فقال الملكُ: ما أدري ما تقول.
قال: أمَّا التَّقلُّد بسيفٍ لا يَقطع، فهو الاعتماد في الأعمال على عُمَّالٍ لم تجرِّبْهم، وأمَّا إمساكُ العمي والبُكم والصُّمِّ على الباب فهو استعمالُ قومٍ لا يروْنَ عيوبَكَ ولا يذكرونَها لكَ، وأمَّا الزَّرْعُ في السَّبخَةِ، فالبَذْرُ: العمر، والسَّبخَةِ: الدُّنيا، والثَّوران: اللَّيلُ والنَّهارُ. فأعجبَهُ كلامُهُ، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (١).
وقال وهب: ولمَّا وُلِّي يوسفُ مصرَ ماتَ العزيزُ، فزوَّجَهُ الملكُ امرأةَ العزيز، فلمَّا دخلَ عليها (٢) وجدَها عذراء، فقال: أليس هذا خيرًا ممَّا كنْتِ تريدين؟ فقالَتْ له: لا تلُمْنِي يا نبيَّ اللَّه، فإنَّ اللَّهَ كساكَ مِن الحُسْنِ والجَمالِ ما لا يصبرُ عليه أحدٌ، وكان صاحبي لا يمسُّ النِّساء، وكنْتُ ناعمةً في ملكِ الدُّنيا، وغلبتني شهوتي، يا يوسفُ، إنَّ الحرصَ والشَّهوة صيَّرا الملوكَ عبيدًا، وإنَّ الصَّبرَ والتَّقوى صيَّرا العبيدَ ملوكًا.
وتزوَّجها وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، فولدَتْ له أفراييم وميشا ابني يوسف في أربع سنين من سِني الخصب. هذا القَدْرُ مذكور من حديث تزوُّجِها في "كتاب وهب".
ويُذكَرُ في القصص زوائدُ: أنَّها افتقرَتْ وضعفَتْ وعميَتْ، وأتتْهُ وهي بتلك الحالة، فرحمَها وقال: ما تشتهين؟ قالَتْ: أن أفتح عيني مرَّةً فأراك. وبكَتْ فبكى يوسف، وأتاه جبريلُ فقال: إنَّ اللَّهَ تعالى يردُّ إليها بصرَها وشبابَها فتزوَّجْها. ففعلَ، فأعادَ اللَّهُ تعالى إليها جمالَها وشبابَها.
ويذكر هنا أشياء، ولا ضرورة إلى ذكرها.
ولمَّا مضى تمام سِني الخصب أمرَ اللَّهُ ﷻ جبريلَ ﵇ سَحَرًا
стр. 4167
فقال: يا جبريل، ألا تنظرُ إلى عبادي وإمائي من أهل مصرَ وغيرهم كيف يأكلون رزقي ويعبدون غيري، اهبط فقد سلَّطْتُ عليهم الجوعَ والقَحْطَ سبعَ سنين، فهبط جبريل وصاح في الهواء: يا أهلَ مصر، جوعوا سبعَ سنين، فانتبه الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبيانُ ينادون: الجوع، الجوع (١).
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لم يكن في تلك السِّنينَ اليابسةِ (٢) مطرٌ ولا نباتٌ، ولا ريح تهبُّ، ولا حمارٌ ينهقُ، ولا ثورٌ يصيحُ، ولا دابَّةٌ تحمل، ولا طير يتَّخذ عشًّا ولا فرخ، وجاءت سِنُوْ الجدْبِ بأمر مَهولٍ لم يعهدِ النَّاسُ مثلَه، وقصدَ النَّاسُ مصرَ مِن كلِّ أوبٍ وناحيةٍ يمتارون، فجعل يوسفُ صلوات اللَّه عليه لا يمكِّنُ أحدًا منهم وإن كان عظيمًا أكثر مِن حِملِ بعير.
وتزاحم عليه أهلُ مصرَ، فباعَهم أوَّل سنةٍ بالدَّراهم والدَّنانير، حتَّى لم يبقَ بمصر دينارٌ ولا درهمٌ إلَّا قبض عليه، وباعهم السَّنةَ الثَّانية بالحليِّ والجواهر حتَّى لم يبقَ بمصر في أيدي النَّاس منها شيءٌ، وباعهم السَّنة الثَّالثة بالمواشي والدَّوابِّ والأنعام حتَّى احتوى عليها أجمع، وباعهم السَّنة الرَّابعة بالعبيد والإماء حتَّى لم يبقَ عبدٌ ولا أمةٌ في يدِ أحد، وباعهم في السَّنة الخامسة بالضِّياع والعَقار والدُّور حتَّى احتوى عليها، وباعهم السَّنة السَّادسة بأولادهم حتَّى استرقَّهم (٣)، وباعهم السَّنة السَّابعة برقابهم حتَّى لم يبقَ بمصر حرٌّ ولا حرَّة إلَّا صار عبدًا له.
فقال النَّاسُ: باللَّهِ ما رأينا كاليوم ملكًا أجلَّ ولا أعظمَ من هذا!
стр. 4168
فقال يوسفُ صلوات اللَّه عليه للملك: كيفَ رأيْتَ صُنع اللَّهِ بي، وما خوَّلني من الملك؟ فما ترى لي؟
قال الملكُ: الرَّأيُ رأيُكَ، ونحن لك (١) تَبعٌ، وأنا خولُكَ.
فقال يوسفُ: إنِّي لم أملكْ مصر بأهلها لأخربها وأهلكهم، ولم أوسع عليهم الطَّعام لأضيِّقه، ولم اَمُرْهم لأجفوَهم، أوَ تُقِرُّ لي بأنَّ (٢) لي عبيدًا وخولًا (٣)؟ قال: نعم. قال: فإنِّي أشهِدُ اللَّهَ وأشهِدُكَ أنِّي أعتقْتُ أهلَ مصر عن آخرهم، ورددْتُ إليهم أموالَهم وأملاكهم، ورددْتُ عليك ملكَكَ على شريطة ألَّا تخالفَني وتستنَّ بسُنَّتي. قال الملكُ: فآذنُ لكَ.
* * *
(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: قال وهبٌ: وكان اشتدَّ على يعقوبَ وولدِه وأهلِ الشَّام القَحطُ، فقال يعقوبُ لأولاده: إنَّ بمصرَ طعامًا يباعُ، وإنَّ هذا الرَّجلَ الصَّالح الَّذي هو ملكُهم بلغَني عنه خيرٌ وصلاحٌ وحسنُ سيرةٍ، فامتاروا؛ فإنَّ له سيرةً تشبه سيرةَ آل يعقوب، وسيحسِنُ إليكم إن شاء اللَّهُ ، فانطلِقوا فامتاروا منه، فانطلَقوا، فلمَّا دخلوا على يوسفَ مع النَّاس، وكان يوسفُ صلوات اللَّه عليه يحسِنُ إلى مَن أتاه، ويعطيه قَدْرَ ما يكفي عيالَه على عددِهم، فلمَّا دخلوا عليه عرفَهم وهم له منكرون.
стр. 4169
وكان اللَّه تعالى عمَّى عليهم خبرَ يوسف وما صار إليه مِن الملك، ولتغيُّرِ لونِه وكلامِه وهيئتِه، ولتقادمِ العهد وتطاول المدَّة.
وقيل: إنَّما لم يَعرفوه لأنَّه كان متنقِّبًا.
وقيل: لم يعرفوه لأنَّهم كانوا جياعًا، وعينُ الجائع تحارُ فلا تعرف ما تبصرُ (١).
وقيل: لأنَّهم جاؤوا طامعين، والطَّمعُ يغطي العين.
وقيل: لأنَّهم كانوا جَفَوه، والجفاءُ يزيلُ المعرفة.
وقيل: لأنَّ اللَّه تعالى أخفى عليهم ذلك بلطفِه، وكان له فيه سرٌّ.
وقيل: لأنَّهم نكسوا رؤوسَهم محترِمين فلم ينظروا إليه؛ فلذلك لم يعرفوه.
قال وهبٌ: ولمَّا عرفَهم أمَرَ فتيانَه بإنزالهم في منزلٍ، أكرمَهم، ومكثَ ثلاثًا لا يكلِّمُهم، ثمَّ قال لهم بعدَ ثلاثة أيَّامٍ: مَن أنتم؟ قالوا: نحنُ أولادُ يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم من أهل كنعان. فنظرَ إليهم فأكثرَ، وأدامَ فيهم النَّظر، وصعَّدَ وصوَّب فيهم البصر، ونظر إليهم جميعًا وأشتاتًا (٢) كلَّما فرغ من واحدٍ نظر إلى الَّذي يليه، ثمَّ قال: اعتزلوني حتَّى أفرغَ لكم.
وكان لا يصنعُ ذلك بأحدٍ (٣)، وكان يعجِّل سراح الممتارين، فلمَّا اعتزلوا عنه استرابوا مِن نظرِه إليهم، وقال بعضهم لبعضٍ: لقد نظر إلينا هذا الملِك نظرًا ما نظرَه إلى غيرنا، لذلك فإمَّا أن يكون نظرُه إلينا على وجه الغِبطة لنا؛ لنبوَّة آبائِنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أو الغِبطةِ لأبينا بما رأى من عددِنا وجَلَدِنا وقوَّتنا وجماعتِنا،
стр. 4170
وإمَّا أن يكون تفرَّس فينا النُّبوَّة مِن بعد آبائنا، والوراثةَ لهم مِن بعدهم، وإمَّا أن يكون بلغَهُ فِعلتُنا بأخينا، وتلك قاصمةُ ظهورِنا وسببُ خِزيتنا (١).
وتشاغل عنهم يوسفُ يومَه ذلك، فأمرَ لهم فأُنزِلوا في ضيافتِه، وأوصى بهم خدمَهُ، وهم يغدون عليه ويروحون (٢)، وهو كالمعرِضِ عنهم والمتجهِّم لهم، فإذا صاروا إلى ضيافته أُكرِموا، وإذا دخلوا إليه أعرضَ عنهم، فيقولون: ومِنَ العجبِ شأنُ هذا الملك وعملُه بنا، إذا حضَرناه تجهَّم لنا وأعرض عنَّا، وإذا صرْنَا إلى منزلِه أوصى بنا في الغيب، فلبثوا بذلك حينًا، ثمَّ إنَّهم دخلوا على يوسف يومًا فقال لهم: ممَّنْ أنتم؟ قالوا: قد أخبرناك أوَّلَ يومٍ سألتنا، إنَّا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
فقال يوسفُ: وَلَدَكم ثلاثةُ أنبياء؛ الخليلُ والذَّبيح والصِّدِّيق؟ قالوا: نعم.
قال: ما أنتم لذلك أشباهٌ، ولا لذلك بخلفاء، وما أنتم موسومون بسيماهم، ولا أرى من أحلامٍ ولا وَقارٍ ولا سكينةٍ ظاهرةٍ ولا خشوعٍ، ولَأَنتم بأن تكونوا لصوصًا أشبهُ، أو تكونوا جواسيس دسَّكم بعضُ الملوك، فجئْتُم مرتادين (٣) تنظرون لهم في العُدَّة والقوَّة، ثمَّ تأتونهم بخبر ذلك، فيسيرون إلينا ليقاتلونا حسدًا لِمَا أنعمَ اللَّهُ تعالى علينا وأحيانا وأحيا بنا، ولأنتم بهذا أشبَه، ولَايمُ (٤) اللَّهِ لا تنفكُّون مِن حبسي أبدًا حتَّى أعلم عليكم.
فأشفقوا (٥) أن يبحثَ عنهم حتَّى يبلغَ به البحثُ فعلتَهُم الَّتي فعلوا بأبيهم،
стр. 4171
فقالوا: إنَّا نسألُكَ أيُّها الملكُ بالَّذي بلَّغَكَ هذه المنزلةَ، وفضَّلَكَ هذه الفضيلةَ، وأكرمَكَ هذه الكرامةَ، وأنعمَ عليك هذه النِّعمةَ، لَمَا عجَّلْتَ سراحَنا إلى أبينا، فإنَّه اليومَ أعظمُ أهلِ الأرض حقًّا، وأعلى جميع أهلِ الأرض؛ لأنَّه نبيُّ اللَّه، وابنُ ذبيحِه (١)، وابنُ خليلِه، فلا تستخفَّ بحقِّه، ولا تقصِّر في شيءٍ مِن أمرِه، فإنَّك لو تعلمُ عِلْمَه وعلْمَ كبرِه وضعفِه وحزنٍ له على ابنٍ له هلَكَ منذ حين، وكان أحبَّ النَّاسِ إليه وأقرَّهم لعينِه، وعِلْمَ ما يمونُ ويعولُ ويتصدَّقُ ويضيفُ = إذًا لاشتدَّتْ له رحمتُك، ولدمعَتْ له عينُك، وحزنَ له قلبُك.
قال يوسف ﵇: ما أحدٌ اليومَ (٢) أعظمَ حقًّا عليَّ وعلى جميع أهل الأرض من يعقوب، ولو مِرْتُهُ على (٣) ظهري مقبلًا ومدبرًا حتَّى أُعِينه (٤) وعيالَه ما بلغْتُ بذلك حقَّه، ولا حقَّ آبائه عليَّ، فحدِّثوني ما الَّذي أحزنَه وهو في منزلِ الفرحِ والغِبطة؟ أليس نبيَّ اللَّهِ وابنَ أنبيائه؟ أوليسَ يَنظرُ إليكم في مثل عددكم وجمالكم وجَلَدكم؟ أليس الجنَّة مع ذلك بُشراه، ونصبُ عينه يأملُها؟ فما الَّذي يحزنه بعد هذا؟ ولعلَّ حزنَه إنَّما كان من قِبَل سفهكم وجفائكم وكذبكم؟
قالوا: حاشَ للَّه، ما نحن كذلك، ولكن كان له ابنٌ وكان أصغرَنا وأحبَّنا إليه فهلَكَ، فلم يزلْ بعدَه واهنَ العظمِ باكيًا محزونًا.
قال يوسف ﵇: أوكلُّكم لأمٍّ واحدةٍ؟ قالوا: لا.
قال: فما الَّذي حملَ أباكم على أن أرسلَ كلَّكم؟ هلَّا احتبسَ رجلًا منكم
стр. 4172
يسكنُ إليه ويأنسُ به؟ قالوا: قد فعل، قد احتبسَ منَّا ولدًا هو أصغرُ ولدِه، وأحبُّهم إليه بعد الأوَّل.
قال يوسفُ: لولا مخافةُ أن تكونوا صادقين لحبستكم حبسًا أطول مِن هذا، ولعذَّبتكم عذابًا شديدًا، فإنْ كنتم صادقين فارجعوا إلى أبيكم، فبلِّغوه منِّي السَّلام، وقولوا له: فلْيخبرني ما الَّذي أحزنَه وأبكاه وأوهنَ عظمَه؟ وما الَّذي شيَّبَه قبلَ أوانِ شَيبِه؟ وليبعَثْ إليَّ بجواب هذه الرِّسالة مع ابنه الأصغر الَّذي احتبسَه.
* * *
(٥٩) - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أي: هيّأ أسبابَهم فأعطى كلَّ واحدٍ وِقْرَ بعيرٍ، وكذلكَ يبيعُ ولا يزيدُ لكلِّ قادمٍ على وِقْرٍ؛ لئلَّا يضرَّ بالآخرين.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾: عنى: بنيامين الَّذي ذكروه له.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أتمُّه، ولا أنقصُ منه شيئًا ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ أي: المضيفين.
* * *
(٦٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾: أي: بالأخ الَّذي قْلُتم (١) ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾؛ أي: فلا طعامَ لكم عندي يُكال ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾؛ أي: لا تقربوا بلادي.
стр. 4173
تلطَّفَ يوسفُ ﵇ في استحضار بنيامين بالتَّرهيب والتَّرغيب، أمَّا التَّرغيب ففي الَّذي فصَّلَ (١) لهم قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، وفي إنزالهم بحسن الضِّيافة، قال: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، وأمَّا التَّرهيب؛ فقوله: ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.
* * *
(٦١) - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾: أي: سنتلطَّفُ لأبيه في طلبِه منه وإخراجِه معنا كما أمرْتَ ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ بما أَمرْتَ به غيرُ مخالفين لك، ولم يريدوا أنَّهم يفعلون ذلك بغيرِ إذنِ أبيهم، ولكنْ أرادوا ما قلْنَا.
* * *
(٦٢) - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾، والباقون: ﴿لِفِتْيَتِهِ﴾ (٢)، وهما لغتان في جمع الفتى؛ كالغِلْمَانِ والغِلْمَةِ.
والفتى: اسمٌ للملوك شابًّا كان أو شيخًا.
وقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾: وهي دراهمُهم الَّتي هي أثمان ما امتاروه مِن عندِه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: وأدخلَ كلمةَ (لعلَّ) في
стр. 4174
معرفتِهم ذلك، بمعنى أنَّهم عسى أن ينظروا في رحالهم لشيءٍ فيجدونها، ويجوز ألَّا يحتاجوا إلى النَّظر فيها، فيخفى عليهم ذلك، على معنى أنَّهم عسى أن ينظروا في رحالهم ووقوفهم على ذلك.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذا يصلح للَّازم والمتعدِّي؛ أي: يعودون إلينا ويردُّونَ البضاعةَ علينا، وقد رجَعْتُهُ رَجْعًا، فرجَعَ رجوعًا، فتكلَّموا في معنى رجاء الرُّجوع بذلك:
قيل: معناه: إنَّهم إذا عرفوا أنَّها بضاعتهم؛ تحرَّجوا عن إمساكِها، وتوهَّموا أنَّ فتيانَ يوسف وضعوها في رحالِهم غلطًا، فعادوا لردِّها.
وقيل: إنَّما فعلَ ذلك ليستعينوا بها على الرُّجوع لابتياع الميرة مرَّةً أخرى، لرجائِه أنْ لا يكونَ عند أبيهم غيرُ ذلك.
وقيل -وهو أحسن الوجوه في ردِّ بضاعتهم إليهم-: لأنَّ يوسف ﵇ لم يَستجزْ أنْ يأخذَ مِن إخوتِه ثمنَ طعامٍ تجشَّموا في طلبِه السَّفر، وإنما يصل قُوتُه (١) إلى أبيه وإخوته ومَن يلزمُه في الحرية تحمل مؤنة (٢) في تلك الحالة، فأمرَ بجعلها في رحالِهم، ولم يحب أن يصرِّح لهم بسببِ الردِّ.
وقيل: ليرجعوا إليه بما يظهرُ لهم مِن كرمِه في ردِّها عليهم في زمان الجدْبِ، فيكون ذلك أدعى لهم في الرُّجوع.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء" قال: هلَّا أخبرَهُم بحالِه وعرَّفهم عن نفسه؛ ليعظُمَ
стр. 4175
سرورُهم بوجودِه، وقد علمَ أنَّ إدخالَ السُّرورِ في قلبِ المؤمن ما محلُّه (١) من الثَّواب عندَ اللَّهِ خصوصًا في قلب إخوتِه، وفي ذلك صلَةُ الرَّحم، وإيصالُ الخبر لأبيه ليتفرَّغَ مِن حزنِه؟
فالجواب عنه: أنَّه لم يقدرْ أنْ يفعلَ مِن غير وحيٍ.
ولأنَّه عَلِمَ أنَّ انقضاء المحنةِ بعدُ لم يأتِ وقتُه، فلذلك تربَّص وتأخَّر إلى وقته، وقال في وقته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩].
والثَّالث: أنَّه لو أخبرَهم ساعةَ دخولهم عليه وهو كان يلاطفُهم في المعاملةِ ويسامحُهم في تلك المِيْرَةِ، ويردُّ عليهم بضائعَهم؛ ربَّما لم يستظرفوا صنيعَه بمكانهم، متعلِّلين (٢) بالأخوَّة أنَّها موجبةٌ لخصائص المعاملة، أحبَّ أن ينصرفوا وألسنتُهم رطبةٌ بالثَّناء عليه، متعجِّبين من حسنِ معاملتِه في عام السَّنةِ خصوصًا؛ ليعلموا منه السَّخاوة بما يحملونَه من الطَّعام بالبدل لغيرهم، ويستعطفوا غيرَهم بالرَّغبة إليه للامتيار.
والرَّابع: أنَّ عام السَّنة لم يكن منقضيًا بعدُ، وحوائجُ النَّاس إلى الطَّعام قائمةٌ، فلو أحسُّوا بمكانه ورجعوا ببشرى (٣) الخبر إلى أبيهم، فكانَتْ تنقطعُ المعاملة، فلغلبَةِ الإشفاق على النَّاس أحبَّ ألَّا يُحَسَّ بمكانِه حتَّى تنقضيَ السَّنةُ ويتفرَّغ قلبُه عن هموم الجائعينَ، ثمَّ يستوفي حظَّه من السُّرور في الاجتماع مع أبيه وإخوته.
وقالوا في قوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾: كيف استجازَ زيادةَ الحزنِ لأبيه وشَغْلَ قلبِه بسببِه، وهو عالمٌ أنَّه ممتَحَنٌ بفراقِه مهتمٌّ لفقدِه؟
стр. 4176
قيل: بأنَّه قال ذلك عن وحيٍ مِن اللَّه تعالى، لم يفعلْهُ جزافًا، وعلمَ أنَّ اللَّهَ ﷻ أرادَ استكمالَ صفاء يعقوب عن ميل الطَّبع إلى أخيه (١)، فعاملَه على ما علمَ مِن اللَّه تعالى.
* * *
(٦٣) - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿يكتل﴾ بالياء؛ أي: يكتلْ بنيامين لنفسِه، وقرأ الباقون بالنُّون (٢)؛ أي: نكتلْ (٣) نحنُ له وقرَ بعيرٍ؛ أي: لأجله.
وقيل: معناه: إنَّ الإخوة لمَّا رجعوا إلى يعقوب ﵇ قالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، لم يريدوا أنه منع ما جاؤوا يشترونه، فقد قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، بل أرادوا أنَّه قال لنا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، فتقديرُ قوله: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: ذَكَرَ لنا مَنع الكيل (٤) إن أتيناه نحنُ بلا أخٍ.
ولمَّا شقَّ عليه ذلكَ وخافَ ضياعَه؛ قالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
* * *
(٦٤) - ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
стр. 4177
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أتَّكلُ على ضمانكم حفظَه، وإنْ قلْتُم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فقد كنتم قلْتُم في أخيه يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ولكنِّي أتَّكل على اللَّهِ ﷻ .
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿حَافِظًا﴾ على الحال، وقرأ الباقون: ﴿حِفْظًا﴾ على التَّفسير والتَّمييز (١).
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: يرحمُني فيردُّ عليَّ ولدي؛ لعلمِه بوَجْدي به بعدَ فقدي يوسف.
قال وهبٌ: فلمَّا رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا جئْناك مِن عندِ أعظم ملِكٍ على وجهِ الأرض رأيناه أو سمعنا به، لا يُرَى أنَّه كان في الأرض أعظمُ منه حلمًا وعلمًا، وأشدُّ هيبةً، وأرهبُ درعًا، وأعظمُ سلطانًا، وأرقُّ قلبًا، وأكرمُ أخلاقًا، وأكثرُ رِفقًا، وأجملُ نائلًا.
لقد نظرْنا في حكمِه فما شبَّهناه إلَّا بحكمِك، وفي وقارِه فما شبَّهناه إلَّا بوقارِك، وفي حلمِه فما شبَّهناه إلَّا بحلمِك، ولكنَّا أهلُ بيتٍ خُلقنا للبلاء فابتُلينا، فاتُّهِمنا وكُذِّبنا، ومُنِعَ منَّا الكيل، وزعم أنَّه لا يصدِّقنا حتَّى ترسلَ معنا أخانا برسالةٍ منك تخبرُه فيها عن حزنِك ووهنِ عظمِك، وعن سرعة الكبرِ إليك قبلَ أوانه، وما الَّذي أورثَكَ ذلك؟
فحزِنَ يعقوبُ ﵇ حين سمعَ (٢) هذا منهم، واتَّهمَهم وكذَّبَهم، وظنَّ أنَّه مكرٌ منهم ليفعلوا به مثل ما فعلوا بأخيه، فقال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
стр. 4178
(٦٥) - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي: وُضعَتْ في رحالهم.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾: قال قتادة: أي: أيَّ شيءٍ نطلب؟ على الاستفهام؛ أي: أيُّ عذرٍ لنا في ترك الرُّجوع إليه مع أنَّه ردَّ بضاعتنا وفعلَ ما ينبغي (١)؟
أو (٢): لا نظلِمُ فيما نقولُ ولا نكذب.
وأجاز الفرَّاء والزَّجَّاج الوجهَيْن (٣).
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾: فحصل الطَّعام لنا مجَّانًا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: نجلبُ لهم الطَّعام في هذه الكرَّة بهذه البضاعة ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾: مِن أن ينالَه سوءٌ في سفرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: لأجل بنيامين، وعَدَه لنا الملك.
وقيل: كان وعَد ذلك بغير ثمنٍ.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: سهلٌ؛ لأنَّه مجَّانٌ، أو لأنَّ ثمنَه ممكنٌ مِن هذه البضاعة، أو لأنَّه وعدَ لنا تعجيلَ التَّسريح بسبب أخينا، وفي حقِّ سائر النَّاس حبسُ المدَّةِ وتأخيرُ تسريح (٤).
* * *
стр. 4179
(٦٦) - ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: قال يعقوبُ صلوات اللَّه عليه: لن أبعثَه معكم حتَّى تؤتوني عهدًا تجعلونَه للَّه على أنفسِكم لتَرجعُنَّ به إليَّ، إلَّا أن يَرِدَ عليكم أمرٌ يُحال بينكم وبينه، وتُشرفوا على الهلكة إن حاولْتُم ردَّه.
فلمَّا أعطوه هذا العهد قال: اللَّه مطالِبٌ لكم بالخروج عن هذا الضَّمان، شاهدٌ على هذه المواثَقة.
قال كعبٌ ووهبٌ: ردَّهم في الكرَّة الأولى بغير مِيرة، ولذلك قالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، ولذلك ردَّ البضاعة لِتوهُّم أن لا (١) يرجعوا لطلب الميرة، فيبقى عنده الثَّمن بغير تسليم المبيع.
وقال الجمهورُ: أعطاهم الميرة (٢)، وتأويلُ كلمة المنع وردِّ البضاعة ما مرَّ.
قال وهب: ولمَّا وجدوا بضاعتهم؛ قالوا لأبيهم: ألا يدلُّك على عدلِ هذا الملك وورعِه أنَّه دسَّ بضاعتنا في رحالنا مخافةَ ألَّا نرجع إليه لِمَا رأى مِن خوفنا، فتبقى البضاعة في يده بغير حِلِّها.
فاطمأنَّ قلبُ يعقوب بهذه الدلالة، وقال: إنْ كان لا بدَّ لكم مِن أنْ تذهبوا بأخيكم، فإنِّي لن أرسلَه معكم حتَّى تعاهدوني لتأتنَّني به إلَّا أن يُحَاطَ بكم، فضَمِن ذلك يهوذا، وكان أرجاهم عنده، وهو الذي قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾، ولم يكن أسنَّهم، لكنَّه أعقلُهم وأوثقُهم، فدفعَه إليه، فخرجوا.
стр. 4180
(٦٧) - ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾: وكان بمصر أربعة أبوابٍ.
قال ابن عبَّاسٍ والضَّحَّاك والسُّدِّيُّ وقتادةُ: خافَ عليهم لِمَا كان لهم مِن حُسْنِ الصُّورة وجمال الهيئة وتمام القوَّة (١).
وقيل: كان عامَ الجدب، فلو دخلوا من بابٍ واحدٍ مع الرَّواحل ممتارين شقَّ على أهل البلد إذا رأوهم مجتمعين، فأمرَهم بذلك شفقةً عليهم لئلَّا تدخل وحشةٌ في قلوب النَّاس بسببِهم.
وقيل: أحبَّ ألَّا يَفطنَ بهم أعداؤهم، فلا يحتالون لإهلاكهم.
وهو دليلُ عطفِه على كلِّ أولادِه، وأنَّه لم يكن له حقدٌ عليهم بما سبقَ منهم في حقِّه.
وهو مع هذا كلِّه كان ناظرًا إلى حُكم اللَّه تعالى فيه، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: لا أمنع ولا أدفع إنْ كان اللَّهُ أرادَ بكم شيئًا من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما الحكم إلَّا له ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
ومن الجائز أن يكونَ أمرَ بذلك لئلَّا تظهرَ حاجتُهم في أهل تلك البلدة، وتنتشرَ حالةُ اضطرارهم، وهو أمرٌ بالصيانة وكتمان الفاقة.
стр. 4181
ويحتمِل أنَّه أَمر بذلك لئلَّا يقع في أوهام أهل تلك البلدة أنَّهم حضروا لمقاتلة (١) الملك؛ لأنَّهم كانوا أصحاب مناظرَ وعددٍ، وكان بلغَتْهُم دعوةُ يعقوب.
ويحتمِل غيرَ ما قلناه، وإليه إشارةٌ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾.
وللآباء وصايا في حقِّ الأولاد ممَّا يرجع إلى الاحتياط، ويعقوب في كلِّ ذلك منزِّهٌ سرَّه عن الاعتماد على غير اللَّه تعالى، مفكِّرٌ فيما يكون.
وقيل: لم يخفْ عليهم الهلكةَ، لكن خافَ عليهم النَّكبةَ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من أبوابٍ شتَّى ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم متفرِّقين مغنيًا عنهم مِن اللَّه شيئًا؛ أي: دافعًا لقضائه.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: أي: لكنْ كان ذلك اضطرابًا في قلبه، أزالَ ذلك عن نفسِه بوصيَّته؛ لئلَّا يقول: قصَّرْتُ فلمْ أنصحْ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإنَّ يعقوب لعالمٌ باللَّهِ وأقضيَتِه؛ لتعليم اللَّه تعالى إيَّاه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما يعلم يعقوب.
* * *
стр. 4182
(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: قال الحسن وقتادة: أي: ضمَّ إلى نفسه أخاه بنيامين، وأنزله معه (١).
وقيل: أجلسَه معه على سريره.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: تعرَّفَ إليه وأخبره أنَّه يوسف أخوه (٢).
قال وهبٌ والسُّدِّيُّ: لم يقل له: أنا يوسف، ولكن طيَّب نفسَه وقال: أنا أخوك؛ أي: بدل أخيك المفقود (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: فلا تحزن (٤).
وقال الضحَّاك: فلا تبالِ.
وقال قتادة: لا تكترث (٥).
وحقيقته: لا تُظْهِر من نفسك البؤس بما نالك.
стр. 4183
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: من الجفاء، وذكري بغير الجميل عندَك مغايظةً لك.
وقال وهبٌ: قال لهم يوسف صلوات اللَّه عليه: هل بلَّغْتُم أباكم ما قلْتُ لكم؟ قالوا: نعم، وقد ردَّ إليك الجواب مع ابنه هذا.
قال يوسفُ: بماذا أرسلَك أبوك؟ قال: إنَّه يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: إنَّك سألتَني عن خوفي وحزني وكِبَري وشيبي ووهنِ عظمي، وإنِّي أطولُ النَّاس حزنًا، وأحقُّهم بذلك، وأخوفُهم لديهم، وأذكرُهم لمعادِه، وأكبَرَني قبلَ أوان الكِبَر تذكُّرُ يوم القيامة، وشيَّبني قبلَ أوان الشَّيب تذكُّرُ النَّار، وأوهن عظمي قبل أوان الضَّعف الحزنُ على يوسف، وأعمى بصري البكاءُ (١).
وإنَّا أهل بيتٍ أكرمَنا اللَّهُ تعالى بالبلاء، وشرَّفنا ورفعَنا به، فنحنُ مخصوصون بعظيمه (٢)، فلا تصفو لنا الدُّنيا، ولا نزالُ فيها مفجَّعين مروَّعين، وقد بلغني تحزُّنُك بي واهتمامُك بأمري، وعرفْتُ حقيقة ذلك حين سألتني عن حالي، وسألْتَ عنِّي، وكفى باللَّه مجازيًا ومثيبًا، واعلم أنَّك لن تكرمني بكرامةٍ أعظم في صدري وأبلغ في سروري من أن تعجِّل لي ما يَشبعُ عيالي به، ثمَّ عجِّل إلى سراح ولدي، فتَصِلَ بهم وحدتي، وتؤنسَ بهم وحشتي.
فلمَّا سمِعَ يوسف ﵇ قول أبيه ورسالته بكى سرًّا فاشتدَّ بكاؤه، وحزِنَ فاشتدَّ حزنُه.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ بنيامين كتبَ على ثوبه في مواضع: يوسف
стр. 4184
يوسف يوسف، شوقًا إليه وتسلِّيًا بالنَّظر إلى اسمه مكتوبًا في ثوبه، فقال له يوسف: ما هذا؟ فقال: هو اسم أخٍ لي أكلَه الذِّئب وفُجعْتُ به، فجعلْتُ اسمَه تذكرةً لي وتسكينًا لقلبي.
فقال: هل كنْتَ هناك إذْ أكلَه الذِّئب؟ قال: لا، ولكن هؤلاء الإخوة ذكروا لي ذلك.
فقال لهم: أهو كذلك؟ قالوا: نعم.
قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن يقلعُ الشَّجرة بأصلِها، ثمَّ يضربُها برجلِه فيجعلها قِطَعًا قِطَعًا، أهو كما سمعْتُ؟ قالو ا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى روبيل، فقال يوسف: أكله الذئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
ثمَّ قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن يدركُ الأسد بعدوِه، فيشقُّ لحيته، أهو كما سمعْتُ؟ قالوا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى شمعون، قال: أكله الذِّئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
ثمَّ قال: سمعْتُ أنَّ فيكم مَن لو صاح على باب مدينةٍ وضعَتْ كلُّ ذات حملٍ حملَها، ولو صاح أخرى وضعَتْ كلُّ بهيمةٍ حملَها، أهو كما سمعْتُ؟ قالوا: نعم، هو هذا. وأشاروا إلى يهوذا، قال: أكله الذِّئب وأنت فيهم؟ هذا محالٌ.
فسكتوا وخجِلوا، وكذلك العاصي في القيامة إذا لزمته الحجَّةُ.
وفي القصَّة: أنَّه دعا لهم بموائد وقِصَاعٍ، فجلس كلُّ اثنين منهم على مائدةٍ صغيرةٍ، وبقي بنيامين وحدَه، فجعل يبكي، فقال له يوسف: لِمَ تبكي؟ قال: لو كان معي أخي يوسف لم أبقَ منفردًا، قال: أترضى أن أكون لك أخًا؟ قال: لا يقومُ لي أحدٌ مقامَ أخي. فقال: أترضى أن أكونَ لك في الأكل صاحبًا؟ فقال: ومَن يجدُ ذلك؟ فضمَّه إلى نفسِه، وجلسَ يأكل معه.
стр. 4185
فلمَّا أخرج يده ليأكل بكى بنيامين؛ فقال له يوسف: لِمَ تبكي؟ قال: ما أشبَهَ هذه اليد بيد يوسف! فقال: هذه يدُ يوسف، وأنا يوسف. فذلك قوله: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾، فقال بنيامين: وإذ وجدْتُكَ فلا أفارقُك، ولا أرجعُ مع أصحابي.
فقال: لقد علمْتَ اغتمامَ الوالدِ بك، وإنْ حبسْتُكَ ازدادَ غمُّه، ولا يتهيَّأ لي وجهٌ صالح إلَّا بعد أنْ أتَّهمَكَ (١) بأمرٍ فظيعٍ، وأنسبَكَ إلى ما لا يَجملُ بك بحالٍ (٢). قال: لا أبالي، فافعلْ ما بدا لك، فإنِّي لا أفارقُكَ.
قال: فإنِّي أدسُّ صاعي هذا في رحلِكَ، ثمَّ أنادي عليك بالسَّرقة ليتهيَّأ لي ردُّك بعدَ تسريحك. قال: فافعل.
* * *
(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: فسَّرناه مرَّةً.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: السِّقايةُ: هي الإناءُ الَّذي يُسقى فيه، وهي هاهنا صاع الملك، فكان يشربُ منه.
وقيل: كان مِن فضَّةٍ.
وقال ابن زيدٍ: كان مِن ذهب (٣).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان مِن نحاسٍ (٤).
стр. 4186
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ يحتمِل أنَّ يوسف وضعَها بنفسِه وأخفاها عن الكلِّ، فلمَّا افتَقدوا طَلبوا، وبما ظَنُّوا اتَّهموا، ويحتمِل أنَّه أمرَ بعضَ خواصِّه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: أي: نادى منادٍ مُعلِمًا مُسمِعًا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ قال الفرَّاء: هم ركابُ الإبل (١).
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾: أي: فيكم سارقٌ، أو جماعةٌ اشتركوا في السَّرقة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هانَ على بنيامين ما قيل فيه من السَّرقة بعدما بقي مع يوسف.
وقيل: لَئِنْ نسبَ يوسفُ أخاه إلى السَّرقة جهرًا فقد تعرَّف إليه بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ سرًّا، فكان متحمِّلًا لأعباء الملامَةِ ظاهرًا، محمولًا بوجدان الكرامة باطنًا، وأنشد:
أجدُ الملامَةَ في هواكَ لذيذةً... حبًّا لذِكرِكَ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ (٢)
قال وهبٌ: وأمرَ يوسفُ بالصُّواع فدُسَّ في رحلِ بنيامين، وكان إناءَه الَّذي يشربُ فيه، وكان من نحاسٍ، فلمَّا فصَلَتِ العير وأمعنوا أرسل الطَّلبَ في أثرهم، فلم يشعروا حتَّى أُخِذَ (٣) بخُطُمِ رواحلهم، فقالوا: ما خطبُكم؟ فأذَّن مؤذِّن الملكِ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
* * *
стр. 4187
(٧١) - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾: أي: إخوة يوسف ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: توجَّهوا إلى مَن أرسلَهم يوسف: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيءٍ فقدْتُم فجئْتُم تطلبونَهُ؟
* * *
(٧٢) - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: هو اسمُ تلك السِّقاية، وكان صاعًا يُكالُ به الطَّعام ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: ولمَن ردَّه علينا حِمْلُ بعيرٍ طعامًا ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيل بتسليمِه إليه، والزَّعامةُ: الكفالةُ، مِن حدِّ دخل.
وقال في "كتاب عصمة الأنبياء" في قوله: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: فإنْ قالوا: لِمَ استجازَ يوسفُ هذا، وهذا يُعَدُّ فيما بينَ النَّاس مِن أسبابِ الخيانة والخديعة؟
قلنا: إنَّه فعل ذلك بالوحي؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ واللَّه تعالى أجرى في أحوال يوسف وإخوته وأبيه من الأعجوبات ما تنقطعُ عنه علومُ العباد، ولا تقفُ على كُنْهِ معانيه، حتَّى يرجعوا إلى تسليم القدرة.
وكان قصدُه بوضعِه ذلك في رحلِ أخيه (١) ابتداءً إمساكُه، وله ذلك لأنَّه أخوه، ولو حبسَه مِن غير علَّةٍ ربَّما كانت تقع المماكسة (٢) بين الإخوة، ولم يكنْ وقتَ إظهار حقيقة الحال، ففعل ما لا يجدون السَّبيل إلى منعِه إلى أن ينقضيَ الأمرُ في حكم اللَّه تعالى.
стр. 4188
وقول المنادي: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ له وجوهٌ:
أحدها: ما قال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ المنادي به لمْ يكن يوسفَ، وإنَّما كان مِن خدمِه، أو مِن القوَّم (١) على أسبابِ مملكتِه، وهم قلَّما يراعون حدودَ الكلامِ حتَّى يُتكلَّفَ لتحسين كلامِهم (٢).
وقال الإمام البشاغري: إنَّ وضعَه في رحلِه كان في منزلِ يوسف، بحيث حملوا وصاروا هم مخرِجين ذلك الوعاء فعلًا، وإنْ لم يشعروا به، فمِن جهةِ عينِ الفعل بحملِ ذلك الوعاء سُمُّوا سارقين؛ لاجتماعهم على إخراجِ الرِّحال مِن دارِه، ألا ترى في الأحكام: مَن حَلَفَ لا يحملُ مِن منزلِه ثوبًا، وقد كان الثَّوب في ظرف وحملَه به = أنَّه يحنث في يمينِه وإن لم يشعرْ به، وهو موجبٌ للضَّمان إذا حملَه إنسانٌ.
ويوسفُ ﵇ وإنْ (٣) جعلَه في وعاءِ أخيه لم يأمرْ بإخراجِه من الدَّار، ولا برفعِ الرَّحل، فما فعلوا فعلوا بغير أمرِه، ومَن أخرجَ متاعًا مِن دار إنسانٍ فهو في ضمان المخرِجِ إذا كان بغير أمرِه؛ فلذلك سمُّوا سارقين على هذا التَّأويل.
وقيل: هو على الاستفهام؛ أي: أئنَّكم لسارقون؟ لأنَّ مِنَ الجائز أن يكون ظهرَ منهم عند يوسف مِن بدء أمرهم إلى اليوم ما يُطلق لهم تسميتُهم به، وإنْ لم يكونوا سارقين هذا الوعاء.
وقيل: كان تعريضًا بإخراجِهم (٤) يوسفَ مِن عندِ أبيه، كاتمينَ ما قصدوا أن يفعلوا به من تغييبِه عنه.
стр. 4189
(٧٣) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾: أرادوا به ما انتشرَ به الخبرُ عنهم في طريقِهم مِن جهة مَن صحبَهم بصلاحِهم وظهورِ أعمالِ الخير منهم ومعاملتهم النَّاس بالإنصاف والإحسان.
وروي أنَّهم كانوا في طريقِهم لا ينزلون أرضًا هي ملكُ الغير، ولا يرعون لأحدٍ زرعًا، وكانوا جعلوا على أفواه دوابهم الألجمة (١) لئلَّا تتناولَ الزَّرع، ولأنَّهم ردُّوا البضاعة الَّتي جُعلَتْ في رحالهم.
قال وهبٌ: قالوا لأولاد يعقوب: ما هكذا كان جزاؤنا منكم، ألم نكرِمْ ضيافتكم، ونوفِّ كيلَكم، ونحسن نُزُلَكم، ونفعلْ بكم ما لم نفعَلْه (٢) بغيركم؟ ألم ندخلْكُم في منازلِنا وبيوتِنا؟
فقالوا: ما نُعرَفُ بهذا، ولا نُوصَفُ به، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
* * *
(٧٤ - ٧٥) - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: قالَ: فأنيخوا نفتِّشُ رحالَكم، فأناخوا واثقيْنَ (٣) بما يقولون
стр. 4190
مِن براءَتهم، شديدةً ألسنتُهم وقلوبُهم، فبدأَ برحلِ أخيهم الأكبر، ثم بالَّذي يليه، حتَّى بلغَ رحل بنيامين، فوجد الصُّواع مدسوسًا، فلمَّا استخرجَه منه نَكَسُوا رؤوسَهم، وانكسرَتْ قلوبُهم، وانقطعَتْ ألسنتُهم، وخَلَوا بأخيهم، وقالوا: يا ابنَ المشؤومةِ، وأخا المشؤوم، ما هذا إلَّا مِن شُؤمِ أمِّكَ، وشؤمِ ولدِها (١)، ولولا ائتمرنا في أخيك أمرًا جازمًا لجرَّ علينا (٢) أعظم من جريرتِك، فما الَّذي حملَكَ على أن تسرقَ صُواعَ الملكِ فتفضَحَنا وتفضحَ نفسَك، وتُزْرِيَ بأبيك الصِّدِّيق؟ وليس هذا بأوَّل ما ساءَتْنا أمُّكَ بولدِها، حتَّى في يوسف حين صرفَ وجهَ أبينا عنَّا، فحمَلَنا شؤمُكُم على أنْ أحزَنَّا أبانا، وبِعْنا أخانا، ولو كنَّا فعلنا ذلك بك لاسترَحْنا (٣)، ولخلا لنا وجهُ أبينا.
فقال لهم بنيامين: اسمعوا منِّي (٤) يا إخوتاه، لا تعجَلوا عليَّ ولا تشتموني، فإنِّي سآتيكم بوجهٍ من الحقِّ تعرفونَه وتعرفون به براءَتي وعذري، ألستم تعلمون أنَّ بضائِعَكُم قد دُسَّتْ في رحالِكم يوم صدرْتُم مِن عند هذا الملك مِن غير علمٍ منكم؟ فإنْ كنتم أنتم سرقتموها ودسَّيتموها في رحالكم كنْتُ أنا سرقْتُ الصُّواع ودسسْتُه في رَحْلي، وإن كنْتُم لا تدرون مَن دسَّ البضائع في رحالِكم فكذلك لسْتُ أدري مَنْ دسَّ الصُّواع في رحلي، وإلَّا فاعلموا أنَّ هذا الملك يريد بكم أمرًا، فهو يمكرُ بكم من أجلِه.
فلمَّا قال لهم هذا نظروا فيما قالَ، فأخذَ بأنفسِهم وتعلَّق بقلوبِهم وصدَّقوه،
стр. 4191
فلمَّا رجعوا إلى يوسف ودخلوا عليه قالَ لهم: كيفَ رأيْتُم فراسَتي فيكم، وعلْمِي بأمرِكُم، أليسَ قد أخبرتُكم أوَّل يومٍ رأيتكم أنَّكم سرَّاق فأنكرْتُم وحلفْتُم؟ وايم اللَّهِ، لا تبرحون حتَّى أسألَ الصُّواع عنكم، فيخبرَني بخبرِكُم، فإنَّه غضبان عليكم مِن أجلِ أنَّكم سرقْتُموه، فهو خليقٌ أنْ يفضحَكُم، وألَّا يسترَ شيئًا مِن مساوِئِكُم.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: يعني: أسوأُ صنيعًا بما صنعْتُم بيوسفَ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: بما تقولون مِن الكذبِ بأنَّ أخاه يوسف سرقَ.
وإنَّما عيَّروا بوسف (١) بالسَّرقة؛ لأنَّه كان لجدِّ يوسف أبي أمِّه صنمٌ يعبدُه، فقالَتْ أمُّ يوسف ليوسف: خذْ هذا الصَّنم الَّذي يعبدُه جدُّك فغيِّبْهُ؛ لعلَّه يتركُ عبادةَ الأصنام، وكان صنمًا مِن ذهبٍ، فغيَّبه يوسف، فلم يقدروا عليه، فمِن أجل الصَّنم قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
ثمَّ قال يوسف لأميْنِه: سَلْ هذا الصُّواع عن خبر هؤلاء القوم، وحذِّره أن يكتمَ شيئًا من أمرِهِمْ.
فنقرَهُ الأمينُ (٢)، ثمَّ قال: أخبرِ الملكَ بالَّذي سألَكَ عنه، فطنَّ الصُّواع ساعةً، والأمينُ مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكَتَ الصُّواع قال الأمينُ: إنَّه يقول لك: أيُّها الملك، إنَّ هؤلاء القومَ ليس هذا بأوَّلِ ما سرقوا، إنَّهم سرقوا قبلَ صُواعِك هذا غلامًا حرًّا فباعوه.
قال: زدْ فسَلْه عنهم، وقلْ له: يخبرني مِن أخبارهم، فنقر الصُّواع، فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ الصُّواع قال الأمينُ: إنَّه يقول: إنَّ أخاهم الَّذي أخبروك
стр. 4192
أنَّه قد ماتَ حيٌّ، ولكنَّه مغتربٌ بأرضٍ بعيدةٍ، وهو بها حيٌّ سليمٌ، وزعم الصُّواعُ أنَّهم لم يَصْدُقوك.
قال: زدْ فسَلْه عنهم، وقل له: أخبرنا مِن أخبارِهم، فنقرَ الأمينُ فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ الصُّواع قال الأمين: أيُّها الملك، إنَّ هؤلاء القوم أخبروك أنَّهم لأمٍّ واحدةٍ، وقد كذبوا، ولكنَّهم لعَلَّاتٍ، وإنَّما جمعَ إلفَتَهُم غدرةٌ غدرُوها بأبيهم، ولولا ذلك لكان بينهم ما يكون بينَ أولاد عَلَّات.
قال: فزدْهُ فسلْهُ عنهم، وقلْ له يخبرنا مِن أخبارهم، فنقرَه فطنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ قال الأمينُ: أيُّها الملك، إنَّ الصُّواع يقول لك: ما على ظهر الأرضِ مِن عصابةٍ هي أكذبُ مِن هؤلاءِ القوم، لقد كذبوا أباهم كذبةً ما استقالوها بعدُ، ولا غُفِرَتْ لهم.
قال: فزِدْ فسَلْهُ عنهم، وقلْ له يخبرنا مِن أخبارهم، فنقرَهُ فطَنَّ وهو مصغٍ إليه بأذنِه، فلمَّا سكتَ قال الأمين: أيُّها الملك، إنَّ الصُّواع يقول: ما دخل على أبي هؤلاء القوم مذ عقلوا همٌّ ولا حزنٌ ولا بلاءٌ ولا بكاءٌ إلَّا مِن جهتِهم وسببِهم وعلى أيديهم وبجرائرِهم.
فلمَّا خافوا أن يبلغَ بهم الخبرُ والمسائل شأنَ يوسف وفعلَهم الَّذي فعلوه به وبأبيهم (١) أكبُّوا على يوسف فالتزموه يقبِّلون رأسَه وقدمَيْه، ويسألونَه باللَّهِ، ويذكِّرونَه ويقولون له: نسألُكَ بالَّذي فضَّلَكَ على العالمين، وشبَّهَكَ بالنبيِّين لَمَا سترْتَ العورةَ، وأقلْتَ العَثْرةَ، وكنْتَ عندَ حسنِ الظَّنِّ بك، والرَّجاءِ فيك، وإلَّا ما حفظْتَ (٢) رسالةَ أبينا يعقوب إليك، ووصيَّتَه فينا، ورحِمْتَ ضعفَه وكبرَه ووحدَتَه بعدَنا، ووحشَتَه بغيبتنا.
стр. 4193
فرقَّ حين ذكروا أباه، وأدركَتْه الرَّحمةُ لهم فقال: أَمَا واللَّهِ لولا حرمةُ يعقوبَ وحقُّه ووصيَّتُه ورسالَتُه لنكَّلْتُ بكم مِن خلفِكُم، ولشركْتُ (١) بكم السُّرَّاق واللُّصوص، فانطلِقوا فقد عفوْتُ عنكم، فاغربوا (٢) فلا حاجةَ لي فيكم، وعجِّلوا بميرَتِكم إلى أبيكم، فإنَّه قد أوعز إليَّ أن أعجِّلَكم.
قالوا: فارحمْ كبرَه بابنِه هذا الَّذي تريدُ أنْ تحبسَه، فإنَّك لن تصلَهُ بصلةٍ أبلغَ منها، وإنَّك إنْ حبسْتَه ضاعفْتَ عليه البلاء.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾: أي: قال طالبو الصُّواع: فما مكافأة السَّارق؟
وقيل: فما عوضُ الصُّواع إنْ ظهرَ كذبُكُم بوجودِ الصُّواع معَكم؟
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾: أي: قال إخوةُ يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ. . .﴾.
قيل: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأٌ، وقوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبرُه، ومعناه: عوضُ المسروقِ سارقُه؛ أي: فيُؤخَذ فيُملَكُ ويُستَعْبَدُ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تأكيدٌ للتَّكرير، ومعناه: إنَّه الجزاءُ لا غير.
وقيل: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ شرطٌ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ خبرُه، وهذه الجملة خبرُ قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ في الابتداء.
وقيل: كان هذا حكمَ يعقوبَ في السُّرَّاق، فأَخبَروا بما هو حكم بلادِهم، ولذلك قال:
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: السُّرَّاقَ؛ أي: هو حكمُ شريعتِنا.
стр. 4194
وقيل: لم يكن ذلك حكمَ يعقوب، بل كان ذلك (١) حكمَ أهلِ مصر، فبادروا بالتزام هذا الحكمِ قبلَ أن يُجبَروا عليه.
وقيل: لم يكن ذلك حكمَ أحدِ الفريقَيْن، وإنَّما هو شيءٌ اتَّفقَ لهم القولُ به ثقةً منهم بأنَّهم لم يسرقوا، فنفَوا التُّهمة عن أنفسِهم بالتزامِهم أغلظَ ما يكون رسمًا (٢) وحكمًا في السُّرَّاق، فكان ذلك أمرًا أرادَه اللَّه تعالى إتمامًا لمرادِ يوسفَ مِن احتباس أخيه عندَه، فأجرى هذا القول على ألسنتِهم.
وقيل: معنى قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: هو الَّذي يُجزَى جزاءَ السُّرَّاقِ دون غيره.
* * *
(٧٦) - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ﴾: أي: بدأ المؤذِّن برحال الإخوة قبل رحلِ أخي يوسف وهو بنيامين، والوعاءُ: الظَّرفُ الَّذي يُوعَى فيه الشَّيء؛ أي: يُحفَظُ.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾؛ أي: أخرجَ السِّقاية، وقال الزَّجَّاج: أي: الصُّواع، ويذكَّر ويؤنَّث، فلذلك قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾، ثمَّ قال: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: كدنا إخوةَ يوسف ليوسف (٤)،
стр. 4195
والكيدُ: التَّعريضُ للضَّرر في خفاء؛ أي: أوقعنا هذا النَّوع من الحال على إخوة يوسف لأَجْل يوسف (١)؛ ليتهيَّا له حبسُ أخيه بهذا النَّوع من السَّبب.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: لم يكن يوسف ليأخُذَ أخاه في حكم ملكِ مصر، وعادةِ ملك مصر -فالدِّين اسمٌ لهما- بتهمةِ السَّرقة، وبحبسِه، إلَّا أن يسبِّب (٢) اللَّهُ له التزامَ الإخوة في ذلك حكمَ شريعة أبيهم، وهذا على قول مَن جعل استرقاقَ السَّارق (٣) حكمَ يعقوبَ دونَ أهل مصر.
وأمَّا على قولِ مَن عكسَ هذا القولَ فتأويلُه: كذلك كِدْنا ليوسف في إظهار السَّرقة على أخيه، وما كان له أخذُه في حكم مَلِك مصرَ إلَّا بالسَّرقة.
فالمشيئة على هذا واقعةٌ على وقوع السَّرقة منه.
ودلَّت الآية على أنَّ أفعالَ العباد حسَنَها وقبيحَها بمشيئة اللَّه تعالى.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾؛ أي: صنعْنَا (٤).
وقال الرَّبيع بن أنس: أي: ألهمنا (٥).
وقيل: قوله: ﴿كِدْنَا﴾؛ أي: كما فعلوا في الابتداءِ بيوسفَ فعلْنَا بهم، قال تعالى خبرًا عن يعقوب ﵇ أنَّه قال: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وكان هذا جزاءَ كيدِهم ذلك.
وقوله: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: في سلطان الملك (٦).
стр. 4196
وقال قتادة: في قضاء الملك (١).
وقال مجاهد: في سُنَّة الملك (٢).
وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بتعليم العلمِ في كلِّ باب، والإيصالِ به إلى المحابّ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حتَّى ينتهي العلمُ إلى اللَّه تعالى، فلا يكون فوقَه عليمٌ.
* * *
(٧٧) - ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قال الإخوة: إنْ سَرَقَ هذا الأخُ فقد سرق أخٌ له مِن قبلُ، وهو يوسف (٣)، وهذا اقتداءٌ بأخيه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾: أي: فأخفى هذه المقالةَ يوسفُ في قلبِه ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾؛ أي: لم يُظهرْها لهم؛ أي: لم يقلْ: أنا يوسفُ وما سرقْتُ قطُّ، فلِمَ كذبْتُم عليَّ؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: أي: قال في نفسه: أنتم أسوءُ حالًا منه إنْ ثبَتَ منه ما تقولون عليه، فأنتم جفوْتُم أباكم، وبعْتُم أخاكم، وقصدْتُم قتلَه أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: بما تصفونَه به مِن السَّرقةِ.
واختلفَ في وجهِ إضافتهم السَّرقة إليه:
стр. 4197
قال ابن عبَّاسٍ ومجاهد: كان لإبراهيم منطقةٌ كانوا يتوارثونها الكُبْرَ مِن أولاده، فورثَها ابنه إسحاق، ثمَّ وقعَتْ إلى رحمةَ بنت إسحاق أخت يعقوب، وكانت أكبر أولاد إسحاق، وماتَتْ أمُّ يوسف راحيل، فحضنَتْ رحمةُ يوسفَ، وكانت تربِّيه إلى أن شبَّ، وكانت لا تصبرُ عنه ساعةً، فلمَّا شبَّ أراد يعقوب أن ينزعَه منها ويردَّه إلى منزلِه، فعلمَتْ بذلك أختُه، فشدَّتِ المنطقة على وسط يوسف، وبعثَتْ به إلى يعقوب، ثمَّ أتَتْ على إثره فقالَتْ: فقدْتُ المنطقة، ولم أجدْها في بيتي، ففتَّشوا ثياب يوسف، فإذا المنطقة على وسطه، وكانت سُنَّةُ آلِ يعقوب استرقاقَ اللُّصوص والسُّرَّاق ثلاثة أشهرٍ، فردَّتْ يوسفَ إلى منزلها ثلاثةَ أشهرٍ، فذلك قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون: أنَّ يوسفَ سرق المنطقة (١).
وقال وهبٌ: كان يخبِّئُ الطَّعام مِن المائدةِ للفقراء (٢).
وقال كعب: كان يوسفُ في المنزل وحده، فأتى يوسفَ سائِلٌ، وكان في المنزل عَناقٌ -وهو الأنثى من الجَدْي- فدفعَها إلى السَّائل مِن غير أمر أبيه (٣).
وقال ابن إسحاق: كان في منزل يعقوب جوبة (٤) فيها صنمٌ لجدِّ أمِّ يوسف، فحمله يوسف فألقاه فيما نتنَ من الجيف، وغطَّاه بالتَّراب (٥).
وقد حكيناه عن وهب في سياق القصَّة أتمَّ مِن هذا.
стр. 4198
وقال سفيان بن عيينة: سرقَ يوسفُ دجاجةً كانت في بيت يعقوب، وأعطاها سائلًا (١).
* * *
(٧٨) - ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: العزيزُ: المنيعُ.
وقوله: ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: في السِّنِّ، والكبير في القرآن لمعانٍ:
أحدُها: هذا.
والثَّاني: الكثير: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ يعني: قليلًا أو كثيرًا.
والثَّالث: العظيم؛ قال تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
والرَّابع: الطَّويل؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩]؛ أي: شقاءٍ طويلٍ.
والخامس: الشَّديد؛ قال تعالى: ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
والسَّادس: الأعلم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ﴾ [طه: ٧١].
والسَّابع: الأعقل؛ قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو يهوذا، وكان روبيل أكبرهم سنًّا.
وإنَّما استشفعوا بكون أبيهم شيخًا كبيرًا، ولم يقولوا: رسولًا نبيًّا؛ لأنَّ الشُّيوخ
стр. 4199
لهم حرمةٌ، والكبر في السِّنِّ داعٍ إلى المرحمة، فقالوا ذلك استعطافًا؛ كما قال في قصَّة شعيب: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]، وفي قصَّة زكريَّا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: أي: خذ واحدًا منَّا عبدًا بدلَه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: أحسنْتَ إلينا في الإنزال والكيل وفي ردِّ البضاعة، وتحسنُ في معاملات النَّاس، فأحسِن إلى (١) أبينا بردِّ هذا الولد إليه، وأحسِن إلينا بصرفِه معنا، فتزول وحدة أبينا عنَّا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ظنُّوا أنَّ واحدًا منهم يقوم مقامَه فيما هو مقصودُه، ولا بدلَ عن المحبوب، قال قائلهم:
أبى القلبُ إلَّا حبَّ ليلى وبغِّضَتْ... إليَّ نساءٌ ما لهنَّ ذنوبٌ (٢)
* * *
(٧٩) - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾: أي: نعوذُ باللَّهِ أن نأخذَ غيرَ الجاني في حقِّنا، ولم يكن العَوذُ مِن ترك أخذ بنيامين، بل مِن أخذ غيره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾: لو فعلنا ذلك.
стр. 4200
قال وهبٌ: قال لهم يوسف: تزعمون أنَّكم أولاد الأنبياء، أفتجدون في حكم النُّبوَّة أن يُؤخَذ البريء ويُترَك المذنب؟ أهكذا حكم يعقوب؟
فغضبَ يهوذا حتَّى قامَت شعرةٌ في ظهرِه كانت تقومُ إذا غضبَ (١)، فلا تسكنُ تلك الشَّعرةُ حتَّى يمسَّه بعضُ ولدِ يعقوب، فقال: واللَّه لترسلنَّه أو لأصيحَنَّ صيحةً لا تبقى حُبلى في ملكِك إلَّا وضعَتْ ما في بطنها، فلمَّا همَّ أن يصيحَ قال يوسف لابنه: اذهب فخذْ بيدِه فائتني به، فأخذ بيدِه فجاءَ به إلى أبيه، فسكتَ غضبُ يهوذا، قال: واللَّه لقد أصابتني كفٌّ إنَّها مِن ولد يعقوب، فكفُّ مَن هي؟ قال: كفُّ ابنِ الملك، قال: فواللَّه إنَّه لينبغي أن يكون من ولدِ يعقوب.
* * *
(٨٠) - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: أي: يئسوا مِن ردِّ أخيهم ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾؛ أي: خرجوا مِن بين النَّاس، فخلصوا منهم نجِيًّا؛ أي: متناجين، وهو مصدرٌ في الأصل؛ يصلح للواحد كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وللجمع كما في هذه الآية؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
وقيل: النَّجيُّ: جمع النَّاجي، كالنَّدِيِّ جمع النَّادي (٢)، والغزِيِّ جمع الغازي، والحَجيج جمع الحاج.
стр. 4201
و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مِن فصيحات القرآن، ﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا، وأصله: الصَّفاء عن الشَّوب؛ أي: لم يبقَ معهم غيرهم.
والنَّجيُّ يجمع على الأنجية، قال الشاعر:
إنِّي إذا ما القومُ كانوا أنْجِيَةْ... واختلفَ القومُ اختلافَ الأرْشِيَةْ
هناك أوصِيني ولا تُوصِي بِيَهْ (١)
يقول: لمَّا قنطوا من ردِّه إليهم انفردوا خالصين لا يختلط غيرهم بهم يتناجَون؛ أي: يتسارُّون (٢) في الأمر الَّذي عرض لهم ماذا يصنعون؛ أيرجعون إلى أبيهم، أم يقيمون بمصر إلى أن يُعلموه خبرَ أخيهم، أو يقاتلوا يوسفَ في استنقاذ أخيهم؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: قيل: أكبرهم سنًّا، وهو روبيل.
وقال مجاهد: هو شمعون، ولم يكن أكبرهم في السنِّ، بل كان أكبرهم في العقل (٣).
وقال الكلبيُّ ووهبٌ: هو يهوذا (٤).
وقال محمَّد بن إسحاق: هو لاوي (٥).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. هو قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
стр. 4202
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ رفعٌ على الغاية.
و ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ له ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ، وإعرابُه الرَّفع، وهو خبر ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: ومِن قبلِ هذا تفريطُكُم.
وقيل: نصبٌ بوقوع ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ عليه؛ أي: ألم تعلموا تفريطَكُم في أمر يوسف.
وقيل: ﴿مَا﴾ صلةٌ زائدة، وتقديرُه: ومِن قَبْلِ هذا فرَّطْتُم (١) في يوسفَ؛ أي: قصَّرتم في أمره وضيَّعتموه.
وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: وقوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] هما متقابلان في التَّفسير؛ فلن أبرحَ الإقامةَ مِن غير ذهابٍ، ولا أبرحُ للمسير بدون المقام، وإنَّما صحَّ ذلك مع أنَّهما متضادَّان؛ لأنَّ المعنى فيها: لا أزول، فمعنى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾: فلن أزايلَ المقامَ، ومعنى (لا أبرحُ): لا أزايل (٢) المسير.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾: أي: في الرُّجوع إليه، وقيل: في القتال.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: بالرُّجوعِ بأنْ يَظهرَ عذري عند أبي، فحينئذ أرجع، أو يصلَ إلينا أخونا، أو يحكمَ اللَّه لي بالسَّيف أن أحاربَهم وآخذَ الأخ منهم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: لا خطأَ في حكمِه، ولا زللَ، ولا رشوة (٣).
стр. 4203
(٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾: قال هذا الكبير لإخوته: ارجعوا إلى أبيكم، فأنا مقيمٌ بمصرَ، وأوضحوا له عذركم ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾؛ أي: حُكِمَ عليه بالسَّرقة ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾؛ أي: عليه بالسَّرقة عندك ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ مِن الأمرِ الظَّاهر بوجود المسروق في رحلِه.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ولم نكن نحفظُ الغيب، فندفعَ عنه، فنقولَ: إنَّه لم يسرق؛ أو (١) لم نعلمْ أنَّ الأمر في الباطنِ بخلافِ الظَّاهر (٢)، فسلَّمنا لَمَّا حُكِمَ عليه بالسَّرقة على الظَّاهر.
وقيل: وما كنَّا نحفظُ الغيبَ فنعلمَ أنَّه سيسرقُ، ولو علمنا ذلك لكنَّا لا (٣) نخرجُ به، وكنَّا ضمنَّا لك حفظَه ممَّا يمكننا أن نحفظَه عنه مِن الآفات في الطَّريق، فأمَّا السَّرقة فممَّا لا يكون لنا إلى حفظِه منها سبيل.
وقال عبدُ الرَّحمنِ بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾؛ أي: ما شهدنا عند الملك (٤) أنَّ السَّارق يُسترَقُّ إلَّا بما علمنا من أن ذلك هو الواجبُ في الحكم، ولم نعلم في الحقيقة هل سرق ابنك أم لا؟ إلَّا أنَّه وُجِدَ الصُّواع في متاعه (٥).
стр. 4204
وقرأ الضَّحَّاك: (إنَّ ابنَكَ سُرِّقَ) بضم السِّين وتشديد الرَّاء على ما لم يسمَّ فاعله (١)؛ أي: نُسِبَ إلى السَّرقة، كقولك: صُدِّقَ وكُذِّبَ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلم ما كان يصنعُ في ليلِه ونهارِه، ومجيئِه وذهابِه.
وقال ابن كيسان: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلمْ أنَّك تُصابُ به كما أُصبْتَ بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرقْ قلبَك، ولم نذهب به.
وقال عكرمة: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: فلعلَّها دُسَّتْ باللَّيل في رحله، ولا علم لنا به.
وقال محمد بن إسحاق: أي: لم نطَّلع على أنَّه سرق، ولكنَّهم سرَّقوه (٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾: أي: وسَلْ أهلَ القريةِ، أضمرَ الأهلَ لدلالة الحال ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ومعناه: وسَلْ أهلَها؛ فإنَّ العيرَ اسمٌ للإبلِ والحمير الَّتي تحمل الأحمال في المسير.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: فيما نخبرُكَ به أنَّه سرق.
стр. 4205
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الْقَرْيَةَ﴾: هي مصرُ، ﴿وَالْعِيرَ﴾: القافلة الخارجة (١).
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: أنَّها قرية من قرى مصر (٢)، كانوا خرجوا مع الميرة إليها، فلحقهم المنادي بها.
ثمَّ بعدَ هذه الآية مُضمَرٌ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: فرجعوا وقالوا له ذلك، فقال هو ذلك.
قال وهبٌ: فلمَّا رجعوا إلى أبيهم فأخبروه الخبر كذَّبهم واتَّهمهم، وساء ظنُّه بهم، وقال لهم ذلك: كلَّما توجَّهتم وجهًا نقصَ منكم واحدٌ، توشكون أن لا يبقى منكم أحدٌ. وظنَّ أنَّ يهوذا إنَّما تخلَّف عنه مكرًا وحيلة ليصدِّقهم، فقال -وهو قوله تعالى-:
* * *
(٨٣) - ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال قتادة: أي: زيَّنَتْ (٣).
وقيل: سهَّلَتْ؛ أي: ما هو عندي كما تقولون، وإنَّما زيَّن لكم هوى أنفسِكم أمرًا هممْتُم به في هذا الأمر، كما فعلتُموه بيوسف.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فلا أرجع إلَّا إلى الصَّبر الجميل الذي أكظم عليه ولا أبثُّه إلى مخلوق.