← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

ثمَّ أتى إلى يوسف وقال: إنِّي قد علمْتُ (١) بقولِك، وبيننا ممالحةٌ (٢)، فاقضِ حاجتي، قال: وما حاجتُكَ؟ قال: أنا رجلٌ لا ولدَ لي، فادعُ اللَّهَ تعالى أن يرزقني ولدًا، فنظر يوسف ﵇ إلى جبريلَ مقبلًا يقولُ له: ادعُ اللَّهَ للتَّاجر فإنَّه قريبٌ مجيبٌ، فقال: ما أقول؟ فقال: قلْ: يا مَنْ يُعزُّ ويذلُّ، يا مَنْ يضعُ ويرفَعُ، ويا مَنْ يُعطي ويمنعُ، يا مَنْ هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، ارزق الشَّيخَ أولادًا ذكورًا. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فاستُجيبَتْ له دعوتُه، وكان لمالك بن دُعْر اثنتا عشرةَ جاريةً، فرجع إليهنَّ وباشرهنَّ، فحملَتْ كلُّ جاريةٍ وولدَتْ ذكرَيْنِ، فاجتمعَ له أربعةٌ وعشرون ابنًا: الشَّرعبي (٣)، والسَّبندي، والسَّندري (٤)، والأخيل، والبلندَى، والمهذَّب، والمصفَّى (٥)، والأصفح، والصَّمحمح (٦)، والخضم، والمشرفي، ومِصدع، والسَّميدع، والرحَّال، والذَّيَّال، والصَّيفي، وقيظي (٧)، وبَيْهس (٨)،

стр. 4097

وعَسْعس، والعملَّس (١)، والعدبَّس، والملادس، والعلاس (٢)، والعرندس (٣). ولمَّا اشتراه العزيزُ وحملَه إلى بيتِه قال لامرأتِه زليخا: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾؛ أي: أحسِني مقامَه (٤)، وأنزليه منزلة مَن يُكرَم. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾: بالإعانة لنا على أمورنا الَّتي نليها، يكفينا بعض أشغالنا، فنرتفِق ارتفاق العبيد ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ أي: نتبنَّاه، وهذا يدلُّ على أنَّهما لم يكن لهما ولدٌ، ويحتمل أنَّه كان، والتمسَا الزِّيادة، أو توسَّما في يوسف ما كان معدومًا في أولادهما، وكان اللَّه تعالى ألبسَ يوسف في تلك الحالة لباسَ مثله ممَّن قد أعدَّه لاصطفائه. وقيل: أصدقُ النَّاسِ فراسةً ثلاثةٌ: العزيزُ حين قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وابنة شعيب حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ

стр. 4098

الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر ﵁ حين استخلفَ عمر؛ قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (١). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: وكما خلَّصناه مِن كيدِ إخوتِه ومِن الجُبِّ ملَّكناه أرضَ مصر. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: هو عبارة الرُّؤيا وغيرُ ذلك ممَّا فسَّرناه في (٢) أوَّل السُّورة، فيصير الملِكَ بها، والنَّبيَّ المبعوثَ إليها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي: أَمْرِ نفسِه، لا يغلبُه على ما يريدُ إمضاءَه أحدٌ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لإعراضِهم عن التَّفكير في آياتِه، والاستدلالِ بها على كمالِ قدرته ونفاذِ مشيئته. وقيل: واللَّه غالبٌ على أمرِ يوسفَ، يدبِّره بما لا يعارضُه فيه أحدٌ، ويبلِّغُه المنزلةَ الَّتي بلَّغها إيَّاه، ويُحقِّق فيه رجاءَ أبيه إذ قال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [يوسف: ٦]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تدبيرَ اللَّهِ فيه، ويجهلون قدرَه عندَه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا نُودي على يوسفَ بمصرَ ببيعِه، لم يرضَ اللَّهُ حتَّى أصابَتْهم الضرورة حتَّى باعوا من يوسفَ جميعَ أملاكهم،

стр. 4099

ثمَّ باعوا أنفسَهم منه في آخر أمرهم طلبًا للطَّعام، فصاروا بأجمعِهم عبيدًا له، ثمَّ إنَّهم لمَّا مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقَهم، فلئِنْ مرَّ عليه يومٌ بمصرَ نُوديَ عليه بالبيع، أصبحَ بمصرَ يومًا آخر وقد ملكَ جميعَ أملاكِهم وملكَ رقابَ جميعِهم، فيومٌ بيومٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]، يومانِ شتَّانَ ما بينهما. ثمَّ إنَّه أعتقَ جميعَهم، وكذا الكريم إذا قدرَ غفرَ. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أنَّ مَن حسدَه أرادَ ألَّا يكون له فضلٌ عليهم في ذاتِ نفسِه على إخوتِه وذويه، وأرادَ اللَّه تعالى أن يكون له ملكُ الأرض، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى لا ما أرادَ حسَّادُهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. وأرادوا أن يكونَ يوسفُ عبدًا لمنْ باعوه منه مِن السَّيَّارة، واللَّهُ أرادَ أن يكون عزيزًا بمصرَ، فكان ما أرادَ اللَّهُ تعالى دونَ ما أرادوا (١)، فاللَّه غالبٌ على أمرِه (٢). * * * (٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عشرين سنةً (٣). وقيل: ثماني عشرةَ سنةً. يقول: ولمَّا بلغَ يوسفُ شبابَه وكمالَ قوَّتِه ووفورَ عقلِه واهتدائِه للأمور ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي: حكمًا بينَ العبادِ بالنُّبوَّة، وعلمًا بالدِّين وبتأويل الأحاديث.

стр. 4100

﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: وهكذا نجزي مَنْ أحسنَ عملَه فلم يخلطْهُ بشركٍ ولا معصيةٍ. قيل: المرادُ به رسولُ اللَّه ﷺ ؛ أعلمَه اللَّهُ تعالى أنَّه صائرٌ إلى العلوِّ على قومِه، ونفاذِ الحكم والسُّلطان عليهم، كما فعلَه بيوسفَ ﵇. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المؤمنين (١). وقال الضَّحَّاك: أي الصَّابرين على النَّوائب (٢). وقيل: قالَ في قصَّة موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ولم يقل هاهنا: (استوى)؛ لأنَّ موسى أُوحِيَ إليه عند منتهى الأشُدِّ والاستواء؛ وهو أربعون سنة، وأوحى اللَّهُ تعالى (٣) إلى يوسفَ عند أوَّلِه؛ وهو ثماني عشرةَ سنةً. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يحتمل إحسانَ الأعمال، ويحتمل الإحسانَ إلى النَّاس، ويحتمل الإحسانَ إلى نفسه، ويحتمل إحسانَ صحبةِ نِعم اللَّه والقيام بشكرِه (٤). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مِن جملة الحُكْمِ الَّذي آتاهُ اللَّهُ تعالى نفوذُ حُكمِه على نفسِه حتَّى غلبَ شهوتَه، فامتنعَ عمَّا راودَتْه زليخا عن نفسِه، ومَن لا حُكْمَ له على نفسِه لم ينفذْ حكمُه على غيرِه.

стр. 4101

قال: وقيل: لمَّا استوى شبابه -وكان وقتَ استيلاء دواعي مطالبات البشريَّة- آتاه اللَّه الحُكْمَ الَّذي أثبتَه (١) على الحقِّ وصرفَه عن الباطل (٢). * * * (٣٢) - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآية أنَّ البيتَ قد يُضافُ إلى المرأة وإن كان في الحقيقةِ لزوجِها (٣). وهو دليلُ أصحابِنا ﵏ فيمَنْ حلفَ: لا يدخلُ دارَ فلانٍ، فدخلَ دارًا هو ساكنُها؛ يحنثُ لإضافتِها إليه. والمراودة: فعلٌ بينَ اثنينِ، يراودُ أحدُهما الآخرَ على شيءٍ، فيجري في ذلك مدافعةٌ وممانعةٌ، مأخوذةٌ من الإرادة وهي المشيئة، ومنَ الرَّوْدِ وهو الطَّلب. يقول: طالبَتْ زليخا يوسفَ بمساعدتِها على ارتكابِ الفحشاء منها. ويجوزُ أن يكون مشتقًّا من الرُّوَيْد؛ وهو التَّمهُّل والتَّرفُّق، والمراودةُ: هي المطالبةُ على التَّرفُّق والتَّمهُّل. ومعنى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: مِن أجلِ نفسِه، يُقالُ: فلانٌ يخاصمُ عن فلانٍ،

стр. 4102

ويجادلُ عن فلانٍ، ويتكلَّمُ عن فلانِ (١)؛ أي: من أجلِه. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: التَّشديد لتكثيرِ المحالِّ؛ وهي الأبوابُ، وإنَّما غلَّقتها لئلَّا يفجأها أحدٌ، ولئلَّا يتخلَّصَ يوسفُ عنها، ولرجاءِ أن يجيبَها، وتكونَ أسبابُ الخلوةِ حاصلةً. ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾؛ أي: تعالَ وهلمَّ إلى ما هو لكَ، وقد توصَلُ به (٢) وقد لا تُوصَلُ به، وقد أنشدَ أبو عَمرو بنُ العلاءِ ﵀: أبلغْ أميرَ المؤمنيـ... ن أخا العِراقِ إذا أتيْتَا أنَّ العِراقَ وأهلَهُ... عُنُقٌ إليْكَ فهَيْتَ هَيْتَا (٣) وهي للذَّكرِ والأنثى والواحدِ والجمعِ سواءٌ. وقيل: هي كلمةُ حثٍّ وإقبالٍ على الشَّيء، وأصلُه: الجَلَبةُ والصِّياحُ، وقد هيَّت فلانٌ بفلانٍ، وقال الشَّاعرُ: قدْ رابَني أنَّ الكَرِيَّ أسْكَتا... لو كانَ مَعْنِيًّا بِها (٤) لهيَّتا (٥)

стр. 4103

وفيه ستُّ قراءات: قرأ أهلُ العراق: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء والتَّاء (١). وقرأ يحيى بن وثَّاب: (هِيْتُ لك) بكسر الهاء وضم التَّاء (٢). وقرأ نصرُ بن عاصم ويحيى بن يعمر: (هَيتِ) بفتح الهاء وكسر التَّاء (٣). وقرأ أهلُ المدينة وابن عامرٍ: بكسر الهاء وفتح التَّاء: ﴿هِيتَ لك﴾. وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿هَيتُ لك﴾؛ بفتح الهاء وضمِّ التَّاء (٤). وقرأ عكرمة: ﴿هِئتُ لك﴾؛ بكسر الهاء وضمِّ التاء، وهمزِ الحشو من الهيئة (٥)؛ أي: تهيَّأْتُ لك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أي: أعوذُ باللَّهِ إنْ أجبْتُ إلى هذا. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾: أي: زوجَها سيدي بحكم الشِّراء ظاهرًا. ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أي: أكرمَ مقامي، وقال لامرأتِه: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. وقال مجاهدٌ وابن إسحاق والسُّديُّ: أي: زوجها بسطَ يدي ورفعَ منزلَتي (٦)؛ وكذا قال الحسن (٧).

стр. 4104

وقال الزجَّاج: يجوز أن يكون معناه: اللَّهُ ربِّي أحسنَ مثواي؛ أي: عوَّدني الإحسانَ إلى حيث ثويْتُ منذُ فارقْتُ أبي، فلنْ أظلمَ نفسي بالمعصية له (١). ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: وعلى القول الأوَّل: فلا أخونُ العزيزَ وقد أحسنَ إليَّ فأكونَ ظالمًا له ولنفسي ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ولا يفوزونَ بخيرٍ ولا حَمْدٍ من النَّاس. وقيل: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: لا يأمنُ من عذابِ اللَّه الزُّناة. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ما داموا في ظلمِهم، فإذا تركوه وتابوا عنه أفلحوا (٢). وقال: في قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: يحتمل أن يكون معناه: ها أنا لك. قال: وقيل: ليسَتْ بعربيَّة (٣). ذكروا أنَّ زليخا هويَتْ يوسفَ وهامَتْ بحبِّه، فنحلَ بدنُها، وتغيَّر لونُها، وذهبَ قواها (٤) ونومُها، وارتابَ أهلُ بيتِها في أمرِها، فسألَتْها الظِّئْرُ عن ذلكَ، فبثَّتْ (٥) لها حالَها، واستعانَتْ بها على بلوغ مرادِها من يوسفَ، فقالَتْ لها: أخبريْهِ بما في قلبِكِ واعرضي عليه جمالَكِ، قالَتْ: إنَّه لا يدنو منِّي، ولا ينظرُ إليَّ، ولا يفتح عينيه إذا دخلَ الدَّار، قالَتْ: فأنا أحتالُ لذلك، لكن لا بدَّ من مالٍ كثيرٍ، فبذلَتْ لها ما سألَتْ،

стр. 4105

فاتَّخذت بيتًا من رخامٍ مملَّس على سقفه وحوائطه صورة يوسفَ وزليخا. فلمَّا تمَّ ذلك هيَّأَتْ البيتَ بأنواعِ (١) الفُرُشِ، وزيَّنَتْه بالأواني والحليِّ، ولبسَتِ الحُلَل وتُوِّجَتْ بتاجٍ مرصَّعٍ، وجلسَتْ على سريرِ ذهبٍ مرصَّعٍ باليواقيتِ، وعليها أنواعُ الحُليِّ، ودَعَتْهُ، فجاءَ وهو لا يعلمُ. فلمَّا دخلَ البيتَ (٢) أغلقَتْ عليه الأبوابَ؛ وهي سبعةُ أبوابٍ بعضُها في بعضٍ، وقالَتْ له: يا يوسفُ، ما أحسنَ وجهَكَ! قال: في الرَّحمِ صوَّرني ربِّي. قالت: يا يوسفُ، ما أحسنَ شعرَكَ! قال: هو أوَّل شيءٍ يسقطُ منِّي في قبري. قالت: ما أحسنَ عينيْكَ! قال: بهما أنظرُ إلى ربِّي. قالت: يا يوسفُ، ارفعْ بصرَكَ فانظرْ إليَّ. قال: أخشى العمى في آخرِ عمري. قالت: يا يوسفُ، لِمَ تتباعدُ عنِّي؟ قال: أريدُ الاقترابَ مِن ربِّي. قالت: يا يوسفُ، القيطونَ (٣) فادخلْ معي. قال: ليس شيءٌ يسترني مِن ربِّي. قالت: يا يوسفُ، فراشُ الحريرِ ممهَّدٌ لك، قمْ فاقضِ حاجتي. قال: إذًا يذهب مِنَ الجنَّةِ نصيبي. قالت: يا يوسفُ، جعلْتَ تجترئُ على سخطي؟! قال: أرجو (٤) بذلك مرضاةَ ربِّي. قالت: يا يوسفُ، عبدٌ اشتريتُكَ، فأنت تتعظَّم عليَّ؟! قال: بجُرمي وخطيئتي اشتريتِني.

стр. 4106

قالت: يا يوسفُ، ليتني لم أعرفْكَ. قال: ذلك فعلُ إخوتي بي (١). قالت: يا يوسفُ، ضعْ يدَكَ على صدري. قال: لا صبرَ لي على احتراق جسدي. قالت: يا يوسفُ، الجنينة قد عطشَتْ، قمْ فاسقِها. قال: الَّذي بيدِه مفاتيحُها أحقُّ بسقيها منِّي. قالت: يا يوسف، لأسلمنَّكَ على أيدي المعذِّبين، فيَسُلُّون جسمَكَ كما سللْتَ جسمي، قال: لا بأسَ إذا كان ربِّي راضيًا عنِّي. قالت: يا يوسفُ، بأيِّ علَّةٍ امتنعْتَ عنِّي؟ قال: بحقِّ اثنين؛ بحقِّ إلهي الَّذي في السَّماءِ ملكُه، وبحقِّ سيِّدي الَّذي في الأرض سلطانُه عليَّ وعليك. قالت: يا يوسف، أمَّا سيِّدكَ الَّذي في الأرض سلطانُه فإنِّي آخذُ كأسَ الزَّبرجد بيميني وإبريقَ الدُّرِّ بشمالي، فأسقيه الكأسَ الأوَّل فيسقطُ لحمُه بين يديه، فأجعلُه في قِبْطيَّة (٢) فأدفنُه تحتَ أساسِ بيتي، وأمَّا إلهكَ الَّذي في السَّماء ملكُه؛ فإنَّ لي من الجواهر ما لا تطيقُ حملَه دوابِّي، فأتصدَّقُ بها عنكَ، فيغفرُ لكَ إلهكَ الَّذي به تخوِّفني. فغلبَتْهُ بالكلام فلم يردَّ جوابًا، فقال: معاذَ اللَّه، ولكن مَن ارتكبَ حرامًا سوَّدَ اللَّهُ في القيامة وجهَه، وهتكَ على رؤوس الأشهادِ سترَه، وأحرقَ بالنَّارِ جسمَه، فلا تظلميني، ولا تسوِّدي في القيامةِ وجهي، ولا تخجليني يومئذٍ عند أبي وأمِّي، ولا تُسخطي عليَّ ربِّي، ولا تسلِّطي نار جهنَّم على جسمي. فعند ذلك غلَّقَتِ الأبوابَ وأرخَتِ الحُجُبَ.

стр. 4107

وقال القُشيريُّ ﵀: لمَّا غلَّقت عليه أبوابَ الحجرةِ فتحَ اللَّهُ عليه أبوابَ العِصمةِ، فلم يضرَّهُ ما أغلقَتْ بعدما أكرمَه بما فتحَ. وقيل: إنَّ يوسف قال: إنَّ العزيز رجا (١) منِّي أنْ أنفعَه حيثُ قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فلا أخونُه (٢) في حرمِه بظهرِ الغيبِ منه. وقيل: لمَّا حفظَ حرمةَ المخلوقِ بظهرِ الغيب منه أكرمَهُ اللَّهُ سبحانَه بإمدادِه بالعصمةِ في الحال، ومكَّنه مِن مواصلتها في المآل على وجهِ الحلال (٣). * * * (٢٤) - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللَّام، والباقون بكسرها (٤)؛ أي: ولقد عزمَتْ زليخا على ذلك وعقدَتْ قلبَها عليه، فأمَّا يوسف فلولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها. فقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ معلَّقٌ بالشَّرط المذكور بعدَه، ولمَّا أراه البرهانَ لم يكن له منه همٌّ بها، وصرفَ اللَّهُ تعالى السُّوءَ والفحشاءَ عنه، كما ذكرَه في آخر الآية. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أمَّا ما قالَه بعضُ أهل التَّفسير إنَّها استلقَتْ

стр. 4108

له، وهمَّ بها، وحلَّ إزارَه، وأمثالَ هذا من الخرافات؛ فهذا كلُّه (١) ممَّا لا يحلُّ أنْ يُقال، والدلالةُ على فسادِ ذلك وجوهٌ: أحدُها: قوله تعالى: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾. والثَّاني: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾. والثَّالث: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. والرَّابع: قولهنَّ: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾. والخامس: قولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. فهذا كلُّه دليل على أنَّه لم يكنْ منهُ شيءٌ من ذلك، وليس في ظاهرِ الآية ممَّا قالوا من قليلٍ ولا كثيرٍ؛ إذ ليس فيه شيءٌ سوى أن ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. ثمَّ تحتمِلُ الآيةُ وجوهًا عندنا: أحدها: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ همَّ عزمٍ، و ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ همَّ خَطْرةٍ، ولا منعَ فيما خطرَ في القلب؛ وهو قول الحسن (٢). والثَّاني: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾: همَّ الإرادةِ والتَّمكين، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: همَّ دفعٍ. لكن يدخل عليه: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ فلو كان همُّه همَّ دفعٍ لم يكن لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ معنًى، لكن يُشْبه: همَّ بها قتلًا أو ضربًا يُتوهَّم أنَّه يفضي إلى القتل، فرأى برهان ربِّه، فتركَ ذلك لِمَا لا يحلُّ له قتلُها.

стр. 4109

والثَّالث: أنَّه معلَّقٌ بالشَّرط: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وعلى ذلك يخرج قوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ أي: لو كان ينطقُ لفعلَ هو (١). واختلفَ في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ماذا كان؟ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه ناداه جبريلُ: يا يوسفُ بنَ يعقوب، اسمُكَ في الأنبياء مكتوب، فلا يكنْ عملُكَ عملَ الفجَّار (٢). وقيل: كانَ فيما ناداه: إنَّ الطَّير في جوِّ السَّماء لا يُقدَر عليه، فإذا مات لعبَ به الصِّبيان في الأرض، وإنَّ الثَّور الصَّغير لا يُقدَر عليه، فإذا مات دخل النَّمل في (٣) قرنيه، فذلك مثلك إنْ واقعْتَ الخطيئةَ. وقيل: تمثَّل له جبريلُ في صورة أبيه يعقوب عاضًّا شفته أو إصبعه، فهابَ وبادرَ البابَ (٤). وقال مقاتل ومحمَّد بن كعب القرظيُّ: رأى في سقف البيت مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] (٥).

стр. 4110

وقال مقاتل بن حيَّان: سمع صوتًا: إيَّاك وموافقتَها (١)، فإنَّك إنْ وافقْتَها (٢) صرْتَ كالطَّير الواحد (٣) في الأرض القفار بلا ريشٍ (٤). وقال جعفرُ الصَّادق: البرهانُ: النُّبوَّة الَّتي أودعَ اللَّهُ صدرَه، هي الَّتي حالَتْ بينَه وبينَ ما يسخِطُ اللَّه (٥). وقيل: نظرَ إلى حائطٍ فرأى قلمًا يكتبُ على الحائط: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فحوَّل وجهَه إلى حائطٍ آخر فرأى القلم يكتب بعد البسملة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، فحوَّل وجهه إلى الثالث فرأى ذلك القلم يكتب بعد البسملة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]، فحوَّل وجهَه إلى الرَّابع فراَه يكتبُ بعد البسملةِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فنكس رأسَه، فرآه يكتب على الأرض: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، فنظر إلى السَّقف فرأى صورة أبيه ينظر إليه عاضًّا مسبِّحته، مشيرًا إليه بالهرب، فبادر البابَ. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾: أي: كذلك فعلنا لنصرفَ عنه الزِّنى (٦). والسُّوء في القرآن على وجوهٍ:

стр. 4111

أحدُها: الشِّدَّة؛ قال تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩]. والثَّاني: الغارة (١) والهزيمة والجرح؛ قال تعالى: (يمسكم سوء العذاب) (٢). والثَّالث: الشَّتم؛ قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨]. والرَّابع: الذَّنب؛ قال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]. والخامس: القتل؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣]. والسَّادس: العذاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]. والسَّابع: الشِّرك؛ قال تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]. والثَّامن: البرص؛ قال تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]. والتَّاسع: الضُّرُّ؛ قال تعالى: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. والعاشر: بمعنى: بئس؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. والحادي عشر: الزِّنى؛ قال تعالى: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾؛ أي: الفِعلة القبيحة، وهي الزِّنى، وكرَّر لاختلاف اللَّفظين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]. ويجوز أن يكون السُّوء دواعيَ الزِّنى، والفحشاءُ عينَه، والدَّواعي: المسُّ والقُبلةُ والعِناقُ وغير ذلك ونحوه (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: بكسر اللام: هم الذين أخلصوا

стр. 4112

أنفسَهم وقلوبَهم وأعمالهم للَّه، أو الَّذين صفَّوا أعمالهم (١) وأقوالهم وأحوالهم عن الشَّوائب، وبفتح اللام: الذين صفَّاهم اللَّه تعالى عن الكُدورات واصطفاهم بالكرامات. * * * (٢٥) - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾: أي: تعادَيَا إلى الباب ليطلبَ كلُّ واحدٍ منهما السَّبق على صاحبِه، هي تريدُ أن تسبقَ فتظفرَ به، وهو يريد أن يسبقَ فيتخلَّصَ منها. وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾: أي: تعلَّقَتْ بذيل قميصِه تجذبُه، فشقَّتْهُ طولًا، ورجل مَقدودٌ: ذاهبٌ في جهة الطُّول على استواءٍ، ووقع ذلك منها في قميصه من ورائه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: أي: وجدا زوجَ زليخا عند بابِ الدَّار (٣). والسَّيِّدُ: الزَّوجُ بلفظ القِبْط، وفي الحديث: "تفقَّهوا قبل أن تسوَّدُوا" (٤)؛ أي: تتزوَّجوا فتشتغلوا (٥).

стр. 4113

وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾: قالت زليخا دفعًا للتُّهمة عن نفسها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾؟ يُفهَم مِن هذا أنَّه أرادَ بها فجورًا، ولم يكنْ كذلك، ولم تتعمَّد صريحَ الكذب، لكن تكلَّمَتْ بالتَّعريض، وهو في الحقيقة استفهامٌ عن جزاءِ مَن يريد بأهله ذلك، لا تحقيقُ أنَّه فعل بها ذلك. قالوا: ثمَّ خافت عليه القتل إذ علمَتْ في زوجِها الغيرة فقالت: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾؛ أي: يحبس، ثمَّ علمَتْ أنَّه لا يرضى بهذا القَدْر من العقوبة إذا وقع عنده أنَّها صادقةٌ، فضمَّت إلى ذلك أمرًا آخر قد يَصغر وقد يَكبر احتيالًا للتَّسكين، فقالت: ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ولمَّا سمعَ يوسفُ ذلك وعلِم أنَّ السُّكوت يفضي إلى وقوع الفَهم أنَّه وُجِدَ منه ذلك الفُجور، وما ينبغي للمسلمِ أنْ يرضى بلحوقِ هذه التُّهمة (١) إيَّاه، فكيفَ بالصِّدِّيق ابنِ الصِّدِّيق، وبالنَّبيِّ ابنِ النَّبيِّ، فصدَق لإظهار براءةِ نفسِه، وتأسيسِ قواعد دعوتِه إيَّاهم إلى التَّوحيد والشَّرائع، فقال: بل هي فعلَتْ ذلك. * * * (٢٦) - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.

стр. 4114

وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: قال وهبٌ: فلمَّا هرب منها اتَّبعَتْهُ فتدارَكَتْهُ عند الباب (١). ورُويَ أنَّ الأبوابَ المغلَّقة والمقفَّلة كانت تَسقط أقفالُها ومغاليقها حتَّى خرج، وأدركتْهُ زليخا عند الباب، فأخذَتْ بذيلِه وهو يجاذبُها ليخرجَ، وهي تجرُّه من خلفِه ليرجعَ، فانشقَّ قميصُه من دُبرٍ ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾؛ أي: زوجَها عند الباب، فقال: ما شأنُكُما؟ قالَتْ: أدخلْتَ بيتَكَ لصًّا عَادِيًا، وائتمنْتَهُ على أهلِكَ، فأغلقَ عليَّ البابَ وأنا نائمةٌ، فلم أشعرْ إلَّا وهو يريدُ أنْ يدخلَ فراشي، فثرْتُ (٢) إليه مِن نومتي لآخذَه، فبَدَرني إلى البابِ، فأرادَ أنْ يأبقَ منك مِن أجل ما فعل فلا تراه أبدًا. قال العزيزُ: أخُنْتَني يا يوسفُ في أهلي، وغدَرْتَني وغرَرْتَني بما كنْتُ أرى من صلاحِكَ، وما كنْتَ تُظهِرُ لي من أمانتِك وعفافِك؟ قال يوسف: هي راودتني عن نفسي وغلبتني وغرَّتني، وهذا قميصي مشقوقٌ من خَلفي حين ولَّيْتُ منها هاربًا. وفي "كتاب عصمة الأنبياء": إنَّها لو كتمَتْ ذلك لكان لا يُفشي سرَّها، فلمَّا أحالَتْ بالذَّنب عليه لم يحبَّ أن يعرفَه خائنًا فيسوءَ ظنُّه به، حتَّى إذا عرفَ براءته عَلِمَ أنَّ امرأته لم تباشر الفعلَ فينفرَ طبعُه عنها، بل كانت منها المراودةُ لا المباشرة. ووجهٌ آخر: أنَّها لو كتمَتْ لكان يوسفُ (٣) يظهرُهُ تأديبًا لها، والتماسًا من زوجِها التَّغيير (٤) عليها؛ لتدوم صيانتُها في بيته.

стр. 4115

وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: وهو أخوها وكاتبُ زوجِها وأمينُه، وكان عدلًا أمينًا، فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ الآية. وقال مقاتل: كان الشَّاهد رجلًا ذا لحية، وكان ابن عمِّ المرأة (١). وقيل (٢): كان صبيًّا في المهد (٣)، وكان ابنَ خالِ المرأة. وقال النَّبيُّ ﷺ : "ثلاثةٌ من الصِّبيان تكلَّموا في المهد: شاهد يوسف، وعيسى بن مريم، وصاحب جريج الرَّاهب" (٤)، والقصَّة معروفةٌ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: لأنَّه يدلُّ على أنَّه كان مقبلًا عليها وهو يردُّها. * * * (٢٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 4116

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: لأنَّه يدلُّ على أنَّه كان هاربًا منها. وهذا دليلٌ على أنَّ بناءَ الحكم على ظاهر الحالِ جائزٌ عندَ عدم الوصول إلى دليل الحقيقة، وعليه كثيرٌ من مسائل أصحابنا ﵏ في التَّحري وقَبول قول النَّاس وقول مَن يشهدُ له الظَّاهر إذا اختلفا في متاع البيت ونحو ذلك. * * * (٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾: أي: احتيالكنَّ معاشرَ النِّساء على الرِّجال إذا عملوا بخلاف مرادكنَّ. قيل: هو قول الزَّوج لها. وقيل: هو قول الشَّاهد، على قول من زعم أنَّه رجلٌ بالغٌ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: أي: عظيم الضَّرر. وقيل: أي: نافذٌ غالبًا؛ للتَّمويه. وسمَّى كيد الشَّيطان ضعيفًا وكيدَ النِّساء عظيمًا؛ لأنَّ ذلك سرٌّ وهذا جهرٌ، وذاك وحدَه وهذا مع كيد الشَّيطان، وذاك يفرُّ بالاستعاذة وهذه لا تَفِرُّ، وذاك مع اللَّهِ وهذا معَك. * * * (٢٩) - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أي: قالَ زوجُ زليخا. وقيل: قال ذلك الرَّجلُ الشَّاهد: يا يوسفُ، أعرضْ عن هذا الحديثِ فلا تذكرْهُ

стр. 4117

لأحدٍ، وهو سترٌ لحالها، وهو المستحبُّ المندوبُ إليه ألَّا يفشى سرُّ أهل بيتٍ، خصوصًا حرمه ومماليكه. وقيل: لا تبالِ له، وطِب نفسًا، فقد ظهرَ لي براءتك. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾: أي: قال لزليخا: استغفري اللَّهَ، وهي وإنْ كانَتْ مشركةً فهم يقرُّون بأنَّ اللَّهَ خالقهم، وأنَّهم يعبدون الأصنام لتقرِّبهم إلى اللَّه زُلفى، فيعتقدون استغفارَ اللَّهِ من الذُّنوب. وقيل: بل قال لها الشَّاهدُ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾؛ أي: اعتذري من زوجِك وسَلِيه (١) أن يسترَ عليك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: أي: الخائنين في حقِّ الزَّوج. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ليس كلُّ أحدٍ أهلًا للبلاء، إنَّ البلاءَ لأربابِ الولاء، فأمَّا الأجانبُ فيُتجاوَزُ عنهم ويُخلَّى سبيلُهم، لا لكرامةِ محلِّهم، ولكن لحقارة قَدْرِهم، هذا يوسفُ ﵇ كان بريءَ السَّاحة، وظهرَ للكلِّ طهارةُ جانبِه، فابتُلِيَ مع هذا بالسِّجن، وأمَّا امرأةُ العزيز فقد ظهر للعزيز سوءُ فعلِها، حيثُ قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، واقتصرَ في حقِّها أنْ تستغفرَ من ذنبِها، ولم ينزل بها شيءٌ من البلاء، ويفعلُ اللَّهُ ما يشاء (٢). * * * (٣٠) - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 4118

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي: انتشرَ خبرُ امرأةِ العزيزِ وميلُها إلى يوسفَ، وقال جماعةٌ من النِّساء في مصرَ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: زوجة خازن الملك، وكان يُسمَّى عزيزًا لتلقيبِ الملك إيَّاه به، أو على معنى أنَّه عزيزٌ عند ملكِه مكرَّمٌ لديه، أو على معنى مَنَعَته بكثرة خدمه وأعوانه. ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾؛ أي: عبدَ زوجِها، والعبدُ يسمَّى فتًى، والأَمَةُ تُسمَّى (١) فتاةٌ، قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يقولنَّ أحدُكم: عبدي وأَمَتي، ولكنْ ليقلْ: فتايَ وفتاتي" (٢). وأضفْنَ مَن اعتقدْنَه عبدَ زوجها إليها (٣) لطاعتِه لها، وتصرُّفِه فيما يَصلحُ لها مِن أسبابِ المنزِلِ، وعلى هذا عُرْفُ النَّاسِ في إضافةِ مماليك أحدِ الزَّوجَيْن إلى الآخر. وقد يضافُ إلى جميع أهل البيت فيُقال: عبدهم، قال عمرُ في عبدٍ سرقَ مرآة زوجةِ مولاه ولم يقطعْه: عبدُكُم سرقَ متاعَكُم (٤). وقوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾: أي: أصابَ شَغافَها؛ كما يُقال: كَبَدَه ورَأَسَه وبَطَنه وظَهَرَه؛ أي: أصابَ هذه الأعضاء. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀ وأبو عبيدةَ: شَغافُ القلبِ: غلافُه (٥)، وهو جلدةٌ عليه؛ أي: دخلَها الحبُّ وأصابَ القلبَ.

стр. 4119

وقال الحسنُ: هو باطنُ القلبِ (١). وقيل: وسطُ القلبِ. وقرأ الشَّعبيُّ وأبو رجاء العطاردي: (قد شعفها)؛ بالعين المعجمة من تحتها (٢)، ومعناه: أذهبَ قلبَها. ﴿حُبًّا﴾؛ أي: بالحبِّ، نصبٌ على التَّفسير. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: نراها في مراودةِ عبدِها في ضلالٍ من الرَّأي، وعدولٍ عن العقل، إذ صارَتْ في جلالتِها وعلوِّ حالتِها تراودُ عبدَ زوجِها بارتكابِ الفاحشة. وقيل: أردْنَ بهذا الكلامِ التَّوصُّلَ إلى النَّظر إلى يوسفَ. قال وهبٌ: كنَّ أربعًا؛ امرأة السَّاقي وامرأة الخبَّاز وامرأة صاحب الدَّوابِّ (٣) وامرأة صاحب السِّجن (٤).

стр. 4120

قال مقاتل: كنَّ خمسًا. فزادَ امرأةَ الحاجبِ (١). * * * (٣١) - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: أي: بحيلتهنَّ، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ لتريَهنَّ يوسف. وقيل: إنَّها كانَتْ أفشَتْ إليهِنَّ أمرَ يوسفَ واستكتَمَتْهُنَّ، فلمَّا تحدَّثْنَ به أرادَتْ إيقاعهُنَّ فيما كانت وقعَتْ فيه، فدعتهُنَّ وفعلَتْ ما فعلَتْ. وقوله تعالى: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: تدعوهُنَّ إلى دارِها للطَّعام؛ كامرأةٍ تُضيف صواحبَها. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: أي: هيَّأَتْ لهنَّ مجلسًا للطَّعام يتَّكئْنَ فيه على الوسائد ونحوها، فعلَ المتنعِّمِيْنَ مِن الاتِّكاء قبلَ الطَّعام وبعدَه، وقال النَّبيُّ ﷺ : "أمَّا أنا فلا آكل متَّكئًا" (٢). وقال مجاهدٌ: (مُتْكًا) بسكون التَّاء بغير الهمز. والمُتْكُ: الأُتْرُجُّ (٣).

стр. 4121

وقيل: البَزْمَاوَرْد (١). وهو قولُ الضَّحَّاك (٢). وقال وهبٌ: أعتدَتْ لهنَّ أُتْرُجًّا وبطيخًا وموزًا (٣). وقال القتبيُّ: كلُّ ما قُطع بالسِّكين؛ فهو عند العرب مُتْكٌ، وقد بَتَكَ ومَتَكَ؛ أي: قَطَعَ، والباء والميم يتعاقبان، يقال: أغبطَتْ عليه الحمَّى وأغمطَتْ؛ أي: لزمَتْه، وسبَّدَ رأسَه وسمَّدَ؛ أي: استأصَلَهُ بالحلْقِ، وضربةَ لازِبٍ ولازِمٍ (٤).

стр. 4122

وقوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: أي: وأعطَتْ سكِّينًا تعالجُ به ما تحتاجُ إلى قطعِه ممَّا قدِّم إليهنَّ مِن الطَّعام والفواكه، وهكذا فِعلُ الأعاجمِ، يوضَعُ عندَهم لكلِّ مَن على المائدة سكِّينٌ يقطعُ به اللَّحم وغيرَه. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: وذلك في حالِ ما كُنَّ يعالجْنَ بالسِّكين، فلمَّا خرج عليهنَّ بُهِتْنَ واعتراهُنَّ مِن رَوعةِ جمالِه (١) وهيبةِ جلالِه ما قطَّعْنَ بالسِّكيْنِ أيديهُنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أي: فخرجَ، فلمَّا رأينه أعظمْنَهُ، وليس قولُ مَنْ قالَ: أكبرْنَ؛ أي: حضْنَ، بشيءٍ؛ لأنَّه غيرُ معروفٍ، ولأنَّه قال: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ فعدَّاه بالهاء، والحيضُ لازِمٌ. وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: قال قتادة: أي: أبنَّ أناملَهُنَّ (٢). وقيل: ألقَيْنَ مفاصلَهُنَّ. وقال مجاهد: فما أحسسْنَ إلَّا بالدَّم، ولم يجدْنَ من حزِّ اليد ألمًا لشغلِ خاطرهنَّ بيوسفَ (٣). وقال وهب: كنَّ أربعيْنَ امرأة، وبلغني أنَّ سبعًا من الأربعينَ مُتْنَ في ذلك المجلس وجدًا بيوسفَ وحبًّا له (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: أي: معاذَ اللَّهِ أنْ نقولَ: هذا بشرٌ.

стр. 4123

وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: أي: ليس هذا آدميًّا. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أي: ما هذا إلَّا ملَكٌ مكرَّمٌ على اللَّهِ تعالى، والنَّاسُ إذا رأوا امرَأً له (١) رَوعةٌ وجمال قالوا: كأنَّه مَلَكٌ، كما يقولون في ضدِّه: إنَّه شيطانٌ، قال الشَّاعر: فلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلَأْكٍ... تنزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (٢) وفي قراءة بعضهم: (ما هذا بِشِرَى) بكسر الباء والشِّين (٣)، وبِشِرى مصدرٌ ومعناه المفعول؛ أي: ليس هذا بمشترًى، (إنْ هذا إلَّا مَلِكٌ) بكسر اللَّام (٤)؛ أي: ليس بمملوك، وقال قائلٌ: غابَتْ صِفاتُ القاطعاتِ أكفَّها... في شاهدٍ هو في البريَّة أبدَعُ

стр. 4124

ففَنِين (١) مِنْ أوصافهنَّ فلَمْ يَكُنْ... مِنْ نَعْتِهِنَّ تَلذُّذٌ وتوجُّعٌ (٢) * * * (٣٢) - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: لمَّا رأَت امرأةُ العزيز أنَّهنَّ افتُتِنَّ بيوسفَ وجدَتْ موضعًا للعذر فقالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. ويحتملُ: فهذا ذلكنَّ الَّذي لمتنني فيه، وقلْتُنَّ ما قلْتُنَّ، ثمَّ اعترفَتْ بأنَّها راودَتْه عن نفسِه، فقالَتْ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: أي: امتنعَ وتحفَّظَ عن إجابتي، فهذا يبطلُ قولَ مَنْ قال: قصدَ إجابتَها وحلَّ إزارَه (٣). ثمَّ اعتراها مِن افتتانِ النِّسوة به زيادةُ شغَفٍ به، فهتَكَتْ جلبابَ الحياءِ، وعادَتْ بحضرتهن إلى مراودته، أو إلى ما يشبهُ المراودَة، فقالَتْ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾: أي: ليحبسَنَّ في السِّجنِ، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: أي: الأذلَّاء، جمعَ بينَ النُّون المشدَّدة وبين النُّون المخفَّفة؛ لأنَّهما (٤) في معنًى واحدٍ، وكُتبَتِ الثَّانية ألفًا لخفائها وسكونها، والوقفُ عليه بالألفِ، قال الأعشى:

стр. 4125

وسبِّحْ على حين العشيَّات والضُّحى... ولا تعبدِ الشَّيطانَ واللَّهَ فاعبُدا (١) أي: فاعبدَنْ (٢). وقيل: لمَّا بغَتْ عليه واتَّهمَتْه بما فيها ابتلاها اللَّه تعالى بأنْ هتكَتْ بلسانها سترَها، وكشفَتْ أمرَها. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: كانَتْ زليخا أتمَّ حالًا في أمر يوسفَ وفي الافتتانِ به من النِّسوة، فأثَّرَتْ رؤيتُه فيهنَّ، ولم تؤثِّر فيها كما أثرَتْ فيهنَّ، حيثُ قطَّعْنَ أيديهُنَّ، وذلك لأنَّه قويَ حالُها بطول الصُّحبة، وصارَتْ رؤيةُ يوسفَ غذاءً لها، فلم يؤثِّر فيها، والتَّغيّر صفةُ أهل البداية، فإذا دام المعنى زالَ التَّغيُّرُ. قال أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ وقد رأى رجلًا يبكي وهو قريب العهد بالإسلام: هكذا كنَّا حتَّى قسَتْ القلوبُ (٣)؛ أي: قَوِيَتْ وصَلُبَتْ، وكذا الخزفُ أوَّلَ ما يُجعَل فيه الماء يُسمَع له نشيشٌ، وإذا تعوَّدَ شربَ الماء سكنَ، فلا يُسمَع له بعد ذلك صوتٌ (٤). قال وهبٌ: ولمَّا ظهر هذا قَبُحَت المقالةُ فيها، وعيَّرها نساءُ الملوك، وقلْنَ: إنَّها تراودُ عبدَها عن نفسِه؛ قد فضحها (٥)، وشغفها حبًّا، وأزرى بها، وهو كارهٌ لها،

стр. 4126

يُبغضها ويَمقتها، ويهرب منها، ولو رأى فيها خيرًا لطاوعَها (١)، ولو كان لأحدٍ منَّا لأذلَّتْه (٢). فلمَّا سمعَتْ بسوءِ قولهنَّ لها وإزرائهِنَّ عليها احتالَتْ لفضيحتِهِنَّ، وأرادَتْ أن تصغِّر إليهنَّ أنفسَهُنَّ، فبعثَتْ إلى أربعينَ امرأةً مِن عظمائهِنَّ لَمْ تَدَعْ فيهنَّ أشرفَ ولا أعظمَ منهنَّ، فصنعَتْ لهنَّ مأدبةً عظيمةً، فلمَّا فرغَتْ من ذلك فرشَتْ لهنَّ واتكأْنَ، ووُضِعَ بينَ أيديهِنَّ الأُتْرجُّ والبطيخُ والموزُ، وأعطَتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكينًا لتقطعَ به ما وضعَتْ قدامها، فلمَّا أنشأْنَ في قطع ذلك قالَتْ: ألا أريكُنَّ عبدي الَّذي عيَّرتُنَّني به؟ قلْنَ لها: بلى، فإنْ كانَ لك فيه عذرٌ عذرناك وساعدناك (٣)، وإنْ أخطأْتِ أو قصرَ رأيُك (٤) وعظناك وعرَّفْناك، ودلَلْناك على الرُّشْد والسَّداد. فاغتنمَتْ ذلك مِن قولهنَّ وقالَتْ: اخرجْ عليهِنَّ يا يوسفُ، فلمَّا وقفَ عليهنَّ أعظمْنَهُ وبُهِتْنَ، وفي أيديهِنَّ السَّكاكيْنُ، فألهى (٥) أيديَهُنَّ وعيونَهُنَّ وقلوبَهُنَّ وعقولَهُنَّ، فقطَّعْنَ أيديَهُنَّ وأبَنَّ الأناملَ، وأقسمْنَ باللَّهِ جَهْدَ أيمانهِنَّ: ما هذا بشرًا، ولا ولدَهُ بشرٌ، وإنَّه لَمَلَكٌ كريم من رؤوسِ الملائكة. قال وهبٌ: بلغني أنَّ يوسفَ صلوات اللَّه عليه أُعطِيَ ثُلُثَ حُسْنِ الدُّنيا، وسارةَ السُّدُسَ، والخَلْقَ النِّصف (٦).

стр. 4127

وأعطى اللَّهُ تعالى يوسفَ مِن الحُسْنِ وصفاءِ اللَّون ونقاءِ البشرة ما لم يعطه أحدًا؛ إنْ كان ليأكلُ البقلَ والشَّيء الأخضر من الفاكهة فيُرَى حيث يزدرده (١) في حلقِه وصدرِه حتَّى إلى بطنِه (٢). فقالَتْ زليخا لهنَّ: وهل عليَّ بعدَ هذا مِن لومٍ؟! قلْنَ: معاذَ اللَّهِ، بل أنتِ معذورةٌ مرحومةٌ مظلومةٌ. وقلْنَ ليوسفَ: اتَّقِ اللَّهَ في ربَّتكِ (٣)، واقبل كرامتَها، وأطعْها وأجبْها إلى ما دعتْكَ إليه، ولئن لم تفعل ذلك إنَّك إذًا لمن الظَّالمين. وقالَت (٤) امرأةُ العزيز: قد ﴿رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ قالَتِ النِّسوةُ: قد استحقَّ ذلك، إنَّ عبدًا عصى سيِّدتَه لأهْلٌ أنْ يُسجَنَ ويُقتَلَ ويُعذَّبَ. وتمالأْنَ عليه، وأحببْنَهُ وشغفَهُنَّ كما شغَفها، وأشرْنَ عليها بحبسِهِ رجاءَ أنْ يستهويْنَهُ حتَّى يحنَّ (٥) لهنَّ في السِّجن. وقلْنَ لسيِّدتِه: إنَّكِ متى سجنتيه قطعْتِ عنك مقالةَ السُّوءِ الَّتي قد شاعَتْ (٦) عليك، ورأى النَّاسُ أنَّك تبغضينه وتكرهيْنَ قربَه، ويُعطِّفُهُ عليك السِّجنُ ويليِّنُه لك.

стр. 4128

ثمَّ انصرفَتِ النِّسوةُ عنها على ذلك وتركْنَها، وراودَتْهُ عن نفسِهِ وجهدَتْ عليه، ولم يزددْ منها إلَّا بُعدًا، فلمَّا يئسَتْ منه قالَتْ لسيِّدِها: قد شاعَ عليَّ في أمر هذا العبد مقالةٌ قبيحةٌ، وقد فضحني ذلك، وقد كرهْتُ قربَه، وأبغضْتُ رؤيتَه، فائذَنْ لي في سَجنِه حتَّى يكونَ سَجنُه مِن تحتِ يديَّ، فإنَّه أقطعُ للمقالةِ، وأبينُ للعذرِ، فقال لها سيِّدُها: قد أذنْتُ لك في سَجنِه. * * * (٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ﴾: أي: يا ربِّ ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أضافَ الفعلَ إلى جميع هؤلاء النِّسوة؛ لِمَا مرَّ أنَّهنَّ شُغفْنَ به، ودعتْهُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ إلى نفسِها. وقيل: إنَّهنَّ حرَّضْنَه على إجابةِ زليخا، ودعوْنَه إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أي: أمِلْ إليهنَّ، وقد صَبا يَصْبُو صَبْوةً، وحذفت الواو من ﴿أَصْبُ﴾ للجزْم؛ لأنَّه جواب الشَّرط. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ باتِّباع الهوى، وهذا سؤالٌ منه العِصمةَ مِن ذلك بألطفِ وجهٍ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاختبارُ مقرونٌ بالاختيار، ولو تمنَّى العافية وسألَها (١) وجدَ العافيةَ، ولكنْ آثرَ السِّجنَ على ذلك فسُجِنَ. وقالوا: هذا عينُ التَّوحيد، حيثُ رأى أنَّ المعصومَ مَن عصمَه اللَّهُ تعالى، فإنَّ نجاتَه بصرفِ اللَّهِ تعالى ذلك لا بتكلُّفِه، ولمَّا آثر تحمُّلَ المشقَّة في اللَّهِ تعالى على

стр. 4129

لذَّةِ نفسِه آثرَهُ اللَّه تعالى على إخوتِه وأهلِ عصرِه، حتَّى قالوا: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قولُه: ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: هي محبَّة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبَّة النَّفس واختيارُها، بل النَّفس تهوى ما يدعونَ إليه، دليله قوله: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (٢). ودلَّ أنَّ النِّسوةَ راودْنَه عن نفسِه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] (٣). * * * (٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: ودعاؤُه قولُه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: السَّميعُ للدَّعوة، العليمُ بالنِّيَّةِ. * * * (٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾: أي: ظهرَ لهم رأيٌ بخلافِ الرَّأيِ الأوَّلِ، ومصدرُه البَداءُ. أي: لزليخا والعزيز وأهلِ المشورة فيه.

стр. 4130

﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾؛ أي: العلاماتِ الدَّالَّات على براءةِ يوسفَ وصدقِ مقالتِه؛ مِن قدِّ القميص مِن دُبُرٍ، ومِن كلامِ الطِّفل وشهادتِه ببراءته، وممَّا بيَّنَ مِن الاستدلال، ونحوِ ذلك. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: أي: حلفوا ليسجُنُنَّة ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: زمانٍ يتقادمُ العهدُ فيُنسَى هذا الحديث فينقطعُ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا سجنَ العزيزُ يوسفَ مع ظهور براءَتِه اتِّقاءً على امرأته أنْ يُنتَهكَ سترُها؛ حوَّلَ اللَّهُ تعالى ملكَهُ (١) إليه، ثمَّ في آخر الأمرِ جعلَها امرأتَه، وذلك جزاءُ الصَّابرين (٢). * * * (٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾: أي: عَبْدانِ للمَلِكِ. وقال الزَّجَّاجُ: كانوا يسمُّون المملوكَ في ذلك الزَّمان -شيخًا كان أو شابًّا-: فتًى (٣). أي: أمضوا رأيَهم في سَجنِه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: بعدَه بزمانٍ، و (مع) كلمةُ قِرانٍ، وأرادَ به اجتماعَهم في السِّجنِ، لا اقترانهم في الدُّخول. وكان الفَتَيان أحدُهما طبَّاخُ الملكِ واسمه مجلث، والآخر ساقٍ واسمه بونا.

стр. 4131

وقيل -وهو قول ابن عبَّاسٍ-: اسم الطَّبَّاخ شرهابقم، واسم السَّاقي شرهاسكم (١). ولمَّا دخل (٢) يوسفُ السِّجنَ فتح اللَّه عليه عبارةَ الرُّؤيا، فكان يَعْبُرُ لأهل السِّجنِ رؤياهم، ودخل هذان السِّجنَ بعدَه، و ﴿مَعَهُ﴾ بمعنى: بعده، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾؛ أي: السَّاقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ في النَّوم ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا؛ قالَه الضَّحَّاك (٣). وقال الزَّجَّاج: أي: عنبَ الخمرِ، والعنبُ يُسمَّى خمرًا في لغة عُمَان (٤). وحكى الأصمعيُّ عن معتمر بن سليمان أنَّه رأى أعرابيًّا معه عنبٌ فقال: ما معك؟ فقال: خمرٌ (٥). وقيل: هو على ظاهره مستقيمٌ، معناه: أعصر العنبَ خمرًا؛ كما تقولون: عصرْتُ الزَّيتون زيتًا، وبسطُه: أعصرُ عنبًا ليكونَ عصيرُه خمرًا. قال عكرمةُ: قال ذلك الفتى: إنِّي رأيْتُ فيما يرى النَّائم أنِّي غرسْتُ حبَّةً من عنبٍ فنبتَتْ (٦)، فخرجَ منها ثلاثةُ عناقيد، فعصرتُهُنَّ، ثمَّ سقيتُهُنَّ الملكَ، قال: تمكُثُ في السِّجنِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ تخرجُ فتسقِيْهِ خمرًا (٧).

стр. 4132

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾: أي: الطَّبَّاخ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾؛ أي: رأيْتُ كأنِّي أخرجُ من مطبخٍ وعلى رأسي ثلاث سلالٍ (١) من خبزٍ، وأرى سباع الطَّير تأكل مِن السَّلَّةِ العُليا. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: بما يَؤُولُ إليه عاقبة المراد بهذه الرُّؤيا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تُحسِنُ إلى أهلِ السِّجنِ؛ لقيامِك بأمورِهم، وعنايتِكَ بأسبابِهم، فأحسِنْ إلينا بعبارة الرُّؤيا، ليزول (٢) عنَّا شغلُ القلب بتأويلِها، وتُجزَى بذلك على إحسانِك إلى أهل السِّجن. قيل: كان يداوي مريضَهم، ويعزِّي حزينَهم، ويجتهدُ في عبادةِ ربِّه. وهذا عن قتادة (٣). وقيل: كان يعينُ المظلومَ، وينصرُ الضَّعيفَ، ويعودُ المريضَ. وهذا عن الزَّجَّاج (٤). وقيل: أي: من المُعْتَنِين (٥) في عبارة الرُّؤيا. وهو قول الفرَّاء (٦). وقال وهبُ بن منبِّه: كان سببُ وقوعِهما في السِّجن أنَّ جماعةً مِن أهل مصرَ خرجوا على الملك، وأرادوا المكرَ به واغتيالَه، فدسُّوا إلى هذَيْن، وضمنوا لهما مالًا لِيَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَه، فأجاباهم إلى ذلك، ثمَّ إنَّ السَّاقي نكلَ عنه، وقبلَ الخبَّازُ الرَّشوةَ فسمَّ الطَّعامَ، فلمَّا حضرَ وقتُه وأُحضِرَ الطَّعام، قال السَّاقي:

стр. 4133

أيُّها الملك، لا تأكلْ فإنَّ الطَّعامَ مسمومٌ، قال الخبَّاز: أيُّها الملك، لا تشربْ، فإنَّ الشَّرابَ مسمومٌ، فقال الملكُ للسَّاقي: اشربْ، فشربَه فلم يضرَّه، وقال للخبَّاز: كلْ مِن طعامِك، فأبى، فجُرِّب ذلك الطَّعام في (١) دابَّةٍ من الدَّواب، فأكلَتْه فهلَكَتْ، فأمرَ الملكُ بهما إلى السِّجنِ، فكانا في السِّجنِ سنةً، وألِفَا يوسفَ وألِفَهما، إلى أنْ رَأَيا رؤياهما، كما قصَّ اللَّه تعالى عنهما (٢). وقيل: لمَّا عبرَ رؤيا الخبَّاز؛ قال: إنِّي لمْ أرَ شيئًا وكنْتُ ألعبُ، فقال يوسفُ: رأيتُما رؤياكما أو لم ترياها، فإنَّ ما قلْتُ نازلٌ بكما. فذلك قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. وقال الشَّعبيُّ: إنَّهما تحالما ليجرِّبا يوسف (٣). وقال محمَّد بن إسحاق: كان أحدُهما صادقًا والآخرُ كاذبًا (٤). * * * (٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾: قيل: أراد أن يقرِّرَ عندهما علمَه بعبارة الرُّؤيا. وقيل: أسَّس لدعوتِهما إلى التَّوحيد، وكذا ينبغي للعالم إذا سُئِلَ عن شيءٍ أن يؤسِّسِ (٥) لِمَا هو أهمُّ منه فيكشفه، ثمَّ يجيبهم عمَّا سُئِل عنه.

стр. 4134

فقال: لا يأتيكما من عند الملك أو من عند أهلكما أو أصدقائكما ما تحتاجان إليه من الطَّعام في السِّجن إلَّا أخبرتكما به قبلَ مجيئِه، وهو قوله: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وهو خبرٌ عن الغائب، وذلك كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. فكأنَّهما قالا له: فكيفَ تعلمُ ذلك وهو غيبٌ؟ فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾. فكأنَّهما قالا: ولِم خصَّك ربُّك بالتَّعليم دوننا؟ فقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وليس هو تَرْكًا بعد الكونِ فيها، بل هو الامتناع عنها أصلًا، وإخبارٌ أنَّه لم يكن فيها قطُّ، ولا يخصُّ اللَّه تعالى بهذا العلم -الَّذي هو كرامةٌ- مَنْ كفرَ به وجحدَه، بل يكرمُ به مَن آمنَ به وصدَّقه ووحَّده وعبدَه. * * * (٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. فكأنَّهما قالا له: إذا لم تكن أنت في هذه الملَّة؛ فعلى أيِّ ملَّةٍ أنت؟ فقال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الجدُّ، جدُّ الأب يسمَّى أبًا؛ لأنَّه أبو أبِ الأب، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ هو أبُ الأب، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ هو أبوه حقيقة. فكأنَّهما قالا: وكيف كانت ملَّتهم؟ فقال: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فكأنَّهما قالا: وكيف اهتديتم إليها؟ فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يشكرون الخالق على نعمِه بالطَّاعة له في أمرِه ونهيِه. وقيل: لا يعلمون النِّعمَ مِن اللَّه فيشكروا له عليها.

стр. 4135

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾: يدلُّ على بطلانِ قول المعتزلة في أنَّ الفاسقَ يخرجُ من ملَّة الإسلام، ولا يدخل في ملَّة الكفر، فإنَّه ليس بينَ الملَّتَيْنِ ملَّةٌ أخرى. ودلَّتِ الآية أيضًا أنَّ الكفرَ كلَّه ملَّةٌ واحدةٌ. ثمَّ إنَّما ذكرَ يوسفُ آباءه في هذه الآية؛ لأنَّ النَّاس كانوا عرفوهم واعتقدوا تعظيمَهم، وكانوا لا يعرفون يوسفَ، فبيَّن أنَّه مِن صلبِهم؛ ليعتقدوا كلامَه (١) ويقبلوا دعوتَه إلى الدِّين الحقِّ. * * * (٣٩) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: أي: يا ساكنَيه وملازمَيه، وهو كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ و ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي. ثمَّ لا خيريَّة في الأرباب المتفرِّقين، لكن قالَه بناءً على زعم الكفرة؛ أي: أنتم تعتقدونه خيرًا، ثمَّ ألزمهم على هذا الوجه: أهذا خيرٌ أم التَّوحيد، على وجهٍ ظهرَ بطلان ما يعتقدون، وهو كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ونحوِ ذلك، وقد كشفناه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]. ثمَّ إنَّه دلَّهم بهذا على أنَّ الخالق واحدٌ، وأنَّ الإلهَ (٢) واحدٌ، وأنَّ الآلهة لا بدَّ أن
следующие страницы →