← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحسناتُ: ما يجودُ به الحقُّ، والسَّيِّئات: ما يُذنِبُ به العبدُ. وقيل: حسناتُ النَّدمِ يُذْهِبْنَ سيِّئات الجُرم. وقيل: حسناتُ العِرفان يُذْهِبْنَ سيِّئات العصيان. وقيل: حسناتُ العناية يُذْهِبْنَ سيِّئات الجناية (١). * * * (١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قيل: واصبرْ على أمرِ اللَّهِ والصَّلاة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، فإنَّه إحسانٌ، ﴿اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقيل: واصبرْ على أداءِ ثِقلِ الرِّسالة، وعلى ما ينالك مِن الأذى بتبليغِها ولا تُكافِهم، فإنَّه إحسانٌ. وقيل: اصبر على ترك (٢) المعاصي، وأحسنِ الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المصلِّين (٣). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الصَّبر: تجرُّعُ كاساتِ التَّقدير مِنْ غير تعبيس.

стр. 4027

وقيل: الصَّبر: حبس النَّفس على معانقةِ الأمرِ ومفارقةِ الزَّجر. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: العالِمِين أنَّ الأجرَ على الصَّبر والطَّاعةِ بفضلِ اللَّهِ، لا بفعلِ العبدِ (١). * * * (١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بيَّن أنَّه لم تُهْلَكِ القرونُ الَّتي ذَكَرَ قصصَها إلَّا بظلمِهم، فقال: فهلَّا كانَ مِن القرون الماضية ذو عقلٍ وتدبيرٍ وبقيَّةُ خير ينهون قومَهم عن الفسادِ في الأرض؛ وهو إظهارُ الكفرِ والمعاصي، والتَّظالمُ والفسادُ وسفكُ الدِّماء ونهبُ الأموال وانتهاكُ الحُرم؛ ليمتنِعوا عن ذلك كلِّه. وتحقيقُ هذا التَّوبيخِ نفيُ وجودِ ذلك؛ أي: لم يكنْ (٢) فيهم أولو بقيَّة يفعلون هذا إلَّا قليلًا منهم، ولم يقبلِ الباقون قولَهم، وهذا القليلُ هم المؤمنون بالأنبياء الذين قال اللَّه فيهم: (أَنْجَينا فلانًا والذين آمنوا معه) (٣). ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦]؛ أي: نُعِّموا. والمترَفُ: المنعَّم، والتُّرْفة: النَّعمة.

стр. 4028

أي: إنَّ المتنَعِّمِيْنَ الذين نشؤوا في اللَّذات لم ينهوا عن الفسادِ، ولم ينتهوا بأنفسِهم، بل اتَّبعوا ما أُترِفوا فيه من الأموال والأحوال، وكانوا مجرمين مشركين مستكثِرين من المعاصي. ودلَّت الآية أنَّ أكثر ما يميل إلى الكفر والباطل هم المترفون، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. * * * (١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: أي: ليس مِن صفةِ ربِّك أنْ يُهلِكَ القرى ظالمًا؛ أي: بغير ذنبٍ منهم؛ أي: لم يهلِكْ أهلَ القرى الذي (١) عُذِّب في هذه السُّورة وهو ظالم، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وقيل: قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بظلمٍ منهم؛ يعني: بشرك (٢) اللَّه. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: فيما بينهم، لا يتظالمون. ودلَّ أنَّ هذه القرى لو تكافَتْ عن الظُّلم لم يُهلَكوا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: المصلِحُ: مَن قامَ بحقِّ ربِّه دونَ حظِّ نفسه. وقيل: المصلحُ: مَن اهتمَّ لنفسِه، فآثرَ نجاتَه على هلاكِه. وقيل: هو المصلحُ قلبَه لمعرفةِ سيِّده، والمصلحُ سرَّه لمشاهدةِ سيِّده (٣).

стр. 4029

(١١٨ - ١١٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: متَّفقةً على الإيمان والطَّاعات؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أي: ولكن شاءَ أن يكونوا مختلفِينَ لَمَّا علِمَ منهم اختيارَ ذلك، فلا يزالونَ مختلفينَ هكذا كما شاءَ، إلَّا مَن رحمَ اللَّهُ فعصمَه عن الاختلاف لمَّا علمَ منه اختيارَ الحقِّ، ووفَّقه للنَّظر والاستدلال فأدرك الحقَّ. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: أي: لِمَا هم عليه مِنَ الاختلاف. وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أي: مضى (١) قولُ ربِّك فيهم بما علمَ منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وقال عكرمة ومجاهد: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: أهلَ الأهواء ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني: أهلَ السُّنَّة والجماعة (٢). وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: اليهودَ والنصارى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهم الحنيفيَّة، للرَّحمة خلقَهم (٣).

стр. 4030

وقال ابن عبَّاس والضَّحَّاك ومجاهد وقتادة: وللرَّحمة خلقَهم؛ يعني: الذين رحمَهم (١). قال الحسن: وللاختلاف خلقَهم (٢)، وبه قال مقاتل بن حيَّان ويمان بن رئاب وعطاء (٣). قال النَّبيُّ ﷺ : "اعْمَلوا فكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له" (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ولو شاءَ الحقُّ لجعلَهم أربابَ الوِفاق ثمَّ لم يوجبوا لمملكتِه زينًا، ولو شاءَ لجعلَهم أربابَ الخلاف ثمَّ لم يوجبوا لجلالِه شينًا. ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ لأنَّه كذلكَ أرادَ بهم ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ في سابقِ حكمِه، فعصمَه عن الخلافِ في حاصلِ عمرِهِ. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ كلًّا لِمَا أقامَهم به ونصبَهم له وأثبتَهم فيه؛ مِن وفاقٍ وشقاق، وجحودٍ وتوحيد. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ أي: لا تبديلَ لقولِه، ولا تحويلَ لحكمِه (٥). * * * (١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 4031

وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: أي: وكلَّ القَصص. وقيل: أي: وكلَّ الَّذي تحتاج إليه نخبرُكَ به مِن أخبار الرُّسل. و ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: ﴿ومَا﴾ بدلٌ عن ﴿وَكُلًّا﴾. قاله الزَّجَّاج (١). وقيل: ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: ومن كلٍّ. ومعنى الآية: ونقصُّ عليك الأقاصيص كلَّها مِن أخبار الرُّسل تثبيتًا لفؤادِكَ؛ أي: تسكينًا له، وتقويةً على الاستقامةِ، وتبليغِ الرِّسالة، وتقريرِ الحُجَجِ، والصَّبرِ على أذى الكفَّار، والاستقامةِ على الصَّبر بإقامة الصَّلوات. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يعني: نسدِّد (٢). وقال الضَّحَّاك: نقوِّي. وقال ابن جريج: نصبِّر (٣). وقال بعضهم: نُطيِّب. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾: أي: في هذه السُّورة ما يحقُّ تدبُّرُه والعملُ به. وقال الحسن: أي: في هذه الدُّنيا الحججُ والبراهين (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المؤمنون هم الذين ينتفعون (٥) به.

стр. 4032

وقيل: لِمَن همُّه الإيمان باللَّه والعملُ بشرائعِه، لا لِمَن أُترِف فيها، واتَّبعَ ما أُترِف فيه. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قصَّ على نبيِّنا قصصَ الجميع، ولم يذكر قصَّته لأحدٍ تشريفًا له وتخصيصًا. وقال: ولم يكنْ ثباتُ قلبِه بما قُصَّ عليه، ولكنْ كان استقلالُ قلبِه بمَن كان يقصُّ (١) عليه، وفرقٌ بينَ مَن يستقلُّ بما يسمعُ، وبينَ مَن يستقلُّ بمن منه يسمعُ. وأنشدَ لبعضهم: وحدَّثْتَنِي يا سعدُ عنها فزِدْتَنِي... جنونًا فزِدْني مِن حديثِكَ يا سعدُ (٢) * * * (١٢١ - ١٢٢) - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾: أي: قل يا محمَّد للمشركين: اعملوا على تمكُّنكم ما أحببتُم، إنَّا عاملون بما أُمِرنا، وهذا أشدُّ وعيدٍ وتهديد. وقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: قال ابنُ جريجٍ: انتظروا ما يَعدُكُم

стр. 4033

الشَّيطان من الغرور، فإنَّا منتظِرون ما يعدُنا به الرَّحمنُ (١) منَ النَّصر والعلوِّ (٢). وقال بعضهم: انتظروا ما أُوعدْتُم به على الكفر، فإنَّا منتظرون ما وُعِدْنا به على الإيمان. * * * (١٢٣) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو العالمُ بعواقب الأمور وبغيب السَّماوات والأرض، وهو ما غاب عن حسِّ العباد، فليس يخفى عليه شيءٌ من أفعال المشركين وأقوالهم، فيحاسبُهم بها ويجازيهم عليها. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾: أي: الأمور كلُّها، فهو جنسٌ؛ أي: لا يَنفُذُ فيها إلَّا حكمُه، وهو المستحقُّ لذلك الإفرادِ بالعبادة. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يا محمَّد بإخلاص ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ غيرَ خائفٍ سواه، ولا راجٍ غيرَه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: فيثيبُ المؤمنين المطيعين، ويعاقب الكافرين والعاصين. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: عمَّى على العباد العواقب، وأخفى عليهم السَّوابق (٣)، وألزمَهم القيامَ بما كلَّفهم في الحال، فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ فإنْ تقسَّمَ القلبُ

стр. 4034

وترجَّمَ الظَّنُّ فتوكَّل عليه؛ أي: استدفِعِ البلاءَ عنكَ بحسنِ الظَّنِّ ودوامِ الرَّجاء. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: بل أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وأمضى في كلِّ أمرٍ حكمًا (١). وقال كعبُ الأحبار: فاتحة التَّوراة فاتحةُ سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وخاتمة التَّوراة خاتمة هود: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. . . الآية (٢). وباللَّه العونِ. أتممْتُ هذه السُّورةَ بتوفيق اللَّهِ المعبود، الرَّبِّ الذي يحقُّ له الرُّكوع والسُّجود، الملك (٣) الذي يربِّي بفضلِه الوالد والمولود، ولا يَعزُبُ عن علمِه الموجود والمفقود. فنسألُه الأمانَ عن (٤) وساوسِ المطرود، وخاتمةَ السَّعادة ببركات سورة هود، والحمد للَّه ربِّ العالمين. * * *

стр. 4035

سورة يوسف

стр. 4036

سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّهِ الَّذي جعلَ أحسنَ القَصص قصَّةَ يوسف، الرَّحمنِ الَّذي جعل المُلْكَ بعدَ السِّجنِ حصَّةَ يوسف، الرَّحيمِ الَّذي كشفَ بالتَّقوى والصَّبر غَصَّةَ يوسف. وروى أُبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "علِّموا أرقاءَكم سورةَ يوسفَ، فإنَّه أيُّ امرئٍ مسلمٍ تعلَّم سورةَ يوسفَ وعلَّمَها مِلكَ يمينِه وأهلَه هوَّن اللَّه عليه سكراتِ الموتِ، وأعطاه اللَّهُ تعالى القوَّةَ ألَّا يحسدَ مسلمًا" (١). وسورة يوسف مكِّيَّةٌ، وهي مئةٌ وإحدى عشرة آية، وألفٌ وسبع مئةٍ وسبعٌ وسبعون كلمةً، وسبعة آلاف ومئة واثنان وستُّون حرفًا. وانتظام أوَّل هذه السُّورة بآخر السُّورة الَّتي قبلَها: أنَّه افتتحَ هذه السُّورة بقوله: ﴿الر﴾ معناه: أنا اللَّه أرى من العرش إلى الثَّرى، فلي غيب السَّماوات العُلى والأراضي السُّفلى، ولسْتُ بغافلٍ عمَّا يعمل الورى. ووجهٌ آخر: أنَّه قال في أواخر تلك: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠]، وقال في أوائل هذه السُّورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وهذه إحدى القَصص، وقد قُصَّتْ أحسن القصص.

стр. 4037

وانتظامُ كلِّ هذه السُّورة بتلك السُّورة: أنَّ السُّورتَيْن في تسليةِ النَّبيِّ ﷺ على ما أصابَه مِن الأذى والنَّوائب، وفي تلك السُّورة ذكرُ ما لقيَ الأنبياءُ مِن الأجانب، وفي هذه السُّورة ما لقي يوسف ﵇ مِن الأقارب. * * * (١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الر﴾ ذكرنا فيها أقاويل المفسِّرين في أوَّل (سورة يونس). وقيل: معناه: أنا اللَّه أرى مِن العرش إلى الثَّرى. وقيل: أنا اللَّه أرى ما نزل بيوسفَ مِن البلوى، من الجبِّ والسِّجن والشَّكوى، ثمَّ جعلتُه ملك الدُّنيا، وجمعتُه مع شيخِه المبتلَى. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: أي: تلك الآياتُ أو السُّور (١) المنزَلة قبلَ هذه السُّورة، وهي آيات الكتاب. وقيل: أي: تلك الآياتُ المكتوبةُ في اللَّوح المحفوظ الموعودة لك. أو: تلك الآيات الَّتي أخبرَتِ الأنبياءُ بإنزالها عليك هي آيات الكتاب. وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى: هذه؛ كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وأوردنا دليلَه؛ أي: هذه السُّورة، أو: هذه الآيات. أو: ﴿الر﴾ هذه الحروف الَّتي هي اسمُ هذه السُّورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾؛ أي: فيه بيانُ ما بالنَّاس من حاجةٍ إليه في دينِهم. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني: فيه بيانُ الحلالِ والحرامِ (٢).

стр. 4038

وقال قتادةُ: فيه بيان الرُّشد والضَّلال (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فيه بيانُ الحقِّ والباطلِ، والعدلِ والجَورِ (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: في إنزالِ الكتاب عليه وإرسالِ الرَّسول إليه تحقيقٌ لأحكام المحبَّة، وتأكيدٌ لأسباب الوُصلةِ؛ فإنَّ مَن عُدمَ حقيقة الوصولِ استأنسَ بالرَّسول، ومَن بقي (٣) عن شُهودِ الأحبابِ تسلَّى بورود الكتاب (٤). * * * (٢) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: الكتابَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: كلامًا مجموعًا بلسانِ العرب ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لتعقلوا عن اللَّه خطابَه، فتتدبَّروه وتعملوا بما فيه. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا تدري بأيِّ لسانٍ كانَ في اللَّوح المحفوظ، غير أنَّه أخبرَ أنَّه أنزله بلسان العرب، وهكذا كلُّ كتابٍ أُنزِل بلسان المنزَلِ عليهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما لكم وما عليكم، وما تأتون وما تذرون. أو ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هذه الأنباء التي يخبرُكم بها محمَّدٌ من اللَّه تعالى؛ لأنَّها كانت في كتبِهم بغير لسانه، فأخبرَ على معنى ما كان في كتبِهم، فدلَّ أنَّه عرفَ ذلك باللَّهِ تعالى.

стр. 4039

أو ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ فيه شرفَكم؛ لأنَّكم تصيرون متبوعين لمَّا يحتاجُ النَّاس إلى معرفة ما فيه، والنَّاسُ أتباعٌ لكم؛ وهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]؛ أي: شرفكم (١). * * * (٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: أي: نخبرُك أحسنَ الإخبار. و ﴿الْقَصَصِ﴾ مصدرٌ، وهو إتباعُ الخبرِ بعضِه بعضًا على سياقِه على وجهه. يقال: فلانٌ حسن الاقتصاص للحديث؛ إذا كان جيِّدَ السِّياق للحديث، لا يقطعُ المعانيَ المرتبطة بعضَها ببعضٍ، فيَفسُدَ نظمُه، وتَستبهِمَ معانيهِ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: اتَّبعي (٢) أثره، وقال: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]؛ أي: اتِّباعًا. ويجوز أن تكون القصص اسمًا (٣) كالخبر (٤). وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾: أي: بوحينا، و ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ كقولك: أكرمُكَ بما أكرمْتَني؛ أي: بإكرامِكَ إيَّاي، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢]؛ أي: بصبرهم.

стр. 4040

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾: أي: وقد كنْتَ من قبل هذا الوحي من الغافلين عن هذه القصَّة ونحوها؛ أي: وما كنْتَ من قبلِه إلَّا من الغافلين، فإنَّ كلمة (إنْ) المخفَّفة مع اللَّام بعدها لها طريقان، على ما مرَّ مرارًا. وقال الإمام الزَّاهد أبو منصور ﵀: وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان بجملة الأنبياء والرُّسل إيمانٌ وإن لم تُعرَف أنفسهم وأسماؤهم وقصصهم (١). والغفلةُ ثلاثة أنواعٍ: مذمومةٌ، ومحمودةٌ، وغيرُ مذمومةٍ ولا محمودة. فالمذمومة: الغفلةُ عن اللَّه تعالى، وعن ذكرِه، وعن الآخرة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. والمحمودةُ: هي الغفلة عن الشَّرِّ (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣]. وغيرُ المحمودةِ والمذمومةِ في هذه الآية. والغفلةُ عن الشَّيء هي ألَّا يخطر ذلك بباله. وروي أنَّ الصَّحابة ﵃ قالوا: يا رسولَ اللَّه، لو قصصْتَ علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فقالوا: يا رسول اللَّه؛ لو وعظْتَنا وذكَّرتنا؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] (٣).

стр. 4041

ثمَّ في تسميته أحسنَ القصص وجوهٌ: قيل: لأنَّه ليست قصَّةٌ مِن قِصص القرآن (١) تتضمَّن من النُّكت والفوائد ما تتضمَّن هذه القصَّة. وقيل: لامتداد الأوقات فيما بينَ أوَّلها وآخرها. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان بين رؤيا يوسف ﵇ ومسيرِ أبيه إليه وإخوته أربعون سنة (٢). عليه أكثر المفسِّرين إلَّا الحسن فإنَّه يقول: كان بين رؤياه ومصيرِ أبيه إليه ثمانون سنة (٣). وقيل: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾؛ أي: أعجب القصص. وقيل: لأنَّها مجموعةٌ في سورةٍ، وسائر القَصص متفرِّقةٌ في آياتٍ وسورٍ. وقيل: لأنَّها في أبوَيْن وأولاد، ليس فيهم أجنبيٌّ وعدو. وقال محمَّد بن يحيى البشاغري (٤): هي أحسنُ القصص لِمَا أنَّ فيها ثلاثة أحوال: - مراعاة طاعة اللَّه تعالى في الرَّخاء والشِّدَّة. - وتحسين الأخلاق في المعاملة.

стр. 4042

- وإقامة المروءة ببذل السَّعة عند القحط (١) والسَّنَة. فمراعاة الطَّاعة عند الشِّدَّة بحدودِها وشروطِها وصفوتها (٢) وحلاوتها في صفة ضعف العبد من أعجوبات اللُّطف والتَّوفيق. وتحسين الأخلاق عند الجفاء والأذيَّة -وخصوصًا بين القرابة- من أشرف مقامات (٣) الاختصاص بالكرامة. وبذل الثَّروة والسَّعة وقتَ المحنة والحاجةِ مِن أعلى منازل العبوديَّة، وأصفى درجات السَّخاء. وقيل: سمَّاها أحسنَ القَصصِ لحُسن مجاوزة يوسف إخوتَه، وصبره على أذاهم وإغضائه. وقيل: إنَّما كانت (٤) أحسنَ القَصصِ لأنَّا نحن نقصُّ، وعليك نقصُّ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما كانت أحسن القصص (٥) لخلوِّها عن الأمر والنَّهي الذي سماعه يوجب اشتغالَ القلبِ؛ لِمَا فيه من الخوف من التَّقصير الواقع فيه. وقيل: أحسن القصص؛ لأنَّ فيه ذكر الأحباب. وقيل: لِمَا فيه من ذِكرِ تركِ يوسف هواه بإعراضه عن زليخا عند مراودتها إيَّاه عن نفسه.

стр. 4043

وقال: في قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: لم تصلْ هذا بكدِّك وجهدك، ولا بطلبك وجدِّك، وبعطائنا وجدْتَه لا بعنائك، وبتفضُّلنا لا بتعلُّمك (١)، وبتلطُّفنا لا بتكلُّفك، وبنا لا بك (٢). * * * (٤) - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾: قال الزَّجَّاج: أي: نحن نقصُّ عليك إذ قالَ يوسف. وقيل: أي: واذكر يا محمَّد إذ قال يوسف (٣). ﴿لِأَبِيهِ﴾: أي: يعقوبَ بنِ إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈. ﴿يَاأَبَتِ﴾: قرأ ابن عامرٍ بفتح التَّاء على إرادة: يا أبتاه، على نداء النُّدبة، وقرأ بعضهم بالضمِّ؛ لأَنَّه نداءٌ مفردٌ معرفةٌ (٤)، وقرأ العامَّة بالجرِّ على الإضافة بالياء، وحذف الياء تخفيفًا (٥)؛ كما في قولهم: يا نفسِ، يا قومِ، وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿يا أبهْ﴾ بهاءٍ ساكنةٍ عند الوقف (٦)،. . . . .

стр. 4044

وزيادةُ الهاء في الاسم على الأب للتَّرقيق (١) والعطف والتَّحنُّن. وقيل: للتَّعويض من الواو الَّتي من أصل الكلمة. وقيل: للتَّعويض من ياء الإضافة. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾: أي: في النَّوم، وقد رأى بالعين يرى رؤيةً، ورأى بقلبه يرى رأيًا، ويرى في المنام يرى رُؤيا. وقوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، فبُنِيا على الفتح. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾: كرَّر قوله: (رأيت) تأكيدًا لَمَّا طالَ الكلام. وقيل: معناه: أنَّه رآهم في النُّوم، ورآهم يسجدون له، فالأوَّل لرؤية (٢) أعيانهم، والثَّاني لرؤية فعلهم. وقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ولم يقل: (رأيتها) لأنَّه وصفَهم بالسُّجود الَّذي هو فعل العقلاء، فألحقَ كنايتهم بكناية العقلاء؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨]. وفي سجودِهم له وجهان: أحدهما: أنَّه السُّجود المعهود على الحقيقة، وكان تكرمةً لا عبادةً. والثاني: أنَّه بمعنى الخضوع (٣)؛ كما قال الشاعر:

стр. 4045

ترى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ (١) وكانت الكواكبُ الأحدَ عشرَ مُثُلًا لإخوته الأحدَ عشرَ، والشَّمسُ والقمرُ مثالَيْن لأبيه وخالته، وكانت تحتَ أبيه، وكانت (٢) أمُّه ماتَت، واسمها راحيل، واسم خالته لايا، وهما بنتا لايان بن ناهر، وناهر أخو إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه، ولايان بن ناهر كان خالَ يعقوب ﵇. وقال وهبُ بن منبِّه: كان يوسفُ صلوات اللَّه عليه رأى قبل هذه الرُّؤيا -وهو ابن سبع سنين- في نومه أنَّ إحدى عشرة عصًا (٣) طوالًا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدَّائرة، وإذا عصًا صغيرةٌ وثبَتْ (٤) عليها حتَّى اقتلعَتْها وغلبَتْها، فوصفَ ذلك لأبيه، فقال له: إيَّاك أن تذكرَ هذا لإخوتِك، ثمَّ رأى وهو ابن اثنتي عشرة سنةً أنَّ أحدَ عشرَ كوكبًا والشَّمس والقمر سجدْنَ له، فقصَّها على أبيه، فقال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية (٥). وذكر أبو القاسم بن حبيبٍ في "تفسيره" بإسناده عن جابرِ بن عبد اللَّه: أنَّ يهوديًّا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا محمَّد؛ أخبرني عن أسماء الكواكب اللاتي سجدْنَ ليوسف، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "إنْ أخبرْتُكَ أتؤمنُ (٦) بي؟ " قال: نعم، فأتاه جبريلُ

стр. 4046

صلوات اللَّه عليه فعلَّمه أسماءها، وهي: الحَرَثان والطَّارق والقابِس والصَّرُوح (١) والفُلَيْق والمُصبح (٢) والوثَّاب والذَّيَّال والعَمُودان والفَرْع وذو الكنفات (٣)، رآهنَّ

стр. 4047

يوسف والشَّمسَ والقمر، نزلَتْ من السَّماء فسجدْنَ له، فأخبر والدَه فقال: يا بنيَّ؛ هذا أمرٌ مشتَّت (١) وسيجمعُه اللَّه تعالى بعدُ. وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: الشَّمسُ أمُّه، والقمرُ أبوه (٢). وقال مقاتل: الشَّمسُ أبوه، والقمرُ أمُّه (٣). وقال السُّدِّيُّ: الشَّمسُ أبوه والقمرُ خالته، واسمها راحيل، وكانت أمُّه ماتَتْ واسمُها لايا (٤). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بلغَنَا أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه كان نائمًا في حجر أبيه ذات ليلةٍ، فانتبه مرعوبًا، فقال له يعقوب ﵇: حبيبي؛ ما الَّذي ذَعَرَكَ؟ قال: يا أباه؛ رأيت رؤيا عجبًا، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيْتُ كأنِّي على رأس جبلٍ شامخٍ، وحوله أشجارٌ وأنهارٌ ورياضٌ، فبينا أنا كذلك إذ رأيْتُ كواكبَ نزلَتْ من السَّماء والشَّمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٥). وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت هذه الآية أنَّ إخوة يوسف كانوا علماءَ؛ فإنَّه شبَّههم بالكواكب وبها يُهتدَى، فدلَّ أنَّهم كانوا علماء يُقتدَى بهم، وشبَّه الأبوَيْن بالشَّمس والقمر، وبهما جميع منافع الخلق؛ إذ بهما صلاحُ جميع الأغذية في الأرض، ونضجُ جميع الفواكه والأنزال (٦).

стр. 4048

ودلَّت الآية على أنَّ الرُّؤيا قد تَخرج على غير ما رأى، وقد تخرج على عين ما رأى، فقد رأى سجودَ الكواكب، وخرجت الكواكبُ على الإخوة والسُّجودُ على عينه، وهو كرؤية إبراهيم صلوات اللَّه عليه في المنام ذبحَ الولد، فخرجَ الولد على الكبش، والذَّبحُ على عينه، فهذا أصلٌ لنا أنَّ الخطاب قد يخرج والمراد به عينه، وقد يخرج والمراد به غيره. وفيه جواز الاجتهاد، وطلب المعنى في المخاطبات، وما ظهر للنَّاس من تعبير الرُّؤيا على الاجتهاد يدلُّ أيضًا على جواز العمل بالاجتهاد. ودلَّتِ الآيةُ أيضًا على أنَّ إخوة يوسف كانوا علماء حكماء وعارفين بتعبير الرُّؤيا؛ فإنَّ يعقوبَ قالَ ليوسفَ ﵉: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وذلك لعلمِهم بالتَّعبير. * * * (٥) - ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾: يعني: فقالَ يعقوبُ: يا بنيَّ لا تخبرْ إخوتَكَ برؤياكَ، وهم رُوبيلُ ويهوذا وشمعونُ ولاوي، أمُّهم لايا امرأة يعقوب، ودان وآشر ويشجر (١)، أمُّهم دلفا جارية يعقوب، ونفثالي وجاد وزبالون، أمُّهم زلفا جارية يعقوب، وبنيامين أمُّه راحيل وهي أمُّ يوسف أيضًا مع أخوات، وكانت راحيل أختَ لايا، وهما بنتا لايان بن ناهر خال يعقوب، والجاريتان كانتا هدية لايان لختنه يعقوب.

стр. 4049

وقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾: نصب بالفاء لأنَّه جواب النَّهي، وعلامة نصبه حذفُ النُّون. يقول: إنَّ تأويل رؤياك ظاهرٌ لا يخفى عليهم، فلا يؤمَنُ أن يحملَهم ذلك على أن يبغوا لك الغوائل ويُخفوا لك الحيل، ويدعوهم إلى ذلك الشَّيطانُ، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ظاهرُ العداوةِ ومُظهرُها، وهذا يدلُّ على أنَّ يعقوب كان قد علم من الإخوة حسدًا ليوسفَ، فقال له هذا. وقال القتبيُّ: الكيدُ: هو الاحتيال للاغتيال (١). وقيل: هو طلب اتِّصال الشَّرِّ به على غير علمٍ منه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: بدءُ كلِّ شرٍّ يكون من الشَّيطان، يقذفه في القلوب، ويُخطره في الصُّدور، ثمَّ تكون العزيمة على ذلك والفعل من العبد، وهو ما قال : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠] (٢). وفي الآية أنَّ الرُّؤيا حقٌّ، وهي من المبشِّرات، وهي جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة؛ كما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الرُّؤيا الصَّادقة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" (٣).

стр. 4050

وذلك أنَّ أعوامَ الوحي اثنان وعشرون ونصف؛ ستَّة أشهر في ابتداء (١) الرُّؤيا الصَّادقة، فكانت جزءًا من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة (٢). وفيها: أنَّ شفقةَ الآباءِ وافرةٌ، وحسدَ الإخوةِ ظاهرٌ، ولهذا قال أصحابُنا ﵏: تُقبَلُ شهادةُ الأخِ للأخِ؛ لأنَّه لا تُهمةَ فيه، ولا تُقبلُ شهادةُ الأبِ للابنِ، ولا شهادةُ الابن للأبِ؛ للتُّهمةِ. وفيها: أنَّ عداوةَ إبليس -لعنه اللَّه- لنا قديمةٌ، وللَّه تعالى في إبقائه لطفٌ عظيمٌ، فإنَّه يحيلُ لمعاصينا عليه، وذلك مذكورٌ في قصَّة كثيرٍ من الأنبياء: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦]، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. * * * (٦) - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: أي: كما دلَّ رؤياك على إكرامِ اللَّه تعالى إيَّاك بتفضيلِك على إخوتِك، كذلك يختارُكَ فيستخلِصُكَ بالنُّبوَّة.

стр. 4051

﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: ويلهمُكَ عمَّا تَؤولُ إليه عاقبة ما يراه النَّاس في مناماتِهم. وقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: أنْ يلهمَكَ (١) العلمَ بعواقبِ الأمرِ بوحيٍ من اللَّه تعالى. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: أي: ويكملُ ما ابتدأَكَ به من الإنعام، والابتداءُ هو إخراجُه مِن أصلاب الأنبياء، والإتمامُ بالنُّبوَّة والإنجاء (٢). ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: أي: أولادِ يعقوب، ودلَّ على نبوَّة أولادِه. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾: بالرِّسالةِ والوحي. وقيل: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بتخليصِك مِن غوائلِ إخوتِك وسائرِ النَّاس؛ كما جعلَ النَّار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وفدى إسحاقَ بالذِّبح العظيم (٣)، وهذا كلُّه كان ببشارةٍ مِن يعقوبَ ليوسفَ. وقيل: كان دعاءً له بذلك كلِّه؛ كما قال في آخر هذه السُّورة: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]، وتقولُ: يديمُ اللَّه عزَّك ويطيلُ بقاءَك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يجري على يوسف من المفتَتح إلى المختَتم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حَكمَ له ولأبيه ولإخوته بما حَكم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تأويل صحف إبراهيم ﵇. وقيل: ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: العلم والكلام.

стр. 4052

وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾: بما صنعَ به إخوتُه، أو عليمٌ بتمامِ الإنعام ﴿حَكِيمٌ﴾: يضعُ كلَّ شيءٍ موضعَه (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: الاجتباءُ: عصمتُه من ارتكاب ما راودَتْه امرأةُ العزيز عن نفسِه. وقيل: من قضايا الاجتباءِ إسبالُه السِّترَ على فعل إخوته، حيثُ قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يذكرْ خلاصَه من البئر. وقيل: من قضيَّة الاجتباء توفيقُه لسرعة العفوِ عن إخوته، حيث قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]. و ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: هو معرفةُ قَدْرِ كلِّ أحدٍ، وَالوقوفُ على مقدار كلِّ قائلٍ بما يسمعُ من نطقِه وحديثِه بحدَّة الكياسة وصدق الفراسة. وإتمامُ النِّعمةِ: توفيقُ الشُّكر على النِّعمة. وقيل: مِن إتمامِ النِّعمة: الصَّونُ عن شهود النِّعمة برؤية (٢) المنْعِم، ومِنْ تمامِها صونُها عن الزَّوال والتَّغيير، ومنْ تمامِها رفعُ الهمَّة عن مساكنة النِّعمة (٣). * * * (٧) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾: أي: دلالاتٌ، وقرأ ابنُ كثيرٍ

стр. 4053

وحده: ﴿آيَةٌ﴾ على الوحدان (١)، وهو في معنى الجمع أيضًا؛ يقال: هذا الشَّيءُ علامةٌ لأمورٍ كثيرةٍ. ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: أي: للَّذين سألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن هذه القصَّة (٢). روي أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- قالوا للمشركين: اسألوا محمَّدًا لِمَ انتقلَ يعقوبُ من مصرَ إلى الشَّام (٣)، فنزلَتِ السُّورة، فكانت آيةً على صدق نبوَّته (٤). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أتى قومٌ من اليهودِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فوافقَ إتيانُهم ذِكْرَ رسولِ اللَّه ﷺ قصَّةَ يوسفَ ﵇، فتعجَّبوا منه وقالوا له: مِن أينَ لك هذا يا محمَّد؟ فقال: "علَّمنيه ربِّي"، وعادوا إلى اليهود فقالوا لهم: إنَّ محمَّدًا العربيَّ يذكرُ قصَّةَ يوسفَ كما أُنزلَتْ في التَّوراة، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾؛ يعني: اليهود (٥). وقال مقاتلٌ: سألَتِ اليهودُ رسولَ اللَّه ﷺ عن قصَّةِ يوسفَ ﵇ فأخبرهم بها، فلم يؤمنْ به غيرُ جبرٍ عبدِ عامرٍ الحضرمي (٦).

стр. 4054

وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنَّه آياتٌ للسَّائلين إلى آخر الدَّهر. وقوله: ﴿آيَاتٌ﴾ يحتملُ أنَّ المرادَ: قصَّتُه سورة تامَّة هي آيات الكتاب. ويحتمل أنَّه آياتُ صدقِ نبوَّته؛ لأنَّ قصَّته في كتبهم كانت بغير لسانه، فجاءَ بها بلسانِه (١) من غير زيادةٍ ولا نقصان، فدلَّ أنَّه باللَّه علمَ ذلك (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: في قصَّته آياتٌ لكلِّ ذي محنةٍ حتَّى يعلمَ أنَّه كيف يصبر، ولكلِّ ذي نعمةٍ حتَّى يعلمَ أنَّه كيف يَشكر. قالَ: ويُقال: في قصَّته دلالاتُ كيفيَّةِ العفو عن الزَّلَّة، وكيفيَّة الخَجْلَة عند اللِّقاء لأهل الجفوة. وقيل: في قصَّته دلالاتُ لطفِ الحقِّ سبحانَه لأوليائه بالعصمة، وآيات أنَّ المحبَّةَ لا تخلو عن المحنة. وقيل: فيه آياتٌ على أنَّ مَنْ صدَقَ في رجائِه (٣) تخلَّص يومًا مِنْ بلائِه (٤). وقيل: ﴿آيَاتٌ﴾؛ أي: عجائب، قال الشَّاعر: آيةٌ في الجمالِ ليسَ لَهُ في الـ... خَلْقِ شِبْهٌ وما له مِن نظيرِ (٥)

стр. 4055

وقيل: السُّؤال أنواعٌ، والفوائد للسَّائلين، فإذا جالسْتَ العلماءَ فسَلْ بلسانك، وإذا جالسْتَ الحكماء فسَلْ بعينك (١)، وإن جالسْتَ العارفينَ فسَلْ بقلبك، وإن جالسْتَ المحبِّين فسَلْ بسرِّك، فإذا لقيْتَ العالِمَ فقدِّم لسانَك، وإذا لقيت الحكيم فقدِّم عينَكَ، وإذا لقيْتَ العارفَ فقدِّم قلبَكَ، وإذا لقيْتَ المحبَّ فقدِّم سرَّكَ، وإن اطَّلعت على عيبٍ فقدِّمْ روحَكَ. وقال بعضُ أهلِ العلم: يمكن تمشية الآية في كلِّ السَّائلين، فكأنَّه قال: إن سألَكَ العصاة: ما يفعلُ اللَّه بهم؟ فاقرأ عليهم قصَّة يوسفَ، وقل: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]، كما غفرَ اللَّهُ لإخوةِ يوسفَ. وإن سألَكَ الَّذين يؤذون الآباءَ ويعقُّونهم: ما يفعلُ اللَّه بهم إذا تابوا؟ فقل: يعفو عنهم، كما عُفِيَ عن أولاد يعقوب. وإن سألَكَ الممتحَنُون: ما عاقبة أمرهم؟ فقل: الفرجُ، كما فرَّجَ اللَّهُ عن يعقوبَ. وإن سألَكَ المحبُّون: كيفَ حالُهم؟ فقل: يصلونَ إلى الحبيب كما وصلَتْ زليخا إلى يوسفَ. وإن سألَكَ المسجونون: ما عاقبةُ أمرهم؟ فقل: الفرجُ كما فرَّج اللَّهُ عن يوسفَ. وإن سألك المهمومون، وإن سألَكَ الواقعون في القَحْطِ، وكذا. .، فأجبهم بهذه القصَّة على التَّفصيل. وقيل: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾: لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، حيث سألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ : لِمَ سمَّى اللَّه تعالى هذا أحسن القصص؟ قال: "لأنَّ المخبِر عنه هو أحسنُ القائلين قولًا، والمخبَرَ عنه أحسنُ النَّاس وجهًا، فإنَّ يوسف لم يكن بعدَه أحدٌ في

стр. 4056

الحسنِ مثلَه"، فقالَتْ عائشةُ ﵂: هو أحسنُ أم أنْتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هو أحسنُ خَلْقًا، وأنا أحسنُ خُلُقًا"، فقالَتْ عائشةُ ﵂: فلِمَ لا تخبرُ النَّاسَ به؟ قال: "إنْ لم أقلْ أنا فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] "، فنزل جبريل ﵇ وقال: أخبرِ النَّاسَ أنَّ نورَكَ ونورَ يوسفَ افترعا (١) في صلبِ آدمَ، وصارَ الحسنُ والجمالُ ليوسفَ، والذِّكرُ والشَّرف، والنُّورُ والحبور، والضِّياءُ والبهاء، والعَفافُ والكَفاف، والهيبةُ (٢) والرِّفعة، والعلمُ والحلم، والفضلُ والعدلُ والعزم، والسِّيادةُ والسَّعادة (٣)، والحوضُ والشَّفاعة، والدَّعوةُ والإجابة، والقضيبُ (٤) والنَّاقة، والتَّاجُ والعمامة، والسَّيفُ والهراوة، والصَّبرُ والقناعة، والنُّسكُ والإنابة، والرَّحمةُ والرَّأفة، والوقارُ والسَّكينة، والشَّريعةُ المرضيَّة، والأحكامُ الحنيفيَّة، والصَّلاةُ المكتوبة، والزَّكاةُ المفروضة، والسَّمعُ والطَّاعة، والصَّفُّ والجماعة، والتَّأذينُ والإقامة، والتَّكبيرُ والتَّهليل، والتَّسبيحُ والتَّقديس، والتَّحميدُ والتَّمجيد، والحجُّ والعمرة، والبلدُ المحرَّم، والمسجدُ المعظَّم، وزمزمُ والمقام، والمشعرُ الحرام، والقرآنُ الحكيم، والخُلُق العظيم، والآياتُ المفصَّلات، والكلماتُ المتلوَّات، والأزواجُ الطَّاهرات، والعلوُّ في الدَّرجات، والبراقُ والمعراج، والمقامُ المحمود، والحوضُ المورود، والمحضرُ المشهود، والأفقُ الأعلى، والمقامُ الأدنى، وسلامُ اللَّهِ الأعلى، هذه كلُّها لَكَ (٥).

стр. 4057

(٨) - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾: اللَّام بمعنى القسم؛ أي: قالوا: إنَّ يوسفَ حقًّا وأخاه لأمِّه وهو (١) بنيامين ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ يتعصَّب بعضنا لبعضٍ، وكانوا عشرة، والعربُ تطلق هذا الاسم على العشرة إلى الأربعين؛ أي: نحن جماعةٌ لا نعجزُ بالاحتيال عليه ليخلوَ لنا وجه أبينا، فيعاملَنا (٢) بالمحبَّة والتعطُّف، فلماذا لا نحتال لذلك؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: خطأ بيِّنٍ بإيثارِ اثنين على عشرةٍ مع استوائهم في كونهم أولادًا له، ومع اقتدار العشرة على الاحتيال على واحدٍ (٣). وأيضًا هو في غلطٍ في تدبير أمر الدُّنيا؛ إذ نحن أنفعُ له مِن يوسف وبنيامين، لأنَّا نقوم في أمواله ومواشيه. وأيضًا لو أنعمَ النَّظر لم يأمنْ سوءَ عاقبة هذا الاختيار لتحاسد الأقارب، وهذا عدولٌ منه عن طريق الرَّأي في استصلاح الأولاد. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دلالةٌ أنَّه لا بأسَ للرَّجل أن يخصَّ [بعضَ] ولدِه بالعطف عليه والميل إذا كان فيه معنًى ليس ذلك في غيره، فلهذا قال أصحابنا ﵏: لا بأسَ بالرَّجل أن يخصَّ بعض ولده بالهبة له إذا لم يقصدِ الجورَ على غيره من الأولاد، وخصَّه لمعنًى أوجبَ ذلك؛ كما فعلَه أبو بكرٍ بعائشةَ ﵄، حيثُ نحلَها جذاذ عشرين وسقًا بالعالية (٤).

стр. 4058

ثمَّ يحتمِلُ تخصيصُ يعقوبَ يوسفَ وأخاه بالحبِّ وجوهًا: أحدها: ما رأى فيهما من الضَّعفِ في أنفسِهما، والعجزِ في أبدانهما، فازدادَتْ شفقتُه عليهما لذلك، وهذا ممَّا يكون بينَ الخلق. والثاني: أنَّه خصَّهما بذلك لفضل خصوصيَّةٍ كانت لهما؛ إمَّا مِن جهة الدِّين أو العلم أو غيره، أمرَهُ اللَّه تعالى بذلك [لذلك]. أو لأنَّه لمَّا بُشِّرَ يعقوبُ بنبوَّةِ يوسفَ كان يفضِّله على سائر أولادِه، ويُؤْثرُه عليهم لذلك. وإنَّما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ بآثارٍ تظهرُ عندَهم، وإلَّا فحقيقة المحبَّة لا تُعرَفُ (١). وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: لمَّا اعترضوا بقلوبِهم على أبيهم في تقديم يوسفَ عليهم في المحبَّة، عاقبهم الحقُّ سبحانَه بتركهم حتَّى بسطوا في أبيهم بلسان اللَّوم فوصفوه بالضَّلال، وهو مِن المحال، وإنْ كان المرادُ منه هو الذَّهابَ في أمر يوسفَ بكلِّ حالٍ. قال: ويُقال: لمَّا حَسدوا في تقديمِ أبيهِم يوسفَ عليهم لم يرضَ الحقُّ حتَّى أقامَهم بينَ يدَي يوسفَ، فخرُّوا له سُجَّدًا؛ ليعلموا (٢) أنَّ الحسودَ لا يسودُ. قال: ويُقال: أطولُ النَّاسِ حزنًا وأدومُهم غُصَّةً مَنْ أرادَ تأخير مَن قدَّمَه اللَّه

стр. 4059

تعالى، أو تقديَم مَن أخَّرَه اللَّه تعالى؛ إنَّ إخوةَ يوسفَ أرادوا أن يجعلوه في أسفلِ الجُبِّ، فرفعَه اللَّهُ تعالى فوقَ السَّرير (١). وقيل: إنَّما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ في حقِّ يوسف؛ فلأنَّ يعقوب ﵇ أصحبَه يومَ عيدٍ ثلاثةَ أشياءَ: قميصَ إبراهيمَ الذي ألبسَه له جبريلُ، وقد جاء به مِن الجنّةَ يوم أُلقِيَ في نار نمرود، وشدَّ وسطَهُ بمنطقةِ إسحاق، ووضع في يده خيزرانةً جاءَ بها جبريلُ ﵇ يومَ وُلدَ إسحاقُ، فحسدُوه لتخصيصِهِ بها، واستدلُّوا على محبَّتِه إيَّاه (٢). * * * (٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾: فقالوا: ما الرَّأي؟ قال وهبٌ: قال ذلك شمعون. وقال كعبٌ: قاله دان. وقال مقاتلٌ: قاله روبيل؛ وهو أكبرهم سنًّا (٣). وقال بعضهم: لمَّا قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ تراءى لهم الشَّيطان في صورة شيخٍ وقال: إنَّ يوسف يريدُ أن يستعبدكم، فقالوا: ما الرَّأي؟ فقال: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، فقالوا له: لو فعلْنَا ذلك كنَّا عاقِّين للأبِ، عاصينَ للَّهِ تعالى، فقال: ثمَّ تتوبون فتكونوا قومًا صالحين، ثمَّ غابَ عنهم، فثبَتوا على هذا الرَّأي بقولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾؛ لتنحسمَ مادَّةُ هذا الأمر ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ﴾؛ أي:

стр. 4060

ألقُوه في أرضِ غُرْبَةٍ بعيدةٍ عن أرضِ يعقوبَ، بحيث يخفَى عليه موضعُ يوسفَ، وتُقصى (١) دونَه أخباره. وقوله: ﴿أَرْضًا﴾؛ أي: إلى الأرض، نصب بنزع الخافض؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]؛ أي: مِن قومِه. وقوله تعالى: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: قال مقاتلٌ: أي: يَصْفُ لكم (٢). جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الأمر، ولذلك حُذفَتْ واوُه، يقول: لا يزاحمكم يوسفُ في برِّه وعطفِه واستئثارِه. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: عطف على ﴿يَخْلُ﴾ وهو جزم، ولذلك حُذفَتِ النُّون. وقال مقاتل: أي: يصلح أمرُكم فيما بينكم وبين أبيكم (٣)، يعني به: صلاحَ أمر الدُّنيا مِن جهة التَّمكُّن من الأب. وقال ابنُ عبَّاسٍ والسُّديُّ: أي: وتتوبوا مِن صنيعِكم (٤)؛ وهو القتلُ أو الطَّرحُ، وعقوقُ الأبِ، وإيذاءُ الأخ، وعصيانُ أمرِ اللَّه تعالى، فيغفر لكم بتوبتِكم، فقد اعتقدوا التَّوبة قبلَ ارتكاب الذَّنب.

стр. 4061

وقال الإمام أبو منصور (١) رحمة اللَّه عليه: قديما (٢) قيل: مَن طلب الكلَّ فاته الكلُّ، أرادَ إخوةُ يوسفَ أنْ يكونَ إقبالُ يعقوبَ بالكلِّيَّة عليهم، واللَّهُ تعالى يقولُ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: ٨٤]. وقيل: كان قصدُهم ألَّا يكونَ يومَئذٍ عندَ أبيه، فساوَى عندهم أقسام غيبتِه (٣)، فقالوا: إمَّا القتل وإمَّا النَّفي، ولا بأسَ بما يكون بعدَ ألَّا يكون يوسف. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ لم تطبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن اللَّهِ بالكُلِّيَّةِ، فدبَّروا لحسنِ الرُّجعى قبلَ ارتكابِ ما دعتْهُم نفوسُهم إليه، وهذه صفةُ أهلِ العِرفانِ باللَّهِ ﷻ (٤). * * * (١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: قال قتادةُ وابنُ إسحاقَ: قال ذلك روبيل (٥). وقال الزَّجَّاجُ: قال ذلك يهوذا (٦)، قال: إنَّ قتلَ يوسفَ أمرٌ عظيمٌ فلا تفعلوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: قال الحسنُ: أي: في قعرِ البئرِ (٧).

стр. 4062

والغيابةُ في أصلِ اللُّغة: القَعرُ؛ أي: الموضعُ الَّذي يغيبُ فيه صاحبُه، وكلُّ ما غيَّبَ (١) شيئًا عن الحسِّ يكون فيه فهو غَيابةٌ، والقبر يسمَّى بذلك، قال الشَّاعر: وإنْ أنا يومًا غيَّبتْني غيابَتي... فسيروا بسَيْري في العَشيرَةِ والأهْلِ (٢) والجُبُّ: البئرُ الَّتي لم تُطوَ (٣)، تُسمَّى بذلك لأنَّه غُيِّبَ عنها ترابُها؛ أي: قُطِعَ، وقال الأعشى: لَئِنْ كنْتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً... وَرُقِّيْتَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ لَيَسْتدْرِجَنْكَ القولُ حتَّى تَهِرَّهُ... وتعلَمَ أنِّي عندَكُمْ غيرُ مُلْجَمِ (٤) وقولُه تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾: والالتقاطُ: تناولُ الشَّيءِ مِن الطَّريق، ومنه: اللُّقَطةُ واللَّقيط. والسَّيَّارةُ: العيرُ، وقيل: مارَّةُ الطَّريقِ. يقولُ: ألقُوهُ في أسفلِ بئرٍ عميقٍ قليلةِ الماءِ على ممرِّ السَّيَّارةِ والقوافلِ يلتقطْهُ بعضُهم، فيخلوا لكم مكانُه مِن غير ارتكابِ الأمرِ العظيمِ -وهو القتل- ويحصلْ لكم المقصودُ الآخرُ؛ وهو رميُكُمْ إيَّاهُ البلد الثَّاني (٥) مِن غيرِ أنْ تحتاجوا إلى تكلُّفِ سفرٍ فيه (٦) بأنفسِكم.

стр. 4063

فنصحَ هذا القائلُ إلى الإخوة بهذا التَّدبير، وكان مقصدُه نقضَ رأيهم في القتل، وجرَّهم (١) عنه إلى الرَّأي الثَّاني بتسهيل ذلك السَّبيل إليهم، والعاقلُ إذا دُفِعَ إلى شرَّين (٢) اختارَ أهونَهما. ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بالتَّعريف دون التَّنكير، له معنيان: يحتملُ أنَّهم أشاروا إلى بئرٍ قد عرفُوها في أسفارِهم، ويحتملُ أن يكون ذلكَ كقولِكَ: ارمِ به في الماءِ، لا تريدُ به ماءً بعينِهِ، إنَّما تريدُ به الجنسَ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾؛ أي: إنْ كنتُمْ تريدونَ تمامَ تدبيرِكُمْ فافعلوا هذا، فليسَ لكم أوفقُ منه. وقال الإمامُ أبو حسينٍ محمَّد بن يحيى البشاغري في "كتاب العصمة": إنَّ الأخوَّةَ تستصحِبُ الشَّفقةَ، لكنَّ الميلَ إلى حظِّ النَّفسِ ربَّما يَغلبُ على الشَّفقة فلا يقدرُ على استعمالِها، فيعاملُ أخاه معاملةَ الأجانب والشَّفقةُ على حالِها غير متلاشيَة، لكنَّها غيرُ عاملة، دليلُه قولُ أحدِهم للآخرين: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وهذا كلامٌ مِن هذا القائل على نظم الشَّفقة، وإجابتُهم له مبنيَّة على نظم (٣) الشَّفقة أيضًا، أنَّ مطالبتَهم حظوظَهم مِن أبيهم غلبَتْ عليهم، فلم يتركوه مِن غير أذًى ومكروهٍ، وألحقوهما به، ولم يخرجوا أيضًا بالإهلاك على الاستئصالِ؛ لأنَّ الإلقاءَ في الجبِّ مرجوٌّ منه الخلاص. وقولهم أيضًا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ عنَوا به: لفي خطأٍ بيِّنٍ؛ حيث لا يسوِّي

стр. 4064

بينَنا في المحبَّة لنا، والإقبال علينا، والتَّنجُّح (١) بنا، فلم يعرفوا أنَّ إقبالَ يعقوب إلى يوسفَ لم يكن مِن جهة الولد، وإنَّما كان مِن معرفة صنعِ اللَّه تعالى (٢)، وبما وضعَ اللَّهُ تعالى فيه مِن اللَّطائفِ. وكانت محبَّتُه لِمَا كان يُكشَف له مِن زيادة الاطِّلاع على صنعِ اللَّهِ فيه، وكان لا يلزمُه التَّسوية بينهم، ولهذا قالوا: إنَّ للأبِ أنْ يزيدَ في الإحسانِ والبرِّ لبعض الأولاد دونَ بعضٍ؛ لزيادةِ منقَبةٍ في الدِّينِ أكرمَه اللَّهُ تعالى بها، وإنْ كانَ الأولادُ سواءً في معاني الدِّين فعليه أنْ يسوِّي بينهم في الإكرام والبرِّ. فلم يكن يعقوبُ في خطأٍ بيِّنٍ كما قالَ بنوه، إلَّا (٣) أنَّهم توهَّموا أنَّه يكرمُه لغير الولديَّة (٤)، فرأوا أنفسَهم أولادَه، فنسبُوه إلى الخطأ، ولو عرفوا أنَّه لمعنًى مِن لطائفِ اللَّهِ فيه يكرمُه لم ينسبوه إلى الخطأ. وفي ذلك إبانةٌ أنَّهم يستعظمون إقبالَ أبيهم عليه، فأرادوا عطفَه عليهم (٥)، ويغتنمون إكرامَه إيَّاهم ماكَسوه، ولو كانوا متهاونين (٦) بَيْنَ الوالد غيرَ مغتنمين عطفَه عليهم لم يشتغلوا بتلك المماكسة مع أبيهم، إلَّا أنَّهم (٧) جهلوا وجهَ المعاملة في خلال كلامِهم بعضِهم مع بعضٍ ومع أبيهم ومع أخيهم، من نحو قولهم: ﴿لَيُوسُفُ

стр. 4065

وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]، ومن نحو قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١]. ثمَّ تركُ المجاهرة بقتلِه مغافصةٌ في ذلك كلِّه، دليلٌ على صحَّة إيمانهم؛ إذ لو لم يكنْ لهم إيمانٌ لم يكن لهم مانعٌ عن قتله من غير تدسيسٍ أو احتيال، وذلك كلُّه دليلٌ على أنَّ بركةَ نبوَّةِ أبيهم وأجدادِهم كانت متعدِّيةً إلى بواطنِهم، حتَّى لم يصيروا معاندِيْنَ عنادَ المعْرِضينَ عن الحقِّ بفعلِهم (١)، إلَّا أنَّهم لم يكونوا في ذلك الوقتِ أنبياء، فلم يُعصَموا عن المحظورات كلِّها، فوقَعوا فيما وقَعوا لحكمةٍ بالغةٍ علمَها اللَّه تعالى، وعلمَ نفعَها متَّصلًا بهم وبأبيهم وبأخيهم وبالمسلمين، فأجرى عليهم تلك المعصيةَ (٢)، وعقَّبَ تلك اللَّطائف والنِّعم فيهم وفي غيرهم. * * * (١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ولمَّا اتَّفقوا على التَّغييب صاروا إلى أبيهم يعقوب ﵈ فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾. وفي الكلمةِ ثلاثةُ أوجهٍ: (لا تأمنُنا) بنونَيْن على الإظهار (٣)؛ لأنَّ النُّونَيْن من كلمتَيْن.
следующие страницы →