهِ، وأنكرَ بعينِهِ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: أي: أضمرَ، وقيل: أي: أحسَّ.
وقيل: أنكرَهم حين لقيَهم لا يعرفهم، قال تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، وازداد ذلك حين لم يتناولوا طعامَه، فأضمر في قلبِه خوفًا، وكان القوم إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكلْ طعامَهم ظنُّوا أنَّه لم يَجِئْ بخيرٍ، وأنَّه يحدِّث نفسَه بشرٍّ (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: لمَّا علمَتِ الملائكةُ أنَّه استشعرَ خوفًا منهم أمَّنوه بأنْ كشفوا له الأمر فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾؛ أي: لإهلاكهم.
وقيل: إنَّهم دَعَوُا اللَّهَ تعالى بإحياءِ العجلِ، فطَفِر حيًّا إلى مرعاه؛ أي: وثبَ (٤).
* * *
(٧١) - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ هي سارة بنت هاران بن ناحور، بنت عمِّ إبراهيم بن آزر بن ناحور.
стр. 3978
وقيل: كانت قائمةً مِن وراء السِّتر تنظرُ إلى الملائكةِ وإبراهيم.
وقيل: كانت قائمةً على رؤوسِهم تخدمُهم على الطَّعام، وكانت عجوزًا فلم يكنْ بذلك بأسٌ، حكاه الإمامُ أبو منصور ﵀، وقال: لسنا ندري أين كانت قائمة (١).
وقوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل: ضحكَتْ تعجُّبًا لِمَا أشرفَ من العذاب على قوم لوط وهم غافلون، فإنَّه وصلَه بقوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
وقيل: ضحكَتْ سرورًا بما زالَ مِن الرَّوع عنها وعن إبراهيم بظهورهم ملائكةً.
وقيل: ضحكَتْ تعجُّبًا مِن امتناع الأضياف عن الأكل.
وقال وهب: ضحكَتْ تعجُّبًا مِن أن يكون لهما ولدٌ وقد هَرِمَا، وعلى هذا يكون في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ: فبشرناها بإسحاق فضحكت.
وقال مقاتل: ضحكَتْ من خوف إبراهيم منهم وهم عدد قليلٌ، وهو بينَ خَدَمِه وحَشَمِه (٢).
وقال عكرمة: أي: حاضَتْ، تقولُ العربُ: ضحكَتِ الأرنبُ: إذا حاضَتْ (٣).
стр. 3979
وقيل: ضحكَتْ سرورًا بالبشارة بالولد، وقد بلغت ثمانيًا وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مئة وعشرين سنة.
وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: أي: على ألسنةِ الرُّسلِ -وهم الملائكة- بولدٍ اسمُه إسحاق ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: قرأ حمزةُ وابنُ عامر وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنَّصب، والباقون بالرَّفع (١)، وهو على الابتداء.
ووجه النَّصب: أنَّ المعطوف على المخفوض بخافضٍ وبينهما حائلٌ يُحتاج فيه إلى إعادة الخافض، فيقال: مررْتُ بزيدٍ ومِن بعده بعبدِ اللَّهِ، فإذا لم يأتوا بالباء في (عبد اللَّه) نصبوه، كأنَّهم أرادوا: ورأيْتُ مِن بعدِه عبدَ اللَّه.
ووجه آخر: أنَّ قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ بمنزلةِ قوله: فوَهَبْنا لها إسحاقَ، فعطفَ عليه ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنَّصب.
وقيل: الوراء: النَّافلة، فإنْ صحَّ هذا، وإلَّا فظاهر ما يُفهَم مِن وراء وهو الخَلْف، يدلُّ على البشارة بالنَّافلة أيضًا، فإنَّه يكون بعدَه.
ودلَّت الآيةُ أنَّ الذَّبيح هو إسماعيل، فإنَّ اللَّه تعالى بشَّر إبراهيم ﵇ بأن يكون لإسحاق ولدٌ، وكان يعلمُ أنَّه لا يموت حتَّى يُولَد له ذلك، فلا يكون على هذا في الأمرِ بذبح هذا الولد امتحانٌ؛ إذ يعلم أنَّه لا يتحقَّق فيه الذَّبح للحال، فتعيَّن للابتلاء الولد الآخر؛ وهو إسماعيل.
* * *
(٧٢) - ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾: لمَّا بُشِّرَتْ بإسحاق تعجَّبَتْ، فقالَتْ: يا ويلَتَا،
стр. 3980
فافتتحَتْ بالدُّعاء بالويل على ما جرَتْ به العادة، وكأنَّها قالَتْ: يا عجبًا.
﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾: أي: مُسنَّة، لم تدخلها الهاء لأنَّها وُضِعَتْ للأنثى خاصَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾: أي: زوجي، ونصب ﴿شَيْخًا﴾ على الحال، أو على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ بها معرفة.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: ولم يكن هذا إنكارًا لقدرةِ اللَّهِ تعالى، بل هذا ممَّا يَرِدُ مثلُه على النَّفس إذا سُمعَ بغتة، على ما عليه طبعُ البشريَّة.
وقد يكون التَّعجُّب من جهة تمنِّيها لسرعة كون ذلك، فتقول: أنَّى يكون هذا؟ فمتى يكون قريبًا أو بعيدًا؟ وأُحوَّل شابَّة وزوجي شابًّا، أو نكون على حالِنا؟ فإنَّه عجبٌ عادة.
* * *
(٧٣) - ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا عجبَ أنْ يَرزقَ اللَّهُ مثلَكُما (١) ولدًا.
وقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: يحتمِلُ أن يكون إخبارًا؛ أي: أنتم أهلُ بيتٍ نزَّل اللَّه عليكم الرَّحمة والبركات بما آتى مِن النُّبوَّة وتمَّمَ مِن النِّعمة.
ويحتمِل الدُّعاء؛ أي: واصل (٢) اللَّه لكم يا أهلَ البيت.
стр. 3981
وفيه ردٌّ على مَن أنكرَ مِن الرَّافضة أنْ يكونَ أزواجُ النبيِّ ﷺ مِن أهلِ البيت في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: قال الحسن: أي: محمودٌ كريمٌ (١).
وقيل: أي: محمودٌ على نعمِه عند خلقِه، وكريمٌ منعِم على عبادِه، فأنتم أولى بهذه النِّعمة إذ كنتم أهل خلَّته وموالاته.
ثمَّ أوَّل القصَّة ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، وفي هذه الآية ذكرَ الرَّحمة والبركات، وهي إتمام التحيَّة، ولمَّا قالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ بقي هذا الدُّعاء على ألسنة هذه الأمَّة في الصَّلوات: "كما صلَّيْتَ وباركْتَ ورحمْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (٢).
والبركة: الزِّيادة والنَّمو، وقد استجيب ذلك، فبنو إسرائيل منهم، وهم الخلْقُ الكثير، والعربُ مِن أولاد إسماعيل، وهم الجمُّ الغفير.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: أي: الخوف، راعَه يروعُه: إذا أفزعَه وخوَّفَه، وهو ما مرَّ: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
стр. 3982
﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾: وهو ما بينَّا، فأضمر جوابَ (لمَّا) ها هنا، وهو: انبسطَ لمعارضَتِهم وصفتهم (١).
﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: أي: جعل يجادلهم، قال الحسن: يجادلُ رسُلَنا مِن الملائكةِ (٢).
واختُلِفَ في ذلك الجدال:
قال الحسن: هو قوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] (٣).
وقال قتادة: أيُعذَّبُون إنْ كان فيهم خمسون من المؤمنين؟ قالوا: لا حتَّى نزلهم إلى عشرة، فقالوا: لا (٤)، وذلك قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦].
وقيل: جادلَهم ليعلَمَ بأيِّ شيءٍ استحقُّوا عذاب الاستئصال، وهل ذلك واقعٌ بهم لا محالة، أم على سبيل الإخافة لِيُقبِلوا إلى الطَّاعة؟
وقيل: ﴿يُجَادِلُنَا﴾؛ أي: يسألُنا إمهالَهم رجاءَ أنْ يسلِموا، أو سمَّاه جدالًا لأنَّه كان يحرص في السُّؤال حِرْصَ المجادل عنه (٥).
وقال القشيريُّ رحمة اللَّه عليه: كانَتْ مراجعةُ إبراهيمَ مع اللَّهِ تعالى في أمرِ قومِ
стр. 3983
لوطٍ بحقِّ اللَّهِ تعالى، لا لحظِّ نفسِه، فسَلَّمَ (١) له الجِدال، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنِه حيثُ تجاوزَ عنه ذلك (٢).
* * *
(٧٥) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾: الحليمُ: البطيءُ الغضبِ، والأوَّاه: الدَّعَّاء، وقيل: الرَّحيم.
وقيل: المتأوِّه أسفًا على ما فاتَ قومَ لوطٍ مِن الإيمان، والمنيب: الرَّاجع إلى اللَّهِ ﷻ بالإخلاص، وهذا مدحٌ له وبيانٌ أنَّ سؤالَه كان عن رحمةٍ ورِقَّةٍ، ولم يكن معارَضةً ولا اعتراضًا على قضيَّةٍ.
* * *
(٧٦) - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أي: قيل له: تولَّ عن هذا الجِدال والسُّؤال؛ لأنَّ العذابَ نازلٌ بهم لا محالةَ.
﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: أي: عذاب ربِّك، وقيل: أمرُ اللَّه تعالى بالعذابِ.
﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: أي: سيأتيهم عذابٌ لا يُرَدُّ ولا يُدفَع بالشَّفاعة، فسَكَتَ وتركَ السُّؤال.
* * *
стр. 3984
(٧٧) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: أي: ساءَه مجيئُهم؛ أي: حزَنَه، والكنايةُ ترجع إلى الرُّسل.
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾؛ أي: ضاقَ نفسُه عن هذا الحادث (١)، وذِكْرُ الذَّرْعِ مَثَلٌ، وهو المساحة في الحقيقة، وكأنَّه قَدْرُ البَدَنَ مجازًا؛ أي: بَدَنُه ضاقَ قَدْرُه عن احتمالِ ما وقعَ؛ أي: لمَّا صار هؤلاء الملائكةُ مِن عند إبراهيم إلى لوط في صورة البشر، ورآهم حِسانَ الوجوه، خافَ عليهم مِن قومِه أنْ يقصدوهم في منزلِه ولا يمكنُه دفعُهم، ولم يمكنْه التَّصريح به للأضياف، وساءَه وضعفَ عنه احتمالُه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنْ يكونَ قولُه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ لمكان الأضياف، ويحتمِل أنْ يكون كلاهما بهلاك قومِه، ويحتمِل أن يكون أحدهما في هذا، والآخر في ذلك (٢).
﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: أي: شديد، ولا تُستعمل إلَّا في الشَّرِّ، مأخوذٌ مِن العِصابة؛ كأنَّه التفَّ على النَّاس بالشَّرِّ، أو التفَّ بعضُ شرِّهِ ببعض.
وقيل: هو مِن إحاطةِ شرِّه بالنَّاس، ومنه عِصابة الرَّأس، وعُصْبَةُ الرَّجلِ: قرابتُه المحيطون (٣) به.
* * *
стр. 3985
(٧٨) - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والسُّدِّيُّ: أي: يُسرعون في المشي (١).
وقال الضحَّاك: يسعون (٢).
وقال الفرَّاء: هو مشيٌ بينَ الهرولَةِ والجَمْزِ (٣).
وإنَّما أسرعوا إلى الأضياف لمَّا أعلمتهم امرأة لوط -وكانت كافرةً- فقالَتْ: ما رأيْتُ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيبَ ريحًا، ولا أنظفَ ثيابًا منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: كنايةٌ عن إتيانهم الذُّكْران.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: قال مجاهدٌ: بناتُ قومي؛ لأنَّ النَّبيَّ كالأبِ لقومِه، وأزواجُه أمَّهاتُهم، وأولادُهم كأولادِه (٤).
وقال مقاتلٌ وجماعة: أرادَ بنات صُلْبِه (٥).
﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلُّ لكم بالنِّكاح.
стр. 3986
وقال الحسين بن الفضل: أي: على شرط إسلامكم (١).
وقال آخرون: لعلَّه في ذلك الوقت كان يُباح للمشركِ المسلمةُ (٢)، وكان ذلك في ابتداء الأمر جائزًا في هذه الأمَّة، فالنَّبيُّ ﷺ زوَّج ابنتَه مِن عتبةَ بن أبي لهبٍ وأبي العاص بن الرَّبيع وكانا كافرَيْن (٣).
ثمَّ قوله: ﴿أَطْهَرُ﴾ لا يدلُّ على أنَّ إتيان الذُّكران كان طاهرًا، لكنَّهم اعتقدوا طهارةَ ذلك، فبنى ذلك على زعمِهم، وهو كما رُوِيَ أنَّ أبا سفيان بن حرب قال يوم أُحُد: أعْلُ هبل، فقال النَّبيُّ ﷺ لِعُمرَ: "قل: اللَّه أعلى وأجلُّ" (٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل أن يكون هذا تعريفًا لهم خُبْثَ ذلك الفعلِ، ويكون معنى قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: هذا أقلُّ خبثًا مِن ذلك؛ أي: الزِّنى بالبنات دون إتيان الذُّكران في الخبث، وكانوا يعتقدون حرمةَ الزِّنى، فبيَّن (٥) أنَّ هذا يزول بالنِّكاح، وذاك لا يزول بحال (٦).
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾: أي: لا تُخجلوني في أضيافي، ولا تفضحوني فيهم.
стр. 3987
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾: أي: مهتدٍ إلى طريق الحقِّ، فينهاكم عن هذا، ويدفعَكم عن أضيافي.
وقال عكرمة: أليسَ منكم رجلٌ رشيدٌ (١) يقول: لا إله إلَّا اللَّه (٢)؟
* * *
(٧٩) - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: قال محمَّد بن إسحاق: أي: لسنَ لنا بزوجات (٣).
وقيل: أي: ما لنا فيهنَّ مِن حاجةٍ، فجعلوا تناول ما لا حاجةَ لهم فيه كتناول ما لا حقَّ لهم فيه.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: مِن إتيان الذُّكور (٤).
* * *
(٨٠) - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾: أي: عُدَّة، وجوابُه محذوفٌ، وهو أبلغ؛ لأنَّ النَّفس تذهبُ فيه كلَّ مذهب.
وقيل: هو كلمة تمنٍّ؛ أي: ليتَ لي بكم قوَّة.
стр. 3988
وقوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: مجازٌ عن عشيرةٍ يلتحقُ بهم ويستعينُهم (١).
وفي الخبر: "ما بعثَ اللَّهُ تعالى بعدَه نبيًّا إلَّا وهو في كثرةٍ مِنْ عشيرَتِهِ ومَنَعَةٍ تسكينًا لقلبِهِ" (٢).
وقيل: لو أنَّ لي بكم قوَّة على هدايتكم لهديْتُكم، وعن هذه الحالةِ أنجيْتُكُم.
* * *
(٨١) - ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ قيل: قالوا: إنَّ ركنَكَ لشديدٌ، وإنَّا رُسُلُ ربِّك أُرسِلْنا لإهلاك قومِكَ، فلا تخفْ، فلن يصلوا إليك بمساءَةٍ فينا.
قال ابن عبَّاس ﵄: وكان لوطٌ ﵇ أغلقَ بابَه، والملائكةُ في دارِه، وقومُه على الباب يناظرونه، فقال جبريل صلوات اللَّه عليه: إنَّا رسلُ ربِّك فافتحِ البابَ، ففتحَ ودخلوا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (٣) [القمر: ٣٧]؛ أي: أعميناهم أو (٤) محوناها.
стр. 3989
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ قرأ ابن كثير ونافع: ﴿فَاسْرِ﴾ بالوصل مِن سَرَى، والباقون بالقطع مِن أسْرَى (١)، وهما لغتان في اللازم، والتَّعديةُ ها هنا بالباء.
فخرج وأهله وأولاده والمؤمنون معه ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: بطائفةٍ مِن اللَّيل (٢).
وقال الضَّحَّاك: ببقيَّة من الَّليل. وقال قتادة: بصدْرِه. وقال الأخفش: بعد جنح (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿امْرَأَتُكَ﴾ رفعًا بدلًا عن قوله: ﴿أَحَدٌ﴾، والباقون بالنَّصب على الاستثناء (٤).
والنَّهي عن الالتفات أمرٌ بالإسراع ليتباعدوا عن القوم فلا ينالهم أثرُ عذابهم.
وقيل: أي: لا تشتغل قلوبُكم بما خلَّفتم من المال والمتاع، وامضوا مُخِفِّين مسرعين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾: مِن العذاب؛ لأنَّها كافرةٌ مثلهم.
فقال لوط لجبريل: متى وقتُ هلاكهم؟ قال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فقال لوط: أريدُ أسرَعَ مِن ذلك، فقال جبريل ﵇: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: استفهامٌ بمعنى الإثبات.
* * *
стр. 3990
(٨٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: العذاب الَّذي أَمَرْنا به ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾؛ أي: جعلَ جبريلُ أعلى قريتِهم سافلَها بأمرِنا، على ما مرَّ سياقُ القصَّة في (سورة الأعراف).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾: أي: وأمطرنا عليهم بعد التَّقليب أحجارًا من سِجِّيل.
قيل: حجارة صلبة ليسَتْ مِن جنس حجارة البَرَد.
وقال ابن عبَّاس ﵄ وقتادة: هو فارسيٌّ معرَّب سَنْك وكَلْ (١)، كالدِّيباج والجاموس.
وقال أبو عبيدة: هو شديد من الحجارة (٢).
وقيل: هو مثل السَّجْلِ في الإرسال عليهم (٣)؛ أي: الدَّلو.
وقيل: السَّجل: هو الإرسال.
وقيل: هو من السِّجِلِّ -المشدَّد باللَّام- وهو الكتاب؛ أي: حجارة كَتَبَ عليها اللَّهُ تعالى أن يعذِّبهم بها.
стр. 3991
وقال الفرَّاء: طينٌ طُبِخَ حتَّى صار كالأرحاء، و ﴿مَنْضُودٍ﴾؛ أي: يتبعُ بعضُها بعضًا (١)، كالمتاعِ المنضودِ بعضُها على بعضٍ.
وقيل: كانت منضودة في السَّماء معدَّة.
* * *
(٨٣) - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾: نُصِبَتْ لأنَّها نعتُ قوله تعالى: ﴿حِجَارَةً﴾؛ أي: معلَّمةً في خزائن اللَّه تعالى الَّتي لا يُتصرَّف فيها إلَّا بإذنِهِ بعلاماتٍ تعرفُها الملائكةُ إذا أُمِرُوا أنْ يمطروها.
وقال الحسنُ: أي: مختومهً (٢).
وقال الرَّبيع بن أنس: مكتوب على كلِّ حجرٍ اسمُ مَن رُمي به، وكذا قال عكرمة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: أي: لم تكنْ لتُخطئَهم.
وقيل: اتَّبعَتْ المتفرِّقين عنهم في الأمصار والأسفار.
وقيل: مِن مشركي قريش، وسأل النَّبيُّ ﷺ جبريلَ عن هذا فقال: "يعني: من ظالمي أمَّتِك" (٤).