و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مِن فصيحات القرآن، ﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا، وأصله: الصَّفاء عن الشَّوب؛ أي: لم يبقَ معهم غيرهم.
والنَّجيُّ يجمع على الأنجية، قال الشاعر:
إنِّي إذا ما القومُ كانوا أنْجِيَةْ... واختلفَ القومُ اختلافَ الأرْشِيَةْ
هناك أوصِيني ولا تُوصِي بِيَهْ (١)
يقول: لمَّا قنطوا من ردِّه إليهم انفردوا خالصين لا يختلط غيرهم بهم يتناجَون؛ أي: يتسارُّون (٢) في الأمر الَّذي عرض لهم ماذا يصنعون؛ أيرجعون إلى أبيهم، أم يقيمون بمصر إلى أن يُعلموه خبرَ أخيهم، أو يقاتلوا يوسفَ في استنقاذ أخيهم؟
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: قيل: أكبرهم سنًّا، وهو روبيل.
وقال مجاهد: هو شمعون، ولم يكن أكبرهم في السنِّ، بل كان أكبرهم في العقل (٣).
وقال الكلبيُّ ووهبٌ: هو يهوذا (٤).
وقال محمَّد بن إسحاق: هو لاوي (٥).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. هو قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
стр. 4202
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ رفعٌ على الغاية.
و ﴿مَا فَرَّطْتُمْ﴾ له ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ، وإعرابُه الرَّفع، وهو خبر ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: ومِن قبلِ هذا تفريطُكُم.
وقيل: نصبٌ بوقوع ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ عليه؛ أي: ألم تعلموا تفريطَكُم في أمر يوسف.
وقيل: ﴿مَا﴾ صلةٌ زائدة، وتقديرُه: ومِن قَبْلِ هذا فرَّطْتُم (١) في يوسفَ؛ أي: قصَّرتم في أمره وضيَّعتموه.
وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: وقوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] هما متقابلان في التَّفسير؛ فلن أبرحَ الإقامةَ مِن غير ذهابٍ، ولا أبرحُ للمسير بدون المقام، وإنَّما صحَّ ذلك مع أنَّهما متضادَّان؛ لأنَّ المعنى فيها: لا أزول، فمعنى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾: فلن أزايلَ المقامَ، ومعنى (لا أبرحُ): لا أزايل (٢) المسير.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾: أي: في الرُّجوع إليه، وقيل: في القتال.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: بالرُّجوعِ بأنْ يَظهرَ عذري عند أبي، فحينئذ أرجع، أو يصلَ إلينا أخونا، أو يحكمَ اللَّه لي بالسَّيف أن أحاربَهم وآخذَ الأخ منهم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: لا خطأَ في حكمِه، ولا زللَ، ولا رشوة (٣).
стр. 4203
(٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾: قال هذا الكبير لإخوته: ارجعوا إلى أبيكم، فأنا مقيمٌ بمصرَ، وأوضحوا له عذركم ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾؛ أي: حُكِمَ عليه بالسَّرقة ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾؛ أي: عليه بالسَّرقة عندك ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ مِن الأمرِ الظَّاهر بوجود المسروق في رحلِه.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ولم نكن نحفظُ الغيب، فندفعَ عنه، فنقولَ: إنَّه لم يسرق؛ أو (١) لم نعلمْ أنَّ الأمر في الباطنِ بخلافِ الظَّاهر (٢)، فسلَّمنا لَمَّا حُكِمَ عليه بالسَّرقة على الظَّاهر.
وقيل: وما كنَّا نحفظُ الغيبَ فنعلمَ أنَّه سيسرقُ، ولو علمنا ذلك لكنَّا لا (٣) نخرجُ به، وكنَّا ضمنَّا لك حفظَه ممَّا يمكننا أن نحفظَه عنه مِن الآفات في الطَّريق، فأمَّا السَّرقة فممَّا لا يكون لنا إلى حفظِه منها سبيل.
وقال عبدُ الرَّحمنِ بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾؛ أي: ما شهدنا عند الملك (٤) أنَّ السَّارق يُسترَقُّ إلَّا بما علمنا من أن ذلك هو الواجبُ في الحكم، ولم نعلم في الحقيقة هل سرق ابنك أم لا؟ إلَّا أنَّه وُجِدَ الصُّواع في متاعه (٥).
стр. 4204
وقرأ الضَّحَّاك: (إنَّ ابنَكَ سُرِّقَ) بضم السِّين وتشديد الرَّاء على ما لم يسمَّ فاعله (١)؛ أي: نُسِبَ إلى السَّرقة، كقولك: صُدِّقَ وكُذِّبَ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلم ما كان يصنعُ في ليلِه ونهارِه، ومجيئِه وذهابِه.
وقال ابن كيسان: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾؛ أي: لم نعلمْ أنَّك تُصابُ به كما أُصبْتَ بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرقْ قلبَك، ولم نذهب به.
وقال عكرمة: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: فلعلَّها دُسَّتْ باللَّيل في رحله، ولا علم لنا به.
وقال محمد بن إسحاق: أي: لم نطَّلع على أنَّه سرق، ولكنَّهم سرَّقوه (٢).
* * *
(٨٢) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾: أي: وسَلْ أهلَ القريةِ، أضمرَ الأهلَ لدلالة الحال ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ومعناه: وسَلْ أهلَها؛ فإنَّ العيرَ اسمٌ للإبلِ والحمير الَّتي تحمل الأحمال في المسير.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: فيما نخبرُكَ به أنَّه سرق.
стр. 4205
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الْقَرْيَةَ﴾: هي مصرُ، ﴿وَالْعِيرَ﴾: القافلة الخارجة (١).
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: أنَّها قرية من قرى مصر (٢)، كانوا خرجوا مع الميرة إليها، فلحقهم المنادي بها.
ثمَّ بعدَ هذه الآية مُضمَرٌ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: فرجعوا وقالوا له ذلك، فقال هو ذلك.
قال وهبٌ: فلمَّا رجعوا إلى أبيهم فأخبروه الخبر كذَّبهم واتَّهمهم، وساء ظنُّه بهم، وقال لهم ذلك: كلَّما توجَّهتم وجهًا نقصَ منكم واحدٌ، توشكون أن لا يبقى منكم أحدٌ. وظنَّ أنَّ يهوذا إنَّما تخلَّف عنه مكرًا وحيلة ليصدِّقهم، فقال -وهو قوله تعالى-:
* * *
(٨٣) - ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال قتادة: أي: زيَّنَتْ (٣).
وقيل: سهَّلَتْ؛ أي: ما هو عندي كما تقولون، وإنَّما زيَّن لكم هوى أنفسِكم أمرًا هممْتُم به في هذا الأمر، كما فعلتُموه بيوسف.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: أي: فلا أرجع إلَّا إلى الصَّبر الجميل الذي أكظم عليه ولا أبثُّه إلى مخلوق.
стр. 4206
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾: يوسف وأخويه بنيامين ويهوذا.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بحالي وبوجدي وبصبري، وبصدقكم وكذبكم، وهو ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يدبِّرُه في أمور عبادِه، فليس يدبِّرُ أمري إلَّا بما هو صلاحٌ لي، ونفعٌ في دنياي وديني، فأنا مسلِّمٌ لتدبيرِهِ.
وقيل: المؤمنُ المحقِّقُ كلَّما ازدادَ بلاءً ازدادَ رجاءً.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لَمَّا وعدَ مِن نفسِه الصَّبرَ الجميلَ لم يمضِ عليه يومُه حتَّى قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ ليعلم أنَّ عزمَ الأحبابِ على الصَّبرِ منقوضٌ غيرُ محفوظٍ (١).
* * *
(٨٤) - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: قالوا: كان يعقوبُ صلوات اللَّه عليه في حال توجُّهِه إلى الأولادِ يفقدُ في كلِّ سفرٍ منهم ولدًا، فلمَّا تولى عنهم وجدَ المفقودين كلَّهم؛ ليعلمَ العبدُ أنَّ في توجُّهِه إلى الخلقِ قطعَ نفعِ الخلق، وفي التَّوجُّه إلى اللَّه تعالى الوصولُ إلى كلِّ شيءٍ.
يقول: أعرضَ عن بنيه وأقبلَ على بثِّ نفسِهِ ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: قال الحسن وقتادة والضَّحاك: يا حُزْناه (٢).
وقال مجاهد: يا جَزَعاه (٣).
стр. 4207
قال الشَّاعر:
فيا أسَفَا على سَلْمِ بن عَمْرٍو... ويا حَزَنا عليه ولَهْفَ نَفْسِي (١)
والأسفُ: أشدُّ الحزنِ على الغائبِ، وهو أشدُّ الغضبِ أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمعَ له المعنيان؛ الحزنُ على فقدِ يوسف، والغضبُ على إخوة يوسف، أو على نفسِه ببعْثِ بنيامين معهم.
والصِّيغةُ صيغةُ نداءٍ (٢)، ومعناها: يا حزنُ هذا وقتُكَ فاحضر. والألفُ في آخره للنُّدبةِ، وأصلُه: واأسفاه، مع هاء الاستراحة، ثمَّ حُذفَتِ الهاء للتَّخفيف (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾: قيل: هو ذهابُ بصرِه؛ قال مقاتل: لم يبصرْ ستَّ سنينَ (٤).
وقال الأستاذُ أبو عليٍّ الدَّقاق: لم يقل: عَمِي؛ لأنَّه لم يذهبْ بصرُه ذهابَ فواتٍ، لكن كان حِجابًا عن رؤيةِ غيرِ يوسف.
وكان إخوتُه غيَّبوه ليخْلُوَ لهم وجهُ أبيهم، فيخلصَ لهم نظرُه، فلم يرضَوا بنظرِه إليهم مع يوسف، ففاتهم أصلًا، وكذلك مَن طلبَ الكلَّ فاتَه الكلُّ (٥).
стр. 4208
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كان ذهابُ بصر يعقوب في غيبة يوسف لطفًا من اللَّه تعالى بيعقوب، حتَّى لا يحتاجَ إلى رؤية غيره؛ إذ لا شيءَ على الأحباب أشدُّ من رؤية الأغيار، قال قائلُهم:
لَمَّا تيقَّنْتُ أنِّي لسْتُ مُبصِرَكُمْ... غمضْتُ عيني فلم أنظرْ إلى أحدٍ (١)
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾: أي: الهمّ الغليظ على النَّفس، من الأرض الحَزْن - بفتح الحاء: الغليظة.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: مملوءٌ كربًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] الكِظامُ: القناةُ والسِّقايةُ المملوءةُ ماءً.
وقيل: ﴿كَظِيمٌ﴾؛ أي: ممسكٌ على غيظٍ على أولاده بما فعلوا به، أو على نفسِه بما فعلَ مِن إرسال بنيامين معهم، هذا فعيل بمعنى فاعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، والأوَّل فعيل بمعنى مفعول.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَظِيمٌ﴾: مهموم (٢).
وقال مقاتل: مكروب يتردَّد الحزن في جوفِه (٣).
وقال مجاهد: ساكت (٤).
وقال قتادة: كظيم على الحزن؛ أي: لم يتكلَّم بسوء (٥).
стр. 4209
وقال عكرمة: ممتلئ حزنًا (١).
* * *
(٨٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: أي: لا تفتأُ، ومعناه: لا تزال. قاله ابن عبَّاس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة والسُّديُّ (٢).
وصرفُه مِن حدِّ (علم)، ومصدرُه: الفَتْأُ والفُتُوءُ على الفَعْلِ والفُعُولِ، قال أوسُ بنُ حُجر:
فما فَتِئَتْ خيلٌ تثوبُ وتدَّعي... ويلحَقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٣)
أي: فما زالَتْ.
وحُذفَتْ (لا) من (تفتأ) لأنَّه جوابُ القسم المنفيِّ، ولو كان إثباتًا لكان بالَّلام والنُّون (٤)؛ قال امرؤُ القيس:
فقلْتُ يمينُ اللَّهِ أبرَحُ قاعدًا... ولو قطَّعوا (٥) رأسي لدَيْكِ وأوصالي (٦)
стр. 4210
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد: أي: باليًا من المرض ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: أي: الميِّتين (١).
وقال الحسنُ وقتادةُ: حتى تكون هرمًا (٢).
وأصلُ الحَرَضِ: فسادُ العقل والجسم مِن الحزن والحبِّ، وقال العَرْجيُّ:
إنِّي امرؤٌ لجَّ بي حبٌّ فأَحْرَضَنِي... حتَّى بَلِيْتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ (٣)
﴿حَرَضًا﴾: مصدرٌ أريد به النَّعت، ولا يثنَّى ولا يجمع.
وقال الرَّبيع بن أنس: ﴿حَرَضًا﴾ يابسَ الجلد على العظم.
وقال الكسائيُّ: فاسدًا لا خير فيه.
وقال الحسنُ: أي: كالشَّيءِ المدقوق المكسور (٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀. هدَّدوه بأن يصيرَ حرضًا، وقد كان حرضًا، وخوَّفوه بما كان لا يبالي أن يصيبَه في حكم الهوى، حيث قالوا: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، وقيل: ألذُّ الأشياء في حكم الهوى التَّهالكُ في حبِّ مَن تهوَى (٥).
* * *
(٨٦) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 4211
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: همِّي (١). وهو الَّذي يُبَثُّ وإنْ كُتِمَ؛ أي: ينتشرُ بإثارة.
والحزنُ: ما يغلظُ على النَّفس احتمالُه.
وقيل: البثُّ: الهمُّ الَّذي يظهرُه صاحبُه، والحزنُ: الَّذي يضمرُه.
وقيل: البثُّ ابتداؤه، والحزن انتهاؤه.
يقول: أشكو ذلك كلَّه إلى اللَّهِ، لا إلى خلقِه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: مِن سَعةِ رحمتِه ولطفِ تدبيره بعباده ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنتم، يشيرُ إلى حسنِ ظنِّه وقوَّةِ رجائه بربِّه ﷻ أنْ يُعيدَ إليه يوسفَ ﵇.
قيل: إنَّما رجا ذلك لِمَا قصَّ عليه يوسف مِن رؤياه وعلم تأويلَه.
وقيل: أخبرَه بذلك ملكُ الموتِ ﵇.
وقيل: أخبرَه جبريلُ صلوات اللَّه عليه.
وقيل: رآه في المنام.
قال وهبٌ: ولَمَّا أرادَ اللَّهُ تعالى أنْ يُرَفِّه (٢) عنه ويرحمَه ويبلِّغَه إلى بنيْهِ أرسلَ إليه ملكَ الموتِ قال: إنِّي كنْتُ أتمنى أنْ ألقاكَ منذُ حينٍ، قال له: لِمَ ذلك؟ قال: لأسألَكَ عن شأنِ يوسف، قال: وعن أيِّ شأنِه تسألني؟
قال: أنشدُكَ وأسألُكَ بالَّذي ملَّكَكَ الأنفسَ، وسلَّطَكَ على الأرواح، وأعطاكَ القوَّة في الأجساد، هل قبضْتَ روحَ يوسف؟
стр. 4212
قال: لا، والَّذي نَشَدْتَني به ما قبضْتُ روحَه، فاطلُبْ ابنك فإنَّه حيٌّ سالمٌ.
فانتبَه وأصبحَ وقالَ لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
وروى أنس عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كان ليعقوبَ أخٌ مؤاخٍ له، فقال له ذاتَ يومٍ: يا يعقوبُ، ما الَّذي أذهبَ بصرَكَ؟ وما الَّذي قوَّسَ ظهرَكَ؟ قال: أمَّا الَّذي أذهبَ بصري فالبكاء على يوسفَ، وأمَّا الَّذي قوَّس ظهري فالحزنُ على بنيامين، فأتاه جبريلُ فقالَ: يا يعقوبُ، إنَّ اللَّهَ يُقرِئُكَ السَّلام، ويقولُ لك: أَمَا تستحي أن تشكوَني إلى غيري، فقال يعقوبُ: إنَّما أشكو بثِّي وحزني إلى اللَّه، فقال جبريل: أعلم بما تشكو يا يعقوب، ثمَّ قالَ يعقوبُ: يا ربِّ، أَمَا ترحَمُ الشَّيخَ الكبير؟ أذهبْتَ بصري، وقوَّسْتَ ظهري، فاردُدْ عليَّ ريحانَتِي أشمُّه شَمَّةً قبلَ الموتِ، ثمَّ اصنَعْ بي يا ربِّ ما شئْتَ. فأتاه جبريلُ وقال له: يا يعقوبُ، إنَّ اللَّهَ يقرِئُكَ السَّلام، ويقول لك: أبشِرْ، ولْيَفرَحْ قلبُكَ، فوعزَّتي لو كانا ميِّتَيْن لنشرتُهُما (١) لك، فاصنَعْ طعامًا للمساكين، فإنَّ أحبَّ عبادي إليَّ المساكين، وتدري لم أذهبْتُ بصرَكَ، وقوَّسْتُ ظهرَكَ، وصنعَ إخوةُ يوسفَ بيوسفَ ما صنعوا؟ لأنَّكم ذبحْتُم شاةً، فأتاكم فلانٌ المسكينُ وهو صائم، فلم تطعموه منها، فكان يعقوبُ بعدَ ذلك إذا أرادَ الغداء (٢) أمرَ مناديًا فنادى: أَلَا مَن أرادَ الغداءَ مِن المساكين فليتغدَّ (٣) مع يعقوب، وإذا كان صائمًا أمرَ مناديًا فنادى: ألا مَن كان صائمًا من المساكين فليفطرْ مع يعقوب" (٤).
стр. 4213
وقيل: كان فَصَلَ عِجَّوْلًا عن أمِّه أيَّامًا.
وقيل غيرُ ذلك من الأسباب، والصَّحيح أنَّه غيرُ مبنيٍّ على سببٍ، وللَّهِ أن يمتحنَ عبادَه وخواصَّه بما شاءَ؛ ليرفعَ لهم بذلك درجاتِهم، ويُظهرَ صدقَهم وإخلاصَهم.
* * *
(٨٧) - ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾: أي: اطلبوا خبرَه، مِن الحسِّ، وهو العلم بالحاسَّة، والتَّجسُّس -بالجيم- قريبٌ منه.
وقيل: هما واحد.
وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشَّر.
وقيل: التَّحسُّس بالحاء: الطَّلب لنفسِه، وبالجيم: الطَّلب لغيره، ومنه: الجاسوس.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أمرَهم بطلبِ يوسف بجميعِ حواسِّهم، يطلبونه بالبصر لعلَّهم يرونَه، وبالأُذن لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشَّمِّ لعلَّهم يجدون ريحَه، توهَّم أنَّهم مِثْلُه في الإرادة (١).
قال تعالى خبرًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أهل التَّأويل: استخبِروا عنه واطلبوا، والأقرب أن يكون معناه: اذهبوا مِن هذا الجانب الَّذي كنتم فيه، فانظروا إليه وإلى
стр. 4214
أخيه، فإنْ حُمِلَ على الاستخبار في حقِّ يوسف، لا يستقيم في قوله: ﴿وَأَخِيهِ﴾، وهم يعلمون أين هو، فمعناه: إيقاعُ حاسَّة البصر على الَّذي رأوه (١)، وهو لوقوع الرَّجاء له أنَّ يوسفَ بمصرَ، لكن لم يخبرْ بنيه بذلك أنَّه هناك؛ لِمَا علمَ أنَّهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذَّهاب إليه، فقال ذلك تعريضًا لا تصريحًا (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قال يعقوب في حقِّ يوسف: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، وقال في حقِّ سائر أولادِه: ﴿اذْهَبُوا﴾؛ ليعلمَ بنوه ما بينَهم في المحلِّ عندَه (٣).
وقال وهبٌ: لَمَّا قال لبنيه ذلك، قالوا: كيف تكلِّفنا أنْ نتحسَّسَ مِن أهل القبور، أمَّا يوسف فقد أخبرناك خبرَه أوَّل يوم أنَّه أكلَه الذِّئب، ولا نحسبُه اليوم إلَّا رميمًا تحت التُّراب، وأمَّا ابناك اللَّذان ذهبا معنا فقد أخبرناك أنَّ أحدَهما سرقَ فارتُهنَ بسرقتِه، وأمَّا الآخر فمقيم لطلبِ فكاكِه، قد أقسم باللَّهِ جهدَ يمينه وآلى على نفسِه ألَّا يبرح الأرضَ حتَّى تأذنَ له، أو يفيَ ذلك بموثقك، أو يحكم اللَّه بما شاءَ وهو خير الحاكمين، ونحن راجعون ومتحسِّسون عن أخويْنا (٤)، ومتعرِّضون للملك، إنَّا قد عهدناه بك رحيمًا، ولعلَّ اللَّه أن يكون قد أحدثَ له رأيًا، وزادَه لك رحمة.
قال يعقوب: فبلِّغوه عنِّي السَّلام، وقولوا له: إنَّ أبانا يعقوب يقول لك: بينا أنَّك مهتمٌّ بمصيبته محزونٌ عليه مُعنًّى بأمرِه، تبكي معه، وتدعو له = إذْ فجعْتَه بابنِه، ما هذا منك بمشبِهٍ أوَّل فعلِك، فارحَمْ تُرْحَم.
стр. 4215
وقيل: إنَّهم قالوا له: اكتب إليه بشيءٍ، فأمر فكتبَ إليه:
بسم اللَّه، هذا كتابٌ من يعقوبَ إسرائيل اللَّه بن إسحاق ذبيح اللَّه بن إبراهيم خليل اللَّه إلى ملك مصر عبد اللَّه.
أمَّا بعد: فإنَّا أهلُ بيتٍ مُوكَّلٌ بنا أسباب البلاء، أمَّا جدِّي إبراهيم فأُلقي في النَّار فصبرَ لأمر اللَّه، وأمَّا عمِّي إسماعيل فابتُلِيَ بالغربة في صغرِه فصبرَ لأمر اللَّه، وأمَّا أبي إسحاق فابتُلِيَ بالذَّبح فصبر لأمر اللَّه (١)، وأمَّا أنا فأضعفُهم ركنًا وأقلُّهم حيلةً وأعظمُهم مصيبةً، بكيْتُ على فراق ولدي يوسف حتَّى عميَ بصري، والَّذي أخذْتَهُ سارقًا فليس بسارقٍ، واللَّهِ ما ولدْتُ سارقًا، فامنُنْ عليَّ بردِّه، وخلِّ سبيلَه، واحذرْ دعوةَ المظلوم، والسَّلام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: أي: رحمةِ اللَّه، وقيل: أي: مِن ترويح اللَّه؛ أي: تفريح اللَّه (٢) من الحزن.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: أي: من تفريج اللَّه عن المكروبين ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾: الَّذين لا يعرفون قدرةَ اللَّه على ما يشاء.
ثمَّ إنَّهم توجَّهوا إلى مصر، فلمَّا انتهوا إليها دخلوا عليه، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨٨) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: أي: أصابَنا ونساءَنا وأولادَنا الضِّيقُ والقَحطُ.
стр. 4216
وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا﴾: أي: وقد جئناك ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير؛ أي: رديئةٍ لا تؤخَذُ إلَّا بوَكْس.
وقال الحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة وابن زيد: أي: قليلةٍ.
وقال الضَّحَّاك: أي: كاسدةٍ غيرِ نافقةِ في ثمن الطَّعام (١).
وقال وهب: كانت دراهم نُفاية (٢).
وقيل: كانت صوفًا وسمنًا وأقطًا. قاله الحسنُ (٣).
وأصلُ الإزجاء: السَّوق والدَّفع؛ قال تعالى: ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [الإسراء: ٦٦]، ومنه تزجيةُ العمر، كأنَّها بضاعةٌ تُدفع ولا تُقبل.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾: أي: لا تنظرْ إلى نقصان بضاعتنا وأتممْ بإحسانِك كَيْلَنا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: أي: أسقطْ ما بين الجياد والرديَّة مِن التَّفاوت؛ قال وهب: كأنَّ دراهمنا جيادٌ؛ تفضُّلًا منك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
وقيل: كانت بضاعتُهم حبَّة الخضراء.
وقيل: كانت خَلَقَ الغِرارةِ (٤) والحَبل.
стр. 4217
وقيل: تصدَّق علينا بردِّ أخينا علينا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا طالعوا فقرَهم نطقوا بقَدْرهم (١)، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، ولمَّا شاهدوا (٢) قَدْرَ يوسف سألوا على قَدْرِه، فقالوا: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾، كأنَّهم قالوا: جئْنا ببضاعةٍ لا تَنفُق إلا بهذه الحضرة، فأوفِ لنا (٣) كيلًا يليقُ بفضلِكَ لا بفقرِنا، وبكرمِك لا بعَدَمِنا، ثم تركوا هذا اللِّسان فقالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، نزلوا أوضعَ منزلٍ، كأنَّهم قالوا: إن لم نستوجِبْ معاملةَ البيعِ والشِّراء فقد استوجبنا بذلَ العطاءِ، وعلى اللَّه المكافأة والجزاء (٤).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ سمَّوه عزيزًا لأنه كان أمين الملِك، وهو اسم لأمين ملِك مصر، كما قال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾، ولأنَّهم كانوا محتاجين إليه، وكان هو غنيًّا عمَّا في أيديهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾؛ أي: بفضل ما بين الثَّمنَيْن (٥)، وقيل: ما بين الكيلَيْن.
والصَّحيحُ: أنَّهم طلبوا حطَّ الثَّمن؛ لأنَّ الصَّدقةَ لا تحلُّ للأنبياء، ويجوزُ الحطُّ لهم، ويجوز حطُّ مَن لا تجوز صدقته، كالعبد المأذون له في التِّجارة، وكان نبيُّنا ﵊ يجوز له الشِّراء بدون ثمنه، ولا تحلُّ له الصَّدقة.
ويجوز أن يكون معناه: ردَّ علينا أخانا (٦).
стр. 4218
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: ولم يقولوا: إن اللَّهَ يجزيْكَ؛ لأنَّهم لم يعلموا بحال الملك ودينه، فتجرَّدوا وأطلقوا فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، وهم المؤمنون (١).
وقال وهب ﵀: وخافوا أن يذكروا في أوَّل ما لقُوه حديثَ أخيهم؛ مخافةَ أن يعيدَ لهم التَّوبيخ والتَّقريع، وقالوا: إنْ كانَ في نفسِه لأبينا رِقَّةٌ فقد أخبرْنَاه أنَّا مضرورون محزونون مجهودون، وعَرَّضْنا له إنْ كان يريدُ أنْ يخليَ سبيلَ الغلام.
وكان يوسفُ ﵇ سألَ أخاه بنيامين عن عددِ ولدِه، فقال: هم ثلاثة، اسم الأكبر يوسف، فقال: ولِمَ سمَّيته يوسف؟ قال: أردْتُ أن لا يذهب ذِكْرُكَ مِن قلبي كلَّما دُعِيَ تحرَّكَ لذلك قلبي.
قال: وسمَّيْتُ الآخرَ ذئبًا، قال: ولِمَ سمَّيته ذئبًا؟ قال: أردْتُ أنْ لا يذهبَ ذِكْرُكَ مِن قلبي، فقد زعمَ إخوتي أنَّ الذِّئب أكلَك.
قال (٢): وسمَّيْتُ الآخر دمًا، قال: ولِمَ سمَّيته دمًا؟ فقال: أردْتُ أن لا يذهبَ ذِكْرُكَ مِن قلبي لَمَّا جاؤوا بالدَّم في قميصِك (٣)، فكلَّما دُعِيَ ذكرْتُكَ.
فبكى يوسفُ عند ذلك حتَّى كادَ يتصدَّعُ قلبُه مِن البكاء، ثم رفعَ يديه ودعا ربَّه أن يجمعَ إليه أباه وخالته وإخوته، فاستجابَ اللَّه له.
وقال لإخوته -بعدَ ما قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ إلى آخره-: كيف تركْتُم يعقوب؟
قالوا: تركناه باكيًا محزونًا كظيمًا.
стр. 4219
فقال يوسف: على أيِّ ابنَيْه حزنُه وبكاؤُه أشدُّ؛ أعلى هذا السَّارق المرتهَن بسرقتِه أم على الأوَّل الَّذي أخبرَنا الصُّواع خبرَه.
فقالوا: أمَّا الأوَّل فقد يئسَ منه ونسيَه وذهبَ عنه حزنُه، ولكنَّما بكاؤه على هذا المحبوس عندك، وقد أرسَلَنا فيه إليك رسالة، لولا مهابتك ومخافةُ ألَّا تصدِّقنا لبلَّغناك قولَه.
قال: فأخبروني، فإنَّكم آمنون إن صدَقتموني.
فلمَّا بلَّغوه رسالةَ أبيه لم يملك (١) نفسه بكاء وحزنًا، وبكى بأعلى صوتِه، وعندها باحَ لهم بحاله، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾: قال صاحب "كتاب عصمة الأنبياء": هذا مِن يوسف تذكيرٌ لهم بما سبقَ مِن فعلِهم بمكانِه، ليجدِّدوا الانتباه والاهتمام، وذكرَ أخاه وما فعلوا بمكانِه، كأنَّ أخاه شكا إليه من سوء معاملتهم معه كمعاداة (٢) الإخوة، وقلَّة شفقتهم بمكان أخيهم.
أو لَمَّا رأى منهم تقريعًا لأخيهم عندَ استخراج الصُّواع من وعائِه حسبانًا منهم أنَّ أخاه كان قد سرقَ المتاع، فاستقبلَهم المكروهُ مِن سببِه، فعنَّفوا عليه، دليله قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾؛ أي: لم تعلموا بحاله (٣)،. . . . . .
стр. 4220
فبنيتم المعاملةَ على ظاهر (١) ما بدا لكم من حالِه.
قال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قالَ بعضُ أهل التَّأويل: مذنبون، ويجوز: أي: أنتم جاهلون قَدْرَ يوسفَ ومنزلته؛ إذ لو علموا ذلك لما قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ (٢).
وقيل: هو تلقينُ العُذْرِ، وهو غايةُ الكرمِ والفَضْلِ، وعلى هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧].
وقالوا: الكريمُ لا يعاتِبُ، ولو عاتبَ لا يستقصي (٣)، وكذلك فعلَ يوسفُ، لم يعاتِبْهم في المرَّة الأولى والثَّانية، وعاتبَهم في الثَّالثة على خفاءٍ ولم يستقصِ.
وقيل: الكرمُ تركُ العتاب، وتركُ الاستقصاء في العتاب، وتلقين العُذْرِ في العتاب، والعفوُ بعد العتابِ، وقد فعل ذلك كلَّه يوسفُ في هذه المرَّة.
وبيانه في الآية وفي بعضِ القصص: أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه أخرجَ لهم كتابًا، وقال: هذا كتابٌ بالعبرانيَّة، فهل أحدٌ منكم يحسن قراءتها؟ قالوا: نعم.
فأخرج كتابَ بيعِه مِن مالك بن دُعْر، فنظروا فيه فبُهتوا، فقالوا في أنفسِهم: كنَّا بذلناه عند بيعِه لمشتريه، وهو مِن أهل مصر، فلعلَّه وقعَ عندَ الملك، فقالوا: هذا كتابٌ كتبناه في بيعِ عبدٍ لنا بعناه، فقال: اقرؤوا.
فقرؤوا: بسمِ إلهِ إبراهيم، هذا ما اشترى مالك بن دُعر الخزاعيُّ من آل يعقوب غلامًا، يُقالُ له: يوسف، بعشرين درهمًا، ونقدَ لهم الثَّمنَ، وضمنوا الدَّرك، وأشهدوا اللَّه تعالى بذلك على أنفسِهم، وكفى باللَّه شهيدًا.
стр. 4221
فقال لهم يوسف: كنتم تقولون: إنَّ يوسفَ أخونا وقد أكلَه الذِّئبُ، وقد كتبتم في هذا: إنَّه غلامُنا وقد بعناه، فقد ظهر لي أنَّكم استرقَقْتُم أخاكم، وعقَقْتُم أباكم، واستوجَبْتُم عقوبةً شديدةً، وأنا معاقبُكم على ذلك، ومنتقمٌ منكم لأبيكم.
ودعا بالسَّيَّافِ، فصاحوا بأجمعهم يتضرَّعون ويبكون، ويقولون له: إنْ كنْتَ قاتِلَنا لا محالةَ فلطِّخْ ثيابَنا بدمائِنا، وابعَثْها إلى أبينا، فلا حظَّ له من الأولادِ إلَّا الثَّوبُ الملطَّخُ بالدَّم.
ورقَّ لذلك يوسفُ، واضطربَ النَّاسُ، وجاء جبريلُ وقال: يا يوسفُ، قد بلغ التَّخويفُ النِّهايةَ في حقِّ هؤلاء، فحسبُكَ، فقد انقضَتْ مدَّةُ المحنةِ، فأظهِرْ لهم نفسَكَ، فقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾، فنظروا فيه لِمَا كان قال لهم أبوهم: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ فعرفوه.
* * *
(٩٠) - ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ بنيامين، لا عبدي، تظنُّونني قد (١) اتخذْتُه عبدًا، وليس كذلك، بل هو أخي وعزيزي.
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْ﴾: قيل: أي: جمعَ ما فرَّقْتُم، ووصلَ (٢) ما قطعْتُم.
وقيل: أي: مَنَّ اللَّهُ عليَّ بإنجائي من البئرِ، والعصمةِ مِن الهمِّ، والتَّخليصِ مِن السِّجن، وتمليكِ مصرَ، ذلك فضل اللَّه (٣).
стр. 4222
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: فالتَّقوى: العملُ بالطَّاعات وتركُ السَّيئات، والصَّبرُ: تحمُّلُ المكروهات. وكان ذلك كلُّه ليوسف.
وقال ابن عبَّاس ﵄: مَن يتَّقِ الزِّنى، ويصبرْ على العزوبة (١).
وتقديرُه: فهو محسِنٌ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قالوا في خطابِه قبلَ أن يعرفوه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، فلمَّا عرَفوه قالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ لأنَّ الأجنبيَّة إذا ارتفعَتْ سقطَ تكلُّفُ المخاطبة.
وأنشدوا فيه:
إذا صفَتِ المودَّةُ بينَ قومٍ... ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ (٢)
وقال الشَّيخ أبو عليٍّ الدَّقاق: لَمَّا قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأحالَ استحقاقَ الأجر على عملٍ من التَّقوى والصَّبر، أنطقَهم اللَّهُ تعالى حتَى أجابوه بلسان التَّوحيد فقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ يعني: أنَّ هذا ليس بتقواكَ وصبرِكَ، إنَّما بإيثار اللَّه إيَّاكَ علينا، فبهِ تقدَّمْتَ علينا لا بجهدِكَ، فقال يوسف صلوات اللَّه عليه على جهة الانقياد للحقِّ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، فأسقط عنهم اللَّوم؛ لأنَّه كما لم يرَ تقواه وصبرَه من نفسِه حيث نبَّهوه عليه، لم يرَ جفاءَهم منهم (٣)، فنطقَ عن عين التَّوحيد، وأخبر عن شهود التَّقدير (٤).
* * *
стр. 4223
(٩١) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: أي: اختارَكَ وقدَّمَكَ علينا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾؛ أي: ما كنَّا إلَّا خاطئين؛ أي: مذنبين بما صنعْنَا في حقِّك.
يُقالُ (١): خطِئَ يَخطَأُ خَطَأً، من حدِّ علم؛ أي: تعمَّدَ ما يخالفُ الصَّواب، وأخطأَ يخطِئُ إخْطاءً: إذا تعمَّدَ شيئًا فأصاب غيره.
وفيه سؤالُ الصَّفحِ والعفو عنه.
* * *
(٩٢) - ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ وسفيان: لا تعييرَ عليكم (٢).
وقال الأخفشُ: لا ملامةَ عليكم.
وقال أبو عَمرو بن العلاء: لا تقريعَ عليكم.
وقال الكسائيُّ: لا تقريرَ عليكم اليوم؛ أي: لا أقرِّركم بذنبكم.
وقال السُّديُّ: لا أذكر لكم ذنبَكم (٣).
стр. 4224
وقيل: لا إفساد عليكم (١).
وقال ابن كيسان: لا أعيدُ عليكم ما فعلتم.
وقال النَّضر بن شُمَيل: لا تخليطَ عليكم (٢).
وقيل: لا توبيخَ عليكم.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾: ليس هذا للقصرِ عليه، لكن إذا لم يوبِّخهم في أوَّلى الصَّدمة فما بعدَ ذلك أولى ألَّا يوبِّخهم فيه.
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾: هذا منه دعاء لهم بالمغفرة، عفا بنفسه، وطلب لهم عفوَ ربِّه، وهو كمال المروءةِ والدِّيانة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠]؛ أي: ﴿عَفَا﴾ عن حقِّ نفسِه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾: سألَ اللَّهَ العفوَ عن ظالمِه.
وقيل: إنَّه قطعٌ منه بأنَّ اللَّهَ غفرَ لهم بصدقِ توبتِهم، وهو إنْ كانَ حُكمًا فهو عن وحيٍ إليه به.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: إذْ كلُّ راحمٍ يَرحمُ برحمته.
* * *
(٩٣) - ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾: أمرَ إخوتَه أنْ يرجعوا إلى أبيهم ليحملوه إليه مع أهاليهم، وأصحبَهم قميصَه، وهو الَّذي جاء به جبريل ﵇
стр. 4225
إلى إبراهيم يومَ أُلقي في نار نمرود وألبسَه، ثمَّ كان بعدَه لإسحاق، ثم كساه إسحاقُ يعقوبَ في قصبةٍ فعلَّقها في عُنُقِ يوسف، فلمَّا أُلقي في الجبِّ جاءَ جبريلُ ﵇ وأخرجَه منها فألبسه، فكان معه إلى أن قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾: وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: عَلِمَ يوسفُ أنَّ يعقوبَ لِمَا يلحقُه مِن فرط السُّرور لا تطاوعُه يدُهُ في أخذ القميص، فقال: ألقوه على وجه أبي (١).
﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: قيل: يَعُدْ بصيرًا، وقيل: يأتني بصيرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: مِن النِّساء والأولاد.
وإنَّما دعا يعقوبَ وإخوتَه وأهاليهم إلى نفسِه، ولم يأتِ أباه، لا إخلالًا بإجلاله، بل إبقاءً على حالِه؛ لأنَّه علمَ أنَّ يعقوبَ لا يقومُ بكفاية أمر يوسف، وتقصرُ ذاتُ يده عنه، فحملهم تخفيفًا عليهم وإحسانًا إليهم.
وإنَّما قال: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ بالوحي، وكان كذلك، وكان معجزةً له.
وقال وهبٌ: ثمَّ كسا يوسفُ إخوتَه وأجازهم وحملهم، وبعثَ إلى أبيه بجائزةٍ وكسوةٍ، ومئتي راحلة وجهازها، وجهاز أهليهم، لنقلهم إليه، وقال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وكانوا سبعين إنسانًا، وعجَّلَ سراحَهم وحملَهم.
وخرج يهوذا مبشِّرًا مسرِعًا بالقميص حافيًا راجلًا شاكرًا للَّه تعالى بالمشي والحفي، والرِّحلة ما بين مصر والشَّام وبينهما مسيرةُ ثمانية أيام، ومع يهوذا القميصُ
стр. 4226
وسبعةُ أرغفة تزوَّدها، فلم يأكلْها حتَّى وردَ على أبيه، ولَمَّا فصلَ من مصرَ استروحَ يعقوبُ ريحَ القميص، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٩٤) - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾: أي: خرجَتْ مِن مصرَ، ومصدرُه: الفُصول، والفِصالُ: الفِطامُ، والفَصلُ: التَّمييزُ، والفَصلُ: الحكمُ، وصَرْفُ كلِّه من بابِ (ضرب).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾: أي: يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قال الحسنُ: وجدَها من مسيرةِ شهرٍ (١).
وقال ابن عباس ﵄: من ثماني ليالٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: التَّفنيدُ: تضعيف الرَّأي، والفَنَدُ: ضعفُ الرَّأي؛ قال الشَّاعر:
يا صاحبِيَّ دعا لَوْمِي وتَفْنِيْدِي... فليسَ ما فاتَ مِن أمري بِمَرْدُوْدِ (٣)
وقال ابن عبَّاس ﵄: لولا أن تسفِّهون (٤).
وقال الحسن ومجاهد: تهرِّمون.
وقال ابن إسحاق: تضعِّفون.
стр. 4227
وقال الضَّحاك: تكذِّبون (١).
وقيل: تنسبوني إلى الخرف، وقد أفندَه الشَّيبُ؛ أي: جعلَه كثيرَ الكلام من الخرَفِ.
قال يعقوبُ ﵇ هذا الكلامَ لمن حضرَه مِن أهلِه وقرابتِه دونَ ولدِه؛ لأنَّهم كانوا غُيَّبًا عنه بمصر، تفرَّس فيهم أنَّهم يلومونَه فقال ذلك، وهو مختصر، وتقديرُه: إني لأجد ريحًا يشبهُ ريحَ يوسف، وأريدُ أنْ أقولَ: هي ريحُ يوسف، لولا كراهيَةُ أنْ تفنِّدون.
وهو كمَن وجدَ شيئًا يَبعُدُ في العرفِ وجودُه، فيقولُ: إنِّي وجدْتُ شيئًا أريدُ أنْ أخبرَكُم به لولا أنَّكم تكذِّبوني.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: العجبُ أنَّه كان عندَ إقبالِ المحنةِ ويوسفُ منه على أقلَّ مِن مرحلةٍ حيثُ ألقَوه في الجبِّ لا يجدُ ريحَهُ، واستتر عليه حالُه وخبرُه، ولَمَّا أدبرَتْ أيَّامُ المحنة وجدَ ريحَه وبينهما مسيرةُ شهرٍ، أو مسيرةُ ثمانين فرسخًا.
وقيل: انفردَ يعقوبُ بريح يوسف ووجدانها؛ لانفرادِه بمقاساةِ الِمحَنِ على فقدِ يوسف، إنَّما يجدُ ريحَ يوسف مَن وَجَدَ على فراقَ (٢) يوسف، ويُقال: لا يعرفُ ريحَ الأحبابِ إلَّا الأحباب (٣).
* * *
(٩٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾.
стр. 4228
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: أي: قالَ مَن حضرَه: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾؛ أي: في خطئِكَ القديم، قاله ابن عبَّاس (١) ﵄، وهو يرجعُ إلى قولِ بنيه في الابتداء: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨].
وقال مجاهدٌ: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾؛ أي: حبِّكَ القديم (٢). وكذلك الأوَّل، وعلى هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]؛ أي: محبًّا فهداك إلى شرائطه وطرائقه.
وقال الحسنُ: إنك لذاهب عن الصَّواب في أمرِه، ترجو لقاءَه وقد مات من زمن طويل (٣)!
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": ليس هذا من حفَدتِه قصدَ إيذائه، وإنَّما هو التَّسليةُ لهمِّه، لم يُحسنوا نظمَ الكلامِ على ما كان يجبُ مقابلتُه به.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّ البلاء إذا هجمَ هجمَ بمَرَّة، وإذا زالَ زالَ بتدريجٍ، حلَّ البلاءُ بيعقوبَ بمرَّة حيثُ قالوا: أكلَه الذِّئب، ولَمَّا زالَ البلاءُ وجدَ ريحَ يوسف أوَّلًا، ثمَّ قميصَ يوسف، ثمَّ يومَ الوصول رأى سبعين حاجبًا بينَ يدَي يوسف قبلَ أن رأى يوسف.
ولَمَّا كان سببُ حزنِ يعقوبَ قميصَه كان فرحُه أيضًا بقميصِه.
стр. 4229
قال: وقيل: إنَّ وجودَ الرِّيح مجازٌ عن وجود دلائل الوصال وأمَارته، وهو كما يُقال: إنَّي لأجدُ ريحَ الفتنةِ، وقد هبَّتْ لفلانٍ ريحٌ (١).
وقال الشَّاعرُ:
ولقد تنسَّمْتُ الرِّياحَ لحاجتي... فإذا لها مِنْ راحَتَيْكَ نسيمُ (٢)
وكأنَّه علمَ بمكان يوسف بوحيٍ مِن اللَّه بقصد حامل القميص.
وروي أنَّه لَمَّا أخرجَ قميصَه قال: مَنْ يحملُه؟ قال يهوذا: أنا أولى بحملِه؛ لأنِّي حملْتُ إليه قميصَه الملطَّخَ بالدَّم، وأخبرتُه بأنَّ الذِّئبَ أكلَه، فكنْتُ سببَ حزنِهِ، فأحمل إليه هذا القميصَ فأكونُ سببَ سرورِهِ.
وقيل: إنَّ يعقوبَ كان يتعرَّفُ خبرَ يوسف من الرِّياح كثيرًا، حتَّى جاءَ الإذنُ للرِّياح بحملِ ريحِهِ إليه، وسُنّة الأحبابِ مسائلةُ الدِّيار ومخاطبةُ الأطلال ومراسلةُ الرِّياح. قالَ قائلُهم:
وإنِّي لأستَهْدِي الرِّياحَ نسيمَكُمْ... إذا أقبلَتْ مِنْ نحوِكُم بهبوبِ
وأسألُها حملَ السَّلام إليكمُ... فإنْ هيَ يومًا بلَّغَتْ فأجيبوا (٣)
стр. 4230
وقالوا: مِن العجبِ أنَّ يعقوبَ وجدَ ريحَ يوسفَ، والَّذين حضروه لم يجدوا، وأعجبُ منه أن يهوذا الَّذي كان يحملُه وهو في رحلِه كان لا يجدُ ريحَه، وكذا المؤمنُ يومَ القيامةِ يجدُ ريحَ الجنَّة من مسيرة خمسِ مئة عامٍ، والكافرُ لا يجدُ ريحَها.
* * *
(٩٦) - ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: أي: جاءَ يهوذا بالقميصِ فألقاه على وجهِ أبيه يعقوب فرُدَّ بصيرًا؛ أي: صار بصيرًا كما كان.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: قال للَّذين حضروه ممَّنْ كانوا يفنِّدونه، ويقولون: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾، وهو ما مرَّ في قولِه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهو علمُه بما يبتلي اللَّهُ به عبادَه الأنبياءَ مِنَ المحنِ الَّتي تنكشفُ عن حميدِ العاقبةِ.
قال كعب ووهبٌ: فألقى يهوذا القميصَ على وجهِ أبيه فعادَ بصيرًا للحالى.
وقال يهوذا: البشارةَ يا أبتاه، إنَّ الملكَ العزيزَ الَّذي ملَكَ مصرَ وأهلَها هو ابنُك يوسفُ، وقد بعثَ إليكَ جهازًا ومئتي راحلة، ويسألُكَ أن تخرجَ أنتَ ومَن معك إليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
فتهيَّأَ يعقوبُ للخروجِ، وخرجَ معه اثنان وسبعون من آلِه (١)، فبلغَ يوسفَ انزعاجُه وقربُه مِن مصرَ، فتلقَّاه في مواكبه، وتلقَّاه فرعونُ في جنودِه، ووصلَ يعقوبَ بصلاتٍ فاخرةٍ وجوائزَ سَنيَّةٍ.
стр. 4231
(٩٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: قال إخوةُ يوسف لأبيهم: اشفعْ لنا إلى يوسفَ ليعفوَ عنَّا، وقيل: استغفرِ اللَّهَ لنا ذنوبَنا.
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: مذنبين مسيئين إليك وإلى يوسف، وعاصين للَّهِ بذلك.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: قيل: أخَّرَ يعقوبُ ذلك إلى أن ينظرَ ما يقضي اللَّهُ في أمرِهم، وماذا يقولُ يوسفُ، والحقُّ لم يكن ليعقوبَ خاصَّة، فأخَّر إلى أن يترضَّاه، ثمَّ يستغفر لهم.
وقيل: أخَّرَ ذلك إلى أن يقومَ للصَّلاة، فيستغفرَ فيها أو بعدها.
وقيل: إلى وقت السَّحرِ.
وقيل: إلى ليلة الجمعة.
وقال وهبٌ: كان يستغفرُ لهم كلَّ ليلةِ جمعة في نيفٍ وعشرين سنة.
وفي بعض القصص: أنَّ يعقوبَ وأولادَه وأهاليَهم توجَّهوا إلى مصر على رواحلهم، فلمَّا قربوا من مصر، وأُخبرَ بذلك يوسف، تلقَّاه ومعه ثلاثُ مئة ألفِ فارس، كلُّ واحدٍ منهم معه حربة مِن فضَّةٍ وراية مِن ذهبٍ، الأفراسُ مراكبُه، والفرسانُ غِلمانُه، فتزيَّنَتِ الصَّحراءُ بهم واصطفُّوا صفوفًا.
ولَمَّا صعدَ يعقوبُ تلًّا ومعه أولادُه وحفدتُه، ونظرَ إلى الصَّحراء مملوءةً من الفرسان مزيَّنةً بالألوان، نظر إليهم متعجِّبًا، فقال له جبريلُ: انظرْ إلى الهواء، فإنَّ الملائكةَ قد حضرَتْ سرورًا لحالك، كما كانوا باكين محزونين مدَّةً لأجلِكَ.
стр. 4232
ثم نظرَ يعقوبُ إلى الفرسان فقال: أيُّهم ولدي يوسف؟ فقال له جبريل: هو ذلكَ الَّذي فوقَ رأسِه ظُلَّةٌ. فلم يتمالَكْ أنْ أوقعَ نفسَه من البعير.
فقال جبريلُ: يا يوسفُ، إنَّ أباك يعقوب قد نزل إليك (١) فانزلْ له، فنزلَ عن فرسِه، وجعلَ كلُّ واحدٍ منهما يعدو إلى الآخر حتَّى التَقَيَا، فاعتَنَقَا، وبَكَيَا سرورًا، وماج الفرسانُ بعضُهم في بعضٍ، وصهلَتِ الخيولُ، وسبَّحَتِ الملائكةُ، وضُرِبَ بالطُّبول والبوقات، فصارَ كأنَّه يوم القيامة.
وفي "كتاب عصمة الأنبياء": وما رُوي أنَّه لم ينزل من السَّرير لأبويه أو عن الدَّابة كلامٌ لا معنى له؛ لأنَّه قد تلقَّاهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ولذلك نزل عن الدَّابة على ما حكينا (٢).
وما رُوي أنَّ جبريل قال ليوسف: إنَّك لم تنزلْ (٣) لأبيك، فقُطِعَ نسلُ النُّبوَّة منك = فإنَّه كلامٌ باطلٌ لا يجوز أنْ يُذكَرَ ويُعْتقَدَ؛ فإنَّ الأنبياءَ لم يكن مِن صفتِهم التَّعظُّم على أحدٍ، فضلًا على الأبِ.
وعلى أنَّ الأنبياءَ مِن بعدِه كانوا مِن نسلِه، كموسى وداود وسليمان.
ثمَّ لَمَّا انتهوا إلى السَّرير رفعَ أبوَيْهِ مُكرمًا لهما، آخذًا بأيديهما، مُعليًا لهما على السَّرير، ثمَّ إنه جلسَ هو معهما، وهو على الجلوس كما يجلسُ (٤) الولد بينَ يدَي والدِه، ولا يُعدُّ ذلك تركًا للحُرْمةِ، خصوصًا إذا كان ولدُه نبيًّا مرسلًا.
стр. 4233
فإنْ قالوا: هلَّا سارَ (١) إلى أبوَيْه لقضاءِ حقوقِهما، وما يحملُ أبوه مِن الهمِّ والحزنِ في أمرِه، حتَّى استدعاهم إلى حضرتِه.
قلنا: إنَّه لم يفعلْ ذلك مِن غيرِ وحيٍ.
والثَّاني: إنَّه أرادَ أنْ يأتوه جميعًا، فيعرفَ أهلُ مصرَ وجاهَتَه وأبوَيْه ومنزلَتَه، ويعلموا أنَّه لم يصرْ ملكًا مِن غير أصلٍ، بل له أصل صميمٌ (٢)، وليُعَايِنَ أهلُه نعمةَ اللَّهِ تعالى عليه بعدَ انقضاءِ المحنةِ مِن إعطاءِ المُلْكِ، ولو كانَ تركَ المُلْكَ وسارَ (٣) إليهم لم يقعْ موقعَ الإعظامِ في الإخبار؛ إذْ ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ.
* * *
(٩٩) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾: أي: يومَ عاشوراء ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾؛ أي: ضمَّ إلى نفسِه أباه وخالتَه راحيلَ (٤)؛ لأنَّ أمَّه كانَتْ ماتَتْ، وتزوَّجَها يعقوب، والخالةُ أمٌّ.
والأبوان: اسمٌ للأبِ والأمِّ، تغليبًا للذَّكر على الأنثى، قاله السُّديُّ (٥).
وقال الحسنُ ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ: كانَتْ أمُّه في الأحياء (٦).
стр. 4234
وقد آواهما جميعًا؛ أي: ضمَّهما إلى نفسِه وأنزلَهما عندَه ومعه في موضعٍ أعدَّه لنزولِ ساعة خارجَ المصر.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: والاستثناءُ داخلٌ في الأمن لا في الدُّخول؛ لأنَّه أَمرَ بالدُّخول، ووَعدَ بالأمنِ، والاستثناءُ يدخلُ في الوعدِ لا في الأمرِ.
وكذا كانت مواعيدُ الأنبياءِ ﵈، قال اللَّه تعالى لنبيِّنا ﵊: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
وإنَّما وعدَ الأمنَ لأنَّه كان بلدًا فيه كفَّار، وملكُهم الَّذي أقامَ يوسفَ مقامَ نفسِه كان كافرًا أيضًا، فوعدَ لهم الأمنَ معلَّقًا بالمشيئة رجاءً لذلك مِن فضلِ اللَّهِ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا﴾: كان دخولُهم عليه مصرَ أربعَ مرَّات:
الأوَّل: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ [يوسف: ٥٨].
والثَّاني: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩].
والثَّالث: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف: ٨٨].
والرَّابع: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾؛ أي: قالَ لأبوَيه ولمن معهما.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: اشتركَ القومُ في الدُّخول، ولكن تباينوا في الإيواء، فانفرد الأبوان به لبُعدِهما عن الجفاء، كذا غدًا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فيه وفي دخول الجنَّة، ولكنَّهم يتباينون في بساط القُربة، فيختصُّ به أهل الصَّفاءِ دونَ مَن اتَّصفَ اليومَ بالجفاء (١).
стр. 4235
(١٠٠) - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي: لَمَّا دخلوا مصرَ ودخلوا دارَه رفعَ والدَه وخالَته راحيل إلى سرير الملك.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾: وقال وهبٌ: انحنوا له كما تفعلُ الأعاجم، ولم يضعوا جباهَهم، وإنَّما تُوضَعُ الجباهُ بالسُّجود للَّه، وهذا كان تحيَّةً منهم له، وكذلك فعلَتِ الملائكةُ حينَ أُمِروا بالسُّجودِ لآدمَ، ولم تزلْ تحيَّةَ النَّاس السُّجود حتَّى جاءَ اللَّهُ بالإسلامِ، فذهبَ بالسُّجود وجاء بالمصافحة.
وأكثرهُم على أنَّه وضعُ الجبهةِ على الأرضِ، وهو المتعارفُ المتفاهمُ عندَ إطلاقِه.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سجدوا للَّهِ شكرًا له على ما أنعمَ عليهم بالاجتماع (١).
والأظهرُ والأشهرُ أنَّه كان ليوسفَ؛ لأنَّ الرُّؤيا كانت على ذلك؛ قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وكان ذلك تحيَّةَ الملوكِ، إلى أنْ نُسِخَ في زمنِ نبيِّنا ﵊.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه لا بأسَ بإمساك السَّرير والجلوس عليه إذا لم يكن للتَّعظُّم والمباهاة، وإنَّما كان للانتفاع والارتفاع (٢) والارتفاق، ولإمساكِ النَّاس على
стр. 4236
حدود الآداب إذا نظروا إليه بعينِ المكانةِ والمنزلةِ والجاه، فيسهل على الوجيه تنفيذُ أسبابِ المعاملة.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: عبارةُ رؤياي.
وقال عكرمةُ: تفسير رؤياي.
وقال مقاتل بن حيَّان: تحقيق رؤياي (١).
وقال طاوس: تصديق رؤياي.
أي: الَّتي قصصْتُها عليك.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾: بأنْ أَسْجَدَكُم لي (٢) في اليقظةِ كما رأيتُه (٣) في المنام.
ومنهم مَن قالَ: سجدَ له إخوتُه دون أبوَيْه، وهذا لا يستقيم؛ لأنَّ الرُّؤيا كانت على سجود الكلِّ؛ قال تعالى خبرًا عن يوسف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فعلى ذلك تأويلُها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾: وقال كثيرٌ:
أسِيْئِي بنا أو أحْسِني لا مَلُومةً... لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ (٤)
وحروفُ الأدواتِ تتناوَبُ.
стр. 4237
وقيل: هو على حقيقته؛ أي: أحسنَ إلى أهل الزَّمان بي، حيثُ ملَّكني، ونفعَ النَّاسَ بحسْنِ تدبيري.
وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾: فقالَ يعقوبُ: أَوَ كُنْتَ في السِّجن؟ قالَ: لا أشكو السِّجنَ، ولكنِّي أشكرُ الخلاصَ مِنَ السِّجنِ.
وقالوا: لم يذكرِ الخلاصَ مِن البئرِ؛ قيل: لأنَّ مدَّة ذلك كانت قصيرةً، ومدَّة تلك كانت طويلةً، ولأنَّ البئرَ كان بفعلِ إخوتِه فلم يرضَ بذِكْرِ ذلك بحضرتِهم لئلَّا يخجلوا، وكان السِّجنُ مِن أهل مصر فلم يبالِ بذكْرِ فعلِهم.
وقيل: كان إيقاعُهم إيَّاه في البئر لحسدٍ منهم (١)، فلم يخَفْ أنْ يكونَ عقوبةً له، والسِّجنُ كان بعدَ قولِه: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، فخافَ أنْ يكونَ معاقبةً له أو معاتبةً، فعدَّ الخلاصَ منه غنيمةً عظيمةً.
قوله تعالى ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: أي: من الباديةِ الَّتي يبدو فيها مَن كان دخلَها.
وإنَّما قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ لأنَّهم كانوا بادينَ بأرضِ كنعان، وهي باديةُ بلادِ فلسطين.
وقيل: قال ذلك لأنَّهم كانوا أهلَ مواشٍ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: ألقى الحسدَ في قلوبِ أخوتِه (٢).
وقال مقاتل بن حيَّان: أغرى الشَّيطانُ (٣).
стр. 4238
وقال عطاء: حرَّشَ الشَّيطانُ (١). والتَّحريشُ (٢): التَّهييجُ.
وقال عكرمةُ: أفسدَ (٣).
وهو حقيقةٌ لغةً، أضافَ إليه تمهيدًا لعذْرِ الأخوة.
وأصلُ الفسادِ يكون مِن وسوسةِ الشَّيطان (٤)، ثمَّ يقبلُه الإنسانُ؛ فيقعُ فيه، أو يمتنعُ منه بالاجتهاد والاستعاذة باللَّه فيسلَمُ منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾: أي: لطَفَ اللَّهُ لي بهذه النِّعم، إنَّه لطيفٌ لِمَا يشاء؛ أي: يُوصِلُ إلى الشَّيءِ في سهولةٍ وحسنِ مَوقعٍ.
وقيل: أي: عالم بدقائقِ الأمورِ وحقائِقها وسرِّها وعلنِها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بنا وبأحوالنا ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيما أجرى بينَنا.
وقيل: أي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائرِ عبادِهِ. وقيل: بمصالح عبادِه ﴿الْحَكِيمُ﴾: يضعُ كلَّ شيءٍ موضِعَهُ، ويفعلُه لوقتِهِ.
وقيل: أي: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما فعلوا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بما فُعِلَ بنا.
وفي بعضِ التَّفاسير المقبولةِ: أنَّ يوسفَ لَمَّا جمعَ اللَّهُ بينَه وبينَ أبويه وإخوته أخذَ بيدِ أبيه، وجعلَ يعرضُ عليه الخزائنَ، فعرضَ عليه بخزائن (٥) الذَّهب والفضَّة
стр. 4239
والحليِّ والحُلَل والأسلحة، حتَّى أدخلَه خزانة القراطيس، فرأى يعقوبُ فيها شيئًا كثيرًا، فقال: يا بُنيَّ، ما أعقَّكَ لأبيك، كان عندَكَ كلُّ هذا مِن القراطيس، وكنْتَ منِّي على ثمانية مراحلَ أربعين سنةً، فما الذي منعَكَ مِن مكاتبتي؟ قالَ: أمرني جبريلُ بهذا، قال: أفلا تسأَلُهُ؟ قال: يا أبتِ، أنتَ أشدُّ (١) انبساطًا إليه منِّي.
فجاءَه جبريلُ، فسألَه يعقوبُ: أأنْتَ نهيْتَ ابني عن مكاتبتي؟ قال: نعم. قال: وَلِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ أمرني بذلك. قال: أفلا تسألُهُ؟ قال: نعم.
فمضى، وسألَ اللَّهَ تعالى، فقال: قل لعبدي يعقوب: أنسيْتَ يومَ قلْتَ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]، فهلَّا خفْتَني يا يعقوبُ.
قال وهبٌ: فلبثَ يوسفُ معه إخوتُه مِن يوم وردوا عليه مصرَ إلى يوم مات أبوه أربعًا وعشرين سنة، في أغبط الغِبطة، وأسرِّ السُّرور، ولا يأتي عليه يومٌ وليلة إلَّا واللَّهُ تعالى يحدِثُ له فيه غِبطةً هي أفضلُ ممَّا قبلَها، ورجاءً هو أفضلُ ممَّا قبلَه، وعافيةً هي أوسعُ ممَّا قبلَها، قد جمعَ اللَّهُ إلفتَهم، وأقرَّ عيونَهم، ودحرَ الشَّيطانَ عنهم، فلبثوا بذلك، لا يُقدَرُ قَدْرُ إحسانِ اللَّه إليهم ونعمتِه الَّتي أتمَّها عليهم.
فلمَّا حضرَ يعقوبَ الوفاةُ جمعَ ولدَه وولدَ ولدِه، فأوصاهم، وعهدَ إليهم، وقال: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، و: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٣].
وقال: يا بَنيَّ، احفظوا عنِّي خصلَتَيْن: ما انتصرْتُ مِن مَظلمةٍ (٢) بقولٍ ولا فعلٍ، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ حسنةً إلَّا أفشيتُها، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ سيئةً إلَّا كتمتُها.
стр. 4240
وقال له بنوه: يا أبانا، إنَّا نخافُ أنْ يحقِدَ علينا يوسفُ بما صنَعْنا به بعدَكَ، فاستوهِبْ لنا ذلكَ منه، وأوصِهِ بنا.
قال يعقوبُ: يوسفُ يا بنيَّ، هبْ لي فعلةَ إخوتِكَ بك، ولا تحقدها عليهم، فقال يوسفُ: يا أبتاه، قد عفوْتُ عنهم، ووهبتُهم لك.
وأوصى يعقوبُ يوسفَ إذا هو ماتَ أن يحملَ جسدَه حتَّى يُقبَرَ معَ أبوَيْهِ إبراهيمَ وإسحاقَ في الأرض المقدَّسة، فحملَه يوسفُ على عجلةٍ، وفعلَ الَّذي أمرَهُ به، ورجعَ إلى مصرَ.
قال وهبٌ: ويُقال: إنَّه ماتَ هو وأخوه عيص في يومٍ واحدٍ، وقُبِرا في موضعٍ واحدٍ، وكان عُمرُهما مئة سنةٍ وأربعًا (١) وأربعين سنة.
* * *
(١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
فلمَّا جمعَ اللَّهُ سبحانَه ليوسفَ شملَه، وأقرَّ عينَه، وأتمَّ له أمورَ رُؤياه، تمنَّى الموتَ، ودعا ربَّه، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾: الأظهرُ أنَّه مُلْكَ مِصرَ.
وقيل: هو مُلْكُ الجَمالِ (٢).
وقيل: هو مُلْكُ النَّسَبِ، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.