(٨٥) - ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: أي: أتمُّوها بالعَدْلِ.
أعاد الأمر بالإتمام بعد تقديم النَّهي عن ضدِّه، وهو كقولك: صِلْ قرابَتْك ولا تقطَعْها، فيكون الجمعُ بينَ الأمر والنَّهيُ عن ضدِّه دليلًا على تأكُّد وجوبه.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: ولا تنقصوا النَّاس ما استحقُّوه عليكم بالعقود.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: العِثِيُّ: المبالغةُ في الإفسادِ، من حدِّ عَلِمَ.
وجعلَ هذه المعاملةَ إفسادًا في الأرض لأنَّه تبديلُ حكمِ الدِّين، واللَّهُ تعالى أصلحَ الأرضَ بالأمرِ بالمعاملات الَّتي إذا عملوا بها اعتدلَتْ أحوالُهُم، وزالَ التَّظالم عنهم، فمَن غيَّر هذا فقد أفسد.
* * *
(٨٦) - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: ما يبقيْهِ اللَّهُ تعالى لكم بعدَ إيفائِكُم حقوقَ النَّاس بالقِسْط في الكيل والوزن أحمدُ عاقبةً، وأكثرُ بركةً ممَّا تبقونه لأنفسِكُم مِن فضلِ الخيانة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قيل: هو متَّصل بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا. . . وَلَا تَبْخَسُوا. . . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 3994
فيحتملُ أنَّهم كانوا يقرُّون بأنَّ اللَّهَ تعالى خالقُهم ومالكُهم، كما قالَ في حقِّ مشركي العرب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، والإقرار بالألوهيَّة للَّه يوجب طاعتَه فيما أمرَ ونهى.
ويحتمل أنَّه متَّصل بقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: هي خيرٌ لكم؛ إنْ صدَّقتموني فيه وعملْتُم به حصلَ لكم هذا الخيرُ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنَّ ما (١) أبقى اللَّهُ لكم مِن الثَّواب في الآخرة خيرٌ لكم مِن الأموال في الدُّنيا.
وقيل: طاعةُ اللَّهِ الَّتي يبقَى ثوابُها خيرٌ لكم مِن هذا (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: قال: إنِّي لسْتُ أشهدُ بياعاتكم حتَّى أعلمَ ببخسِكُم، وإنَّما أعرفُ ذلك بإخبارِ اللَّهِ تعالى، وفيه إثباتُ رسالِته.
وقيل: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: بمسلَّطٍ عليكم أجبركم على هذا، وإنَّما أنا مبلِّغٌ منذِرٌ.
وقيل: وما أنا بمأمورٍ بحفظِكُم فأُؤاخَذَ بفعلِكُم.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾: قيل: كان شعيبٌ صلوات اللَّه عليه يصلِّي الصَّلوات،
стр. 3995
وكانوا يقولون له: ما تستفيدُ بهذا؟ فكان يقول: إنَّها تأمر بالمحاسِنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّف اللَّهُ تعالى عبادَه بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه الاستهزاء به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾؛ أي: تأمرُنا بترْكِ عبادةِ ما كان يعبدُ آباؤنا، وأنْ نتركَ التَّبسُّط في أموالنا بما نشاءُ مِن إيفاءٍ ونَقْصٍ؟
وقيل: أدينُكَ (١) يأمرُكَ بهذا؟ وسُمِّي الدِّين بها (٢) لأنَّها أعظمُ شرائعِ الدِّين، وما خلَتْ عنها شريعةُ أحدٍ مِن المرسَلِيْن.
وقيل: كانوا يكسرونَ الدَّراهم الصَّحيحة، فكان تبايعُهم بالمكسور عددًا، وبالصِّحاح وزنًا (٣)، فيقعُ البَخْسُ بهذا.
وقيل: كانوا يقطعون أطرافَها، فيستفضلون القُرَاضات، ويتبايعون بالباقي على أنَّه درهمٌ تامٌّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾؛ أي: السَّفيه الضَّالُّ، وهذه التَّسمية على القَلْبِ على وجْهِ الاستهزاء؛ كما يُقال للحبشيِّ: أبو البيضاء، وهو كقولِ خزنة جهنَّم لأبي جهلٍ لعنه اللَّه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال الشَّاعر:
فَقُلْتُ لسيِّدنا يا حليـ... مٌ إنَّكَ لم تأسُ أسوًا رَفِيْقَا (٤)
стр. 3996
وقيل: معناه: إنَّك عندَنا حليمٌ رشيدٌ، ولسْتَ تفعلُ بنا ما يقتضيه حالُك، فتسفِّهُنا وتمنعُنا عمَّا كان عليه آباؤنا العقلاء، وهذا ليس بفعل الحليم الرَّشيد، وهو كقول قوم صالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود: ٦٢].
* * *
(٨٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: أي: على حجَّة وبيان في التَّوحيد والصَّلوات.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: أي: أعطاني ذلك مِن عنده عطاءً حسنًا.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أي: أخالفَكُم في تركِ ما أمرتُكُم به ميلًا إلى فعلِ ما أنهاكُمْ عنه، بل لا آمرُكُم بشيءٍ إلَّا عملْتُ به، ولا أنهاكم عن شيءٍ إلَّا انتهيْتُ عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: أي: ما أُريدُ إلَّا الإصلاحَ في الأرض ما قدرْتُ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أثبتَ الإرادةَ والفعلَ مِن نفسِه، والتَّوفيق مِن ربِّه، وهو الجمعُ بينَ الطَّاعة والاستطاعة، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو خلافُ قولِ القدريَّة والجبريَّة.
стр. 3997
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: عليه اعتمدْتُ لَمَّا كان (١) لا يَتمُّ شيءٌ إلَّا بتوفيقِه، وأُنيبُ إليه في المستقبلِ؛ أي: أرجعُ إليه في تمام ما أَنويه.
وجوابُ هذا الكلامِ محذوفٌ؛ أي: أتسفِّهونني على ذلك كلِّه وتشاقُّونني عليه؟ وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
وقيل: الجواب على هذا التَّقدير: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أفأعدِلُ عن عبادِتِهِ مع هذه الحالةِ الدَّاعيةِ إليها الموجبةِ لها.
وقيل: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ أي: نبوَّة.
وقيل: توفيقًا للأعمال الصالحة.
وقيل: أي: كفايةً في المعاش، وهو كما مرَّ.
﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ومعناه: إنْ كنْتُ على بيانٍ أهتدي به إلى أمور الدِّين، وكفافٍ أُصلحُ به أمور الدُّنيا؛ فأنا مستغنٍ عن أموالِكُم، فلا آمركُم بالإيفاءِ ولا أنهاكم عن البَخْسِ طمعًا في مالِكُم، بل إرشادًا لكم إلى إصلاحِكُم.
وقال الإمام القشيري ﵀: الرزق الحسن: ما كُفي صاحبُه كدَّ طلبِه، ولم يُصِبْه نَصَبٌ بسببِهِ.
ويقال: الرِّزق الحسن: ما وُجِدَ غيرَ مرتقَبٍ (٢) ولا محتسَبٍ ولا مكتسَبٍ (٣).
стр. 3998
ويقال: الرِّزق الحسن: ما يستوفيه شهودُ الأرزاق (١)، ويجبُ طلبُه عنِ المنعِم بوجودِ الإرفاقِ (٢).
وقال في التَّوكل: هو تركُ التَّدبير لشهود التَّقدير، والثِّقة بالموعود عندَ عدم الموجود، ويتبيَّنُ ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسبابِ.
وقيل: هو السُّكون والثِّقة بالمضمون.
ويقال: سكونُ القلبِ بمضمونِ الرَّب (٣).
* * *
(٨٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾: قال الحسنُ وقتادةُ: أي: لا يحملنَّكُم (٤).
وقال الزَّجَّاج: أي: لا يكسبنَّكم شقاقي؛ أي: معاداتي ومخالفتي (٥).
وقد شاقَّه مشاقَّة؛ أي: صار في شقٍّ، وخصمُهُ في شقٍّ.
стр. 3999
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾: أي: لا يحملنَّكم ذلك أنْ تُصِرُّوا على الكفرِ، فيصيبَكُم مثلُ ما أصابهم.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: أي: لم يبعدِ العهدُ بما جَرَى عليهم.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ذكَّرَهم حالَ هذهِ الأمم؛ لأنَّهم كانوا يقلِّدون آباءَهم، فيقول: فعلوا ذلك لكن أصابَهم ما أصابَهم، فاجتنِبوا ذلك.
ويقول أيضًا: إنْ قلَّدْتُم الَّذين عبدوا الأوثان فهلكوا، فهلَّا تقلِّدون الَّذين لم يعبدوها فنَجَوا (١).
* * *
(٩٠) - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: قد فسَّرناه في هذه السُّورة مرارًا.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بمن استغفرَه وتابَ إليه ﴿وَدُودٌ﴾ مِن الوُدِّ؛ وهو الحُبُّ، ويجوزُ أن يكون بمعنى الوادِّ، ويجوز أن يكون بمعنى المودود، فإنَّ الفَعول (٢) يصلح لهما.
стр. 4000
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: حُقَّ أن يُوَدَّ؛ إذْ منه كلُّ إحسانٍ، والنَّاس جُبِلُوا على حبِّ مَنْ أحسنَ إليهم.
ويجوز: ودودٌ لِمَنْ توسَّل إليه (١).
* * *
(٩١) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾: أي: لا نفهمُ لأنَّك تُحِيْلُنا على أمورٍ غائبةٍ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال الحسنُ: أي: مَهينًا (٢).
وقال سفيانُ: أي: ضعيفَ البصر (٣).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ وقتادةُ: أي: أعمى (٤).
وقيل: أي: ضعيف البدن.
وقيل: أي: لا مالَ لك ولا أعوان، فلا تقدِر أنْ تحملَنا (٥) على مرادِكَ، ولا تُمنع عنَّا إن قصدْناكَ.
стр. 4001
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾: أي: عشيرتُكَ، وهم على دينِنا.
﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: قيل: لرمَيْناكَ بالحجارةِ، وقيل: لسبَبْناكَ، وقيل: لقتلْناكَ.
وقيل: لطردْناكَ؛ كقولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨]، وهو مِن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وهو طردُهم وإبعادُهم عن الاستماعِ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: أي: في نفسِكَ، وإنَّما نُعِزُّ (١) رَهْطَكَ، ونكرَهُ إبخاسَهُمْ فيك.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أكرمُ عندَكم وأعزُّ مِنَ اللَّهِ الَّذي بعثني إليكم، وألزَمَكُم إعزازي والانقيادَ لي؟ استفهامٌ بمعنى الإنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: أي: جعلْتُم أمرَ اللَّهِ ظهرًا (٢)؛ أي: تستخفُّون به فلا تسمعون مواعظَه، وتكذِّبون بآياتِه، ولا تأتمرون بأمرِه، وتعبدونَ غيرَه.
تقول العربُ: جعلْتَ حاجتي وراءَ ظهرِكَ، وفي ضدِّه: جعلْتَ حاجتي نُصْبَ عَيْنِكَ، وأمامَ وجهِكَ. ومجازُه: جعلَه حيثُ لا يراه، فيسهو عنه وينساه.
والظَّهريُّ منسوبٌ إلى الظَّهر، كالدُّهريِّ -بالضَّم- منسوب إلى الدَّهر، والسُّهليِّ -بالضَّم- منسوب إلى السَّهل، وتغييرُ الحركاتِ في النِّسبة كثير.
стр. 4002
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يعني: عالم بالكليَّة، يجازيكم عليها.
* * *
(٩٣) - ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾: أي: اثبُتوا على ما أنتم عليه، فإنِّي عاملٌ على مكانتي؛ أي: منكم العصيان، ومنِّي الإبلاغ، وهو صيغةُ أمرٍ معناه التَّهديد.
وقيل: أي: اعملوا فقد مُكِّنْتُم في الدُّنيا من العمل.
وقيل: أي: على تمكُّنٍ منكم مِن عملِكم وتثبُّت فيه؛ كما قالَ نوحٌ صلوات اللَّه عليه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾: وفي قصَّة نوحٍ ﵇: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٣٩]؛ ليتَّصلَ بالفاء فيصيرَ كالجواب، وها هنا بحذفها، وهو استئناف؛ أي: سوف تعلمون الَّذي يأتيه عذابٌ يفضحُه، والَّذي هو كاذب.
وقوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: أي: وانتظروا ما يكون مِن حكمِ اللَّهِ تعالى بيني وبينَكم، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظِرٌ مراقبٌ لكم.
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
стр. 4003
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات مرَّات.
وقال ها هنا: ﴿وَأَخَذَتِ﴾ على تأنيث اللَّفظ، وقال في قصَّة صالح ﵇ على تذكير المعنى، فإنَّه في معنى الصياح، ومرَّ سياق القصَّة في (سورة الأعراف).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: سوفَ تعلمون في العاقبة مَن يأتيه منَّا عذابٌ يخزيه، نحن أو أنتم؟ وتعلمون أيضًا مَنِ الكاذب منَّا، نحن أو أنتم؟ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الفريقَيْن يدَّعي على الفريق الآخر الكذبَ، فارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، وارتقبوا لِمَن العاقبةُ منَّا، لنا أو لكم.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: هلَكَ كلُّ واحدٍ مِن الفريقَيْنِ بالصَّيحةِ.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: لم يُعذَّب بعذابٍ واحدٍ إلَّا قومان؛ قومُ شعيب، وقومُ صالح، فأمَّا قومُ صالح فأخذتهم الصَّيحةُ مِن تحتِهم، وقومُ شعيبٍ مِن فوقِهم، فنشأَتْ لهم سحابةٌ فيها عذابُهم فلم يعلموا، كهيئة الظُّلَّة فيها ريحٌ، فلمَّا رأَوْها أتَوْها يستظلُّون تحتَها مِن حرِّ الشَّمس، فسالَ عليهم العذابُ مِن فوقِهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] (١).
* * *
(٩٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: الآياتُ والسُّلطانُ
стр. 4004
واحدٌ عندَ بعضِهم، وهو المعجزات، لكن كُرِّرَ لاختلافِ الصِّفتَيْن؛ لأنَّها سمِّيَتْ آياتٍ مِن جهة العبرة العظيمة، وسمِّيت سلطانًا من جهةِ القوَّة العظيمة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أن تكون الآيات هي الأوامرَ والنَّواهيَ، والسُّلطان: هو البراهين (١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الآيات: هي المعجزات الباهرة، والسُّلطان المبين: استيلاؤه على قلبِ مَن رآه (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، لم يرَهُ أحد إلَّا أحبَّه، ولم يأخذْهُ في اللَّه فشلٌ ولا ضعفٌ، لطمَ وجهَ فرعون وهو رضيعٌ، ووكزَ القِبطيَّ حتى أتى عليه، وأخذَ برأس أخيه يجرُّه إليه، وقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ولم يعاتبْه اللَّهُ تعالى في شيءٍ من ذلك، بل تجاوز عنه لِمَا أعطاه مِن السُّلطان والقوَّة (٣).
* * *
(٩٧) - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أي: الأشراف مِن قومِه، والإرسال إليه يكون إرسالًا إلى العامَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: في كلِّ ما أمرَ به ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾؛ أي: بمؤدٍّ إلى الحقِّ والصَّواب.
* * *
стр. 4005
(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يتقدَّمهم، فيكون قُدَّامهم وهم خلفَه؛ لأنَّهم رضُوا بأن يكون قائدَهم في الدُّنيا إلى خلافِ ما دعا إليه موسى.
﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: أي: يوردُهم إيَّاها، وذُكِرَ بصيغة الماضي إلحاقًا بالكائن المتحقِّق؛ لأنَّه يكون لا محالةَ.
والإيرادُ: الإدخالُ.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: ما في القرآنِ مِن الورودِ في ذِكْرِ جهنَّم، فهو الدُّخول فيها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، واللَّهِ لَيَرِدَنَّها كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: أي: المُدْخَل (٢) المَدْخُول.
* * *
(٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: وأتبعَهم اللَّهُ ما أنزلَ بهم (٣) مِن العذاب لعنًا لهم في الدُّنيا، ويوم القيامة يُلعَنون أيضًا في النَّار وقبل
стр. 4006
دخولها، وهو لعنُ الخلائقِ إيَّاهم في الدُّنيا وفي الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقيل: هو الطَّرد في الآخرة عن الرَّحمة، فلم يُرحَموا لا في عذاب الدُّنيا ولا في عذاب الآخرة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو الطَّرد في الدُّنيا عن الإيمان، وفي الآخرة عن الجِنان (١).
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ هو في اللُّغة لمعنيَيْن؛ الرِّفد: العَوْن، والرِّفد: العطاء، وجعلَه بمقابلةِ ما لأهل الجنَّة مِن المعونة والعطيَّة، كما ذكر البشارة بالنَّار في حقِّ الكفَّار بمقابلة بشارة المؤمنين بالمسارِّ والمبارِّ.
* * *
(١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾: أي: ذلك النَّبأ، وهو الخبر العظيم ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾؛ أي: نخبرُك بأمورِها نُتبعُ بعضَها بعضًا، وهي القُرى الَّتي سكنَها الأمم الخالية، منها ما هو الآن عامرٌ قد بادَ أهلُه وخلَفَهُم غيرُهم ككفار فرعون (٢)، ومنها ما هو حصيدٌ؛ أي: مستأصَلٌ خراب؛ كقُرَى قومِ لوطٍ ونحوها.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿قَائِمٌ﴾: يُرَى له أثرٌ، و ﴿وَحَصِيدٌ﴾: لا يُرى له أثرٌ (٣).
стр. 4007
وقال مجاهد: ﴿قَائِمٌ﴾؛ أي: خاوية على عروشها، و ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مستأصَل (١).
وقال قتادة: ﴿قَائِمٌ﴾: لم يذهب أصلًا، و ﴿وَحَصِيدٌ﴾: قد ذهب أصلًا (٢).
وقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾: جدرانها وحيطانها، ومنها ﴿حصيد﴾: ساقط (٣).
* * *
(١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: ما عذَّبناهم بغيرِ ذنبٍ، ولكن ظلموا أنفسَهم بالشِّرك وتكذيب الرُّسل.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾: أي: فما نفعَتْهم، ولا دفعَتْ عنهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: أصنامهم الَّتي اعتقدوها آلهةً معبودة.
﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: أي: العذابُ الَّذي أمَر به.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: قال مجاهد وقتادة: أي: غيرَ تخسيرٍ (٤).
стр. 4008
وقيل: أي: غيرَ هلاك (١)؛ أي: ما زادَتْهم الأصنام إلَّا الخسار والهلاك؛ لأنَّ عبادتهم إيَّاها أفضَتْ بهم إلى ذلك.
* * *
(١٠٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: أي: وكما أخذنا هذه القرى الَّتي سمَّيناها -أي: أهلَها- نأخذ أهلَ سائرِ القرى إذا ظلموا بالشِّرك.
* * *
(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: أي: فيما فعلْنا بهم وأخبرْنا عنهم عبرةٌ لِمَن اتَّقى وخشيَ عقوبةَ العُقبى.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾: أي: يُجمَع فيه النَّاس، وَحَّدَ النَّعتَ للتَّقدُّم كما يُوحَّد الفعل، والمراد: جمعَ النَّاس وغيرهم فيه من الملائكة والجنِّ والشَّياطين والحيوانات، لكن خصَّ النَّاس بالذِّكر لأنَّهم المقصودون بالجمع.
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾: أي: يشهدُه أهلُ السَّماوات وأهل الأرضين.
* * *
стр. 4009
(١٠٤ - ١٠٥) - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: أي: وما نؤخِّر هذا اليومَ إلَّا لأجلٍ معلومِ العدد عندنا؛ لأنَّه لا يتقدَّم ولا يتأخَّر.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾: قرأ عاصمٌ وابن عامر وحمزةُ بغيرِ ياءٍ في الوصل والوقف اتِّباعًا لخطِّ المصحف، وهو لغةُ هُذيل، يقولون: لا أدرِ، وقرأ الباقون بالياء في الوصل، والحذفِ في الوقف، إلَّا ابنَ كثير فإنه يقف بالياء أيضًا (١).
ونصبُهُ بإضمار: وذكِّرهم ﴿يَوْمَ﴾ وهو مضاف إلى ﴿يَأْتِ﴾ وهي إضافةٌ غير محضة؛ لأنَّه إلى فعلٍ لا إلى اسم (٢)، وإنَّما جازَ لأنَّ اليوم اسم زمان، والزَّمان مع الفعل يتناسبان مِن حيثُ إنَّ الفعلَ لا ينفكُّ عنه، ويتصرَّف (٣) بتصرُّفه، ولا يكون موجودًا إلَّا وقتًا واحدًا كالزَّمان لا يبقى.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: أي: لا تتكلَّم، حُذِفَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ أي: لا يشفعُ أحدٌ لأحدٍ إلَّا بإذنِ اللَّهِ تعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والهاء في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ترجعُ إلى اللَّهِ تعالى؛ كما في قوله: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ [هود: ١٠٣]، وقد ذكر قبلَه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢].
وقيل: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ يرجعُ إلى اليوم؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
стр. 4010
الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، لكنَّ الجمعَ إلى اللَّهِ تعالى، فكان قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ راجعًا إلى ذلك المدلول.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾: أي: فممَّن يُشهَدُ ويُجمَعُ له شقيٌّ ومنهم سعيدٌ، وحُذِفَ تكرار (منهم) اختصارًا؛ كما في قولك: بينَ فلان وفلانٍ عداوةٌ.
* * *
(١٠٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾: كلمةُ (أمَّا) لتمييزِ نوعٍ مِن نوعٍ، أو شخصٍ مِن شخصٍ.
﴿فَفِي النَّارِ﴾؛ أي: مأواهُم النَّار ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: قال الكلبيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: الشَّهيق: أوَّلُ صوتِ الحمار، والزَّفيرُ آخرُه (١).
وقال الضحَّاك: الزَّفير: حين ينهق، والشهيق: حين يفرغ من نهيقه (٢).
وقال مقاتل: الزَّفيرُ: أوَّلُ نهيق الحمار، والشَّهيقُ: آخرُه (٣).
وقال أبو العالية: الزَّفير: في الحلق، والشَّهيق: في الصَّدر (٤).
стр. 4011
وقال الخليل: الزَّفير: إخراج النَّفَس، والشَّهيق: ردُّ النَّفَس (١).
وقال ابن عبَّاس ﵄ في روايةٍ: الزفير: صوت شديد، والشهيق: صوت ضعيف (٢).
وقيل: الزَّفير: النَّفَسُ العالي للتَّحسُّر على الشَّيء الَّذي فات، والشَّهيقُ: كأنَّه أعلى في النَّفَس من الزَّفَير.
وقيل: الزَّفيرُ: ترديدُ النَّفَس مع الصَّوتِ مِنَ الحزن حتَّى تنتفخ الضُّلوع، وزفرَتِ النَّار: إذا سُمِعَ لها صوتٌ في شدَّة توقّدها، والشَّهيق: الصَّوتُ الفظيع يخرجُ مِن الجوف بمدِّ النَّفَس، وأصلُه الطُّولُ المفْرِط، مِن قولهم: جبلٌ شاهق؛ أي: ممتَدٌّ (٣) طولًا.
وقيل: ذلك إذا قيل لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فصاروا لا يتكلَّمون، ولم يبقَ لهم إلَّا أصواتٌ منكَرة لا حروفَ معها.
* * *
(١٠٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ﴿خَالِدِينَ﴾ نَصبٌ على الحال مِن فعلِ الزَّفير.
قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: كلمةٌ تُذْكَر (٤) للتَّأبيد؛ كقولك (٥): لا أكلِّمك
стр. 4012
ما حنَّتِ النِّيْبُ (١)، وما أطَّتْ (٢) الإبل، وما أورق الشَّجر، وما أينع الثَّمرُ، وما جنَّ ليلٌ، وما سالَ سيلٌ، وما طرَقَ طارقٌ، وما نطَقَ ناطقٌ.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: قيل: الاستثناءُ يرجعُ إلى الموحِّدين منهم؛ لأنَّ الأشقياءَ صنفان (٣)؛ كفَّار مخلَّدون فيها، وموحِّدون مذنبون مُخرَجون (٤) منها بعدَ مدَّة.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي: مَن كان منهم مِن أهل القِبلَةِ، فإذا أرادَ اللَّهُ تعالى أخرجَهم (٥).
وقال قتادة: إنَّ قومًا يصيبُهم سَفْعٌ مِن نارٍ بذنوبٍ اقترفوها، ثمَّ يخرجهم اللَّه تعالى منها (٦).
وقال ابن كيسان: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في الفريقَيْن مِن تعميرِهم في الدُّنيا قبلَ مصيرِهم إلى الجنَّة والنَّار (٧).
وقال الزَّجَّاجُ: في هذه الآية أربعةُ أقوال؛ قولان لأهل اللُّغة الكوفيِّين والبصريِّين، وقولان لأهل المعاني، فأمَّا أحد قولَي أهل اللُّغة:
فهو أنَّ ﴿إِلَّا﴾ هاهنا بمعنى: سوى؛ كما يُقال في الكلام: ما كان معنا رجلٌ إلَّا
стр. 4013
زيدٌ، و: لي عليك ألفُ درهم إلَّا الألفان التي عليكَ لي (١)، فيكون معناه على هذا: ما دامَتِ السَّماوات والأرض سوى (٢) ما شاءَ ربُّك من الخلود فيها أبد الآبدين، حتى لا يخرجوا منها قط ما دامت عليها أضعاف مدة السماوات والأرض إلى ما لا تنقطع فيه الأوهام (٣).
والثَّاني: الاستثناءُ مِن الإخراج مع أنَّه لا يريدُ أنْ يخرجَهم: أنَّه لو شاء أنْ يخرجَهم لأخرجَهم، ولكنَّه حكم أنَّهم خالدون فيها، ولا تبديل لحكمه.
وأما القولان لأهل المعاني:
فأحدهما: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن مقدارِ توقيفِهم على رؤوسِ قبورِهم للمحاسبة.
والثَّاني: وقع الاستثناء على الزِّيادة في النَّعيم والعذاب، وتقديرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن زيادة النَّعيم وزيادة العذاب (٤).
стр. 4014
وقيل: الاستثناء واقعٌ من العذاب المذكور في الآية، وهو الزَّفير والشَّهيق؛ أي: لهم فيها زفيرٌ وشهيقٌ مدَّة (١) السماوات والأرض إلَّا ما شاءَ ربُّك مِن نقلِهم من هذا إلى نوعٍ آخر مِن العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: أي: حكمه ماضٍ في الفريقَيْن على ما يريدُه، لا اعتراضَ لأحدٍ عليه في حكمِه.
* * *
(١٠٨) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بضمِّ السين، والباقون بفتحها (٢).
وسَعِدَ يَسْعَدُ سَعادَةً لازمٌ مِن حدِّ (علم)، وسَعَدَهُ يَسْعَدُهُ متعدِّ مِن حدِّ (صنع).
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: هو على ما فسَّرناه في الآية الأولى.
وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: أي: غير مقطوعٍ (٣)، وقد جَذَّ جَذًّا؛ أي: قطع، وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]؛ أي: قِطعًا؛ أي: أعطاهم الجنَّة عطاءً غيرَ مقطوعٍ، ودلَّ (٤) أنَّ الاستثناء ليس للنُّقصان، فكان للزِّيادة.
стр. 4015
(١٠٩) - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: لا تكُ في شكٍّ فيما يعبدُ هؤلاء المشركون مِن دون اللَّه أنَّه باطل، فإنَّهم ما يعبدون إلَّا كما يعبدُ آباؤُهم مِن قبلُ؛ تشبُّهًا بهم، وإبقاءً لعادتهم، لا بحجَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أي: أنصباءهم، ووحَّد لأنَّه جنسٌ فيصلُح للجمع (١)؛ أي: من العذاب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ مِن قَدْرِ استحقاقِهم.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: نصيبَهم مِن خيرٍ أو شرٍّ (٢).
والخطابُ للنَّبيِّ ﷺ ، والمرادُ به الأُمَّة.
* * *
(١١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أي: في الكتاب؛ وهو التَّوراة، واختلاف قومه فيه كان من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه آمن به بعضُهم، وكفرَ بعضٌ.
والثَّاني: أنهم زادوا فيه ونقصوا منه، وهو ما ذكر من التَّحريف.
والثَّالث: في تأويله على ما أحبُّوه، وتقريرُه على مقتضاه.
стр. 4016
وهذا تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ ، يقول: يا محمَّد؛ اختُلِفَ فيما أُنْزِلَ عليك (١)، فلا يشقَّنَّ عليك، فقد اختُلِفَ فيما أُنْزِلَ على مَن قبلَكَ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: قولٌ سبقَ منه؛ لأنَّه لا يعاجلُهم بالعذاب، بل يمهلُهم إلى أنْ يبلغَ الكتابُ أجلَه.
وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: بالعذاب المستأصِل.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: ويحتمِل: ولولا أنَّه كان مِن حُكمِه أنَّهم إذا اختلفوا في الكتاب والدِّين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، أنْ يبعثَ رسولًا يبيِّنُ لهم الدِّين، ويدعوهم إلى الهدى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالهلاك (٢).
ثمَّ قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يجوز أن يكون في كفَّار عصر رسول اللَّه ﷺ ، ويحتمل أن يكون في قومِ موسى ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾: أي: مِن العذاب.
وقيل: من الدِّين؛ لأنَّهم يقلِّدون آباءهم.
و ﴿مُرِيبٍ﴾: نعت ﴿شَكٍّ﴾، وهو الموجبُ اتِّهام الرَّأي فيه (٣).
* * *
(١١١) - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ فيه أربع قراءات:
قرأ ابنُ كثير ونافع بتخفيفهما.
стр. 4017
وقرأ ابنُ عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديدهما (١).
وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد ﴿إِنَّ﴾ وتخفيف ﴿لمَّا﴾.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بتخفيف ﴿إنْ﴾، وتشديد ﴿لمَّا﴾ (٢).
أما تخفيفهما: فـ (إنْ) للتَّأكيد، وأصلُه التَّشديد، وخُفِّف للتَّفسير فبقي ناصبًا كما كان، و (لَمَا): الَّلامُ لامُ التَّأكيد، و (ما) صلةٌ زائدةٌ مؤكِّدة، و ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لام توكيد أيضًا، وهو جمغ بينَ تأكيدَيْنِ، وتقديرُه: وإنَّ كلًّا مِن الأممِ المتقدِّمة من المتَّفقين (٣) والمختلفين في كتاب موسى وكتابك يوفِّيهم ربُّك يا محمَّد جزاءَ أعمالهم، والجزاءُ مُضْمَر.
وكذلك تأويلُ تشديدِ الأوَّل وتخفيف الثَّاني.
ويجوز على هاتَيْن القراءَتْين أنْ تكون ﴿لَمَا﴾ المخفَّفة لام ابتداء، و (ما) بمعنى الَّذي، ويكون نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢].
وأمَّا تشديدهما فـ ﴿إِنَّ﴾ للتَّأكيد، و ﴿لمَّا﴾ بالتَّشديد له وجوهٌ:
منها: قول الفرَّاء: وهو أنَّ أصله: (لَمِنْ مَا) (٤)، فاجتمعَتْ ثلاث ميمات، حتَّى أُدغِمَتْ
стр. 4018
ثمَّ خُفِّفَتْ، فصارَتْ (لَمَّا)، وتقديرُه: وإنَّ كلًّا مِن المتَّفقين والمختلفين لَمَّا ليوفيَنَّهم، وتكرار لام التَّوكيد في موضعَيْن (١) على طريق قولهم: إنِّي لبحمدِ اللَّهِ لصالحٌ (٢).
ومنها: قول الزَّجَّاج: (وإنَّ [كلًّا] لَمَّا) بمعنى جمعًا، مِن قولِكَ: لممْتُ الشَّيءَ ألُمُّه لَمًّا؛ أي: جمعتُه (٣)، و (لَمَّا) على وزن فَعْلَى، بمعنى جمعًا فلم ينصرف؛ كما تقول: تَتْرَى، وتقديره: وإنَّ كلًّا جَمْعًا ليوفيَنَّهم.
وعليه قراءة الزهريِّ: (لَمًّا) بالتَّنوين (٤).
ومنها: قول المازنيِّ: إنَّها في معنى: لَمَا (٥) المخففة، شُدِّدَتْ للتَّأكيد (٦).
وأمَّا تخفيف ﴿إنْ﴾ وتشديد ﴿لمَّا﴾: فـ (إنْ) للنَّفي؛ كما في قولِه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الطارق: ٤]، و ﴿لَمَّا﴾ في معنى إلَّا؛ كقولك: سألتك لَمَّا فعلْتَ؛ بمعنى: إلَّا فعلْتَ، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ، وتقديرُه هاهنا: ما كلُّهم إلَّا ليوفينَّهم، وهو اختيار الزَّجَّاج (٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: عالمٌ، وهو وعدٌ ووعيدٌ للفريقَيْن.
стр. 4019
(١١٢) - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: أي: استقمْ على طاعةِ اللَّهِ كما أُمِرْتَ به مِن التَّبليغ والإنذار والوعظ والصَّبر على ما قلِّدْتَه، قال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، فقوله: ﴿قَالُوا﴾ إقرارٌ، والاستقامةُ عليه أنْ يَجعلَ في نفسِه وجميع أمورِه الرُّبوبيَّةَ والألوهيَّة للَّهِ ﷻ ، ويأتيَ ما يجبُ أنْ يُؤتَى، وينتهيَ عمَّا يجبُ أنْ ينتهيَ عنه، ويتَّبع أمرَه ونهيَه (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: أي: وليَستقمْ مَن تابَ معَكَ (٢) مِن الشِّركِ ورجعَ إلى اللَّهِ تعالى بأعمالِه مخلصًا بها على إيمانِهم وإخلاصِهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: أي: لا يحملنَّكم إمهالُ اللَّهِ تعالى على مجاوزةِ أمرِهِ.
وقيل: لا تطغَوا في الاستقامةِ، فتخرجوا عن حدِّها بالزِّيادة على ما أُمرْتُم به فرضًا أو نفلًا.
وقيل: أي: لا تطغينَّكُم النِّعمة فتخرجوا عن الاستقامة، والطُّغيانُ: تجاوزُ المقدارِ في الفساد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يرى أعمالَكم، ويعلمُ أسرارَكُم، ويوفي جزاءَكُم.
قال ابن عبَّاس ﵄: ما نزلَتْ على رسول اللَّه ﷺ في جميعِ القرآنِ
стр. 4020
آيةٌ كانَتْ أشدَّ عليه ولا أشقَّ مِن هذه الآية. ولذلك قال لأصحابِه حين قالوا: قد أسرعَ الشَّيْبُ فيك يا رسولَ اللَّهِ، قال: "شيَّبتني هودٌ والواقعةُ وأخواتهما" (١).
وقالت عائشةُ ﵂: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: على القرآن (٢).
وقال السُّدِّيُّ: الخطابُ له والمرادُ أُمَّتُهُ (٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يحتمل أن تكون السِّين في (الاستقامة) سينَ الطَّلب؛ أي: سلْ مِن اللَّه تعالى الإقامةَ لكَ على الحقِّ.
ويحتمل أنْ يكونَ معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾: فأَقِمْ، يقال: استقام وأقام؛ كما يقال: استجاب وأجاب.
قال: ويقال: المستقيمُ: مَن لا ينصرفُ عن طريق اللَّه تعالى ما لم يصلْ إلى اللَّهِ تعالى، يَصِلُ سيرَهُ بِسُراه (٤)، وورعَهُ بتقواه، ويبالغُ في تركِ هواه.
قال: ويقال: استقامةُ النُّفوس في نفي الزَّلَّة، واستقامةُ القلوبِ بنفي الغفلة، واستقامةُ الأرواحِ بنفي العلاقة، واستقامةُ الأسرار بنفي الملاحظة.
واستقامةُ العابدين: ألَّا يدَّخروا نفوسَهم عن العبادة، ولا يخلُّوا (٥) بأدائِها، يقضون عسيرها (٦) ويسيرها.
стр. 4021
واستقامة الزَّاهدين: ألَّا يرجعوا إلى دنياهم، يتركون قليلَها وكثيرَها.
واستقامة التَّائبين: ألَّا يُلِمُّوا بعد التَّوبة بزلَّةٍ، فيدَعون صغيرَها وكبيرَها (١).
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الرُّكون -مِن حدِّ (علم) - في اللغة: السُّكون إلى الشَّيء بالمحبَّة له والميل إليه.
قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لا تميلوا (٢).
وقال أبو العالية: أي: لا ترضَوا بأعمالِهم (٣).
وقال قتادة: أي: لا تلحقوا بالمشركين (٤).
وقال ابن حيان: لا تسكنوا (٥).
وقال السُّدِّيُّ: أي: لا تداهنوا (٦).
وقال سفيان الثوريُّ (٧): مَنْ لاقَ (٨) لهم دواةً، أو برى لهم قلمًا، أو ناولَهم
стр. 4022
قرطاسًا يكتبون عليه، دخل في هذا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: وأعوانهم (١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا تعملوا بأعمالهم، لا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف عليهم، لا تأخذوا شيئًا مِن حرامِ أموالهم، لا تمكِّنوهم مِن قلوبِكم، لا تخالطوهم، لا تعاشروهم؛ كلُّ ذلك محتملٌ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾: جوابُ النَّهي بالفاء فنُصِبَ لذلك ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وفي النظم تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ. . . ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا تُعانُون (٣) بدفعِ العذابِ عنكم ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يتولَّونَكُم ويدفعون عنكم.
وقيل: هو مقرَّرٌ على نظمِه، ومعناه: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ولا أولياء لكم حينئذٍ يتولَّون (٤) دفعَه عنكم ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
* * *
(١١٤) - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
стр. 4023
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: قال سعيدُ بن جُبيرٍ: الطَّرفان: الغَداة والعَشيُّ، فصلاةُ طَرفي الغَداة: صلاة الفجر، وطَرفي العشيِّ (١): الظُّهر والعصر (٢).
وفي الخبر: سها رسولُ اللَّهِ ﷺ في إحدَى صلاتَي العشيِّ؛ إمَّا الظهر وإمَّا العصر (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: جمع زُلْفَةٍ؛ وهي المنزلة، وأراد بالزُّلفَةِ: ساعات اللَّيل؛ وهي كالمنازل والمراحل المزدلفة؛ أي: المقترنة (٤)، وأرادَ بذلك صلاة المغرب والعشاء؛ قاله الحسن وقتادة (٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابنُ عبَّاس والضحَّاك وقتادة والسُّدِّيُّ وعطاء والحسن: أي: الصَّلوات الخمس (٦).
وروى عثمانُ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : "الصَّلوات الخمسُ الحسناتُ يذهبْنَ السَّيِّئات" (٧).
стр. 4024
وروى أبو هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "الصَّلواتُ كفَّارةُ الخطايا، فاقرؤوا إنْ شئْتُم: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ " (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الصَّلواتُ نفسُها تكفِّر الخطايا، وقيل: يَذْكرُ ما ارتكبَ من الذُّنوب فيندمُ عليها، فذلك المكفِّر (٢).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾؛ أي: عظةٌ للمتَّعظين.
وقيل: النَّهي عن الرُّكون إلى الَّذين ظلموا، والأمر بإقامة الصَّلاة، عظةٌ للذَّاكرين اللَّهَ بقلوبِهم وألسنتهم، فهم يذكرون فضلَه وعدلَه وثوابَه وعقابَه، فيرجعون ويخشعون فيتَّعظون ويستقيمون.
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَتِ الآيةُ في أبي اليَسَر عَمرو بن غَزِيَّة الأنصاريِّ (٣)؛ وكان رجلًا يبيعُ التَّمر، فأتَتْهُ امرأةٌ تبتاعُ تمرًا، فراودَها عن نفسِها، ثمَّ ندم، وأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه؛ إنِّي راودْتُ امرأةً عن نفسِها، ونلْتُ منها ما نالَ الرُّجلُ مِن امرأتِهِ إلَّا الجماع، فقال النَّبيُّ ﷺ : "انتظِرْ ما يأمرني فيه ربِّي"، فحضرَتْ صلاةُ العصر، فصلَّى النَّبيُّ ﷺ العصرَ، فلمَّا فرغ أتاه جبريلُ بهذه الآية،
стр. 4025
فقال النَّبيُّ ﷺ : "أينَ أبو اليسر؟ " فقال: هذا يا رسول اللَّه، فقال: "أشَهِدْتَ معنا هذه الصَّلاة"، قال: نعم، قال: "فإنَّها كفَّارةٌ لِمَا عملتَ"، فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، أهذا له خاصَّة أم لنا عامَّة؟ قال: "بل لكم عامَّة" (١).
وقال مقاتل: نزلَتْ في أبي مقبل عَمرو بن قيس التَّمَّار (٢)، أتتْهُ امرأةٌ في السُّوق تريد التَّمر، فقال لها: إنَّ هذا التَّمر ليس بجيِّد، وفي البيت تمرٌ أجود مِن هذا، هل لكِ فيه؟ قالَتْ: نعم، فذهبَ بها إلى بيتِه، فقبَّلها وجعل يدورُ حولَها، والمرأة تقول له: اتَّقِ اللَّه، فتركها، وسُقط في يدِه، فأتى أبا بكر ﵁ فسألَ عن ذنبِه، فقال له أبو بكر ﵁: استرْ على نفسكَ وتبْ إلى اللَّه، فأتى عمرَ ﵁ فسألَه، فقال له كذلك، فأتى النَّبيَّ ﷺ فسأله، فأنزل اللَّه ﷻ هذه الآية (٣).
стр. 4026
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحسناتُ: ما يجودُ به الحقُّ، والسَّيِّئات: ما يُذنِبُ به العبدُ.
وقيل: حسناتُ النَّدمِ يُذْهِبْنَ سيِّئات الجُرم.
وقيل: حسناتُ العِرفان يُذْهِبْنَ سيِّئات العصيان.
وقيل: حسناتُ العناية يُذْهِبْنَ سيِّئات الجناية (١).
* * *
(١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قيل: واصبرْ على أمرِ اللَّهِ والصَّلاة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، فإنَّه إحسانٌ، ﴿اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقيل: واصبرْ على أداءِ ثِقلِ الرِّسالة، وعلى ما ينالك مِن الأذى بتبليغِها ولا تُكافِهم، فإنَّه إحسانٌ.
وقيل: اصبر على ترك (٢) المعاصي، وأحسنِ الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المصلِّين (٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الصَّبر: تجرُّعُ كاساتِ التَّقدير مِنْ غير تعبيس.
стр. 4027
وقيل: الصَّبر: حبس النَّفس على معانقةِ الأمرِ ومفارقةِ الزَّجر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: العالِمِين أنَّ الأجرَ على الصَّبر والطَّاعةِ بفضلِ اللَّهِ، لا بفعلِ العبدِ (١).
* * *
(١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بيَّن أنَّه لم تُهْلَكِ القرونُ الَّتي ذَكَرَ قصصَها إلَّا بظلمِهم، فقال: فهلَّا كانَ مِن القرون الماضية ذو عقلٍ وتدبيرٍ وبقيَّةُ خير ينهون قومَهم عن الفسادِ في الأرض؛ وهو إظهارُ الكفرِ والمعاصي، والتَّظالمُ والفسادُ وسفكُ الدِّماء ونهبُ الأموال وانتهاكُ الحُرم؛ ليمتنِعوا عن ذلك كلِّه.
وتحقيقُ هذا التَّوبيخِ نفيُ وجودِ ذلك؛ أي: لم يكنْ (٢) فيهم أولو بقيَّة يفعلون هذا إلَّا قليلًا منهم، ولم يقبلِ الباقون قولَهم، وهذا القليلُ هم المؤمنون بالأنبياء الذين قال اللَّه فيهم: (أَنْجَينا فلانًا والذين آمنوا معه) (٣).
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦]؛ أي: نُعِّموا. والمترَفُ: المنعَّم، والتُّرْفة: النَّعمة.
стр. 4028
أي: إنَّ المتنَعِّمِيْنَ الذين نشؤوا في اللَّذات لم ينهوا عن الفسادِ، ولم ينتهوا بأنفسِهم، بل اتَّبعوا ما أُترِفوا فيه من الأموال والأحوال، وكانوا مجرمين مشركين مستكثِرين من المعاصي.
ودلَّت الآية أنَّ أكثر ما يميل إلى الكفر والباطل هم المترفون، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤].
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: أي: ليس مِن صفةِ ربِّك أنْ يُهلِكَ القرى ظالمًا؛ أي: بغير ذنبٍ منهم؛ أي: لم يهلِكْ أهلَ القرى الذي (١) عُذِّب في هذه السُّورة وهو ظالم، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وقيل: قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بظلمٍ منهم؛ يعني: بشرك (٢) اللَّه.
﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: فيما بينهم، لا يتظالمون.
ودلَّ أنَّ هذه القرى لو تكافَتْ عن الظُّلم لم يُهلَكوا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: المصلِحُ: مَن قامَ بحقِّ ربِّه دونَ حظِّ نفسه.
وقيل: المصلحُ: مَن اهتمَّ لنفسِه، فآثرَ نجاتَه على هلاكِه.
وقيل: هو المصلحُ قلبَه لمعرفةِ سيِّده، والمصلحُ سرَّه لمشاهدةِ سيِّده (٣).
стр. 4029
(١١٨ - ١١٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: متَّفقةً على الإيمان والطَّاعات؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أي: ولكن شاءَ أن يكونوا مختلفِينَ لَمَّا علِمَ منهم اختيارَ ذلك، فلا يزالونَ مختلفينَ هكذا كما شاءَ، إلَّا مَن رحمَ اللَّهُ فعصمَه عن الاختلاف لمَّا علمَ منه اختيارَ الحقِّ، ووفَّقه للنَّظر والاستدلال فأدرك الحقَّ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: أي: لِمَا هم عليه مِنَ الاختلاف.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أي: مضى (١) قولُ ربِّك فيهم بما علمَ منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وقال عكرمة ومجاهد: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: أهلَ الأهواء ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني: أهلَ السُّنَّة والجماعة (٢).
وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: اليهودَ والنصارى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهم الحنيفيَّة، للرَّحمة خلقَهم (٣).
стр. 4030
وقال ابن عبَّاس والضَّحَّاك ومجاهد وقتادة: وللرَّحمة خلقَهم؛ يعني: الذين رحمَهم (١).
قال الحسن: وللاختلاف خلقَهم (٢)، وبه قال مقاتل بن حيَّان ويمان بن رئاب وعطاء (٣).
قال النَّبيُّ ﷺ : "اعْمَلوا فكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له" (٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ولو شاءَ الحقُّ لجعلَهم أربابَ الوِفاق ثمَّ لم يوجبوا لمملكتِه زينًا، ولو شاءَ لجعلَهم أربابَ الخلاف ثمَّ لم يوجبوا لجلالِه شينًا.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ لأنَّه كذلكَ أرادَ بهم ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ في سابقِ حكمِه، فعصمَه عن الخلافِ في حاصلِ عمرِهِ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ كلًّا لِمَا أقامَهم به ونصبَهم له وأثبتَهم فيه؛ مِن وفاقٍ وشقاق، وجحودٍ وتوحيد.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ أي: لا تبديلَ لقولِه، ولا تحويلَ لحكمِه (٥).
* * *
(١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.