← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وقال الإمام أبو منصور (١) رحمة اللَّه عليه: قديما (٢) قيل: مَن طلب الكلَّ فاته الكلُّ، أرادَ إخوةُ يوسفَ أنْ يكونَ إقبالُ يعقوبَ بالكلِّيَّة عليهم، واللَّهُ تعالى يقولُ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: ٨٤]. وقيل: كان قصدُهم ألَّا يكونَ يومَئذٍ عندَ أبيه، فساوَى عندهم أقسام غيبتِه (٣)، فقالوا: إمَّا القتل وإمَّا النَّفي، ولا بأسَ بما يكون بعدَ ألَّا يكون يوسف. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ لم تطبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن اللَّهِ بالكُلِّيَّةِ، فدبَّروا لحسنِ الرُّجعى قبلَ ارتكابِ ما دعتْهُم نفوسُهم إليه، وهذه صفةُ أهلِ العِرفانِ باللَّهِ ﷻ (٤). * * * (١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: قال قتادةُ وابنُ إسحاقَ: قال ذلك روبيل (٥). وقال الزَّجَّاجُ: قال ذلك يهوذا (٦)، قال: إنَّ قتلَ يوسفَ أمرٌ عظيمٌ فلا تفعلوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: قال الحسنُ: أي: في قعرِ البئرِ (٧).

стр. 4062

والغيابةُ في أصلِ اللُّغة: القَعرُ؛ أي: الموضعُ الَّذي يغيبُ فيه صاحبُه، وكلُّ ما غيَّبَ (١) شيئًا عن الحسِّ يكون فيه فهو غَيابةٌ، والقبر يسمَّى بذلك، قال الشَّاعر: وإنْ أنا يومًا غيَّبتْني غيابَتي... فسيروا بسَيْري في العَشيرَةِ والأهْلِ (٢) والجُبُّ: البئرُ الَّتي لم تُطوَ (٣)، تُسمَّى بذلك لأنَّه غُيِّبَ عنها ترابُها؛ أي: قُطِعَ، وقال الأعشى: لَئِنْ كنْتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً... وَرُقِّيْتَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ لَيَسْتدْرِجَنْكَ القولُ حتَّى تَهِرَّهُ... وتعلَمَ أنِّي عندَكُمْ غيرُ مُلْجَمِ (٤) وقولُه تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾: والالتقاطُ: تناولُ الشَّيءِ مِن الطَّريق، ومنه: اللُّقَطةُ واللَّقيط. والسَّيَّارةُ: العيرُ، وقيل: مارَّةُ الطَّريقِ. يقولُ: ألقُوهُ في أسفلِ بئرٍ عميقٍ قليلةِ الماءِ على ممرِّ السَّيَّارةِ والقوافلِ يلتقطْهُ بعضُهم، فيخلوا لكم مكانُه مِن غير ارتكابِ الأمرِ العظيمِ -وهو القتل- ويحصلْ لكم المقصودُ الآخرُ؛ وهو رميُكُمْ إيَّاهُ البلد الثَّاني (٥) مِن غيرِ أنْ تحتاجوا إلى تكلُّفِ سفرٍ فيه (٦) بأنفسِكم.

стр. 4063

فنصحَ هذا القائلُ إلى الإخوة بهذا التَّدبير، وكان مقصدُه نقضَ رأيهم في القتل، وجرَّهم (١) عنه إلى الرَّأي الثَّاني بتسهيل ذلك السَّبيل إليهم، والعاقلُ إذا دُفِعَ إلى شرَّين (٢) اختارَ أهونَهما. ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بالتَّعريف دون التَّنكير، له معنيان: يحتملُ أنَّهم أشاروا إلى بئرٍ قد عرفُوها في أسفارِهم، ويحتملُ أن يكون ذلكَ كقولِكَ: ارمِ به في الماءِ، لا تريدُ به ماءً بعينِهِ، إنَّما تريدُ به الجنسَ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾؛ أي: إنْ كنتُمْ تريدونَ تمامَ تدبيرِكُمْ فافعلوا هذا، فليسَ لكم أوفقُ منه. وقال الإمامُ أبو حسينٍ محمَّد بن يحيى البشاغري في "كتاب العصمة": إنَّ الأخوَّةَ تستصحِبُ الشَّفقةَ، لكنَّ الميلَ إلى حظِّ النَّفسِ ربَّما يَغلبُ على الشَّفقة فلا يقدرُ على استعمالِها، فيعاملُ أخاه معاملةَ الأجانب والشَّفقةُ على حالِها غير متلاشيَة، لكنَّها غيرُ عاملة، دليلُه قولُ أحدِهم للآخرين: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وهذا كلامٌ مِن هذا القائل على نظم الشَّفقة، وإجابتُهم له مبنيَّة على نظم (٣) الشَّفقة أيضًا، أنَّ مطالبتَهم حظوظَهم مِن أبيهم غلبَتْ عليهم، فلم يتركوه مِن غير أذًى ومكروهٍ، وألحقوهما به، ولم يخرجوا أيضًا بالإهلاك على الاستئصالِ؛ لأنَّ الإلقاءَ في الجبِّ مرجوٌّ منه الخلاص. وقولهم أيضًا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ عنَوا به: لفي خطأٍ بيِّنٍ؛ حيث لا يسوِّي

стр. 4064

بينَنا في المحبَّة لنا، والإقبال علينا، والتَّنجُّح (١) بنا، فلم يعرفوا أنَّ إقبالَ يعقوب إلى يوسفَ لم يكن مِن جهة الولد، وإنَّما كان مِن معرفة صنعِ اللَّه تعالى (٢)، وبما وضعَ اللَّهُ تعالى فيه مِن اللَّطائفِ. وكانت محبَّتُه لِمَا كان يُكشَف له مِن زيادة الاطِّلاع على صنعِ اللَّهِ فيه، وكان لا يلزمُه التَّسوية بينهم، ولهذا قالوا: إنَّ للأبِ أنْ يزيدَ في الإحسانِ والبرِّ لبعض الأولاد دونَ بعضٍ؛ لزيادةِ منقَبةٍ في الدِّينِ أكرمَه اللَّهُ تعالى بها، وإنْ كانَ الأولادُ سواءً في معاني الدِّين فعليه أنْ يسوِّي بينهم في الإكرام والبرِّ. فلم يكن يعقوبُ في خطأٍ بيِّنٍ كما قالَ بنوه، إلَّا (٣) أنَّهم توهَّموا أنَّه يكرمُه لغير الولديَّة (٤)، فرأوا أنفسَهم أولادَه، فنسبُوه إلى الخطأ، ولو عرفوا أنَّه لمعنًى مِن لطائفِ اللَّهِ فيه يكرمُه لم ينسبوه إلى الخطأ. وفي ذلك إبانةٌ أنَّهم يستعظمون إقبالَ أبيهم عليه، فأرادوا عطفَه عليهم (٥)، ويغتنمون إكرامَه إيَّاهم ماكَسوه، ولو كانوا متهاونين (٦) بَيْنَ الوالد غيرَ مغتنمين عطفَه عليهم لم يشتغلوا بتلك المماكسة مع أبيهم، إلَّا أنَّهم (٧) جهلوا وجهَ المعاملة في خلال كلامِهم بعضِهم مع بعضٍ ومع أبيهم ومع أخيهم، من نحو قولهم: ﴿لَيُوسُفُ

стр. 4065

وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]، ومن نحو قولهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١]. ثمَّ تركُ المجاهرة بقتلِه مغافصةٌ في ذلك كلِّه، دليلٌ على صحَّة إيمانهم؛ إذ لو لم يكنْ لهم إيمانٌ لم يكن لهم مانعٌ عن قتله من غير تدسيسٍ أو احتيال، وذلك كلُّه دليلٌ على أنَّ بركةَ نبوَّةِ أبيهم وأجدادِهم كانت متعدِّيةً إلى بواطنِهم، حتَّى لم يصيروا معاندِيْنَ عنادَ المعْرِضينَ عن الحقِّ بفعلِهم (١)، إلَّا أنَّهم لم يكونوا في ذلك الوقتِ أنبياء، فلم يُعصَموا عن المحظورات كلِّها، فوقَعوا فيما وقَعوا لحكمةٍ بالغةٍ علمَها اللَّه تعالى، وعلمَ نفعَها متَّصلًا بهم وبأبيهم وبأخيهم وبالمسلمين، فأجرى عليهم تلك المعصيةَ (٢)، وعقَّبَ تلك اللَّطائف والنِّعم فيهم وفي غيرهم. * * * (١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ولمَّا اتَّفقوا على التَّغييب صاروا إلى أبيهم يعقوب ﵈ فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾. وفي الكلمةِ ثلاثةُ أوجهٍ: (لا تأمنُنا) بنونَيْن على الإظهار (٣)؛ لأنَّ النُّونَيْن من كلمتَيْن.

стр. 4066

و: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ بنونٍ واحدة على الإدغام؛ لالتقاء المثلَيْن (١). و: ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ بالإدغام وإشمام الضمَّة (٢)؛ طلبًا لِمَا كان فيها مِن الضمِّ. وقد أمِنَه يأمنُه؛ أي: ائتمنَه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]. قالوا: لِمَ تخافُ علينا أنْ ننالَه بسوء ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾؛ أي: وهو أخونا وشقيقُنا، فنحنُ له ناصحون، مريدون به الخير ظاهرًا وباطنًا، لا موضعَ لاتِّهامِك إيَّانا فيه. ونصحُهم له في السَّفر: أنْ يَحُوطوه (٣) ولا يدَعوه يأخذ وجهًا مَخوفًا، ولا يُفْردوه عن أنفسِهم، ولا يكلِّفوه ما يُخاف عليه منه، ونحو هذا. قال مقاتلٌ: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾، فقال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، فحينئذٍ قالوا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤). وقال في "كتاب عصمة الأنبياء": كأنَّهم كانوا طالبوه مرارًا حتَّى خاطبوه بهذا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾، ولو كان هذا ابتداءَ كلامٍ ولم يظهر منه منعٌ لم يصحَّ هذا الخطابُ، وأرادوا بتأكيد هذا الكلام استرسالَ أبيهم واستسلامه بإرسالِ يوسفَ معهم، ثمَّ قالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ فظاهرُه كذبٌ منهم؛ لأنَّهم أضمروا غشَّهُ، إلَّا أنَّ فيه نوعَ نصحٍ مِن وجهَيْن: أحدُهما: أنَّه بإضمارهم الإضرار بأخيهم كانوا معتقدين للنُّصح، لذلك لم

стр. 4067

يكفرُوا، وهذا هو المذهب السَّديد أنَّ مرتكبَ (١) الكبيرة إذا لم يستحلَّها فهو في عَقْد الإيمان صحيحٌ، فإخوةُ يوسف عرفوا النُّصح في باطنهم، غير أنَّ غلبةَ الشَّهوة في حظوظِهم حملتْهُم على ذلك الفعل، فلم يستعملوا النُّصح المتمكِّن. والثَّاني: أنَّهم اعتقدوا تغييبَه عن أبيه، لا إهلاكَه، وفي ذلك طرفٌ من النُّصح، وهم كانوا مع هذا التَّأويل غيرَ ناصحين بمكان أبيهم وأخيهم؛ لأنَّ قليلَ الأذى لمكان الوالدَيْن كثيرٌ، وكذا قليلُ قطعِ الرَّحم، فكيف بما أفضوا إليه؟ وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلامُ الحسود لا يُسمَع، ووعظُه لا يَنجَعُ، وإن كان في مَعرضِ النُّصحِ، فإنَّه يُطْمِعُ الشَّهدَ ويطعِمُ الصَّابَ (٢)، ويُظهِرُ الشِّفا (٣) ويُضمِرُ الأوصاب (٤). قال: ويُقال: العجبُ من قَبول يعقوبَ ما ضمِنوه له مِن حفظِ يوسفَ وقد تفرَّس فيما قال ليوسف: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، ولكن إذا جاء القدرُ عميَ البصرُ. قال: ويُقال: مَن قَبِلَ على محبوبِه حديثَ أعدائِه لقيَ ما لقيَ يعقوبُ في يوسفَ من بلائِه (٥). * * *

стр. 4068

(١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ: بفتح النُّون وكسر العين: ﴿يَرْتَعْ﴾ من ارْتَعَيْتُ (١)، وقرأ نافع بالياء فيهما وجزم العين، وأجمعوا على جزم: ﴿وَنَلْعَبُ﴾ (٢). قالوا: ابعثْهُ معنا إلى الصَّحراء غدًا، نأكل جميعًا ما يكون فيها بكثرةٍ وسعةٍ، ونلعبُ فيها جميعًا، وذلك في اللَّعب المباح الَّذي قد يفعله الكبارُ مع الصِّغار، خصوصًا إذا كانوا إخوةً لا يحتشمُ بعضٌ مِن بعضٍ. ويجوز أن يكون ذلك اللَّعب هو ما ذُكِرَ بعدَه من الاستباق، في قولهم: ﴿ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾؛ أي: نرتمي بالقسيِّ والسِّهام. وقيل: نستبقُ بالأقدام، وكلُّ ذلك مباحٌ في الشَّرع. قال النَّبيُّ ﷺ : "ليس من اللَّهوِ مباحٌ إلَّا ثلاثةٌ؛ ملاعبةُ الرَّجلِ أهلَه، ورميُه عن قوسِه، وتأديبُه فرسَه" (٣). وقال ﵇: "ستكونُ لكم فتوحٌ، فلا يعجزنَّ أحدُكُمْ أنْ يلهوَ بقوسِهِ وأسهمِهِ" (٤).

стр. 4069

وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يسابِقُ عائشةَ على الأقدامِ (١). ومَن قرأ ﴿نرتعْ﴾ بتسكين العين؛ فهو مِن رتَعَ يرتَعُ رُتوعًا، ومَنْ قرأَ بالكسرِ؛ فهو مِن ارْتَعَى يَرْتَعِي ارْتعاءً، وهما في المعنى واحدٌ. ومَن قرأ بياء المغايبة فيهما فقد جعل الفعلَ ليوسفَ يسرحُ (٢) ويتقلَّبُ في الصَّحراءِ ويلعبُ لعبَ الصِّبيان وحدَه. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: في حين لعبِه مِن أنْ ينالَه سواءٌ، أو يتعثَّر، أو يطوفَ بحيث ينالُه ما (٣) يُخافُ عليه مِن الوحوشِ أو الهوامِّ. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أطمَعوا يعقوبَ في تمكينهم يوسفَ ممَّا فيه فرحُه (٤) من اللَّعب وراحتُه، فطابَتْ نفسُهُ بإذهابِهِم إياه من عنده (٥)، وإنْ كانَ يشُقُّ عليه فراقُه (٦)، ولكنَّ المحبَّ يُؤْثرُ راحةَ محبوبِه على مشقَّتِه (٧). ولمَّا ركنَ يعقوبُ إلى قولِهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أُتِيَ مِن قِبلِهم، حتَّى قالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، كذلكَ يكونُ مَنْ سلَّم حبيبَه إلى أعدائِه غصَّ بتحسِّي بلائِهِ (٨).

стр. 4070

وقال في كتاب "عصمة الأنبياء": ما معنى إجابة يعقوبَ لِبَنِيْهِ في إرسال يوسفَ معَهم، وقد سمعَ أنَّهم للرَّتْعِ واللَّعبِ يدعونَه ويحملونَه، وهو نبيٌّ مرسلٌ؟ هلَّا تحرَّزَ عن إجابتِهم؟ قلْنَا: إنَّه ﵇ عاملَهم بالعِشْرةِ فيما لم يكن محرَّمًا على يوسفَ في حالِ صِباهُ، والرَّتْعُ واللَّعبُ اللَّذان كانوا يدعونَه إليهما لم يكونا معصيةً، وإنْ كانا مكروهَيْنِ أو لغوين، والنجباء الأجلَّة في معاملة الناس ومجاملتهم كانوا لا يختارون من الأعمال إلا أفضلها (١)، ومِن الأمورِ إلَّا أكملَها (٢)، لكنَّهم إذا استقبلَهم ممَّن دونَه لغوٌ أو إصابَةٌ بمكروهٍ عامَلُوهم (٣) على قدْرِ احتمالِهم، فلم يكنْ مِن النُّجباء الأصفياء مذمومًا لجميلِ مرادِهم في تحسينِ أخلاقِهم؛ استجلابًا منهم للَّذين عاملُوهم (٤) إلى الحقِّ والهدى. فإنْ قال قائلٌ: بأنَّ يحيى ﵇ فيما يُروَى عنه عرفَ ذلك، حتَّى دفعَ الإجابةَ للصِّبيان إلى اللَّعب، حتَّى مدحَه اللَّه تعالى فقالَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وهو ابنُ أربعِ سِنينَ، حيثُ قال لهم: ما للَّعبِ خُلقْتُ (٥). فهلَّا عرفَ يوسفُ ﵇ حتَّى كان يدفعُهم؟

стр. 4071

قلْنَا: إنَّه عرفَ أنَّه للَّعبِ لم يُخلَقْ، ولكن لم يدفعْ كلامَهم تعظيمًا للإخوةِ الَّذين كانوا أكبرَ سنًّا منه، ولم يُظهرِ الإجابةَ بالكلامِ ولا بالعملِ رتعًا ولعبًا فيما به بأسٌ مِن حسنِ عِشرتِه. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: خافَ يعقوبُ على يوسفَ الضَّيْعةَ مِن جهة الجوعِ بتركِهم حفظَ أوقات (١) الأكلِ، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿يَرْتَعْ﴾؛ أي: يأكل. وخافَ عليه أنْ يكلِّفوه (٢) أمرًا يشقُّ عليه ويشتدُّ، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه ليس في اللَّعب مشقَّةٌ ولا شدَّةٌ. وخافَ عليه الضَّيعةَ بتركِهم حفظَه، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، حتَّى استنقَذُوه مِن يدَيْهِ (٣). وقيل: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ هذا عتابٌ منهم لأبيهم، ومثله في القرآن: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨]، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠]، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]، وهذا عتابُ اللَّهِ مع عبيدِه، وقالَ نوحٌ صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، وهذا عتابُه مع أمَّته، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] وهذا عتابُ الصَّالحين مع أنفسِهم. وقالوا: قولهم: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ تكلَّموا بثماني كلماتٍ، وفيها ثمانيةُ أنواعٍ مِن الخطأ:

стр. 4072

قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ﴾ وهذا أمرٌ، وأمرُ الابنِ لأبيه خطأٌ. وقالوا: ﴿مَعَنَا﴾ وهذا منهم رؤيةُ أنفسِهم، وهي خطأٌ. وقالوا: ﴿غَدًا﴾ وهذا طولُ أملٍ منهم، وهو خطأٌ. وقالوا: ﴿يَرْتَعْ﴾ وهذا حديثُ الأكلِ وحظِّ النَّفس، وهذا مِن المتورِّعين خطأٌ. وقالوا: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ وهو مِن الأنبياء خطأٌ. وقالوا: ﴿وَإِنَّا﴾ فأعظمُوا أنفسَهم، وهذا مِن الكبراءِ خطأٌ. وقالوا: ﴿لَحَافِظُونَ﴾ رأَوا الحفظَ مِن أنفسِهم، وهو مِن اللَّهِ ﷻ ، فإضافتُه إلى العبد خطأٌ. وأطلقُوا هذا الوعد ولم يقولوا: إن شاء اللَّه؛ وهو خطأٌ، لكنْ سترَ عليهم أبوهم مع علمِه بخطئِهم شفقةً عليهم. * * * (١٣) - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: الحزنُ: ألمُ القلبِ بفواتِ المحبوبِ، والخوفُ: انزعاجُ النَّفسِ لنزولِ المكروه. وقالوا: لعلَّ تلك المواضع كانت مَسْبَعَةً، فخافَ أن يشتغلوا عنه بما يشتغلُ مثلُهم، فيغفلوا عنه، فيعدو عليه ذئبٌ فيأكله.

стр. 4073

وقال مقاتلٌ: وإنَّما قال يعقوبُ ذلك لأنَّه رأى في المنام أنَّ ذئبًا انتزعَ يوسفَ مِن يده (١). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وهذا لا يُحتمل؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ وصدقٌ، فلا يحتمل أن يرى ذلك ثمَّ يقولَ: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، أو يدعَه يذهبُ معهم، لكنَّه خاف عليه أكلَ الذِّئب على ما يُخاف على الصِّبيان في المفاوز؛ إذ الخوفُ على الصِّبيان منها والضَّياع عليهم يكون بالذِّئب أكثرَ مِن [أيِّ] وجهٍ آخر؛ لأنَّه جائزٌ أن يفترسَه سبعٌ عند اشتغالِهم بعملٍ (٢). وقال الإمام القُشيريُّ ﵀: يقول: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾؛ لأنِّي لا أصبرُ عن رؤيتِه، ولا طاقةَ لي بفرقتِه، هذا إذا كانت الحالةُ حالةَ السَّلامة، فكيفَ ومع هذا أخافُ أن يأكلَه الذِّئبُ؟! وفي الخبر: "إنَّما يُسلَّطُ على ابنِ آدمَ ما يخافُه" (٣)، ولمَّا خافَ يعقوبُ على ولدِه الذِّئبَ امتُحِنَ بحديثِ الذِّئبِ (٤). * * *

стр. 4074

(١٤) - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أي: لئن قدر على أكله الذِّئب ونحن فرقةٌ نحيطُ به ونحوطُه، فلا يعجز مثلُنا عن ذبِّ السِّباع عنه ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ أي: مضيِّعون، نخسرُ أخانا فيذهب هَدَرًا، وكأنَّا (١) سلَّمْناه إلى الذِّئب وعرَّضناه للضَّياع. والخاسر في اللُّغة: لقبٌ مذمومٌ، يقاربُ معناه معنى الهلاك، ومعنى الضَّلال (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] قالوا: غير تضليل، وكأنَّه ضدُّ المفلح، والمفلح: مَن نالَ المطلوب وفاز بالخير، والخاسر: مَنْ لا خيرَ فيه ولا فلاح له، وحقيقتُه النُّقصانُ، ومنه الخسران الَّذي هو ضدُّ الرِّبح، فالخاسرُ: هو النَّاقصُ العقلِ والتَّدبير. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حقَّ في إخوةِ يوسفَ ما وصفوا به أنفسَهم مِن الخسرانِ، وإنَّ مَن باعَ أخًا له مثلَ يوسف بمثل ذلك الثَّمن البَخس فحقيقٌ أن يُقال: خسِرَتْ صفقتُك (٣). وفي "كتاب عصمة الأنبياء": فإنْ قالوا: كيفَ كان يجوزُ مِن النَّبيِّ المرسَلِ الاشتغالُ بعادات النَّاس في كلامِهم، مِن نحو قوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ إلى آخره، وأسرارُ الأنبياء كانت للَّهِ ، غيرُ مُبْقًى (٤) فيها غيرُ ذكرِه، فكيف كان يحزنُه أمرُ يوسفَ؟

стр. 4075

قلنا: هذا إظهارٌ منه الشَّفقة على الولد، والوالدان مأموران (١) بالشَّفقة على الأولاد، والشَّفقة عليهم لا تزيلُ حقَّ الحقِّ عن أسرارِهم؛ لأنَّ الشَّفقة قائمةٌ برحمة اللَّه تعالى، ورحمتُهُ صفتُه لا تبعدُه عن الحقِّ سرًّا وعلنًا؛ قال اللَّه تعالى لنبيِّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وإلَّا كان باطنُه مصفًّى عن شوائب الشَّكِّ، ورواتب (٢) الميلِ إلى الأسباب، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧] إخبارًا بأنَّ ما يخاطبُهم على قدرِ احتمالِ عقولِهم، على ما جرَتْ به العاداتُ فيما بينَ النَّاسِ استعمال الأسباب لإبلاءِ (٣) العُذْرِ وتسكينِ الخواطر (٤) مِن: لعلَّ وعسى. وقال بعضُ الحكماء: قيل: البلاءُ موكَّلٌ بالمنطق، فكانَ بلاءُ يعقوبَ مِن ذلك، قال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ فحزِنَ، وقال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فقالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، وقال: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ فجعلوا ذلك عذرًا لأنفسهم فقالوا: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾، وكان يجتهدُ بذكر هذه الكلمات في حفظ الولدِ وحثِّ الإخوة على ذلك، فتكلَّم بما صار تلقينًا لهم ماذا يفعلون، فقد كانوا لا يدرون ماذا يصنعون به، وماذا يقولون له، فتلقَّنوا مِن كلماتِه عذرَهم، وتعلَّموا بإشارته عذرَهم (٥). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: لمَّا قال يعقوب: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ قالوا: ما سمِعْنا بذئبٍ أكلَ إنسانًا، فمِن أينَ تقولُ هذا؟ قال: رأيْتُ منذُ ليالٍ

стр. 4076

على قُلَّة جبل ويوسف في بطنِ الوادي، وقد أحاطَتْ به عشرةُ ذئابٍ يريدون قتلَه، فأردْتُ النُّزولَ لأنقذَه فلم أجدْ إلى ذلك سبيلًا، فبينا أنا كذلك انشقَّتِ الأرضُ فسقطَ يوسفُ فيها، فهالني ذلك، فاستيقظْتُ فإذا يوسفُ في حجري، فقلْتُ: الحمدُ للَّهِ. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فالجبلُ حالُ يعقوبَ، والذِّئابُ إخوةُ يوسفَ، وانشقاقُ الأرضِ وقوعُه في غيابةِ الجُبِّ. فقيل لابن عبَّاسٍ ﵄: وهل كان يعلمُ يعقوبُ تأويلَ الرُّؤيا؟ قال: نعم. قالوا: فلِمَ أرسلَه معهم؟ قال: أما سمعْتُم: إذا جاء القدرُ (١) عميَ البصرُ (٢)؟! * * * (١٥) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾: وهاهنا محذوفٌ؛ أي: فأرسلَ يعقوبُ يوسفَ ﵉، فلمَّا ذهبوا به. روي أنَّ إبليسَ -لعنَه اللَّهُ- أتاهم، فقال وهو في صورة شيخ، وكانوا يدبِّرون ذلك في الشِّتاء: ليسَ هذا وقتَ الخروجِ به إلى الصَّحراء، فامكثُوا حتَّى يجيءَ الرَّبيع، فقولوا للأبِ: طابَ الزَّمانُ وتزيَّنَتِ الصَّحراءُ، ويوسفُ في البيت لا يَرى ما نَرى،

стр. 4077

فأذَنْ له في الخروجِ معنا فيتفرَّجَ، فلمَّا جاءَ الرَّبيعُ جاؤوا إلى يوسفَ فكلَّمُوه حتَّى رغَّبوه في ذلك، فقالوا: إذا (١) سألْنا أبانا أنْ يأذنَ لكَ فاجهدْ أنتَ معنا في الاستئذان، ففعلوا، فتضرَّع يوسفُ إلى أبيهِ في ذلك، فاضطرَّ فأذِنَ له ليلًا أن (٢) يخرجَ معهم غدًا، وكان طولَ اللَّيل يبكي خوفًا (٣) على فِراقِه، فلمَّا أصبحَ رجَّله وطيَّبه، وبنفيسِ الثِّيابِ جمَّلَه، ولبسَ هو ثيابه، فخرجَ معهم يشيِّعُ يوسفَ، فلمَّا خرجَ مِن درب كنعان إلى شجرةٍ كانَ عندها وداعُ المسافرين عانقَ يوسفَ وودَّعه وبكى، وقال لإخوتِه: لا تلوموني، فإنِّي أتوسَّم فيه آثار أبي وجدِّي، وأوصَى يوسفَ وصايا وقال: لا تنسَ اللَّهَ تعالى بكلِّ حالٍ، وإذا وقعْتَ في بليَّةٍ فاستعنْ باللَّهِ، وأكثِرْ مِنْ قولِ: حسبيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوكيل، فإنَّ جدَّك إبراهيمَ حين أُلقِي في النَّار قال ذلك، ولا تنسني فإنِّي لا أنساك، ولا تضحكْ حتَّى تراني، فإنِّي لا أضحكُ حتَّى أراك. وعاهدَ إخوةَ يوسفَ أنْ يطعِموهُ ويسقوهُ عند الحاجةِ، ويحمِّلوه ولا يتعبُوه، فقَبِلوا منه ذلكَ، واحتملَه روبيل على عاتقِه (٤)، ورجعَ يعقوبُ، فغابوا عنه (٥)، فلمَّا بعدوا عنه ألقاه روبيل عن عاتقِه، وقال له: امشِ كما نمشي (٦)، فمشى وأعيى فقعدَ وقال: عطشْتُ فاسقوني، فلم يسقُوه، وعجزَ عن المشي فأكرهُوه، ولمَّا امتنعَ لطمَه بعضُهم وعنَّفوا عليه، وقالوا: أينَ رُؤياكَ النُّجومَ والشَّمس ساجدةً لك؟ استعنْ بهم واستسْقِهم واستحمِلْهم.

стр. 4078

وقوله تعالى: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾: قيل: أي: عزموا، وقيل: اتَّفقوا (١) ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: قد فسَّرناه. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾: قيل: بشَّرناه على لسانِ مَلَكٍ. وقيل: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: أرسلنا إليه بالنُّبوَّة. قال الحسنُ: أعطاه اللَّه تعالى النُّبوَّة وهو في الجبِّ (٢). ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ﴾: هذه بشارةٌ مؤكَّدةٌ (٣) تأكيدَ اليمين؛ أي: لتخبرنَّهم بما فعلوا بك، وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩]، وهذا نبأ توبيخٍ، وهو بشارةٌ له بمصير أمرِه إلى ذلك. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: حالةَ إلقائِه في الجبِّ أنَّ اللَّهَ تعالى أوحى إليه وبشَّره به. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حين انقطعَ عنه ملاطفةُ أبيه جاءَه الوحيُ مِن بارئه، وهكذا سُنَّته ﷻ لا يفتحُ على نفوسِ أوليائِه بابًا مِن البلاءِ إلَّا فتحَ على قلوبِهم أبوابَ الصَّفاءِ وفُنونَ لطائفِ الولاء (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويشبه أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى يعقوب، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾، وذلك قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، عَلِمَ أنَّه حيٌّ بذلك الوحي، وعلى ذلك قوله تعالى:

стр. 4079

﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] (١). واختلفوا في جواب (لمَّا): قال أهلُ البصرة: هو محذوفٌ تقديرُه: عظمَتْ فتنتُهم، أو: كبر ما قصدوا إليه. وقال أهلُ الكوفة: الواو مِن: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾، أو مِن قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، أو مِن قوله: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ مقحمةٌ زائدةٌ (٢)، ونظيرُ هذا الإقحام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، وقال امرؤ القيس: فلمَّا أجزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى... بنا بطنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عقَنْقَلِ (٣)

стр. 4080

(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. وقيل: جوابُه: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ مِن غيرِ إقحامٍ. وقال وهبٌ: فجاؤوا به إلى رأسِ جبٍّ، وأرادوا أنْ يلقُوه فيه، فعلِق بهم وتعلَّق (١) برأس الجبِّ، وتعلَّق (٢) قميصه بصخرةٍ، فخلعوا قميصَه وتركوه عريانًا، وأوثقوا يديه لكيلا يتعلَّق بشيءٍ، ثمَّ ألقوه فيها، فقال لهم: ردُّوا عليَّ قميصي أستترُ به في الجبِّ، فقالوا له: ادعُ الأحدَ عشر كوكبًا والشَّمس والقمر حتَّى يستروك في الجبِّ. وكان ذلك الجبُّ بالأردن، في وادٍ مِن أوديتِها، على رأس ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، وكان ماؤها غليظًا كدرًا، فلمَّا ألقي فيها يوسف عذبَ ماؤها وصَفا، ووكَّل اللَّه تعالى ملكًا فوضعَ يوسف على صخرةٍ ثابتةٍ في الجبِّ، وقعدَ يؤنسُه، وبكى يوسفُ واشتدَّ بكاؤه، وبكى الجبُّ لبكائه، وكلُّ شيء سَمِعَ صوته مِن شجرٍ أو حجرٍ أو مدرٍ (٣). وقيل: أوثقوا (٤) وسطَه بحبلٍ وأرسلوه به فيه، فلمَّا توسَّط الجبَّ قطعُوا الحبلَ، فكادَ يسقُطُ، فأمر اللَّهُ ﷻ جبريلَ أن يدركَه، فأدركَه وأخذَه، وجرَّ حجرًا منه، فجعله كسريرٍ وأجلسَه عليه، وقالت هوامُّ البئر بعضُها لبعض: لا تخرجْنَ مِنْ

стр. 4081

مساكنكُنَّ، فإنَّ نبيًّا مِن الأنبياء نزلَ بساحتكُنَّ، فانحجزْنَ إلَّا الأفعى، فإنَّها قصدَتْ يوسفَ، فصاحَ بها جبريلُ فصُمَّتْ، وبقيَ الصَّممُ في نسِلها. وعلَّم جبريلُ يوسفَ ﵉ هذا الدُّعاء: اللَّهمَّ يا كاشفَ كلِّ كربةٍ، ويا مجيْبَ كلِّ دعوةٍ، ويا جابرَ كلِّ كسيرٍ، ويا ميسِّرَ كلِّ عسيرٍ؛ ويا صاحبَ كلِّ غريبٍ، ويا مؤنسَ كلِّ وحيدٍ؛ لا إلهَ إلَّا أنْتَ، سبْحانَك، أسألُكَ أنْ تجعلَ لي فرجًا ومخرجًا، وأن تقذفَ حبَّك في قلبي حتَّى لا يكون لي همٌّ ولا ذِكْر غيرُك، وأن تحفظَني وترحَمني يا أرحَم الرَّاحمين. ثمَّ رجعَ جبريلُ، ولمَّا غربَتِ الشَّمسُ جاءَ يهوذا إلى رأسِ الجبِّ ونادى: يا يوسفُ، يا يوسفُ؛ أحيٌّ أنْتَ أم ميِّت؟ فقال يوسفُ: مَن أنتَ؟ فقال: يهوذا، وكيفَ حالُكَ؟ قال: كيفَ حالُ مَن ثكلَ أمَّه، وفقدَ أباه، وجفاه إخوتُه، واغتربَ عن وطنِه، وهو جائعٌ عطشانُ مهمومٌ عريان؟! ليس مِن الأحياءِ فوق الأرضِ، ولا مِن الأمواتِ تحتَ الأرضِ، فبكى يهوذا وارتفعَ بكاؤه، وقال له يوسفُ: إنَّ لكلِّ ميِّتٍ وصيَّةً، ووصيَّتي إليك ألَّا تنظر إلى شابٍّ إلَّا ذكرْتَ شبابي، ولا إلى يتيمٍ إلَّا ذكرْتَ يتمي، ولا إلى غريبٍ إلَّا ذكرْتَ غربَتي. فبكى يهوذا بكاءً شديدًا، فسمعَ الإخوةُ بكاءَه، فأتوه فقالوا له: أتبكي عليه؟ وسدُّوا رأسَ الجبِّ بصخرةٍ عظيمةٍ، فبكى يوسفُ حينئذٍ، وصاح صيحةً بكى لها ملائكةُ السَّماء، وقالوا: يا ربَّنا، ارحمْهُ، فبعثَ اللَّهُ تعالى جبريلَ ومعَه أطعمة وأشربة مِنَ الجنَّة، ونوَّرَ الجُبَّ، وكان القميصُ الَّذي ألبسَه جبريلُ إبراهيمَ ﵇ في الهواء يومَ أُلقي في النَّارِ وصلَ إلى يعقوبَ ﵇، وكان جعلَه في تعويذٍ

стр. 4082

وربطَه على عضدِ يوسفَ، فحلَّه (١) جبريلُ وأخرجَه وكساهُ، وطيَّب قلبَه بالبشاراتِ، وقال له بأمر اللَّه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال قائلُهم: الدَّهرُ لا يبقى على حالَةٍ... كذاك حالُ العبدِ في العُسْرِ أمَا ترى يوسفَ في جُبِّهِ... في ضِيْقِ أَمْرٍ ثمَّ في اليُسْرِ * * * (١٦) - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾: العشاء: في آخر النَّهارِ إلى نصف (٢) اللَّيلِ. و ﴿يَبْكُونَ﴾ في معنى الحال؛ أي: يُظهِرون الحزنَ على يوسفَ، ويحتمِل أنَّهم ندموا على ما فعلُوا. * * * (١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: قال الزَّجَّاج: أي: نترامَى أيُّنا أصوبُ سهمًا (٣). وقيل: أي: نتعادى بالأقدام أيُّنا أسرع عدوًا. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾: أي: رَحْلِنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾؛

стр. 4083

أي: بمصدِّقٍ لنا فيما نقولُه ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾؛ أي: عند النَّاس لا نُتَّهمُ بتضييع أخينا، وذلك لسوء ظنِّك بنا، واتِّهامِك لنا فيه. * * * (١٨) - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: أي: مكذوبٍ فيه؛ مصدرٌ أُرِيْدَ به المفعول به؛ كـ (الثِّقة) يُراد به الموثوقُ به؛ أي: أخرجوا له قميصَ يوسفَ ملطوخًا بدمٍ كذبوا فيه. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ ومجاهدٌ: كان دمَ سَخْلَةٍ، أوهموه أنَّه دمُ ابنه (١). ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أي: لم يصدِّقْهم فيما جاؤوا به من الدَّم، وما أخبروه به مِن أكل الذِّئبِ، وقال لهم: ليس الأمرُ على ما تذكرون، بل زيَّنَتْ لكم أنفسُكُم أمرًا ففعلتُموه. و ﴿أَمْرًا﴾ كناية عن تضييعهم يوسفَ أو إهلاكِهم إيَّاه، ولمَّا يكن ذلك بيِّنًا عند يعقوبَ كنَّى فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أردْتُم أن يخلوَ وجهي لكم، فغيَّبْتم يوسف عنِّي. وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فلي صبرٌ جميلٌ، أو: فمني (٢)؛ كقوله تعالى:

стр. 4084

﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]؛ أي: فعليه ذلك. قال النَّبيُّ ﷺ : " ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: صبرٌ لا شكوى فيه" (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: أي: أستعين اللَّه على كشف ما الْتَبس عليَّ من أمرِكم. وعن الشَّعبيِّ قال: كانت قصَّةُ يوسفَ كلُّها في قميصِه، لمَّا ألقاه إخوتُه في الجبِّ نزعوا عنه قميصَه، وعمدوا إلى سَخْلَةٍ فذبحوها ولطَّخوا قميصَه بدمِها، ثمَّ جاؤوا به إلى أبيهم، فنظرَ يعقوبُ إلى القميص وهو صحيحٌ فقال لبنيه: إنْ كانَ هذا الذِّئبُ لحليمًا حينَ أكلَ ابني ولم يخرقْ قميصَه، ولمَّا شهد شاهدٌ قال: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧] الآيات، ولمَّا أُتِيَ يعقوبُ بقميصِه فأُلقِي على وجهِهِ فارتدَّ بصيرًا (٢). وفي القصَّة: أنَّهم لمَّا أبطؤوا على يعقوبَ كانت له جاريةٌ يقال لها: صفراء، فقال لها: خذي بيدي فانطلقي بي أستقبل يوسف، فخرجَا من كنعان، وصعدا تلًّا ينظران، فلمَّا أظلمَ اللَّيل قال لها: صيحي بأولادي، فقالَتْ: يا أولادَ يعقوبَ؛ هذا أبوكم ينتظركم، فسمعوا بذلك وهم في وادٍ، فمزَّقوا ثيابَهم وجعلوا يقولون: يا يوسفاه، يا حبيباه، فقال يعقوبُ: ما هذا الصِّياح؟ فأخبرتْهُ بما يقولون، فخرَّ مغشيًّا عليه، ثمَّ أفاقَ فقال: أيُّ ذئبٍ أكلَه؟

стр. 4085

وفي هذه الرِّواية: أنَّهم كانوا أخذوا ذئبًا فأحضروه، فقالوا: هذا الذِّئب، فقال للذِّئب: لِمَ أكلْتَ ولدي؟ فتكلَّم الذِّئبُ وقال: إنَّا لا ندورُ حولَ غنمِك، فكيفُ نأكلُ ولدَك؟! قال: فهل هو في الأحياء؟ قال: نعم، قال: أين هو؟ قال: سَلْ جبريلَ، قال: إنَّه لا يخبرني، قال: وإذا لم يخبرْكَ هو فكيفَ أخبرُكَ؟ وقال لأولاده: أسمعْتُم؟ قالوا: تصدِّق ذئبًا وتكذِّبنا ونحن عشرةٌ! فقال: جيئوا (١) بشيءٍ يدلُّ على ذلك ويكون لي تذكرةً عنه، فذهبوا وعادوا عشاءً وقد حملوا قميصَه ملطَّخًا بدم شاةٍ، فأخذَه ونظرَ فيه، فإذا هو صحيح لم يُخرَقْ، فقال: هل كان يوسفُ في هذا القميصِ؟ قالوا: نعم، قال: كيف وصلَ إليه ولم يُخْرَقْ هذا؟ فخجلوا، فقال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، ثمَّ توجَّه إلى الوادي وهو يقول: يا ولدي وقرَّةَ عيني وثمرةَ فؤادي؛ في أيِّ جُبٍّ طرحوك؟ في أيِّ بحرٍ غرَّقوك؟ بأيِّ سيفٍ قتلوك؟ بأيِّ أرضٍ دفنوك؟ فبكى لبكائِه الملائكةُ، فأتاه جبريل وقال: قد أبكيْتَ (٢) ببكائِكَ الملائكةَ، فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وفي "كتاب عصمة الأنبياء" قال: أضافَ (٣) فعلَهم إلى تسويلِ أنفسِهم، ولم يصرِّحْ بالفعلِ عنهم، فلم يقلْ: فعلْتُم ما فعلْتُم وأنتم ظالمون، بل قال: ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ وعقودُكُم للإيمان خاليةٌ عن قَبول تسويل أنفسكم ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: يسهُلُ لي الصَّبرُ إذا تأمَّلْتُ فعلَكم أنَّكم لم تكابروني (٤) معتقدين إيذائي، فيخفُّ عليَّ تحمُّلُ أذاكم، فأصبرُ صبرًا جميلًا، وهو الَّذي لا جزعَ فيه.

стр. 4086

وقد فعل ذلك عند الصدمةِ الأولى، ووفَّى حقَّ الصَّبر؛ إذ لوعةُ المصيبةِ عند حدوثها أشدُّ، فإذنْ لم يخالفْ وعدَه بالصَّبر الجميل؛ إذ لم يجزعْ للحالِ، وجزعُه مِن بعدِ ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] لا ندري لماذا كان، فلا يزولُ به الصَّبرُ، على أنَّ الجزعَ لا يزيلُ الصَّبرَ (١)؛ قال النَّبيُّ ﷺ في وفاة إبراهيمَ ولدِه: "إنَّ القلبَ يجزَعُ، والعينَ تدمعُ، ولا نقول ما يسخِطُ الرَّبَّ" (٢)؛ أبانَ أنَّ صفةَ الإنسانِ هي الضَّعفُ والعجزُ (٣)، قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. ولأنَّ جزعَه كان لفواتِ تلك اللَّطائفِ الَّتي كان اختُصَّ بها يوسفُ، فكانَت تؤثِّر في سرِّ يعقوبَ ﵇ (٤)، وهي كانت ربَّانية، والعبدُ فيما يفوتُه مِن نحو هذا إذا جزعَ بما يُعمِي بصرَه ويذوِّب جسمَه كان ممدوحًا معلًّى (٥) قدرُه. على أنَّ جزعَه إنْ جُعِلَ على فراقِ يوسفَ على ما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وحُمِلَ على ظاهرِه لم يبعدْ مِنَ الحكمةِ، والأشباحُ لها حرمةٌ في ذاتِ اللَّه تعالى ردًّا على المعتزلة، فإذا جزعَ لفقدِ جسدٍ أَجَلَّ اللَّهُ قدرَهُ؛ فقد أَجَلَّ ما أجلَّهُ اللَّهُ ، فلم يكن جزعُه كجزعِ الغافلينِ لفقدِ الولدِ بحقِّ الميلِ إليهم نهمةً ورغبةً في حظوظهم منهم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وفي الآية دلائل:

стр. 4087

أحدها: أنَّ مَن ارتكبَ صغيرةً فإنَّه يُخافُ عليه التَّعذيبُ ولا يصيرُ كافرًا، ومَن ارتكبَ كبيرةً لم يخرجْ من الإيمان؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ همُّوا بقتلِه (١) أو طرحِه في الجُبِّ، والتَّغييبِ عن وجه أبيه وإخلائه (٢) عنه، وذلك لا يخلو منهم: إمَّا أن تكون صغيرةً أو كبيرةً؛ فإنْ كانت صغيرةً فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [يوسف: ٩٧]، دلَّ أنَّهم إنَّما استغفروا لِمَا خافوا من (٣) العذابِ عليها وإنْ كانت كبيرةً، فلم يخرجوا عن الإيمان حيث صاروا (٤) أنبياءَ مِن بعدُ، وصاروا قومًا صالحين. دلَّ ما ذكرنا على نقض قولِ المعتزلة في صاحب الصَّغيرة: إنَّه لا يعذَّبُ عليها، وصاحبِ الكبيرة: إنَّه يخرجُ من الإيمان، ونقضِ الخوارج في قولهم: إنَّه إذا ارتكب كبيرةً أو صغيرةً صار به كافرًا مشركًا باللَّه (٥)، ونقضِ قولِ مَن يقول: إنَّ مَن كذَبَ متعمِّدًا أو وعَدَ فأَخلفَ أو اؤتمنَ فخانَ يصير منافقًا؛ لأنَّ إخوةَ يوسفَ ائتُمِنوا فخانوا، ووَعدوا فأَخلفوا، وحدَّثوا فكذَبوا، فلم يصيروا منافقين لأنَّهم قالوا: أكلَه الذِّئبُ، وما أكلَه، وهو (٦) كذبٌ، واؤتمنوا فخانوا حين ألقوه في الجبِّ، ووَعدوا أنَّهم يحفظونَه فلم يحفظوه. فإن قيل: رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ثلاثٌ مِن علاماتِ النِّفاقِ: إذا حدَّثَ

стр. 4088

كذبَ، وإذا اؤتمِنَ خانَ، وإذا وعدَ أخلفَ" (١)، فكيف توفِّق بينَ الآية والخبر، إذ هو لا يحتملُ النَّسخَ لأنَّه خبرٌ، والخبرُ لا يحتملُ النَّسخَ؟ قيل: يشبه أن يكون هذا في قومٍ خاصٍّ، اؤتمنوا ما أُودِعَ في التَّوراة مِن نعتِ (٢) محمَّدٍ ﷺ فغيَّروا، ووعدوا أن يبيِّنوه فأخلَفوا وكتموه، وحدَّثوا أنَّهم بيَّنوه فكذَبوا. أو يصير منافقًا ممَّا ذُكرَ (٣) إذا كان ذلك في أمر الدِّين، فأمَّا في غيره فإنَّه لا يصير به منافقًا، ولا يكون ذلك مِن أعلام المنافق، واللَّه تعالى أعلم (٤). وقال في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ﴿فَصَبْرٌ﴾؛ أي: كفُّ النَّفسِ عن الجزعِ، ﴿جَمِيلٌ﴾ لا مكافأة فيه، فإنَّهم بما فعلوا كانوا مستوجِبين ذلك (٥). * * * (١٩) - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو (٦): ﴿يا بشراي﴾؛ أي: بالألف مضافةً بالياء، وقرأ الباقون: ﴿يَابُشْرَى﴾ غير مضافٍ (٧).

стр. 4089

والواردُ (١): الصَّائر إلى الماء للاسْتِقاءِ منه. وأدلى دلوَه: أرسلَها ليملأَها، ودلَّاها يَدْلوها: أخرجها ملأى ماءً. والإسرارُ: الإخفاء. والبضاعةُ: قطعةٌ من المال تُحمَلُ لطلبِ ربحها. يقول: وجاءَتْ عِيرٌ يسيرونَ إلى موضعٍ -قيل: كانوا يسيرون إلى مصرَ جائين من الشَّام- فانتهوا إلى ناحية بيتِ المقدسِ، والجبُّ هناك، فأرسلوا مَنْ يَرِدُ البئرَ فيَستقي لهم الماءَ على رَسْمِ القوافلِ، فأرسلَ دلوَه في البئرِ، فتعلَّقَ بها يوسفُ، فراَه الوارِدُ فنادى أصحابَه -وهم بالقُرْبِ منه- بالبشارة، فقال: يا بُشرَى لكم، هذا غلامٌ عبدٌ قد وجدْتُهُ. ومَن قرأ: ﴿يا بشراي﴾ فمعناه: يا بشارة لي. ولمَّا نادى أصحابَه -وهم رفقته (٢) - بالبشارةِ، فنظروا إليه ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾؛ أي: قالوا في أنفسهم: نبيعُ هذا الغلامَ مِن مَلِكِ مصرَ، فنكون قد انتفعنا (٣) بثمنِه، فتقدير هذا: أسرُّوا هذا في أنفسِهم جاعلين له (٤) بضاعةً. وقيل: معناه: أنَّ هذا الواردَ ورفقتَه خافوا أنَّ سائرَ أهل العير إنْ علموا بالحال استشركوهم فيه، فأسرُّوا فيما بينهم أنْ يقولوا إذا سألَهم أهلُ العير عنه قالوا: إنَّه بضاعة استبضَعَناه بعضُ أهل الشَّام إلى مصر؛ ليسلَمَ الغلامُ لهم من غيرِ مزاحمةٍ.

стр. 4090

وقيل: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: هو فعلُ إخوةِ يوسفَ، وكانوا بالقرب منهم، جاؤوا وكتموا أنَّه أخوهم، وجعلوه عبدًا حملوه بضاعةً لأنفسِهم يبيعونه، ولم يُظهرْ يوسفُ؛ خوفًا على نفسِه من القتل الَّذي أَوعدوه به (١). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما كانَ الإخوة يعملونَه، أو الملتقطون، مِن إسرارِه بضاعةً، ولو شاءَ اللَّهُ لغيرهم، ولعجَّل ليوسفَ ﵇ خلاصَه، لكنَّه أمضى فيه سابقَ حكمِه على وَفق علمِه وإرادتِه، حيث جعل لكلِّ أجلٍ كتابًا، فأمهلَهم حتَّى يبلغَ الكتابُ أجلَه، فيخلِّصَه حينئذٍ. قال كعبٌ: كان بينَ مَدينَ ومصرَ (٢)، فأخطأَتِ الرُّفقةُ الطَّريقَ، فعثروا على بئرٍ في وسط مَفازةٍ، ولم يكنِ البئرُ على الطَّريق، وإنَّما كانت بئرًا للرُّعاة يسقون أغنامَهم منها. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لمَّا أراد اللَّه ﷻ خلاصَ يوسفَ من الجبِّ أزعجَ خواطرَ السَّيَّارة في قصدِ السَّفر، وأعدمَهم الماءَ حتَّى احتاجوا إلى الاستقاءِ، ليصلَ يوسفُ إلى خلاصِه، وقد قيل: رُبَّ تشويشٍ يقعُ في العالَم والمقصودُ منه سكونُ واحدٍ، وقد قيل: ربَّ ساعٍ لقاعدٍ (٣). وقال وهبٌ: كان يوسفُ صلوات اللَّه عليه في الجُبِّ ثلاثةَ أيَّامٍ، وإخوتُه بالقربِ منه يحرسونَه حتَّى جاءَتِ السَّيَّارةٌ؛ وهي رفقةٌ مِن أهل مدينَ، وهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثة عشرَ نفسًا، فنزلوا قريبًا من الماء، فأرسلوا واردهم -وهو مجلث بن رَعْويل- فأدلى دلوَه.

стр. 4091

وقال عثمان بن عبد العزيز الحيريُّ: وكان سيِّدُ القوم مالكَ بن دُعْر الخزاعيَّ من العرب. وقيل: هو مالك بن دُعْر بن ثويب بن عباد بن مدين بن إبراهيم من أهل مدين؛ ابن أخي شعيب (١). ﴿وَارِدَهُمْ﴾ بُشَير، وكان لمالكٍ غلامان: بُشير، وبُشرى، فأدلى بُشيرٌ دلوه، فتعلَّق بها يوسفُ، فقعدَ فيها فأمسكَ الحبلَ بيدِه، فطلعَ الغلامُ مِن الدَّلو يتكلَّمُ بغير كلام السَّيَّارة، ولم يروا مثلَه حُسنًا وجمالًا ونضرة وتمامًا، فلمَّا نظر إلى الغلام قال لأصحابِه: يا بُشرى، أو قال لصاحبِه: يا بُشرى؛ وهو اسمُه. ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: كتموه عن القوم، وقالوا لأهل القافلة: بضاعةٌ استبْضَعَناه أهلُ الماء نبيعُه لهم بمصر، وكان ذلك بأعينِ إخوة يوسف، فجاؤوهم (٢) وقالوا لهم: هل لكم أن تشتروا منَّا هذا الغلام؟ قالوا: أَوَ مملوكٌ هو لكم؟ قالوا: نعم، قالوا: حاشا للَّه، ما هذا بمملوكٍ، ولا موسومٍ بالعبوديَّة، ولكنَّه موسومٌ بسيما الأحرارِ والكرام، فما قصَّة هذا الغلام؟ قالوا: وُلد في حجورنا، ونشأ بينَنا، وربَّيناه بأيدينا، فأحبَّه أبونا، فأكرمَه وآثرَه ونعَّمَه ووَمَقَهُ (٣)، فصرفَ وجهَه وغلبَ عليه، فأدرَكَنا ما يدركُ النَّاسَ مِن الغيرة والحسد، وغاظنَا أن يكونَ عبدُنا أحبَّ إلى أبينا منَّا، وليس بمملوكٍ لأبينا، ولكنَّه ابن أَمَةٍ لأمِّنا، وقد وَهَبَتْهُ لنا، وأذنَتْ لنا في بيعِه، وكرهَتْ قربَه مِن أجلِنَا، فلمَّا سمعَتِ السيَّارة مقالَتهم، ورأوا حالَتَهم وحسنَ هيأتِهِم، صدَّقوهم فاشتروه منهم.

стр. 4092

(٢٠) - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. فذلك قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: أي: باعوه، يعني: إخوته، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: قليل (١)، والبَخسُ في اللُّغةِ: النَّقصُ. وقال ابن حَيَّان: أي: زيفٍ رديءٍ (٢). وقيل: أي: حرامٌ؛ لأنَّ ثمنَ الحرِّ حرامٌ (٣). وقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: بدلٌ من (ثمن بخس). قال أبو بكر بن عبدش (٤): هذا يدلُّ على أنَّه كان من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ؛ لأنَّ ما فوقَه مِن العددِ لا يُسمَّى دراهم (٥). وقيل: إنَّها لقلَّتها عُدَّتْ ولم توزَنْ. وقيل: كانَتْ أربعيْنَ أو دونَها، وكانوا يَعدُّون ما دون الأوقيَّة، ويَزِنون ما فوقَها، والأوقيَّة: أربعون درهمًا. وأكثرُهم على أنَّها كانت عشرين، وهو قول ابن عبَّاس وقتادة وعكرمة

стр. 4093

وعطيَّة (١)، وكانوا عشرةً، وأصابَ كلَّ واحدٍ منهم درهمان. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: أي: كانت الإخوة غير راغبين في ثمنِه. وقيل: في بيعِه (٢). وقيل: وكان المشترون في شرائِه غيرَ راغبين؛ لأنَّ الإخوة وصفوه بالإباق. وقيل: أي: ما خطرَ ببال المشترِيْنَ معه الفسقُ مع صباحته وملاحته. وفي القصَّة: أنَّهم لمَّا عرضوه على البيع قال مالكٌ: ليس معي نقدٌ كثيرٌ، قالوا: نساهلك بما معَكَ، فكان معه عشرون درهمًا للنَّفقة، فاشتراه منهم بها، فطلبَ مالكٌ منهم كتابَ المشتري، فكتبَ روبيل: باسم إلهِ إبراهيم، هذا ما اشترى أبو دلامة مالكُ بن دُعْر الخزاعيُّ مملوكًا من اَلِ يعقوبَ بعشرين درهمًا، نصفها عشرة دراهم، وأعطاهم عهدَه وميثاقه الَّذي اتَّخذ على أنبيائِه ورسلِه أمانةً في ذمَّتِه بأن لا يُلبسه إلَّا المِسْحَ (٣)، ولا يطعمه إلَّا قُوْته، ولا يحمله إلَّا على بعيرٍ بغير وكاءٍ، ولا يطلقَه حتَّى يدخلَه مصرَ. وقبض آلُ يعقوبَ الثَّمن، وأخذَ مالكٌ العبدَ، وأشهدوا بذلك على أنفسِهم أصحابَ العير من التجَّار (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾؛ أي: باعوه بثمنٍ لا يُباعُ مثلُه بمثله.

стр. 4094

﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ قيل: أي: المشترون لمَّا خافوا ذهابَ الثَّمن إن كان مسروقًا (١). وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: ليس العجبُ ممَّن يبيعُ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، إنَّما العجبُ ممَّن يجدُ مثلَ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، والحرمانُ لا غايةَ له، والبَختُ لا نهايةَ له. قال: ويقالُ: ليسَ العجبُ ممَّن يبيعُ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ، العجبُ ممَّن يبيعُ وقتَه -الَّذي هو أعزُّ من الكبريتِ الأحمرِ- بعَرَضٍ حقيرٍ من الدُّنيا. قال: ويقال: إنَّ السَّيَّارة لم يعرفوا قيمَته وزهدوا في شرائِه بثمنٍ بخسٍ، والَّذين وقفوا على جماله وشيءٍ من حاله غالَوا بمصرَ في ثمنِه حتَّى اشترَوه (٢) بزنتِه دراهمَ ودنانيرَ مرَّات، وفي معناه أنشدوا: إنْ كنْتُ عندَكَ يا مولايَ مطَّرَحًا... فعندَ غيركَ محمولٌ على الحَدَقِ (٣) * * * (٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا

стр. 4095

أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: قال وهبٌ: فانطلقَتِ السَّيَّارة حتَّى وردوا به مصرَ، فرفعوه إلى سوقِها، فعرضوه للبيع، فترافعَ النَّاسُ في ثمنِه وتزايدوا وتنافسوا فيه، حتَّى بلغَ ثمنُه وزنَه مسكًا، ووزنَه وَرِقًا، ووزنَه حريرًا، فوُزِنَ فبلغَ أربعَ مئةِ رِطلٍ، وهو يومئذٍ غلامٌ ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: ابن تسع عشرة سنة. اشتراه بذلك رجلٌ من القِبطِ يُقال له: قطفير، وهو عزيزُ مصر (١)، وهو أمينُ أهل مصر في أنفسِهم، وأمينُ فرعونَ وخازنه على كلِّ شيء يملكه ويَحوزه وكاتبه (٢)، وكان قطفير مؤمنًا معلنًا بإيمانه، وكان شرَطَ على الملكِ ألَّا يصدَّه عن دينِه، ولا يَدْعوه إلى غيرِه ليعملَ له؛ وكان رجلًا صالحًا. قيل: والملكُ فرعونُ موسى، ويدلُّ عليه قولَه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤]، وهو غيرُ بعيدٍ؛ لأنَّ فرعونَ عاشَ أربعَ مئة سنة. وقيل: بل فرعونُ موسى من أولادِ فرعونِ يوسفَ؛ وهو الوليدُ بن الريَّان رجلٌ من العماليق. وقيل: لمَّا نقدَ العزيزُ لمالك بن دُعْر هذه الأشياء؛ قال يوسفُ لمالك: لا تأخذ هذه الأشياء ثمنًا عنِّي فإنِّي حرٌّ، وبيَّن نسبَه، فقال مالكٌ: لِمَ لا تخبرني بذلك؟ فقال: لا يمكن، فأتى العزيزَ وقال: لا يصلح لمثلي -وأنا تاجرٌ من تجَّار ولايتكَ، والمستظِلُّ بظلِّ دولتك- أن أربحَ عليك، وإنِّي اشتريتُه بعشرينَ درهمًا، فلا آخذُ منك إلَّا هذا القَدْرَ، ولولا أنَّك لا ترضى بامتناني عليك لم آخذْ منك شيئًا، فأحسنْ إلى هذا فإنَّه أهلٌ للإحسانِ.

стр. 4096

ثمَّ أتى إلى يوسف وقال: إنِّي قد علمْتُ (١) بقولِك، وبيننا ممالحةٌ (٢)، فاقضِ حاجتي، قال: وما حاجتُكَ؟ قال: أنا رجلٌ لا ولدَ لي، فادعُ اللَّهَ تعالى أن يرزقني ولدًا، فنظر يوسف ﵇ إلى جبريلَ مقبلًا يقولُ له: ادعُ اللَّهَ للتَّاجر فإنَّه قريبٌ مجيبٌ، فقال: ما أقول؟ فقال: قلْ: يا مَنْ يُعزُّ ويذلُّ، يا مَنْ يضعُ ويرفَعُ، ويا مَنْ يُعطي ويمنعُ، يا مَنْ هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، ارزق الشَّيخَ أولادًا ذكورًا. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فاستُجيبَتْ له دعوتُه، وكان لمالك بن دُعْر اثنتا عشرةَ جاريةً، فرجع إليهنَّ وباشرهنَّ، فحملَتْ كلُّ جاريةٍ وولدَتْ ذكرَيْنِ، فاجتمعَ له أربعةٌ وعشرون ابنًا: الشَّرعبي (٣)، والسَّبندي، والسَّندري (٤)، والأخيل، والبلندَى، والمهذَّب، والمصفَّى (٥)، والأصفح، والصَّمحمح (٦)، والخضم، والمشرفي، ومِصدع، والسَّميدع، والرحَّال، والذَّيَّال، والصَّيفي، وقيظي (٧)، وبَيْهس (٨)،

стр. 4097

وعَسْعس، والعملَّس (١)، والعدبَّس، والملادس، والعلاس (٢)، والعرندس (٣). ولمَّا اشتراه العزيزُ وحملَه إلى بيتِه قال لامرأتِه زليخا: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾؛ أي: أحسِني مقامَه (٤)، وأنزليه منزلة مَن يُكرَم. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾: بالإعانة لنا على أمورنا الَّتي نليها، يكفينا بعض أشغالنا، فنرتفِق ارتفاق العبيد ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ أي: نتبنَّاه، وهذا يدلُّ على أنَّهما لم يكن لهما ولدٌ، ويحتمل أنَّه كان، والتمسَا الزِّيادة، أو توسَّما في يوسف ما كان معدومًا في أولادهما، وكان اللَّه تعالى ألبسَ يوسف في تلك الحالة لباسَ مثله ممَّن قد أعدَّه لاصطفائه. وقيل: أصدقُ النَّاسِ فراسةً ثلاثةٌ: العزيزُ حين قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وابنة شعيب حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ

стр. 4098

الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر ﵁ حين استخلفَ عمر؛ قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (١). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: وكما خلَّصناه مِن كيدِ إخوتِه ومِن الجُبِّ ملَّكناه أرضَ مصر. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: هو عبارة الرُّؤيا وغيرُ ذلك ممَّا فسَّرناه في (٢) أوَّل السُّورة، فيصير الملِكَ بها، والنَّبيَّ المبعوثَ إليها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي: أَمْرِ نفسِه، لا يغلبُه على ما يريدُ إمضاءَه أحدٌ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لإعراضِهم عن التَّفكير في آياتِه، والاستدلالِ بها على كمالِ قدرته ونفاذِ مشيئته. وقيل: واللَّه غالبٌ على أمرِ يوسفَ، يدبِّره بما لا يعارضُه فيه أحدٌ، ويبلِّغُه المنزلةَ الَّتي بلَّغها إيَّاه، ويُحقِّق فيه رجاءَ أبيه إذ قال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [يوسف: ٦]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تدبيرَ اللَّهِ فيه، ويجهلون قدرَه عندَه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا نُودي على يوسفَ بمصرَ ببيعِه، لم يرضَ اللَّهُ حتَّى أصابَتْهم الضرورة حتَّى باعوا من يوسفَ جميعَ أملاكهم،

стр. 4099

ثمَّ باعوا أنفسَهم منه في آخر أمرهم طلبًا للطَّعام، فصاروا بأجمعِهم عبيدًا له، ثمَّ إنَّهم لمَّا مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقَهم، فلئِنْ مرَّ عليه يومٌ بمصرَ نُوديَ عليه بالبيع، أصبحَ بمصرَ يومًا آخر وقد ملكَ جميعَ أملاكِهم وملكَ رقابَ جميعِهم، فيومٌ بيومٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]، يومانِ شتَّانَ ما بينهما. ثمَّ إنَّه أعتقَ جميعَهم، وكذا الكريم إذا قدرَ غفرَ. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أنَّ مَن حسدَه أرادَ ألَّا يكون له فضلٌ عليهم في ذاتِ نفسِه على إخوتِه وذويه، وأرادَ اللَّه تعالى أن يكون له ملكُ الأرض، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى لا ما أرادَ حسَّادُهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. وأرادوا أن يكونَ يوسفُ عبدًا لمنْ باعوه منه مِن السَّيَّارة، واللَّهُ أرادَ أن يكون عزيزًا بمصرَ، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى دونَ ما أرادوا (١)، فاللَّه غالبٌ على أمرِه (٢). * * * (٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عشرين سنةً (٣). وقيل: ثماني عشرةَ سنةً. يقول: ولمَّا بلغَ يوسفُ شبابَه وكمالَ قوَّتِه ووفورَ عقلِه واهتدائِه للأمور ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي: حكمًا بينَ العبادِ بالنُّبوَّة، وعلمًا بالدِّين وبتأويل الأحاديث.

стр. 4100

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: وهكذا نجزي مَنْ أحسنَ عملَه فلم يخلطْهُ بشركٍ ولا معصيةٍ. قيل: المرادُ به رسولُ اللَّه ﷺ ؛ أعلمَه اللَّهُ تعالى أنَّه صائرٌ إلى العلوِّ على قومِه، ونفاذِ الحكم والسُّلطان عليهم، كما فعلَه بيوسفَ ﵇. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المؤمنين (١). وقال الضَّحَّاك: أي الصَّابرين على النَّوائب (٢). وقيل: قالَ في قصَّة موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ولم يقل هاهنا: (استوى)؛ لأنَّ موسى أُوحِيَ إليه عند منتهى الأشُدِّ والاستواء؛ وهو أربعون سنة، وأوحى اللَّهُ تعالى (٣) إلى يوسفَ عند أوَّلِه؛ وهو ثماني عشرةَ سنةً. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يحتمل إحسانَ الأعمال، ويحتمل الإحسانَ إلى النَّاس، ويحتمل الإحسانَ إلى نفسه، ويحتمل إحسانَ صحبةِ نِعم اللَّه والقيام بشكرِه (٤). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مِن جملة الحُكْمِ الَّذي آتاهُ اللَّهُ تعالى نفوذُ حُكمِه على نفسِه حتَّى غلبَ شهوتَه، فامتنعَ عمَّا راودَتْه زليخا عن نفسِه، ومَن لا حُكْمَ له على نفسِه لم ينفذْ حكمُه على غيرِه.
следующие страницы →