وقيل -وهو قول ابن عبَّاسٍ-: اسم الطَّبَّاخ شرهابقم، واسم السَّاقي شرهاسكم (١).
ولمَّا دخل (٢) يوسفُ السِّجنَ فتح اللَّه عليه عبارةَ الرُّؤيا، فكان يَعْبُرُ لأهل السِّجنِ رؤياهم، ودخل هذان السِّجنَ بعدَه، و ﴿مَعَهُ﴾ بمعنى: بعده، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥].
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾؛ أي: السَّاقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ في النَّوم ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عنبًا؛ قالَه الضَّحَّاك (٣).
وقال الزَّجَّاج: أي: عنبَ الخمرِ، والعنبُ يُسمَّى خمرًا في لغة عُمَان (٤).
وحكى الأصمعيُّ عن معتمر بن سليمان أنَّه رأى أعرابيًّا معه عنبٌ فقال: ما معك؟ فقال: خمرٌ (٥).
وقيل: هو على ظاهره مستقيمٌ، معناه: أعصر العنبَ خمرًا؛ كما تقولون: عصرْتُ الزَّيتون زيتًا، وبسطُه: أعصرُ عنبًا ليكونَ عصيرُه خمرًا.
قال عكرمةُ: قال ذلك الفتى: إنِّي رأيْتُ فيما يرى النَّائم أنِّي غرسْتُ حبَّةً من عنبٍ فنبتَتْ (٦)، فخرجَ منها ثلاثةُ عناقيد، فعصرتُهُنَّ، ثمَّ سقيتُهُنَّ الملكَ، قال: تمكُثُ في السِّجنِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ تخرجُ فتسقِيْهِ خمرًا (٧).
стр. 4132
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾: أي: الطَّبَّاخ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾؛ أي: رأيْتُ كأنِّي أخرجُ من مطبخٍ وعلى رأسي ثلاث سلالٍ (١) من خبزٍ، وأرى سباع الطَّير تأكل مِن السَّلَّةِ العُليا.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: بما يَؤُولُ إليه عاقبة المراد بهذه الرُّؤيا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: تُحسِنُ إلى أهلِ السِّجنِ؛ لقيامِك بأمورِهم، وعنايتِكَ بأسبابِهم، فأحسِنْ إلينا بعبارة الرُّؤيا، ليزول (٢) عنَّا شغلُ القلب بتأويلِها، وتُجزَى بذلك على إحسانِك إلى أهل السِّجن.
قيل: كان يداوي مريضَهم، ويعزِّي حزينَهم، ويجتهدُ في عبادةِ ربِّه. وهذا عن قتادة (٣).
وقيل: كان يعينُ المظلومَ، وينصرُ الضَّعيفَ، ويعودُ المريضَ. وهذا عن الزَّجَّاج (٤).
وقيل: أي: من المُعْتَنِين (٥) في عبارة الرُّؤيا. وهو قول الفرَّاء (٦).
وقال وهبُ بن منبِّه: كان سببُ وقوعِهما في السِّجن أنَّ جماعةً مِن أهل مصرَ خرجوا على الملك، وأرادوا المكرَ به واغتيالَه، فدسُّوا إلى هذَيْن، وضمنوا لهما مالًا لِيَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَه، فأجاباهم إلى ذلك، ثمَّ إنَّ السَّاقي نكلَ عنه، وقبلَ الخبَّازُ الرَّشوةَ فسمَّ الطَّعامَ، فلمَّا حضرَ وقتُه وأُحضِرَ الطَّعام، قال السَّاقي:
стр. 4133
أيُّها الملك، لا تأكلْ فإنَّ الطَّعامَ مسمومٌ، قال الخبَّاز: أيُّها الملك، لا تشربْ، فإنَّ الشَّرابَ مسمومٌ، فقال الملكُ للسَّاقي: اشربْ، فشربَه فلم يضرَّه، وقال للخبَّاز: كلْ مِن طعامِك، فأبى، فجُرِّب ذلك الطَّعام في (١) دابَّةٍ من الدَّواب، فأكلَتْه فهلَكَتْ، فأمرَ الملكُ بهما إلى السِّجنِ، فكانا في السِّجنِ سنةً، وألِفَا يوسفَ وألِفَهما، إلى أنْ رَأَيا رؤياهما، كما قصَّ اللَّه تعالى عنهما (٢).
وقيل: لمَّا عبرَ رؤيا الخبَّاز؛ قال: إنِّي لمْ أرَ شيئًا وكنْتُ ألعبُ، فقال يوسفُ: رأيتُما رؤياكما أو لم ترياها، فإنَّ ما قلْتُ نازلٌ بكما. فذلك قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقال الشَّعبيُّ: إنَّهما تحالما ليجرِّبا يوسف (٣).
وقال محمَّد بن إسحاق: كان أحدُهما صادقًا والآخرُ كاذبًا (٤).
* * *
(٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾: قيل: أراد أن يقرِّرَ عندهما علمَه بعبارة الرُّؤيا.
وقيل: أسَّس لدعوتِهما إلى التَّوحيد، وكذا ينبغي للعالم إذا سُئِلَ عن شيءٍ أن يؤسِّسِ (٥) لِمَا هو أهمُّ منه فيكشفه، ثمَّ يجيبهم عمَّا سُئِل عنه.
стр. 4134
فقال: لا يأتيكما من عند الملك أو من عند أهلكما أو أصدقائكما ما تحتاجان إليه من الطَّعام في السِّجن إلَّا أخبرتكما به قبلَ مجيئِه، وهو قوله: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وهو خبرٌ عن الغائب، وذلك كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
فكأنَّهما قالا له: فكيفَ تعلمُ ذلك وهو غيبٌ؟ فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
فكأنَّهما قالا: ولِم خصَّك ربُّك بالتَّعليم دوننا؟ فقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وليس هو تَرْكًا بعد الكونِ فيها، بل هو الامتناع عنها أصلًا، وإخبارٌ أنَّه لم يكن فيها قطُّ، ولا يخصُّ اللَّه تعالى بهذا العلم -الَّذي هو كرامةٌ- مَنْ كفرَ به وجحدَه، بل يكرمُ به مَن آمنَ به وصدَّقه ووحَّده وعبدَه.
* * *
(٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
فكأنَّهما قالا له: إذا لم تكن أنت في هذه الملَّة؛ فعلى أيِّ ملَّةٍ أنت؟ فقال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الجدُّ، جدُّ الأب يسمَّى أبًا؛ لأنَّه أبو أبِ الأب، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ هو أبُ الأب، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ هو أبوه حقيقة.
فكأنَّهما قالا: وكيف كانت ملَّتهم؟ فقال: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فكأنَّهما قالا: وكيف اهتديتم إليها؟ فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يشكرون الخالق على نعمِه بالطَّاعة له في أمرِه ونهيِه.
وقيل: لا يعلمون النِّعمَ مِن اللَّه فيشكروا له عليها.
стр. 4135
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾: يدلُّ على بطلانِ قول المعتزلة في أنَّ الفاسقَ يخرجُ من ملَّة الإسلام، ولا يدخل في ملَّة الكفر، فإنَّه ليس بينَ الملَّتَيْنِ ملَّةٌ أخرى.
ودلَّتِ الآية أيضًا أنَّ الكفرَ كلَّه ملَّةٌ واحدةٌ.
ثمَّ إنَّما ذكرَ يوسفُ آباءه في هذه الآية؛ لأنَّ النَّاس كانوا عرفوهم واعتقدوا تعظيمَهم، وكانوا لا يعرفون يوسفَ، فبيَّن أنَّه مِن صلبِهم؛ ليعتقدوا كلامَه (١) ويقبلوا دعوتَه إلى الدِّين الحقِّ.
* * *
(٣٩) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: أي: يا ساكنَيه وملازمَيه، وهو كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ و ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي.
ثمَّ لا خيريَّة في الأرباب المتفرِّقين، لكن قالَه بناءً على زعم الكفرة؛ أي: أنتم تعتقدونه خيرًا، ثمَّ ألزمهم على هذا الوجه: أهذا خيرٌ أم التَّوحيد، على وجهٍ ظهرَ بطلان ما يعتقدون، وهو كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ونحوِ ذلك، وقد كشفناه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].
ثمَّ إنَّه دلَّهم بهذا على أنَّ الخالق واحدٌ، وأنَّ الإلهَ (٢) واحدٌ، وأنَّ الآلهة لا بدَّ أن
стр. 4136
يكون بينهم تفرُّقٌ في الإرادات؛ فإمَّا أنْ يلزمَ العجزُ كلَّهم أو بعضَهم، والعاجزُ لا يجوز أن يكون إلهًا، وهو معنى قوله : ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقولهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولأنَّ الآلهة إذا تفرَّقَتْ لم يمكن إرضاءُ جميعِهم بالعبادة، وإرضاءُ الواحدِ أمكنُ (١) بالمداومةِ على عبادته والعملِ بطاعته.
* * *
(٤٠) - ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: لمَّا كانت الأسماء الَّتي سمَّوها لا تصحُّ معانيها؛ صارَتْ كأنَّها أسماءٌ فارغةٌ يرجعون في عبادتهم إليها، فكأنَّهم يعبدون الأسماء، إذ لا معاني لها من إلهٍ وربٍّ.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: لم يجعلِ اللَّهُ دليلًا على جواز عبادتها، ولا أقامَ حجَّةً على تعظيمها.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: أي: ما الحكمُ في الإلهيَّة والرُّبوبيَّة إلَّا للَّه الواحد القهَّار.
قوله تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: المستقيم. وقيل: أي: الَّذي قامَتِ الدلالةُ على صحَّتِه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا
стр. 4137
يتفكَّرون فيه ولا ينظرون فلا يعلمون، ولو تفكَّروا فيه ونظروا لعلِموا، وهذا يدلُّ على أنَّ العقوبة تلزمُ وإنْ جهلَ إذا أَمكن له إنعام نظر فيه (١)، ولا يُعذَر به، أو معناه: لا ينتفعون بعلمِهم مع أنَّهم يعلمون به (٢).
* * *
(٤١) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾: أي: سيِّدَه، وهو الملكُ، يعني به: السَّاقي.
﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: أي: الطَّبَّاخ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾؛ أي: الطُّيور ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾.
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أي: فُرغ منه وأُتِمَّ الأمر (٣) ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تسألان تأويلَه.
قال وهبٌ: قال السَّاقي: إنِّي رأيْتُ حَبَلَةً، فيها ثلاثةُ قضبانٍ جردٍ، فبينا أنا أنظرُ إليها إذا هي قد أورقَتْ (٤) وأخرجَتْ ثمرتَها، ونضجَتْ عناقيدُها، وإذا كأسُ فرعونَ في يدي، فأخذْتُ العناقيدَ فعصرتهنَّ في الكأس، فناولتُها الملكَ فشربَه.
قال يوسفُ: ما أحسنَ ما رأيْتَ! تمكثُ في السِّجنِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ يذكرُكَ الملكُ فيدعوك ليعفوَ عنك، ويردَّكَ إلى عملِكَ فتكونَ كما كنْتَ، فاذكرْنِي عند ربِّك -يعني: عند الملكِ- فإنِّي سُجِنْتُ مظلومًا، لعلَّه أنْ ينظرَ في أمري ويخرجني مِن السِّجن.
стр. 4138
قال الخبَّاز: ما أحسنَ ما عَبَرْتَ! فإنِّي رأيْتُ كأنَّ على رأسي ثلاثَ سِلالٍ مِن خبزٍ، في السَّلَّةِ العُليا مِن ألوانِ الأطعمةِ، وإذا سِباعُ الطَّير تأكلُ مِن السَّلَّة العُليا.
قال يوسفُ: أمَّا السِّلال؛ فالأيَّام الثَّلاثة الَّتي تكون في السِّجن، ثمَّ يدعوك الملكُ في اليوم الرَّابع فيصلبُك، فتأكل الطَّير من لحمِكَ.
قال الطَّبَّاخ: فإنِّي لم أرَ شيئًا، إنَّما كنْتُ ألعبُ.
قال يوسفُ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: الَّذي سألتُماني (١) عنه؛ يعني: الأمرُ كما حدَّثْتُكُما، رأيتُما شيئًا أو لم تَرَياه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾: قولُهُ: ﴿ظَنَّ﴾ يجوزُ أنْ يكون فعلًا ﴿لِلَّذِي﴾ ويكونَ على حقيقةِ الظنِّ أنَّه رجا بهذا التَّأويل أن يكون كذلك، ويجوزُ أن يكونَ فعلًا ليوسفَ؛ أي: للَّذي ظنَّ يوسفُ أنَّه ناجٍ، ويكون في معنى العلم واليقين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ لأنَّه علم ذلك بتعليم اللَّهِ إيَّاه، فكانَ لا يشكُّ فيه.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: مَلِكك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: قيل: فأنسى الشَّيطانُ يوسفَ أنْ يذكرَ اللَّهَ ربَّه ﷻ في سؤال هذا الخلاص، ورجاه مِن (٢) عند الملكِ. وهو بعيدٌ مِن حال الأنبياء.
стр. 4139
والصَّحيحُ قَولُ الجمهورِ: فأنسى الشَّيطانُ السَّاقيَ ذِكْرَ حالِه لملِكِهِ (١)، والدَّليل عليه أنَّه قالَ -يعني هذا-: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، فأَخبرَ أنَّه ذكرَ بعدَ نسيانِهِ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: البِضْعُ: قطعةٌ مِن العَقْدِ، مِن البَضْعِ؛ وهو القَطْعُ.
قال أبو عبيدة: هو ما بينَ الواحدِ إلى أربعةٍ (٢).
وقال قطرب: ما بينَ الثَّلاث إلى السَّبع (٣).
وقال الزَّجَّاج والقتبيُّ: مِن الثَّلاث إلى التِّسع (٤). وهو قول قتادة ومجاهد (٥).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: من الثَّلاث إلى العشرة (٦).
قال وهب: لبثَ في السِّجن بعد ذلك ثلاثَ سنين، وكان لبثَ قبلَ ذلك سبعَ سنين (٧).
وقال قتادة: لبثَ بعد ذلك سبعَ سنين (٨).
стр. 4140
وروي أنَّ جبريلَ أتاه في السِّجنِ فلمَّا رآه يوسفُ عرفَه (١) فقالَ: يا أخا المنذرِيْن؛ ما لي أراك في منزلِ الخطَّائِيْنَ؟ فقالَ له جبريلُ: يا طاهرُ يابنَ الطَّاهرين، يقرأ السَّلامَ عليك ربُّ العالمين، ويقول لك (٢): أما استحيَيْتَ منِّي أنِ استشفعْتَ بالآدميِّيْنَ، فوعزَّتي لأُلْبثنَّكَ في السِّجنِ بضعَ سِنينَ، قال يوسفُ: وهو بعد ذلك راضٍ عنِّي؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي (٣).
قال كعبُ الأحبار: قال جبريلُ ليوسفَ: إنَّ اللَّه تعالى يقول لك (٤): مَنْ خلقَكَ؟ قال: اللَّه، قال: فمَن حبَّبك إلى أبيك؟ قال: اللَّه، قال: فمَن ألبسَكَ في البئر؟ قال: اللَّه، قال: فمَن نجَّاك من كَرْبِ البئر؟ قال: اللَّه، قال: فمَن علَّمكَ تأويلَ الرُّؤيا؟ قال: اللَّه، قال: كيفَ استشفعْتَ بآدميٍّ مثلِك (٥)؟
وقال الشَّيخ أبو الحسين محمَّد بن يحيى البشاغري في "كتاب عصمة الأنبياء": قال بعض النَّاس: إنَّه استعانَ بغيرِ اللَّهِ فعُوْقِبَ بمقامَهِ في الحبْسِ. وهذا وحشٌ من الكلامِ.
وقال الشَّيخ الإمام أبو منصور ﵀: إنَّه -صلوات اللَّه عليه- لم يستعِنْ بغيرِ اللَّهِ، وإنَّما استعملَ الأسبابَ، كاستعمالِ العبدِ في معاشِه الأسبابَ الَّتي هو بها متعبَّدٌ؛ مِن نحو المكاسب، وأخذِ الأسلحةِ، وسائر ما يَعْتَدُّ المرءُ بإمساكِ تلكَ
стр. 4141
الأسبابِ، فهو وإنْ أمرَه بالذِّكْرِ عندَ ربِّهِ -يعني: سيِّدَه- وإنَّما رآه سببًا لخروجِه مِنَ السِّجنِ، فهو معتقدٌ بأنَّ اللَّهَ هو المخرِجُ، لكن ربَّما يجري على يدي مَلِكِهِ، فلذلك قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ولا بأس (١) بهذا.
[وقوله : ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يحتمل وجهَيْن:
أحدُهما]: ربَّما وقع عند يوسف أنَّ سَجنَه مِن غير علمِ الملكِ، فإذا أُخبِر بحالِه أخرجَهُ، وليس هذا منه استعانةً بغير اللَّه تعالى، ولكنَّه اجتهادٌ لمصالحِ النَّاس (٢) كسائرِ المكاسبِ (٣).
والثَّاني: أنَّه كانَ أظهَرَ رسالتَهُ في السِّجنِ، فأحبَّ رفعَ أمرِه إلى سيِّده؛ ليتدبَّر أنَّه حابسٌ نبيًّا رسولًا، فيخرجَه حتَّى يبلِّغَ رسالَته إليه رجاءَ إجابةٍ منه، حتَّى إذا أجابَ هو أجابَ أتباعُه، ولا تكون رسالتُه مقصورةً على أصحاب السِّجن، بل تكون نافذةً في القوم كلِّهم (٤).
وقال البشاغريُّ: ويحتمل قولُه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: اذكرْ علْمِي الَّذي علَّمَنِيه اللَّهُ مِن تأويلِ الأحاديثِ وحُكْم الرِّسالة (٥)؛ لعلَّه يرغبُ فيخرجَه من السِّجن حتَّى يتخلَّص وينجو لشفقَةٍ منه عليه؛ إذ هو كانَ عالمًا بالفراعنةِ المتقدِّمين
стр. 4142
كيف هلكوا بصنيعِهم (١) على الأنبياءِ ﵈، فأحبَّ أن يقفَ على حالِه فيخرجَه، فتزولَ محنتُه قبلَ أنْ (٢) يهلكَ كما هلكَ مَنْ تقدَّمه مِن معذِّبي (٣) الأنبياء.
ودليلُ أنَّه لا يجوز صرف الآية إلى استعانةِ يوسفَ بغير اللَّهِ: أنَّه لو كان هكذا لم يتكلَّف الشَّيطانُ إنساءَه؛ إذِ الاستعانةُ بغير اللَّه مِن غير رؤيةِ سببِ اللَّهِ شركٌ، والشَّيطانُ يعينُ على إقامة الشِّرك، فلمَّا أنساه عُلمَ أنَّه يذكِّرُه التَّوحيد، ويجعله رسولًا إلى الملِك بإخباره عن دينِه الخالص للَّه، فأحبَّ الشَّيطان ألَّا يَعلَمَ الملكُ مِن حالِه ودينِه، فيجيبَه، فأنساه.
وحقيقةُ الإنساء مِن اللَّه تعالى؛ إذ هو المقدِّر، لكنَّه أُضِيْفَ إلى الشَّيطان على ما قلْنَا مِن إضافة القبائحِ إلى الشَّيطان؛ لتكلُّفه (٤) في تحصيلِها، وقد يُضافُ إلى المتكلِّف للشَّيء ذلك الشَّيءُ، وإنْ لم يكن هو المحصِّلَ في الحقيقة.
وما رُوِيَ في الخبر: أنَّ جبريلَ ﵇ قال له في السِّجن: يقولُ اللَّه تعالى: أَمَا استحيَيْتَ حينَ استعَنْتَ بغيري، فقد حكمْتُ عليك بالسِّجن بضعَ سنيْنَ؟ قال يوسفُ: يا جبريلُ، أهو عنِّي راضٍ؟ فقال: نعم، قال: ما أبالي بالسِّجن بعدَ أن يكونَ اللَّهُ عنِّي راضيًا.
وما رُوِي عن النَّبيِّ ﵇: "رَحِمَ اللَّهُ أخي يوسفَ، لو لم يستعِنْ بصاحِبِ السِّجنِ ما أُغْلِقَ عليه بابُ السِّجنِ ساعةً" (٥) = إنْ صحَّتْ هذه الأخبار -فإنَّا لا نشهدُ
стр. 4143
على صحَّتها؛ إذ ليس في القرآنِ شاهدٌ لهذه الأخبار، فإنْ صحَّتْ- فمعناها أنَّه عُوتِبَ بالتَّقصير في الدَّعوة، كان الكلام في دعوته قصيرًا لم يقفْ عليه الَّذي نجا من السِّجن وتوهَّم أنَّه يستعين بسيِّده، وإنْ كانَ هو محمِّلًا إيَّاه رسالتَه إليه في التَّوحيد، فعوتِبَ: إنَّك لم تشرحْ عليه الكلام، فقصَّرتَ الدَّعوةَ؛ لا أنَّها أخطأَتْ موقعَها، دليلُه قولُ جبريل ﵇ بأنَّ اللَّه عنكَ راضٍ؛ لو كان في باطنِه وظاهرِه مستعينًا بغير اللَّهِ لم يكنِ اللَّهُ عنه راضيًا.
وأخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ يوسفَ حمَّلَ النَّاجي من السِّجن دعوتَه، حملَها غيرَ مكشوفةٍ، حتَّى فهم النَّاجي الاستعانةَ بسيِّدِه لتخليصِه وإخراجِه، فعُوْتِبَ لقصور الدَّعوةِ، لا للخطأ مِن جهةِ الاستعانة.
ومعنى قوله ﵇: "لو لم يستعِنْ"؛ يعني: لو لم يكلِّمه بكلمةِ الاستعانةِ،
стр. 4144
وإنْ لم يكنْ مستعينًا في الحقيقة؛ إذ الأنبياءُ كانوا مطالَبِينَ بأفضلِ الأعمالِ وأشرفِها، وأطيبِ الكلمات وأحلاها. واللَّه الموفِّق.
* * *
(٤٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: أي: قال ملكُ مصرَ وهو الريَّان: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ في المنام ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ السِّمَنُ: زيادةُ البدنِ من الشَّحم واللَّحم.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾؛ أي: سبعُ بقراتٍ مهازيلُ، جمع أعجفَ وعجفاءَ على غير قياسٍ، والعجَف: تبيُّن الهزال، وصرفُه من حدِّ: علم.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾؛ أي: وأرى سبع سنبلاتٍ ﴿خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: سبع سُنبلات أُخَر يابسات.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: أي: الأشراف الَّذين يُرْجَع إليهم في الأمور ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾: أخبروني بحكمِ رُؤيايَ هذِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾؛ أي: إنْ كنْتُم أو كان فيكم مَن يحسِنُ تعبيرَ الرُّؤيا.
وإدخالُ اللَّام في الرُّؤيا مع أنَّ فعلَ العبارة متعدٍّ؛ لِمَا أنَّ الفعلَ إذا تقدَّم عليه المفعول ضعفَ عملُه، فجازَ إدخالُ حرف الإضافة لذلك، فلا يجوزُ: (تعبرون للرُّؤيا)؛ لأنَّه في قوَّة عملِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كانَ ابتداءُ بلاءِ يوسفَ في رؤيا (١) رآها
стр. 4145
وأظهرَها، فجعلَ اللَّهُ سببَ نجاتِه أيضًا مِن رؤيا راَها الملكُ فأظهرَها؛ ليعلمَ الجميعُ أنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ ما يريدُ (١).
رُوِي أنَّه لمَّا انتهَتْ مدَّة اللَّبْثِ في السِّجن ضاقَ عليه وقتُه ليلةً فبكى، ورفعَ رأسَه إلى السَّماء وقال: إلهي، أنتَ الرَّبُّ وأنا العبد، وأنتَ الخالقُ وأنا المخلوق، وأنتَ العزيزُ وأنا الذَّليل، أسألُكَ بحقِّ إبراهيمَ خليلِك، وبحقِّ إسحاقَ ذبيحِك، وبحقِّ يعقوب إسرائيلِك، أنْ تغيثَني وترحمَني يا أرحمَ الرَّاحمين. فإذا هو بشابٍّ جميلٍ نقيِّ الثِّياب بينَ يديه يقول له: السَّلام عليك يا يوسفُ، فقال: ومَن أنت؟ ومَن أدخلَك السِّجن؟! فواللَّه إنَّ جدارَه لحصين، وإنَّ بابَه لوثِيْق (٢)، وليس ينبغي لمثلِكَ أنْ يُحبَسَ.
قال: أنا الرُّوح الأمين، ورسولُ ربِّ العالمين.
قال: يا أطيبَ الطَّيبينَ، ورأسَ المقرَّبين، ورسولَ ربِّ العالمين، ما أدخلَكَ مدخَلَ المذنبين، ومنزلَ الخاطئين؟
قال: كيف يكونُ منزلَ الخاطئين، وأنت فيه يا أطهر الطَّاهرين، وقرَّة عينِ الصِّديقين؟
قال يوسف: كيف تشبِّهني بالصَّالحين، وتَعُدُّني مِن الصِّديقين، وقد أُدْخلْتُ مُدْخلَ المذنبين، وشبِّهت بالظَّالمين، وحُبِسْتُ في سجن المجرمين؟
قال جبريل: بحبِّكَ ربَّ العالمين، وصبرِكَ على كيد المفترين (٣)، سمَّاك اللَّهُ من الصِّدِّيقين، وألحقَكَ بآبائِكَ الصَّالحين، وأوجبَ لك ثوابَ الصَّابرين.
стр. 4146
قال: تعرفُ حالَ أبي وإخوتي؟
قال: أمَّا أبوكَ فباكٍ محزون، وأمَّا إخوتُك فخجلون نادمون.
قال: وما بلغَ مِن حزن أبي؟
قال: حزن مئة ثَكْلى، وبلغَ مِن صبره على ذلك ما استحقَّ به أجرَ مئة شهيدٍ، وهذا وقتُ فكِّ عنقك، وزوالِ رقِّكَ، ونشرِ حكمتك (١)، وتصديقِ رؤياك، ويهبُ اللَّهُ لكَ مصرَ وعزَّها، ويلقي اللَّهُ تعالى لك المودَّة في قلوبِهم، ويزكِّيْكَ ربُّك حتَّى يبلِّغَكَ برحمتِه ما بلغَ آباؤك الصَّالحون، ويرى الملكُ رؤيا يَفزعُ منها، ويعبُرُ رؤياه عليه أنت، وأبشِّرك (٢) أيُّها الصِّدِّيق بأنَّك صفيُّ اللَّه، وابنُ صفيِّه، وابن ذبيحِه، وابن خليلِه (٣).
وبيَّن له تمامَ الرُّؤيا وتأويلَها، وانصرفَ عنه، فلم يلبَثْ يوسفُ ﵇ في السِّجن إلَّا ذلك اليوم، فلمَّا جنَّ اللَّيل نامَ الملكُ، فرأى في تلك اللَّيلةِ الرُّؤيا، فلمَّا أصبح جمعَ ملأً عظيمًا من قومِه فقصَّها عليهم.
فقال: إنِّي أرى سبعَ بَقراتٍ سِمانٍ وسبعَ بقراتٍ عِجافٍ، فابتلعَتِ العِجافُ السِّمانَ وأكلَتْها، فلم يسمن (٤) في بطونها شيءٌ، ورأيْتُ سبعَ سُنبلاتٍ خضرٍ وسبعَ سُنبلاتٍ يابسات، على ما نبيِّنُ كيفيَّة حالِهما في بيان تفسيرِ هذه الرُّؤيا إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 4147
(٤٤) - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: الضِّغْثُ: الحزمةُ مِن الحشيش المختلِف، وجمعُه: الأضغاث، أرادَ بها: أخلاطَ رُؤيا كاذبة لا حقيقةَ لها.
قال قتادة: أخلاط أحلام (١).
وقال مجاهد: هذا أهاويلُ أحلام (٢).
وقال أبو العالية: أحلامٌ ملتبسة (٣).
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾: لأنَّ الحُلُم (٤) ما خرجَ عن الرؤيا، وهو ما لا يصدق ممَّا يرى (٥) في الخبر (٦)، وفي الخبر: "الرُّؤيا من اللَّهِ تعالى والحلمُ مِنَ الشَّيطانِ" (٧).
* * *
(٤٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾: أي: السَّاقي الَّذي كان في السِّجن ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: مدَّةٍ.
стр. 4148
وقال ابن عبَّاسٍ والحسن ومجاهد وقتادة: أي: بعد حين (١)؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].
وقال الحسن: أي: بعد انقراض أمَّةٍ من النَّاس (٢)؛ أي: قرن.
وروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قرأ: (بعد أَمْهٍ) بفتح الألف وتسكين الميم وخلوصِ الهاء؛ أي: بعد نسيان (٣)، والفعل من حدِّ علم.
وقال أبو الهيثم: فتح الميم خطأٌ، ذكره في شرح "الغريبين" (٤).
وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: أخبركم بتعبيره بأخذي إيَّاه مِن عندِ مَنْ يعلمُه.
﴿فَأَرْسِلُونِ﴾؛ أي: فأْذَنوا لي بالخروج وخلُّوني لآتيَ مَن يعلمُ تأويلَه، وأضمر هاهنا: فأرسلوه، فجاءَ إلى يوسفَ وهو في السِّجن فسأله معظِّمًا، وذلك قوله تعالى:
* * *
стр. 4149
(٤٦) - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يُوسُفُ﴾: أي: يا يوسف ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ وهو الكثير الصِّدق والدَّائم عليه، سمَّاه به لأنَّه لم يجرِّب عليه كذبًا.
وقوله تعالى: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: أي: أجبْنَا فأخبرْنَا بحكم رُؤيا رآها الملكُ؛ وهي أنَّه رأى سبعَ بقراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ، ورأى سبعَ سنبلاتٍ خضرٍ وسبعَ سنبلاتٍ أُخر يابسات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: أفتنا فيهنَّ لأرجع إلى النَّاس بفتواك فيهنَّ، فيعلموا تأويل رؤيا الملِك، فإنَّهم غير عالمين به.
وقال وهبٌ: فلمَّا لم يدرِ الملأُ تأويلَها وعجزوا عنها وأعيَتْهم؛ قالوا: يا أيُّها الملك، إنَّ الأحلامَ ليست تصدُق كلُّها، وكذبُها أكثرُ مِن صدقِها، ونحن نرجو أن يكون حلمُكَ هذا أضغاثًا، ومَن ذا الَّذي تخافُ أن يدخلَ عليك في ملكِكَ، وسلطانُكَ أعزُّ من ذلك، وحولُك أكثرُ، ورجالُك أقوى وأحفظُ (١) له عليك.
وذكرَ غلامُ الملكِ الَّذي كان مسجونًا مع يوسف ﵇ عندما كان من قولهم بذلك في أمرِ يوسف، فقال له: ائذنْ لي أيُّها الملك أدخلْ سجنَك وآتِكَ منه بتأويل رؤياكَ؛ فإنَّ فيه رجلًا (٢) حكيمًا من آل يعقوب، فإنْ يكُ عند أحدٍ من أهل الأرض علمُ رؤياك فهو عندَه، فإنَّ النَّاس اليوم (٣) يقولون: إنَّهم لم يرَوا مثلَه علمًا
стр. 4150
وحلمًا وحكمًا، وقد كنْتُ أنا وصاحبي الَّذي قتلتَه يومَ غضبْتَ علينا وسجنْتَنا حَلمْنا في السِّجنِ حُلْمًا، فعبَّره لنا، فكانَ كما قالَ، أمَّا أنا فنجوْتُ، وأمَّا صاحبي فقُتِلَ، وكذلك أخبرَنا، فأرسلْني إليه آتِكَ بتأويل رؤياكَ، فأفرِّجَ عنك هذا الغَمَّ.
فقال الملك: لئِنْ فعلْتَ ما تقولى لأكرمنَّكَ ولأعظمَنَّ حالَك وشرفَك (١)، فانطلِقْ فقدْ أذنْتُ لك.
فانطلقَ العبدُ حتَّى دخلَ على يوسفَ في السِّجن، فأخبرَهُ خبرَ الملك، وقصَّ عليه رؤياه، فَعَبَرَها له يوسفُ ﵇.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى أفردَ يوسفَ ﵇ مِن بينِ أشكالِه بشيئَيْنِ: بحُسْنِ الخَلْقِ وبزيادةِ العلْمِ، فصارَ جمالُه سببَ بلائِهِ، وصارَ علمُه سببَ نجاتِه؛ لتُعلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيرِه، ولهذا قيل: العلمُ يُعطي وإن كان يُبطي (٢).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في قوله: ﴿أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يحتمل وجوهًا:
- يعلمونَ أنَّ هذه الرُّؤيا حقٌّ، وأنَّ لها حقيقةً، وليسَتْ كما قالوا: إنَّها أضغاث أحلام.
- ويحتمل: يعلمون فضلَكَ على غيرِك مِن النَّاس.
- ويحتمل: يعلمون أنَّك تصلُحُ لحاجاتهم فيرفعونها إليك، كما صلحْتَ لتعبير رؤياهم (٣).
стр. 4151
(٤٧) - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾: عَبَرَ الرُّؤيا للسَّاقي، فقال: تحرثون سبعَ سنينَ زراعةً متواليةً في هذه السِّنين بجدٍّ واجتهادٍ على عادتِكم في الزَّراعة.
والدَّأْبُ: العادةُ، والدَّأَبُ: الجِدُّ والتَّعبُ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾: أي: قطعْتُم مِنَ الزَّرع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾؛ أي: فاتركوه كذلك، ولا تَدْرُسوه ولا تُذَرُّوه لأنَّه أبقى له وأبعد من فساده.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾: في العام، فلا بدَّ من دياسَتِهِ وتذريَتِهِ وتنقيَتِهِ.
* * *
(٤٨) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: بعد مضيِّ سبع سنين في الخصْبِ، وهو قوله تعالى:
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: سبعُ سنين مجدبةٌ، فيها الضِّيق والشِّدَّة.
﴿شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾؛ أي: يأكلْنَ هذه السِّنون السَّبعُ المجدِبَةُ ما كان حصل في أيديْكُم مِن فضلِ ما زرعْتُموه في السَّبع المواضي.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحرزونَ في الحصنِ؛ أي: الحرز.
وأضافَ الأكل إلى السِّنين؛ لأنَّ أكلَ النَّاس يكون فيها؛ وهو كما قال الشَّاعرُ:
نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغَفلةٌ... وليلُكَ نومٌ والرَّدَى لَكَ لَازِمُ (١)
وقال أبو زبيد الطَّائي:
لو بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي (١)
هذا عن أبي عبيدةَ والزَّجَّاج (٢)، والأوَّل عن ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة (٣).
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿تَعْصِرُونَ﴾ بالتَّاء على الخطاب (٤)، ردًّا إلى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾، وقرأ الباقون بياء المغايبة، ردًّا على قوله تعالى: ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾، وهم أهل مصر.
قالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ مِن هذا السَّاقي أدبًا، ومن يوسفَ ﵇ كرمًا؛ أمَّا أدبُ السَّاقي فإنَّه لم يذهب إلى السِّجن للسُّؤال إلَّا بإذن، وأمَّا كرم يوسف صلوات اللَّه عليه فإنَّه عجَّل جوَاب سؤالِه ولم يعاتِبْه على ما كان منه من نسيانه، لم يقلْ له: لم تذكرْني بعدما قلْتُ لك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، حتَّى وقعَتْ لكم هذه المهمَّة.
ولمَّا سمع السَّاقي منه تعبيرَه للرُّؤيا (٥)، ورجعَ إلى الملكِ وأخبرَه به، أعجبَه وانكشفَ عنه كربُهُ وحزنُهُ (٦)، وقال: ائتوني بهذا الرَّجل الحكيم العليم أُكرمْه وأشرِّفه وأرفع منزلَتَه وأقرِّبه منِّي، فإنَّه ليس مثلُه يُضيَّعُ ولا يُهان ولا يُعذَّب (٧).
стр. 4154
فعادَ السَّاقي إلى يوسفَ وأخبرَه بذلك، وأدَّى رسالةَ الملكِ، قال: كيف أرجو كرامَتَه، ولقد لبثْتُ في سجنِه عشرَ سنين، وهو يعرفُ عذري وبراءَتي، ولم يرحمْنِي ولم ينصرْنِي ولم ينصفْنِي ممَّنْ ظلمَني؟ لا آتيه أبدًا حتَّى يجمعَ النِّسوةَ الَّلاتي كذبْنَني وافتريْنَ عليَّ وظلمْنَني، فيوبِّخَهُنَّ لكيدهِنَّ ومكرهِنَّ، ويُقْرِرْنَ له بذلك على أنفسهنَّ، ويُبْرئْنَنِي لبراءَتي وعذري.
قال وهبٌ: قال النَّبيُّ ﷺ : "رحمَ اللَّه أخي يوسفَ؛ إذ دُعِيَ إلى الخروج مِن السِّجنِ فلم يفعل، إن كان لحليمًا ذا أناةٍ، ولو كنْتُ أنا المحبوسَ لبادرْتُ البابَ" (١).
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.
يعني قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: أي: أحضِروه.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾: أي: السَّاقي ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: عُدْ إلى ملكك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ فكذَّبْنَني.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾: أي: خالقي، وقيل: أراد به: سيِّدي، وهو العزيز؛ أي: هو طاهرٌ عند العزيز، فأحبَّ وضوحَ عذرِه عند الملكِ الأعظم أيضًا.
وكيدهنَّ: مراودتُهُنَّ إيَّاه عن نفسِه.
стр. 4155
(٥١) - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فجمعَهُنَّ الملكُ، وقال لهنَّ ما ذكرَ اللَّه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾.
الخَطْبُ: الأمرُ العظيم؛ أي: ما شأنكُنَّ إذ راودْتُنَّ يوسفَ عن نفسِه؟
قال وهبٌ: قال لهنَّ: ما حملَكُنَّ على ما فعلْتُنَّ بيوسفَ إذ مَالَأْتُنَّ عليه سيِّدَتَهُ، وأَمَرْتُنَّها أن تسجنَهُ وتُهينَهُ وتعذِّبَهُ، ودعوتُنَّهُ إلى أنفسِكُنَّ، فلمَّا أبى واستعصم قلْتُنَّ فيه الكذبَ والزُّور؟
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللَّه ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ولقد قلْنَا فيه الكذب والزُّور، وإنَّه لهو البريءُ التَّقيُّ (١) النَّقيُّ المكذوبُ عليه المظلومُ.
و ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ظهرَ الحقُّ وخلصَ، وأزيلَتِ الشُّكوكُ عنه وانقطعَتْ، مِن قولِكَ: حَصَّ شعرَه؛ أي: قصَّه وقطعَه واستأصلَه، ومنه: الحِصَّة؛ وهي القطعةُ مِن الشَّيء.
﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦].
وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ زليخا لم تكن متناهيةً في محبَّةِ يوسفَ في الابتداء، فجعلَتْ ذنبَها عليه فقالَتْ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا. . .﴾، فلمَّا تناهَتْ في محبَّته أقرَّتْ بالذَّنبِ على نفسِها، فقالَتْ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، والمتناهي في الحبِّ لا يبالي بانهتاك السِّتر وظهورِ السِّرِّ (٢).
стр. 4156
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: قيل: هو متَّصلٌ بقول يوسفَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾؛ أي: ليعلمَ العزيزُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بغيبتِه، فإذا ظهرَتْ براءتي عندَ العزيزِ ظهرَتْ عندَ غيرِه وعندَ الملكِ.
وقيل: أي: ليعلمَ الملكُ أنِّي لم أخنِ الملكَ؛ لأنَّ خيانتي لخازِنِه وخادِمِه خيانةٌ له.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: أي: لا يُفضي بكيدِهم إلى هدًى وإصابةٍ، مثلَما لم يهدِ كيدَ امرأةِ العزيز والنِّسوة.
وقال الحسينُ بنُ الفضلِ البَجَليُّ ﵀: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ من قول زليخا، وهو متَّصلٌ بكلامها؛ أي: ليعلمَ يوسفُ (١) أنِّي لم أخنْهُ بالغيب، لم أكذبْ عليه بغيبَتِهِ، ولم أنسبْهُ إلى ما لا يحلُّ، بل أقررْتُ بالذَّنب على نفسي.
* * *
(٥٣) - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾: أي: لا أزكِّي نفسي مع براءتي مِن هذه الجناية (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾: هي للجنس؛ أي: النُّفوسَ البشريَّةَ ﴿لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾؛ أي: كثيرةُ الدَّعوةِ إلى المعاصي بشهوتها ونهمَتِها ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: لكنْ
стр. 4157
مَن رحمَ ربي يَسلمُ عن طاعتِها ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾: ستَّارٌ للعيوب ﴿رَحِيمٌ﴾ بمواصلة البراهين والبيِّنات.
أو يكون لحقيقة الاستثناء (١)؛ أي: إلَّا مَن رحمَ ربِّي، فرحمَه وعصمَه مِن أنْ تأمرَه نفسُه بسوء، أو تكون أَمَرَتْه به في بعض الأحوال، لا أمَّارةً إذا راضَها الإنسان رياضةً بليغةً، فتبقى الخَطْرةُ دون العَزْمة.
وفي بعض الرِّوايات: أنَّه لمَّا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبريل: ولا حين همَمْتَ؟ قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٢).
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" في قولِه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾: أنَّ يوسفَ ﵇ أظهرَ السَّكينةَ والوَقار في الخروج من السِّجن، لا كالضَّجِر القَلِق إذا وجدَ الخلاصَ بادرَ إلى الخروجِ:
ليتميَّزَ الرَّاضي بالقضاء، والمسلِّمُ للحكم، والمفوِّض للقدر، مِن السَّاخط بالمقسوم في المكاره.
والثَّاني: جريٌ على انتظار الوحي؛ لئلَّا يكون مستبدًّا برأيه.
والثَّالث: أنَّه علم استخلاصَ الملكِ إيَّاه، فأحبَّ ألَّا يبقى أثر تهمةٍ من تلك الحادثة الَّتي كانَتْ جرَتْ، حتَّى يَنظُرَ إليه بعين الأمانة، ويَعدَّهُ مِن أهل الصِّيانة، فيصفو له استخلاصه.
стр. 4158
وقول النَّبيِّ ﷺ : "رحمَ اللَّهُ أخي يوسف، لو كنْتُ أنا مكانَه لبادرْتُ البابَ" (١)؛ أي: ما كنْتُ منتظرًا للعُذْرِ، بل كنْتُ أرى الإدخال والإخراج مِن اللَّهِ ﷻ ، فتكلَّم عن مقامِه مِن الفراغِ عن الأفكار (٢) في المخلوقين مدحًا منهم وذمًّا، وإنْ كان ليوسف بهذا المقام، لكنَّ مقامَ رسول اللَّه ﷺ كان أعلى وأكمل، فليس هذا منه عيبًا على يوسف، وإنَّما هو إبانةٌ لمقدار وسعِه (٣) ﵇ في التَّسليم للحكم.
والثَّاني: أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه أحبَّ ظهورَ براءتِه ونظافتِه؛ ليكونَ زوجُ المرأة ملاحظًا له بعين الإجلال، لا بعين الاستقلال، كالمسجون من جهة إنسانٍ يخرجُه السُّلطان لحاجته إليه وخصمُه كارهٌ لخروجه، فالخارج من السِّجن يكون قلبُه منقسمًا وخاطره متوزِّعًا ممَّا يتفكَّرُ مِن استثقال خصمِه وكراهته لخروجِه، واحتيالِه ثانيًا لإعادته إلى السِّجن إذ أُخْرِجَ بغير رضاه، فأرادَ أن يكون خاطرُه لإقامة ما يُفوَّض إليه من الأمانة مِن غير تشويشٍ يقعُ في فكرتِه.
ولأنَّه كان كريمًا ابنَ الكرام فكان لا ينكِرُ (٤) صنائعَ زوجِ المرأة، فأحبَّ أنْ يصفوَ قلبُه إذا خامرَهُ شيءٌ من مقالات امرأتِه بظهور صفوتِه مشاهدةً، وهذا في المروءة والأمانة (٥) مندوبٌ إليه.
وما قالَهُ الرَّسول ﵇ فهو مِن أعلى درجات العبوديَّة، وأشرفِ مقامات الاكتفاء باللَّه تعالى بإرضاء عباده عنه من غير تكلُّفٍ، وكلٌّ جرى على ما كُشِفَ له.
стр. 4159
(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: وفيه دليلٌ على أنَّ الخصم يجبُ إرضاؤه وإنْ كانَ اللَّهُ تعالى عنه غير راضٍ (١)، وأنَّ رضاه (٢) بإظهار ما جرى بينَه وبينَ الخصم، فأحبَّ أن يرضيَ الرَّجلَ فلا يداخلَه شيءٌ من حديثها؛ تكرُّمًا من يوسف ﵇ واستعظامًا لحقِّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إقرارٌ منه (٣) أنَّ امتناعَه عن إجابتِها لم يكن مِن قوَّةِ نفسِه، وإنَّما الحولُ والقوَّةُ للَّهِ .
وقوله: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾؛ أي: لو تُرِكْتُ أنا وطبعُ البشريَّة لكنْتُ عاملًا بطبعي كما عملَتْ هي، لكن لَمَّا أُقِيْمَ مقامَ العِصمةِ عاملَهُ اللَّه تعالى بالرَّحمةِ، فزالَتْ طباعُ النَّفسِ الأمَّارة بالسُّوء.
وهو ذِكْرُ مِنَّةِ اللَّه تعالى عليه في التَّوفيقِ والعِصمةِ، وإقامتِه مقامَ (٤) العزِّ الَّذي يتراءَى للنَّاس أنَّه عزٌّ دنيويٌّ، ففيه دليلٌ على أنَّ معاملةَ النَّاس على الاستقامة تستتبعُ الرِّفعةَ والعزَّ والثَّناءَ الجميل، وذاك نعمة مِن اللَّه تعالى، وليس بنقصٍ في مَقام النَّزاهة والصَّفوة، وأنَّ الاستقامة في المعاملة أفضل منها في الخلوة.
* * *
(٥٤) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
стр. 4160
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: قال ابنُ إسحاق: قال مالك مصر -وهو الوليد بن الريَّان لمَّا أخبرَ النِّساءُ بما أخبرْنَ-: جيئوني به أجعلْهُ خالصًا لنفسي، أفوِّض إليه أمورَ مملكتي؛ لِمَا ظهرَ مِن علمِه وصلاحِه.
وهاهنا مضمرٌ: فأُتي به ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: قريبُ المكانة ظاهرُ الأمانة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا اتَّضحَ للملِكِ طهارةُ حسِّه ونزاهةُ عينه، استحضرَهُ لاستصفائِهِ لنفسِهِ، واختصاصِهِ لأُنسْهِ، فلمَّا كلَّمَه وسمع بيانَه رفعَ محلَّه ومكانَه، وضمن براءَتَه وإحسانه، فقال: إنَّك اليوم مكينٌ (١) أمينٌ على خزائن الأموال (٢).
وفي القصَّة: أنَّه بعثَ سبعين حاجبًا وسبعين مركبًا لاستحضاره، وبعث إليه لباسَ الملوك وتاجَ الملوك، فلبس الثِّياب وتوِّج التَّاج، وخرجَ ليركب، وقام إليه أهل السِّجن يبكون لفقدِه، وكانوا أَنِسُوا به، وأَلِفُوا برَّه وإحسانَه، فدعا لهم فقال: أعطاكُمُ اللَّهُ الصَّبرَ واليقينَ وثوابَ الشَّاكرين، وطهَّرَكم من الذُّنوب، وآمَنكم من الهوامِّ والعقارب والحيَّات.
وقالَ حينَ خرج: اللَّهمَّ عطِّفْ عليهم قلوبَ الأخيار، وقصِّر عليهم النَّهار، ولا تقطع عنهم الأخبار.
ولمَّا خرجَ كتب على باب السِّجن: هذه منازل البلوى، وجهنَّم الدُّنيا، وقبور الأحياء، وشماتة الأعداء (٣).
стр. 4161
ولمَّا دخلَ على الملك قال: اللَّهمَّ إنِّي أسألك بخيرِكَ عن خيرِه، وأعوذُ بعزَّتِكَ وقدرتِكَ عن شرِّه.
فلمَّا كلَّمه، وكان الملك يتكلَّم بسبعين لسانًا، فكلَّم يوسفَ بكلِّ لسانٍ، فأجابَه يوسفُ بكلِّ ذلك، حتَّى إذا فرغ دعا له بالعبرانيَّة، ولم يكن الملكُ يحسنُها، فقال: ما هذا اللِّسان يا يوسفُ؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فلمَّا خرجَ من عنده؛ سلَّم عليه بالعربيَّة، ولم يكن الملكُ يحسنها، فقال: ما هذا اللِّسان يا يوسف (١)؟ قال: هذا لسان عمِّي إسماعيل. فازداد الملكُ عجبًا ممَّا سمعَ من يوسف، وأعجبَه علمُه وحلمُه وحكمُه (٢).
وقال له: اقصصْ رؤيايَ (٣) فإنِّي أحبُّ أن أسمعَها منك، قال يوسفُ: رأيْتَ سبعَ بقراتٍ سِمانٍ عِظامٍ شُهبٍ غرٍّ (٤)، كَشفَ لكَ عنهنَّ النِّيلُ، فطلعْنَ عليكَ مِن شاطئِهِ تَشخبُ أخلافهنَّ لبنًا، فبينا أنت تنظرُ إليهنَّ يعجبُكَ حسنهُنَّ إذ نضبَ النِّيلُ وغارَ ماؤه، وبدا يبسُه، فخرجَ مِن حمأتِه ووحلِه سبعُ بقراتٍ عجافٍ شعثٍ غُبْرٍ مقلَّصات البطون، ليس لهنَّ ضروعٌ ولا أخلاف، ولهنَّ أنيابٌ وأضراس، وأكفٌّ كأكفِّ الكلاب، وخراطيمُ كخراطيمِ السِّباع، فاختلطْنَ بالسِّمان، فافترسنَهُنَّ افتراسَ السِّباع، فأكلْنَ لحومَهُنَّ، ومزَّقْنَ جلودَهُنَّ، وحطَّمْنَ عظامَهُنَّ، وتمششْنَ (٥) مخهنَّ، فبينا أنت تنظرُ وتتعجَّبُ إذا سبعُ سُنبلاتٍ خضرٍ، وسبعٌ أُخَرُ سودٌ في منبتٍ واحدٍ،
стр. 4162
عروقُهنَّ في الثَّرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أنَّى هذا؟! وهؤلاء خضرٌ مثمرات، وهؤلاء سودٌ يابسات، والمنبت واحدٌ، وأصولُهنَّ في الماء؛ إذ هبَّت ريحٌ فذرَّت من اليابسات السُّود على الخضر المثمرات، فاشتعلَتْ فيهنَّ النَّارُ فأحرقتهُنَّ، وصرْنَ سودًا متغيِّراتٍ.
فهذا آخر ما رأيْتَ من الرُّؤيا، ثمَّ انتبهْتَ مِن نومك مذعورًا مرتاعًا.
فقال الملك: واللَّهِ ما شأن هذه الرُّؤيا وإنْ كان عجبًا بأعجبَ ممَّا سمعْتُ منك، فما ترى في رؤيايَ أيُّها الصدِّيق؟
قال يوسف ﵇: أرى أن تجمع الطَّعام في سِنيْ الخصب، وتبنيَ الأهراء (١) والخزائن، فتكبِسَه (٢) فيها بقَصَبه وسُنبله، فيكون قصبُه وسنبله علفًا للدَّواب، ويكفيك ويكفي أهل مصر ومن حولها الطَّعام في سِنِيْ الجدب، فتأتيك الخَلْق من النَّواحي، فيمتارون منك بحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلَك.
قال الملكُ: مَن لي بهذا؟ ومَن يجمعُه؟ ومن يبيعُه ويكفي الشُّغلَ فيه؟
قال يوسفُ: إنَّ اللَّه تعالى أوحى إليَّ أنِّي أقوم به، وأكفي الشُّغل فيه.
قال الملك: ومَن أحقُّ به منك؟ فدونَك ذلك (٣).
* * *
стр. 4163
(٥٥) - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ولِّني على خزائنِ الأطعمةِ والأقوات والعلوفة الَّتي في أرض مملكتِكَ، وهي مصر، وكانت أربعين فرسخًا في أربعين فرسخًا، وفوِّض إليَّ إحرازها وتفريقها وتقدير ذلك منها، فإنِّي حفيظٌ؛ أي: حافظٌ (١) لِمَا سبيلُه أن يحفظَ؛ أي: يجري فيه خيانة أو نسيان، عليمٌ بما سبيلُه أن يُعلَمَ وجهُ التَّدبير فيه حتَّى لا يضيعَ شيءٌ، ولا يوضعَ في غير أهلِه.
وقال قتادة وابن إسحاق: حفيظٌ لها ممَّن لا يستحقُّها، عليمٌ بوجوه التَّدبير فيها (٢).
وقا لى الزجَّاج: عليمٌ بوجوه متصرَّفاتها (٣).
وقيل: حفيظٌ لِمَا استودَعْتَني، عليمٌ بما ولَّيتني.
وقيل: حفيظٌ لِمَا استودعتني، عليمٌ بسني المجاعة.
وقيل: حفيظٌ للحساب، عليمٌ بالألسنة.
وقيل: كاتبٌ وحاسبٌ.
قال وهبٌ: فقال الملك ليوسف صلوات اللَّه عليه: فدونَك هذا السَّريرَ والخاتمَ والتَّاج، فقد تخلَّيْتُ لك عنهنَّ، وأنت أحقُّ بهنَّ منِّي.
قال يوسف: أمَّا السَّرير فأشُدُّ به ملكَكَ، وأمَّا الخاتم فأدبِّرُ به أمرَك، وأمَّا التَّاج فليس من لباس آبائي ولا مِن لباسي.
стр. 4164
قال الملكُ: فقد وضعْتُه عن رأسي إجلالًا لك وإقرارًا بفضلِك.
قال: فاتَّخذ الملكُ الخزائنَ والأَهْراء، وأمر بجمع الطَّعام انتظارًا لسِنِي الخصْبِ، فلمَّا أتَتْ جاءَتْ بشيءٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ كثرةً وسَعةً، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٥٦) - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كالَّذي التمسَ يوسفُ من الملكِ مكَّنَّا له في الأرض؛ أي: أرض مصر، والتَّمكينُ: الإقرارُ وإعطاءُ المَكِنَةِ والمكانة.
وقوله تعالى: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: إذ كانَتْ خزاننها في كلِّ بلادِها بيدِه وتحتَ حكمِهِ بعد ما كان ضُيِّقَ عليه بالرِّقِّ والحبس.
وقوله تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بنعمتِنا كما أصبناها يوسف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني: الصَّابرين. قال وهبٌ: وذلك بصبره في البئر وفي السِّجن وفي الرِّقِّ وعمَّا دعته إليه زليخا (١)، فهذا في الدُّنيا.
* * *
(٥٧) - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: أي: الجنَّة وثوابها خيرٌ للَّذين آمنوا واتَّقوا معاصي اللَّه تعالى.
стр. 4165
وقيل في قوله: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: كما لم نُضِعْ أجرَ يوسفَ، وكان يحسِنُ إلى أهل السِّجن، فينظر للضعفاء ويقوم بمصالح المرضى وغير ذلك، وكان يحسِنُ الصَّبرَ عن المحارم، وإيثارَ طاعة اللَّه تعالى، والقيامَ بإحياءِ دينِه والنُّصحِ لعباده في كلِّ حالٍ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا لم يمكِّن يوسفُ دواعيَ الشَّهوات من نفسِه مكَّنَهُ اللَّهُ تعالى من ملكِهِ، وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ثمَّ أخبرَ عن حقيقةِ التَّوحيد، وبيَّنَ أنَّ ما يولي (١) عبادَه مِن ألطافِه فبفضلِه لا بفعلِهم، وبرحمتِه لا بجِدٍّ منهم، فقال: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾، ثمَّ رقَّى هممَهُم (٢) عمَّا أولاهم من النِّعم، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ (٣).
وفيه جوازُ وَصْفِ الإنسانِ نفسَه بما هو موصوفٌ به -فإنَّه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ - إذا لم يكن فيه ثناءٌ على نفسِه، بل بيانُ ما يتعلَّق به مِن مصالح النَّاس.
وفيه: أنَّه لا بأسَ بالعملِ للكافرِ والفاسق إذا أُمْكِنَ العاملُ مِن وضعِ الشَّيءِ موضعَه، وإعطاءِ كلِّ شيءٍ من العدلِ قسطَه، وكان فيه صلاحُ العامَّة والخاصَّة.
وقيل في قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: قال للملِكِ: ما بالُ الملكِ يتقلَّد بسيفٍ لا يَقطع، وما بالُه ممسِكًا على بابِه حراسًّا عُمْيًا بُكمًا صُمًّا، وما بالُه يزرعُ في أرضٍ سَبخَةٍ، أَمَا يعلَمُ أنَّ مَنْ زَرَعَ بأرضٍ سَبخَةٍ فقد ضيَّعَ بذرَهُ، وعذَّبَ بقرَهُ، وأبطلَ أيَّامَه؟!
стр. 4166
فقال الملكُ: ما أدري ما تقول.
قال: أمَّا التَّقلُّد بسيفٍ لا يَقطع، فهو الاعتماد في الأعمال على عُمَّالٍ لم تجرِّبْهم، وأمَّا إمساكُ العمي والبُكم والصُّمِّ على الباب فهو استعمالُ قومٍ لا يروْنَ عيوبَكَ ولا يذكرونَها لكَ، وأمَّا الزَّرْعُ في السَّبخَةِ، فالبَذْرُ: العمر، والسَّبخَةِ: الدُّنيا، والثَّوران: اللَّيلُ والنَّهارُ. فأعجبَهُ كلامُهُ، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (١).
وقال وهب: ولمَّا وُلِّي يوسفُ مصرَ ماتَ العزيزُ، فزوَّجَهُ الملكُ امرأةَ العزيز، فلمَّا دخلَ عليها (٢) وجدَها عذراء، فقال: أليس هذا خيرًا ممَّا كنْتِ تريدين؟ فقالَتْ له: لا تلُمْنِي يا نبيَّ اللَّه، فإنَّ اللَّهَ كساكَ مِن الحُسْنِ والجَمالِ ما لا يصبرُ عليه أحدٌ، وكان صاحبي لا يمسُّ النِّساء، وكنْتُ ناعمةً في ملكِ الدُّنيا، وغلبتني شهوتي، يا يوسفُ، إنَّ الحرصَ والشَّهوة صيَّرا الملوكَ عبيدًا، وإنَّ الصَّبرَ والتَّقوى صيَّرا العبيدَ ملوكًا.
وتزوَّجها وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، فولدَتْ له أفراييم وميشا ابني يوسف في أربع سنين من سِني الخصب. هذا القَدْرُ مذكور من حديث تزوُّجِها في "كتاب وهب".
ويُذكَرُ في القصص زوائدُ: أنَّها افتقرَتْ وضعفَتْ وعميَتْ، وأتتْهُ وهي بتلك الحالة، فرحمَها وقال: ما تشتهين؟ قالَتْ: أن أفتح عيني مرَّةً فأراك. وبكَتْ فبكى يوسف، وأتاه جبريلُ فقال: إنَّ اللَّهَ تعالى يردُّ إليها بصرَها وشبابَها فتزوَّجْها. ففعلَ، فأعادَ اللَّهُ تعالى إليها جمالَها وشبابَها.
ويذكر هنا أشياء، ولا ضرورة إلى ذكرها.
ولمَّا مضى تمام سِني الخصب أمرَ اللَّهُ ﷻ جبريلَ ﵇ سَحَرًا
стр. 4167
فقال: يا جبريل، ألا تنظرُ إلى عبادي وإمائي من أهل مصرَ وغيرهم كيف يأكلون رزقي ويعبدون غيري، اهبط فقد سلَّطْتُ عليهم الجوعَ والقَحْطَ سبعَ سنين، فهبط جبريل وصاح في الهواء: يا أهلَ مصر، جوعوا سبعَ سنين، فانتبه الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ ينادون: الجوع، الجوع (١).
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لم يكن في تلك السِّنينَ اليابسةِ (٢) مطرٌ ولا نباتٌ، ولا ريح تهبُّ، ولا حمارٌ ينهقُ، ولا ثورٌ يصيحُ، ولا دابَّةٌ تحمل، ولا طير يتَّخذ عشًّا ولا فرخ، وجاءت سِنُوْ الجدْبِ بأمر مَهولٍ لم يعهدِ النَّاسُ مثلَه، وقصدَ النَّاسُ مصرَ مِن كلِّ أوبٍ وناحيةٍ يمتارون، فجعل يوسفُ صلوات اللَّه عليه لا يمكِّنُ أحدًا منهم وإن كان عظيمًا أكثر مِن حِملِ بعير.
وتزاحم عليه أهلُ مصرَ، فباعَهم أوَّل سنةٍ بالدَّراهم والدَّنانير، حتَّى لم يبقَ بمصر دينارٌ ولا درهمٌ إلَّا قبض عليه، وباعهم السَّنةَ الثَّانية بالحليِّ والجواهر حتَّى لم يبقَ بمصر في أيدي النَّاس منها شيءٌ، وباعهم السَّنة الثَّالثة بالمواشي والدَّوابِّ والأنعام حتَّى احتوى عليها أجمع، وباعهم السَّنة الرَّابعة بالعبيد والإماء حتَّى لم يبقَ عبدٌ ولا أمةٌ في يدِ أحد، وباعهم في السَّنة الخامسة بالضِّياع والعَقار والدُّور حتَّى احتوى عليها، وباعهم السَّنة السَّادسة بأولادهم حتَّى استرقَّهم (٣)، وباعهم السَّنة السَّابعة برقابهم حتَّى لم يبقَ بمصر حرٌّ ولا حرَّة إلَّا صار عبدًا له.
فقال النَّاسُ: باللَّهِ ما رأينا كاليوم ملكًا أجلَّ ولا أعظمَ من هذا!
стр. 4168
فقال يوسفُ صلوات اللَّه عليه للملك: كيفَ رأيْتَ صُنع اللَّهِ بي، وما خوَّلني من الملك؟ فما ترى لي؟
قال الملكُ: الرَّأيُ رأيُكَ، ونحن لك (١) تَبعٌ، وأنا خولُكَ.
فقال يوسفُ: إنِّي لم أملكْ مصر بأهلها لأخربها وأهلكهم، ولم أوسع عليهم الطَّعام لأضيِّقه، ولم اَمُرْهم لأجفوَهم، أوَ تُقِرُّ لي بأنَّ (٢) لي عبيدًا وخولًا (٣)؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أشهِدُ اللَّهَ وأشهِدُكَ أنِّي أعتقْتُ أهلَ مصر عن آخرهم، ورددْتُ إليهم أموالَهم وأملاكهم، ورددْتُ عليك ملكَكَ على شريطة ألَّا تخالفَني وتستنَّ بسُنَّتي. قال الملكُ: فآذنُ لكَ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: قال وهبٌ: وكان اشتدَّ على يعقوبَ وولدِه وأهلِ الشَّام القَحطُ، فقال يعقوبُ لأولاده: إنَّ بمصرَ طعامًا يباعُ، وإنَّ هذا الرَّجلَ الصَّالح الَّذي هو ملكُهم بلغَني عنه خيرٌ وصلاحٌ وحسنُ سيرةٍ، فامتاروا؛ فإنَّ له سيرةً تشبه سيرةَ آل يعقوب، وسيحسِنُ إليكم إن شاء اللَّهُ ، فانطلِقوا فامتاروا منه، فانطلَقوا، فلمَّا دخلوا على يوسفَ مع النَّاس، وكان يوسفُ صلوات اللَّه عليه يحسِنُ إلى مَن أتاه، ويعطيه قَدْرَ ما يكفي عيالَه على عددِهم، فلمَّا دخلوا عليه عرفَهم وهم له منكرون.
стр. 4169
وكان اللَّه تعالى عمَّى عليهم خبرَ يوسف وما صار إليه مِن الملك، ولتغيُّرِ لونِه وكلامِه وهيئتِه، ولتقادمِ العهد وتطاول المدَّة.
وقيل: إنَّما لم يَعرفوه لأنَّه كان متنقِّبًا.
وقيل: لم يعرفوه لأنَّهم كانوا جياعًا، وعينُ الجائع تحارُ فلا تعرف ما تبصرُ (١).
وقيل: لأنَّهم جاؤوا طامعين، والطَّمعُ يغطي العين.
وقيل: لأنَّهم كانوا جَفَوه، والجفاءُ يزيلُ المعرفة.
وقيل: لأنَّ اللَّه تعالى أخفى عليهم ذلك بلطفِه، وكان له فيه سرٌّ.
وقيل: لأنَّهم نكسوا رؤوسَهم محترِمين فلم ينظروا إليه؛ فلذلك لم يعرفوه.
قال وهبٌ: ولمَّا عرفَهم أمَرَ فتيانَه بإنزالهم في منزلٍ، أكرمَهم، ومكثَ ثلاثًا لا يكلِّمُهم، ثمَّ قال لهم بعدَ ثلاثة أيَّامٍ: مَن أنتم؟ قالوا: نحنُ أولادُ يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم من أهل كنعان. فنظرَ إليهم فأكثرَ، وأدامَ فيهم النَّظر، وصعَّدَ وصوَّب فيهم البصر، ونظر إليهم جميعًا وأشتاتًا (٢) كلَّما فرغ من واحدٍ نظر إلى الَّذي يليه، ثمَّ قال: اعتزلوني حتَّى أفرغَ لكم.
وكان لا يصنعُ ذلك بأحدٍ (٣)، وكان يعجِّل سراح الممتارين، فلمَّا اعتزلوا عنه استرابوا مِن نظرِه إليهم، وقال بعضهم لبعضٍ: لقد نظر إلينا هذا الملِك نظرًا ما نظرَه إلى غيرنا، لذلك فإمَّا أن يكون نظرُه إلينا على وجه الغِبطة لنا؛ لنبوَّة آبائِنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أو الغِبطةِ لأبينا بما رأى من عددِنا وجَلَدِنا وقوَّتنا وجماعتِنا،
стр. 4170
وإمَّا أن يكون تفرَّس فينا النُّبوَّة مِن بعد آبائنا، والوراثةَ لهم مِن بعدهم، وإمَّا أن يكون بلغَهُ فِعلتُنا بأخينا، وتلك قاصمةُ ظهورِنا وسببُ خِزيتنا (١).
وتشاغل عنهم يوسفُ يومَه ذلك، فأمرَ لهم فأُنزِلوا في ضيافتِه، وأوصى بهم خدمَهُ، وهم يغدون عليه ويروحون (٢)، وهو كالمعرِضِ عنهم والمتجهِّم لهم، فإذا صاروا إلى ضيافته أُكرِموا، وإذا دخلوا إليه أعرضَ عنهم، فيقولون: ومِنَ العجبِ شأنُ هذا الملك وعملُه بنا، إذا حضَرناه تجهَّم لنا وأعرض عنَّا، وإذا صرْنَا إلى منزلِه أوصى بنا في الغيب، فلبثوا بذلك حينًا، ثمَّ إنَّهم دخلوا على يوسف يومًا فقال لهم: ممَّنْ أنتم؟ قالوا: قد أخبرناك أوَّلَ يومٍ سألتنا، إنَّا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
فقال يوسفُ: وَلَدَكم ثلاثةُ أنبياء؛ الخليلُ والذَّبيح والصِّدِّيق؟ قالوا: نعم.
قال: ما أنتم لذلك أشباهٌ، ولا لذلك بخلفاء، وما أنتم موسومون بسيماهم، ولا أرى من أحلامٍ ولا وَقارٍ ولا سكينةٍ ظاهرةٍ ولا خشوعٍ، ولَأَنتم بأن تكونوا لصوصًا أشبهُ، أو تكونوا جواسيس دسَّكم بعضُ الملوك، فجئْتُم مرتادين (٣) تنظرون لهم في العُدَّة والقوَّة، ثمَّ تأتونهم بخبر ذلك، فيسيرون إلينا ليقاتلونا حسدًا لِمَا أنعمَ اللَّهُ تعالى علينا وأحيانا وأحيا بنا، ولأنتم بهذا أشبَه، ولَايمُ (٤) اللَّهِ لا تنفكُّون مِن حبسي أبدًا حتَّى أعلم عليكم.
فأشفقوا (٥) أن يبحثَ عنهم حتَّى يبلغَ به البحثُ فعلتَهُم الَّتي فعلوا بأبيهم،