← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

حدود الآداب إذا نظروا إليه بعينِ المكانةِ والمنزلةِ والجاه، فيسهل على الوجيه تنفيذُ أسبابِ المعاملة. وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: عبارةُ رؤياي. وقال عكرمةُ: تفسير رؤياي. وقال مقاتل بن حيَّان: تحقيق رؤياي (١). وقال طاوس: تصديق رؤياي. أي: الَّتي قصصْتُها عليك. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾: بأنْ أَسْجَدَكُم لي (٢) في اليقظةِ كما رأيتُه (٣) في المنام. ومنهم مَن قالَ: سجدَ له إخوتُه دون أبوَيْه، وهذا لا يستقيم؛ لأنَّ الرُّؤيا كانت على سجود الكلِّ؛ قال تعالى خبرًا عن يوسف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فعلى ذلك تأويلُها. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾: وقال كثيرٌ: أسِيْئِي بنا أو أحْسِني لا مَلُومةً... لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ (٤) وحروفُ الأدواتِ تتناوَبُ.

стр. 4237

وقيل: هو على حقيقته؛ أي: أحسنَ إلى أهل الزَّمان بي، حيثُ ملَّكني، ونفعَ النَّاسَ بحسْنِ تدبيري. وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾: فقالَ يعقوبُ: أَوَ كُنْتَ في السِّجن؟ قالَ: لا أشكو السِّجنَ، ولكنِّي أشكرُ الخلاصَ مِنَ السِّجنِ. وقالوا: لم يذكرِ الخلاصَ مِن البئرِ؛ قيل: لأنَّ مدَّة ذلك كانت قصيرةً، ومدَّة تلك كانت طويلةً، ولأنَّ البئرَ كان بفعلِ إخوتِه فلم يرضَ بذِكْرِ ذلك بحضرتِهم لئلَّا يخجلوا، وكان السِّجنُ مِن أهل مصر فلم يبالِ بذكْرِ فعلِهم. وقيل: كان إيقاعُهم إيَّاه في البئر لحسدٍ منهم (١)، فلم يخَفْ أنْ يكونَ عقوبةً له، والسِّجنُ كان بعدَ قولِه: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، فخافَ أنْ يكونَ معاقبةً له أو معاتبةً، فعدَّ الخلاصَ منه غنيمةً عظيمةً. قوله تعالى ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: أي: من الباديةِ الَّتي يبدو فيها مَن كان دخلَها. وإنَّما قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ لأنَّهم كانوا بادينَ بأرضِ كنعان، وهي باديةُ بلادِ فلسطين. وقيل: قال ذلك لأنَّهم كانوا أهلَ مواشٍ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: ألقى الحسدَ في قلوبِ أخوتِه (٢). وقال مقاتل بن حيَّان: أغرى الشَّيطانُ (٣).

стр. 4238

وقال عطاء: حرَّشَ الشَّيطانُ (١). والتَّحريشُ (٢): التَّهييجُ. وقال عكرمةُ: أفسدَ (٣). وهو حقيقةٌ لغةً، أضافَ إليه تمهيدًا لعذْرِ الأخوة. وأصلُ الفسادِ يكون مِن وسوسةِ الشَّيطان (٤)، ثمَّ يقبلُه الإنسانُ؛ فيقعُ فيه، أو يمتنعُ منه بالاجتهاد والاستعاذة باللَّه فيسلَمُ منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾: أي: لطَفَ اللَّهُ لي بهذه النِّعم، إنَّه لطيفٌ لِمَا يشاء؛ أي: يُوصِلُ إلى الشَّيءِ في سهولةٍ وحسنِ مَوقعٍ. وقيل: أي: عالم بدقائقِ الأمورِ وحقائِقها وسرِّها وعلنِها. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بنا وبأحوالنا ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيما أجرى بينَنا. وقيل: أي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائرِ عبادِهِ. وقيل: بمصالح عبادِه ﴿الْحَكِيمُ﴾: يضعُ كلَّ شيءٍ موضِعَهُ، ويفعلُه لوقتِهِ. وقيل: أي: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما فعلوا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بما فُعِلَ بنا. وفي بعضِ التَّفاسير المقبولةِ: أنَّ يوسفَ لَمَّا جمعَ اللَّهُ بينَه وبينَ أبويه وإخوته أخذَ بيدِ أبيه، وجعلَ يعرضُ عليه الخزائنَ، فعرضَ عليه بخزائن (٥) الذَّهب والفضَّة

стр. 4239

والحليِّ والحُلَل والأسلحة، حتَّى أدخلَه خزانة القراطيس، فرأى يعقوبُ فيها شيئًا كثيرًا، فقال: يا بُنيَّ، ما أعقَّكَ لأبيك، كان عندَكَ كلُّ هذا مِن القراطيس، وكنْتَ منِّي على ثمانية مراحلَ أربعين سنةً، فما الذي منعَكَ مِن مكاتبتي؟ قالَ: أمرني جبريلُ بهذا، قال: أفلا تسأَلُهُ؟ قال: يا أبتِ، أنتَ أشدُّ (١) انبساطًا إليه منِّي. فجاءَه جبريلُ، فسألَه يعقوبُ: أأنْتَ نهيْتَ ابني عن مكاتبتي؟ قال: نعم. قال: وَلِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ أمرني بذلك. قال: أفلا تسألُهُ؟ قال: نعم. فمضى، وسألَ اللَّهَ تعالى، فقال: قل لعبدي يعقوب: أنسيْتَ يومَ قلْتَ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]، فهلَّا خفْتَني يا يعقوبُ. قال وهبٌ: فلبثَ يوسفُ معه إخوتُه مِن يوم وردوا عليه مصرَ إلى يوم مات أبوه أربعًا وعشرين سنة، في أغبط الغِبطة، وأسرِّ السُّرور، ولا يأتي عليه يومٌ وليلة إلَّا واللَّهُ تعالى يحدِثُ له فيه غِبطةً هي أفضلُ ممَّا قبلَها، ورجاءً هو أفضلُ ممَّا قبلَه، وعافيةً هي أوسعُ ممَّا قبلَها، قد جمعَ اللَّهُ إلفتَهم، وأقرَّ عيونَهم، ودحرَ الشَّيطانَ عنهم، فلبثوا بذلك، لا يُقدَرُ قَدْرُ إحسانِ اللَّه إليهم ونعمتِه الَّتي أتمَّها عليهم. فلمَّا حضرَ يعقوبَ الوفاةُ جمعَ ولدَه وولدَ ولدِه، فأوصاهم، وعهدَ إليهم، وقال: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، و: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٣]. وقال: يا بَنيَّ، احفظوا عنِّي خصلَتَيْن: ما انتصرْتُ مِن مَظلمةٍ (٢) بقولٍ ولا فعلٍ، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ حسنةً إلَّا أفشيتُها، ولا رأيْتُ مِن أحدٍ سيئةً إلَّا كتمتُها.

стр. 4240

وقال له بنوه: يا أبانا، إنَّا نخافُ أنْ يحقِدَ علينا يوسفُ بما صنَعْنا به بعدَكَ، فاستوهِبْ لنا ذلكَ منه، وأوصِهِ بنا. قال يعقوبُ: يوسفُ يا بنيَّ، هبْ لي فعلةَ إخوتِكَ بك، ولا تحقدها عليهم، فقال يوسفُ: يا أبتاه، قد عفوْتُ عنهم، ووهبتُهم لك. وأوصى يعقوبُ يوسفَ إذا هو ماتَ أن يحملَ جسدَه حتَّى يُقبَرَ معَ أبوَيْهِ إبراهيمَ وإسحاقَ في الأرض المقدَّسة، فحملَه يوسفُ على عجلةٍ، وفعلَ الَّذي أمرَهُ به، ورجعَ إلى مصرَ. قال وهبٌ: ويُقال: إنَّه ماتَ هو وأخوه عيص في يومٍ واحدٍ، وقُبِرا في موضعٍ واحدٍ، وكان عُمرُهما مئة سنةٍ وأربعًا (١) وأربعين سنة. * * * (١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. فلمَّا جمعَ اللَّهُ سبحانَه ليوسفَ شملَه، وأقرَّ عينَه، وأتمَّ له أمورَ رُؤياه، تمنَّى الموتَ، ودعا ربَّه، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾: الأظهرُ أنَّه مُلْكَ مِصرَ. وقيل: هو مُلْكُ الجَمالِ (٢). وقيل: هو مُلْكُ النَّسَبِ، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

стр. 4241

وقيل: هو مُلْكُ القلوبِ، فكانَ يحبُّه الحاضرُ بالنَّظر، والغائبُ بالخبر. وقيل: هو مُلْكُ الاحترام، فقدْ نفرَتِ الهوامُّ كلُّها حينَ ألقِيَ في البئرِ احترامًا له. وقيل: هو مُلْكُ القِيمةِ، حين بلغَتْ قيمتُه يومَ دخولِه مصرَ وعرضِه في السُّوق للشِّراء أضعافَ أضعافِ زِنَةِ نفسِه مِن كلِّ مالٍ خطيرٍ. وقيل: هو مُلْكُ النَّفْسِ حين (١) استعصمَ فلم يُجِبْ امرأةَ العزيز. وقيل: هو مُلْكُ الهمَّةِ حين (٢) اختارَ السِّجنَ على العِصيانِ. وقيل: هو مُلْكُ النُّبوَّةِ في ثماني عشرةَ سنةً مِن عمرِهِ. وقيل: هو مُلْكُ الهَيْبةِ حتَّى هابَتْهُ زليخا وذلَّتْ له وانقادَتْ، مع أنَّها ظاهرُ حالِها أنَّها ملكة. وقيل: هو مُلْكُ الإخوة، ملكَهُم وذلُّوا له، ثمَّ مَنَّ عليهم. وقيل: هو مُلْكُ الجُودِ، فما كان في الدُّنيا أجودُ مِن يوسفَ (٣) في سنةِ القَحْطِ. وقيل: هو مُلْكُ الشَّفقةِ، قد كان يجوعُ (٤) حتَّى لا ينسى الجائعَ. وقيل: هو مُلْكُ العَدْلِ، فقدْ سوَّى بينَ أهلِ ولايته والغرباءِ كلِّهم في سنةِ الجَدْبِ. وقيل: هو مُلْكُ القميص، أعادَ بهِ بصرَ أبيه، وكانَ كلُّ جميع قصته في ثلاثةٍ من القُمُصِ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧]، ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣].

стр. 4242

وقيل: هو مُلْكُ الوِصالِ، فقدْ وجدَ وِصالَ أبوَيْه وإخوَتِه وكلِّ قراباته بعد ثمانين سنة من غير أنْ نقصَ منهم واحدٌ. وقيل: هو مُلْكُ العِبْرة، فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وقيل: هو مُلْكُ السُّؤالِ، وهو سؤالُ الوفاةِ على الإسلامِ، ولم يكنْ مثلُه مِن غيره في مثلِ حالِه. ثم قولُه: ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾: (مِن) للتَّبعيض؛ لأنَّه لم يكن هلَكَ كلَّ الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: تعبير الرُّؤيا، وقيل فيه أقاويلُ أُخَرُ قدَّمناها في أوَّل السُّورة. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: يا خالقَ السَّماوات والأرض مِن غير شيء، مُبتدئًا (١) خَلْقَهما. وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: متولِّي أموري، وكافي مَعاشي ومَعادي. والوليُّ في القرآن لعشرةِ معانٍ: - للرَّبِّ؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]. - وللإلهِ؛ قال اللَّه تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ أي: آلهة. - وللولدِ؛ قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].

стр. 4243

- وللقريبِ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [البقرة: ١٠٧]. - وللصاحب (١) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. - وللقيِّم؛ قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - ولمتولِّي المصالح؛ قال تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ [يوسف: ١٠١]. - وللمُوالي في الكفر؛ قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]. - وللمُوالي في الإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. - وللنَّصيح؛ قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ١٤٤]. وقال القشيريُّ ﵀: أنتَ الَّذي تتولَّاني (٢) في دنيايَ بعرفانِكَ، وفي عقبايَ (٣) بغفرأنِكَ، فليس لي في الدَّارَيْنِ غيرُك (٤). وقوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: أي: أَمِتْني على الإسلام. قيل: لَمَّا انتظمَتْ أسبابُه واطَّردَتْ أحوالُه اشتاقَ إلى ربِّه. وقيل: لَمَّا رأى أمرَه على الكمال، علمَ أنَّه أشرفَ على الزَّوال، سألَ سعادةَ الانتقالِ، قال قائلُهم:

стр. 4244

إذا تمَّ أمرٌ دنا (١) نقصُهُ... توقَّعْ زوالًا إذا قِيْلَ تَمْ (٢) وقيل: هذا سؤالُ التَّوفِّي على الإسلام للحالِ. وقيل: هو سؤالُ الخَتْمِ على الإسلام مَتى كانَ. وحكي عن الأستاذ أبي على الدَّقاق أنَّه قالَ: قال يوسف ليعقوب: علمْتَ أنَّا نلتقي في الآخرة بعدَ الموتِ، فلمَ بكيْتَ كلَّ ذلكَ البكاء؟ فقال: يا بُنيَّ، إنَّ هناك طريقَيْنِ خفْتُ أنْ تَسْلُكَ طريقًا وأسلُكَ طريقًا، فقالَ يوسفُ عند ذلكَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (٣). وقيل: لَمَّا جاءَ البشيرُ وبشَّرَ يعقوبَ بيوسفَ قال: على أيِّ دينٍ تركتَهُ؟ قال: على الإسلام، قال: الآن طابَ قلبي. وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن يحيى البشاغري في "كتاب عصمة الأنبياء": إنَّ مَن كملَتْ له حالتُه، وصفَتْ له سريرتُه، لاحَتْ له معرفةُ إقرار الأشياء على هيئتها، وكُشِفَ له مِن النَّظر إلى عظمة اللَّه وسلطانه، ثمَّ إلى نفسِه في جوهرِها وبِنْيَتِها (٤)، فلا يترك شرط (٥) العبودية في مقامِه وإنْ عظمَتْ نعمةُ اللَّه عليه، بل يقومُ بوفاءِ الشُّكرِ للمنعِم، لا للإعجابِ بالنَّفس والأمرِ على حالِها. والثَّاني: أنَّ يوسفَ دَعا به ليَقتديَ قومُه به، ومن بعده مَن ليس يأمنُ على ختمِه،

стр. 4245

فلا يتركُ الدُّعاءَ امتثالًا به؛ لأنَّ ظواهرَ الأنبياءِ كانَتْ لنظرِ الأممِ إليهم؛ ليعلموا موضعَ الشُّكرِ مِن موضعِ الاستغفارِ. والثَّالث: معنى الإسلام مِن مثلِه يحتمِلُ الاسترسال، فأحبَّ إدامةَ العصمةِ عليه باستعمال الخُلُق الحسنِ إلى آخر عمرِه حسَبَ ما جرى في مختلف الأحوال الَّتي جرَتْ عليه مِن المحنِ والنِّعمِ؛ إذِ الإسلامُ قد يكون عبارةً عن العقد فهو الدِّين، وعن (١) التَّسليم وهو صفوُ الحال. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: هذه الكلمة في القرآن لمعانٍ: - منها المؤمنُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. - ومنها العملُ المرضيُّ؛ قال تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢]. - ومنها المطيعُ؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. - ومنها التَّائبُ؛ قال تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]. - ومنها الأمين؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: يؤدِّي الأمانةَ. - ومنها الولدُ السَّويُّ الأعضاء؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠]. - ومنها الرَّفيقُ المنصف؛ قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]. - ومنها الرَّفيعُ المنزلة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].

стр. 4246

- ومنها أنَّه اسم للأنبياء لكمالِ حالِهم واستجماعِ خِلال الخير فيهم؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]. قيل: وأرادَ به هنا: وألحِقْني بآبائي الأنبياءِ في الجنَّة؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وقيل: أرادَ به: ألحِقْني في الدُّنيا بدرجاتِ الصَّالحين، المستكملِين للصَّلاح، المنزَّهين عن الفساد. وفي ذلك سُنَّةٌ (١) لكلِّ مسلمٍ أن يدعوَ بهذا الدُّعاء، وهو الختمُ على الإسلامِ والإلحاقُ بالصَّالحين؛ لأنَّ معَ الصَّالحين الأمنَ والسُّكونَ والغِبطةَ والحُبور. قال وهبٌ: فلمَّا حضرَتْ يوسفَ الوفاةُ أوصى إخوتَه بمثلِ ما أوصى به أبوه يعقوبُ (٢)؛ أنْ يحملوه إلى الأرض المقدَّسة فيدفنوه مع آبائِه، فحُمِلَ ودُفِنَ مع آبائِه. وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ماتَ يوسفُ في أهلِ مصرَ ودُفِنَ بها، فلمَّا بَعَثَ اللَّهُ موسى بن عمران ﵇ تولَّى إخراجَ شخصِه مِن مصرَ، فانطلقَ به حتَّى دفنَه عندَ قبرِ أبيهِ (٣).

стр. 4247

قال وهبٌ: ودخلَ يعقوبُ وأولادُه مصرَ، وهم اثنان وسبعون إنسانًا ما بين رجل وامرأة، وخرجَ منهم الَّذين خرجوا مع موسى من مقاتلتِهم ستُّ مئة ألف وخمس مئة وبضعةٌ وسبعون رجلًا سوى الذرِّية، وكانت الذرِّية ألفَ ألفٍ ومئتي ألف سوى المقاتل. وعاشَ يوسفُ بعد موتِ أبيه نيفًا (١) وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومئة سنة، وكان أوَّلَ نبيٍّ من بني إسرائيل. قال وهبٌ: ثم استخلفَ مِن بعدِه يهوذا، ثم روبيل، ثم لاوي، ثم شمعون، ثم بحر، ثم زبالون، ثم يشجر، ثم دان، ثم نفتالي، ثم حاذ، ثم أشير. ووُلِدَ ليوسفَ ابنان: إفراييم بن يوسف، ومنشا بن يوسف، فولد لإفراييم (٢) نون بن إفراييم، وولد لنون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، وولد لمنشا بن يوسف: موسى بن منشا، وأهل التَّوراة يقولون: هو الَّذي طلب [العالِمَ ليتعلَّم منه حتى أدركه، والعالمُ هو الذي] خرقَ (٣) السَّفينة، وقتل الغلام. وقال ابن عبَّاس: هو موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب (٤).

стр. 4248

وكان بينَ دخولِ يوسفَ مصرَ إلى يوم خروجِ موسى أربعُ مئة عامٍ، وأوصى موسى أن يحملَ شخصه ويُدفن ببيت المقدس، وأوصى يوسفُ كذلك. وقال وهبٌ: يُقال: إنَّ اللَّه لم ينزل كتابًا إلَّا ذكر فيه قصَّة يوسف تامَّة كما هي في القرآن، لا تزيد ولا تنقص. * * * (١٠٢) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: أي: هذا من الأخبار الَّتي يغيبُ علمُها عن العباد، فلا يقفُ عليها إلَّا مَن علَّمَه اللَّهُ تعالى، فنحنُ نعلِّمُكَ ونوحِي (١) إليكَ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي: لدى إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: أحكموا الرَّأي والتَّدبير على طرحه في البئر ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بيوسف؛ أي: يحتالون على أن يفرِّقوا بينَه وبين أبيه يعقوب، ليخلوَ لهم وجهُ أبيهم، فتعلمَ قصَّتهم بمشاهدَتِكَ إيَّاهم وحضورِكَ أمرَهم، ولكنَّ اللَّهَ مَنَّ عليكَ بتعريف قصَّتهم، ولم يكن يفعلُ ذلك بك وهو يريد أن يخذلَكَ وينصرَ أعداءَك عليكَ، بل ينصُرُكَ ويُعلِي شأنَك كما فعلَ بيوسفَ وإخوتِه، فاسكُنْ إلى هذا، ولْيَهُنْ عليك إعراضُ قومِك عنك، فإنَّ (٢) أكثرَهم لا يؤمنون.

стр. 4249

(١٠٣) - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وهو قولُه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لا يؤمنون وإن اشتدَّ حرصُكَ على إيمانهم؛ لأنَّ هذا مِن أفعالي لا يقدر عليه آخرُ غيري (١)، نظيرُه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. والحرصُ: طلبُ أمرٍ باجتهادٍ في إصابَتِهِ. وقيل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ مِن أهل مكَّةَ. وقال الإمام أبو منصور: هي فيهم وفي غيرهم أيضًا (٢). * * * (١٠٤) - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: يقولُ: لسْتَ تطمعُ في أموالهم، ولا ﴿تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ القرآن -فقد سبق (٣) ذكرُه في قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ - شيئًا فينسبونَك إلى الاستيكالِ فعلَ الطَّالِبين العلوَّ في الأرض والمالَ، ولا أنت أيضًا رسولٌ بهذا القرآن إليهم وحدَهم، بل القرآنُ ﴿ذِكْرٌ﴾؛ أي: القرآنُ تذكيرٌ (٤) وموعظةٌ لجميع العالمين إلى قيام السَّاعة، ويتضمَّنُ ما بهم الحاجةُ إلى معرفتِه مِن أمرِ دينِهم يتذكَّرون به ما ينسَونه. وقيل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: شرفٌ لِمَنِ اتَّبعه مِن العالمين.

стр. 4250

(١٠٥) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾: أي: وكم مِن دلالةٍ على وحدانيَّة اللَّهِ تعالى في السَّماواتِ والأرضِ. قال الضَّحاكُ: آياتُ السَّماواتِ: الشَّمس والقمر والنُّجوم (١)، وآياتُ الأرضِ: ديارُ الأممِ الهالكةِ وخرابُها؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٨]. وقيل: آياتُ الأرضِ: الجبالُ والبحارُ والأنهارُ والأشجارُ. ووجهُ الاعتبارِ بالآيات: التَّفكُّرُ فيما يقتضي مِن أنَّ مدبِّرًا دبَّرها قادرًا عليها عالمًا بها لا يشبِهُها. وقوله تعالى: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: غافلونَ لا يعتبرون بها، ولا يتفكَّرون فيها، ولا يتَّعظون بما قال الأوَّلون. وقال القشيريُّ ﵀: الآياتُ ظاهرة، والبراهينُ باهرة، وكلُّ جزءٍ مِن المخلوقاتِ شاهدٌ على أنَّه إلهٌ واحدٌ، ولكنْ مَن غمضَ عينَه لم يستمتع بضوءِ نهارِه، وكذلِكَ مَنْ قصَّرَ في نظرِه واعتبارِه لم يحظَ بعرفانِه واستبصارِه (٢). * * * (١٠٦) - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.

стр. 4251

وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: هذا تعديدٌ لقبائح أولئك المشركين، وتبعيدُ إيمانهم بالقرآن. قال ابن عبَّاس ﵄: أراد أنَّهم حين سُئِلُوا: مَنْ خلقَكُم؟ ومَن يُنزِّل من السَّماء ماء؟ ليقولنَّ اللَّه، فهذا إيمانُهم، ثمَّ هم يعبدون الأوثان، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، و: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهذا شركُهم (١). وقال مجاهدٌ: في التَّلبيةِ: يقولون: لبيكَ لا شريكَ لك، إلَّا شريكٌ هو لك، تملكُه وما ملكَ (٢). وقال عطاءٌ: هذا في الدُّعاء، وذلك أن الكفَّار نسُوا ربَّهم في الرَّخاء، فإذا أصابَهم البلاء أخلصوا في الدُّعاء؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢] (٣). وقال الحسنُ: هم أهل الكتاب، معهم شركٌ وإيمانٌ (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل: وما يؤمن أكثرهم باللَّه بألسنتهم إلَّا وهم مشركون بقلوبهم.

стр. 4252

ويحتمل: وما يؤمن أكثرهم باللَّه في النِّعمة أنَّها من اللَّه إلا وهم مشركون في الشُّكر له (١). وقال القشيريُّ: الشِّرك نوعان: جليٌّ وخفيٌّ، فالجليُّ أنْ يَتَّخذَ مِن دون اللَّه تعالى معبودًا، والخفيُّ أنْ يَتَّخذَ بقلبِه عند حوائجِه مِن دونه مقصودًا. وقيل: شركُ العارفين أنَّ يتَّخذوا مِن دونه مشهودًا أو يطالعوا سواه موجودًا (٢). * * * (١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: هذا وعيدٌ لهم أُخرِجَ مخرَجَ التَّعجُّبِ؛ أي: عجبًا مِن غفلتهم (٣)، أَمَا يخافون أن تفجأَهُم عقوبةٌ مِن اللَّهِ تغشاهم، وتفسيره: تجلِّلُهم، ومعناه: تعمُّهم، كما جاءَتْ مَن قبلَهم مِن الأمم العاصية، أوتأتيهم القيامةُ فجأةً لا علم لهم بإتيانها. * * * (١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: أي: طريقتي الَّتي أسلكُها، أبتغي بها الجنَّة في الآخرة.

стр. 4253

وقوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾: هو بيانُ السَّبيلِ؛ أي: أدعو إلى اللَّه وحده، دونَ الشُّركاء والأنداد الَّتي يجعلها المشركون. وقوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: أي: على بيانٍ وحجَّةٍ، أنا وكلُّ مَن آمنَ بي، لا على تقليدٍ وإلْفِ عادةٍ. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: واعتَرض في خلال هذا: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ على معنى: أدعو إلى اللَّهِ وحدَه، وسبحانَه؛ أي: تنزيهًا له عن أن يكونَ معَه إلهٌ غيرُه، نصبٌ على المصدر. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: دعوتي (١). وقال الضَّحاك: أي: دعوايَ (٢). وقال مقاتل: يعني: ديني (٣). * * * (١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: أعلمَ اللَّهُ نبيَّه محاجَّة المشركين فيما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ونحو ذلك، فقال: وما بعثْنَا بالنُّبوَّة مِن قبلِكَ إلَّا رجالًا لا ملائكةً، وكانوا مِن أهل القرى لا مِن سكَّان

стр. 4254

السَّماء، فكذا أنت، فلا يهولنَّك قولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ونحوَ ذلك؛ فإنَّهم يجهلون سبيلَ النُّبوَّات. ولا عذرَ لهم في تكذيبك وإنْ كنْتَ بشرًا، كما لم يكن للَّذين كانوا من قبلِك في تكذيب رسلِهم، بل كان عاقبتُهم البوارَ والدَّمار. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: ولدارُ الحياةِ الآخرةِ، أو لدارُ النَّشأةِ الآخرةِ خيرٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّركَ والمعاصي. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: أفما لهؤلاء المشركين عقولٌ يتدَّبرون بها هذه الحُجَج والمواعظ، فينجوا من الهلاك. وقيل: معنى ﴿أَهْلِ الْقُرَى﴾: أهل الأمصار دون البوادي؛ لأنَّهم أعلمُ وأحلمُ (١). وقال الحسنُ: لم يبعثِ اللَّهُ نبيًّا من أهل البادية قطُّ، ولا مِن الجنِّ، ولا مِن النِّساء (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّما بُعِثَ الرُّسلُ مِن الأمصارِ لا مِن البوادي؛ لأنَّ أهلَ الأمصار لهم اختلاط بأصناف النَّاس وتجاربٌ، فهم أعقلُ وأعلمُ، وأهلُ البوادي لهم اختلاطٌ بالبهائم فهم عن العلم أبعدُ. ولأنَّ الرُّسل لهم أعلام تتقدَّم على وقت الرِّسالة، تحتاج إلى أن يَظهرَ (٣) ذلك

стр. 4255

للخلقِ؛ ليكون ذلك أسرعَ إلى الإجابة لهم، فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهرُ ذلك للخلقِ. والثَّالثُ: أنَّه يرادُ من الرِّسالةِ إظهارُها للخلْقِ في الآفاق من الأمصار، وهي الأمكنة الَّتي ينتابُها النَّاسُ في التِّجارات وأنواعِ الحاجات من الأطراف، وأمَّا البوادي فالبوادي ليس يدخلُها ولا ينتابُها إلَّا الشَّاذُّ مِن النَّاس، ولا تُقضَى فيها الحوائِجُ، فلا تظهرُ في الخلق الرِّسالةُ وما يُراد بها (١). * * * (١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: أي: وما أرسلنا قبلَك إلَّا رجالًا مثلَك يبلِّغون الرِّسالة ويوضِّحون الدلالة، حتَّى إذا استيأس هؤلاء الرُّسلُ مِن إيمان قومِهم. كذا فسَّرته عائشةُ ﵂ (٢) وقتادة وجماعة (٣)، وذلك يكون بظهورِ العِناد (٤) أو بإخبار اللَّه تعالى.

стр. 4256

وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديد (١). وللتَّشديد وجهان: أحدُهما: وظنَّ الرُّسلُ -أي: أيقنوا- أنَّ الأممَ كذَّبوهم تكذيبًا لا يؤمنون بعدَه، وهو قول الحسن وجماعة (٢)، والظَّنُّ يكون بمعنى اليقين، كما قال الشَّاعر: فقلْتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (٣) والثَّاني: وظنَّ الرُّسلُ حقيقةَ الظَّنِّ دونَ اليقين أنَّ مَن آمنَ بهم كذَّبوهم أيضًا حين تأخَّر النَّصرُ عنهم. وهو قولُ عائشةَ (٤) وقتادة. وتقديرُ الآية: حتَّى إذا قنط المرسلون عن إيمان مَن كذَّبهم إلى الآن، وظنُّوا (٥) أيضًا أنَّ الَّذين صدَّقوهم وآمنوا بهم ثمَّ امتدَّ بهم البلاء وتأخَّر الفرج والرَّجاء كذَّبوهم أيضًا = أتاهم (٦) نصرنا.

стр. 4257

وقراءة التَّخفيف لها وجهان أيضًا: وظنَّ القومُ أنَّهم -أي: القوم- كُذِبوا؛ أي: كَذَبَهُمُ الرُّسلُ فيما أخبروهم به مِن نصرِ اللَّه لهم وإهلاكِ أعدائِهم، وهو قولُ ابن عبَّاس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد والضَّحاك (١). وقريبٌ مِن هذا الوجه قولُ بعضهم: وظنَّ القومُ ﴿أنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّسل ﴿كُذِبوُا﴾ بالتَّخفيف؛ أي: كذَبَهم مَن أخبرَهم مِن الملائكةِ ونحوهم عن اللَّه في وعد النَّصر على الكفَّار ونحو ذلك. ووجهٌ آخر: وظنَّ الرُّسل -أي: أيقنوا- ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّسل ﴿كُذِبوُا﴾: كَذَبَهم مَن وَعَدَهم مِن قومِهم أنْ يؤمِنَ بهم، ويكونُ الكذبُ في معنى إخلاف الوعد، كما يُسمَّى إنجازُ الوعدِ صدقًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: يقولُ: لم نكنْ نعاجِلُ أممَ الرُّسلِ بالانتقام منهم على تكذيبِهم، بل كنَّا نمهلُهم حتَّى إذا وقعَ اليأسُ وضاقَتِ الأحوالُ أتاهم نصرُنا. وقوله تعالى: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿فَنُجِّيَ﴾ بنونٍ واحدةٍ وتشديدِ الجيم وفتح الياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، مِن نَجاه ينجِّيه تنجيةً، أي: خلَّصه. وقرأ أبو عمرو في روايةٍ: ﴿فَنجى﴾ بنون واحدة وتسكين الجيم على

стр. 4258

حذف إحدى النُّونين (١)، كحذف إحدى التَّائين كقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٢) [البقرة: ٧٠]. وقرأ الباقون: ﴿فنُنْجِيْ﴾ بنونين على الاستقبال (٣)؛ أي: فننجي الأنبياءَ وأتباعهم. ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾: أي: عذابنا ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين. * * * (١١١) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: في قصص يوسف وإخوته وأبيه.

стр. 4259

وقيل: في قصص الأنبياء كلِّهم عبرةٌ؛ أي: دلالة يُعْبَر (١) بها إلى البُغية لأولي العقول الخالصة، إذا كان ذلك حقًّا مِن اللَّه، فيحقُّ على العقلاء الاعتبارُ به. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾: أي: لم يكن خبرًا يُختلق حتَّى ينبغي للعقلاء أن يرفضوه ويعرضوا عنه ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: بل كان تصديقًا للتَّوراة والإنجيل والكُتب المنزَّلة قبلَه. قاله الحسن ومجاهد (٢). وإنَّما قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنَّه قد وُجِدَ، فصارَ (٣) كأنَّه حاضر له. وقيل: لأنَّه قريبٌ منه كقُرْبِ ما كان بينَ يدَي الإنسان. وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: وتبيينًا لكلِّ شيءٍ ممَّا بالنَّاس حاجةٌ إليه في دينِهم. ﴿وَهُدًى﴾ إلى الحقِّ والصِّراط المستقيم ﴿وَرَحْمَةً﴾ مِن اللَّهِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: رحمَ بها المؤمنين. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: وفي هذه القصَّة تصبيرُ رسول اللَّه ﷺ على أذى قريشٍ، يقولُ: إنَّ إخوة يوسف مع موافقتهم إيَّاه في الدِّين والنَّسب عملوا بيوسفَ ما عملوا من الكيدِ والمكرِ، فصبرَ على ذلك، فأنْتَ معَ قومِكَ وهم مخالفون لك في الدِّين أحرى أنْ تصبرَ على أذاهم (٤). وقال الإمام البشاغريُّ: ففيه دليلٌ على صدقِ محمَّدٍ ﵊،

стр. 4260

حيث قصَّ قصَّةَ يوسف وغيرها على حسب ما يجدُها أهلُ الكتب في كتبِهم مِن غير زيادة ولا نقصان، مع معرفتِهم أنَّه لم يَختلفْ إلى أحدٍ يتعلَّمُ منه، ولا نظرَ في الكتب فتلقَّاه، فما هو إلَّا عن الوحي، ولا وحيَ إلَّا إلى الرُّسل. وقال بعضُ المحقِّقين: ثمَّ العبرُ في هذه القصَّة ما حُمِّلَ يوسف على صغره من المحنِ مِن جهة إخوتِه: مِن الطَّرْحِ في البئر، والبيعِ بالثَّمن البَخْس، وما ابْتُلِيَ به مِن الاسترقاق والحبس الطَّويل مِن غير جُرْمٍ ولا استحقاق، فالعبرةُ به أنَّ اللَّهَ يفعلُ ما يشاءُ، لا اعتراضَ لأحدٍ عليه. ثمَّ صبرُ يوسفَ على هذه المحنِ كلِّها إلى أنْ خُتِمَ له بالملك والعلوِّ دليلٌ على أنَّه لا يخسر أحدٌ على الصَّبر عند جريان المقادير عليه. ثمَّ ما فيه من التَّنبيه على أنَّ مَن قدرَ على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجبِّ، وإعلائه بعد حبسه في السِّجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلِها في حُكْمِ العبدِ، ثم جمعَ بينَه وبينَ أبوَيْه وإخوته على ما أحبَّ بعد المدَّة الطويلةِ = لقادرٌ أنْ يُعِزَّ محمَّدًا ﷺ ويُعلِي كلمتَه وينصرَه على مَن عاداه مِن قومه. ثمَّ ما امتُحِنَ به أبوه من الوَجْد بفقدِه إلى أنْ ابيضَّتْ عيناه من البكاء عليه، إلى أنْ جمعَ اللَّهُ شملَه وردَّ عليه ابنَه سلوةٌ للمُمْتَحنين، وإطماعٌ لهم في تبديل الحالِ، وتعريض المحنةِ للزَّوال. ثمَّ فيما جرى على يوسف من جهة إخوته الَّذين هم أولى النَّاس بالشَّفقة عليه والذَّب عنه ما ابْتُلي (١) رسولُ اللَّه ﷺ في عداوة قومِه وأقاربه له. ثمَّ فيما فعلَه يوسفُ في السِّجنِ مِن دعاءِ الفتَيَيْنِ إلى اللَّه تعالى، وإقامةِ الحجَّة

стр. 4261

عليهما للتَّوحيد، وعلى بُطلانِ الشِّركِ = ما يُوجِبُ على رسول اللَّه ﷺ سلوكَ طريقتِه في الصَّبر على الدُّعاء إلى اللَّه، والقيامِ به في كلِّ وقتٍ ممكنٍ، وقد فعلَ ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ وأكثر منه. ثمَّ ما كان مِن يوسف مِن بَسْطِ العَدْلِ في مُلْكِهِ عبرةٌ للملوكِ، وفي المنِّ والإحسانِ إلى الرَّعيَّة؛ لأنَّ يوسف لَمَّا ملكَهم أعتقَهم كلَّهم. ثم ما فيه من العِبرة لأرباب التَّقوى؛ فإنَّ يوسفَ لَمَّا تركَ هواه، رقَّاه اللَّه إلى ما رقَّاه. ومنها: العِبرةُ لأهل الهوى في اتِّباع الهوى مِن شدَّة البلاءِ، كامرأةِ العزيزِ لَمَّا تبعَتْ هواها لقيَتْ ما لقيَتْ مِن الضُّرِّ. ومنها: العبرةُ للمماليك في حفظِ حُرْمةِ السَّادة (١)، كيوسف لَمَّا حفظَ حرمةَ العزيز في زليخا ملَكَ مُلْكَ العزيز، وصارَتْ زليخا امرأته حلالًا. ومنها: العفوُ عند القدرة، كيوسف حين تجاوز عن إخوته. وغير ذلك من الإشاراتِ الَّتي سبقَتْ (٢) في هذه النُّسخة وفي غيرها لأهل العلم والحكمة. وقال بعضُ الواعظين: كان للَّهِ تعالى خليلٌ يُسمَّى إبراهيم، فأعطاهُ ولدًا يُسمَّى إسحاق، ونافلةً يُسمَّى يعقوب، فوُلِدَ ليعقوبَ أولادٌ، وخَصَّ اللَّهُ بعضَ أولادِه بكمالٍ وجمالٍ ولطفٍ وهو يوسف، فآثره أبوه بحبِّه على إخوتِه، فاحتالوا حتَّى غيَّبوه عنه وطرحوه في البئر، ثم باعوه بالثَّمن البَخْسِ اليسير، فقاسى يوسفُ شدائدَ الرِّقّ،

стр. 4262

وابْتُليَتْ به امرأةُ العزيز بليَّة العشق، فراوَدَتْهُ عن نفسِه فاستعصم بعصمةِ الحقّ، وبدا لهم حبسُه في السِّجن فطال ذلك، ثمَّ بعد بضع سنين زال ذلك، ثمَّ أفضى به علم التَّعبير إلى مُلكِ مصرَ والجلوسِ على السَّرير، ثم جاء إخوتُه مرَّات وامتاروا منه كرَّات، ثمَّ جمعَ اللَّهُ بينَ يعقوبَ ويوسف، وزال التَّأسِّي والتَّاسُّف، وجُمِعَ الشَّمل، وبسطَ يوسفُ على إخوتِه الفضل، فتنعَّموا أيَّامًا وشهورًا وأعوامًا، ثمَّ ماتوا وبانوا، وكأنَّهم ما كانوا، ولا بلاءُ يعقوبَ ولا بكاؤه، ولا إخوةٌ ولا جفاءٌ، ولا سجنٌ ولا سجَّانٌ، ولا عزيزٌ ولا ريَّانُ، ولا يوسفُ ولا أصحابٌ، ولا خَوَلٌ (١) ولا أحبابٌ، ولا مملكةٌ ولا أسبابٌ، ولا أمراءُ ولا حُجَّابٌ، وهذه عبرةٌ لأولي الألباب. وقيل: هذه القصَّةُ مرآة كلِّ مؤمنٍ؛ كان ليوسفَ جمالُ الظَّاهر فنظرَتْ إليه زليخا، وللمؤمنِ جمالُ الباطنِ ينظرُ إليه المولى. وكان ليوسفَ حُسْنُ الصُّورةِ فاشتراه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف: ٢١]، وللمؤمنِ حُسْنُ السِّيرة فاشتراه القويُّ العزيزُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. ولَمَّا اشتراهُ العزيزُ أدخلَه دارَ زليخا، ولَمَّا اشترى اللَّهُ المؤمِنَ أدخلَهُ الدُّنيا. فأوقعَتْ زليخا يوسفَ في التُّهمةِ، وأوقعَ الشَّيطانُ المؤمنَ في المعصيةِ. فنُقِلَ يوسفُ إلى السِّجنِ، والمؤمنُ إلى القبرِ، فسُئِلَ يوسفُ في السِّجنِ عن تأويل الرُّؤيا، وسُئِلَ المؤمنُ في القبر عن اللَّهِ وعن الرَّسولِ والهُدى. فأجابَ يوسفُ على الصَّواب فأكرمَه الرَّيَّان، ويجيبُ المؤمنُ على الصَّواب فيكرمُه الدَّيَّانُ.

стр. 4263

ووصلَ يوسفُ إلى ملكِ مصرَ، والمؤمنُ يصلُ إلى ملكِ الجنَّةِ. وقيل ليوسفَ: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، ويقال للمؤمن: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]. وختمَ قصَّةَ يوسفَ بقولِه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، ويُقالُ للمؤمنِ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. * * *

стр. 4264

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش - جمال عبد الرحيم الفارس المجلد التاسع دار اللباب

стр. 4265

سورة الرعد

стр. 4266

سورة الرعد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي يعلمُ مَن أسرَّ القولَ ومَن جهرَ به، ومَن هو مستخفٍ باللَّيل وساربٌ بالنَّهار، الرحمنِ الذي بسطَ الرِّزق لمن شاء ويقدر، فهو الخالق الرَّازق الواحد القهَّار، الرحيمِ الذي وعدَ المتَّقين جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار. وروى أبيُّ بن كعبٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة الرَّعد كان له من الأجر وزنَ كلِّ سحابٍ مضى وكلِّ سحابٍ يكون عشرَ حسناتٍ، وبُعِثَ يومَ القيامة وهو من الموفِينَ بعهدِ اللَّهِ ورسولِه" (١). و (سورة الرَّعد) مدنيَّة في قول عكرمة والحسن وقتادة (٢)، ومكيَّة في قول ابن عباس ﵄ وعطاء ومقاتل وسعيد بن جبير (٣).

стр. 4267

وهذه السُّورة ثلاث وأربعون آية، وقيل: أربع وأربعون آية، وقيل: خمس وأربعون آية، وقيل: سبع وأربعون آية، والاختلافُ في خمس آياتٍ: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]، ﴿تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿سُوَءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨]، ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣]. وكلماتُها ثماني مئةٍ وثلاثٌ وخمسون، وحروفُها ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وخمسون. وانتظام أوَّل هذه السُّورة بآخر السُّورة الَّتي قبلَها: أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما في ذِكْرِ القرآنِ وصفتِهِ. وانتظام السُّورتَيْن: أنَّ (سورة يوسف) في تسلية النَّبيِّ ﷺ بما قصَّ عليه ما نال يوسفَ من الأذى من الأقارب؛ ليصبرَ هو على ما ينالُه من أذى الأجانب. وختم السُّورة بتكذيبِ الكفَّارِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وجحودِهم كتابَ اللَّهِ، وإعراضِهم عن التَّفكُّر في آيات اللَّه، وحذَّرهم العقوبةَ في الدُّنيا والآخرة. وذَكَرَ في هذه السُّورة أيضًا تكذيبَهم في آياتٍ، وصفةَ القرآن في آياتٍ، ونبَّههم على آياتِ وحدانيته في آياتِهِ، وحذَّرهم عقابَه، وأطمعَهم في ثوابِه في آياتٍ. * * * (١) - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿المَر﴾ مرَّت في تفسيرها أقاويلُ. وقيل: معناه: أنا اللَّه أعلم وأرى. وقيل: هي اسم هذه السُّورة.

стр. 4268

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: أي: هذه آيات القرآن، وهو كلامٌ تامٌّ. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾: كلامٌ آخر تامّ أيضًا، مبتدأ وخبر، ومعناه: وكلُّ ما أنزلَ اللَّه على لسانِ جبريلَ إليك فهو الحقُّ والصِّدقُ، لا كذبَ فيه ولا خُلْفَ. ووجهٌ آخر: أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ في محلِّ خفضٍ عطفًا على قولِه: ﴿الْكِتَابِ﴾، وتقديرُه: تلكَ آياتُ الكتابِ وآياتُ ما أنزلَ إليك، وهو كقولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، ثم قولُه تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: بيِّنُ الحقِّ، أو ذلك الحقُّ، كقولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]؛ أي: من الحقِّ أو ذاك (١) الحقُّ، وعلى هذا يكون ﴿الْكِتَابِ﴾ اسمًا للكتب المتقدِّمة، و ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الغائب، ويكون وصفًا لآيات الكتب (٢) أنَّها الحقُّ. وقيل: ﴿الْكِتَابِ﴾ ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ شيءٌ واحدٌ، وهو القرآن، وإنَّما عطف بالواو لأنَّ الموصوف واحد، ولكن له صفتان: كتابة، وإنزال. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لا يصدِّقون بأنَّه منزَل مِنَ اللَّهِ؛ لإعراضِهم عن التَّدبُّر فيه. قال مقاتل: هم مشركو مكَّة، قالوا: إنَّ محمَّدًا تقوَّلَ القرآنَ مِن تِلقاءِ نفسِهِ (٣). وقيل: هم أصناف الكفَّار، فهم الأكثرون عددًا، والأقلُّون خطرًا (٤). * * *

стр. 4269

(٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾: أي: خلقَها مرفوعةً، لا أنْ تكونَ موضوعةً فرفعَها، وقد مرَّتْ نظائرُه: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١) [الأنعام: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: وهي جمع عِمادٍ، ونظيرُه: الإهابُ والأَهَبُ. وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾: أي: تروْنَ السَّماءَ لا عَمَدَ لها، فهو أمرٌ مُعايَنٌ مُشاهَدٌ. وهو طريق الكلبيِّ ومجاهد (٢). وقيل: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ صفةُ العَمَد؛ أي: بغير عَمَدٍ مرئيَّة، ولها عِمادٌ غيرُ مرئيٍّ (٣)، وهو القدرة، واللَّه تعالى يمسكُها كذلك بقدرتِه، وكأنَّها عماد لها. وظاهرُ الآيةِ: بغير عَمَدٍ مرئيَّةٍ، وتحقيقُه: بعَمَدٍ غيرِ مرئيَّةٍ (٤)، فكلمةُ النَّفي مُقدَّمَةٌ في الذِّكْرِ، مُؤخَّرةٌ في المعنى، قال الشَّاعر:

стр. 4270

ولا أُرَاهَا تَزَالُ ظَالِمَةً... تُحْدِثُ لي قرحةً وتَنْكَؤُهَا (١) أي: أُرَاها لا تزالُ ظالمةً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّتَيْن، وهو هنا إخبارٌ عن جريِ (٢) الأمورِ كلِّها على ما قَدَّرَ وقضى. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلهما وجعلَهما طائعَيْن له، غيرَ ممتنعَيْن عليه، وقصَرَهما على سَنَنٍ واحدٍ لمنافعِ عبادِه ومصالحِ بلادِه؛ لِمَا يُوجَد بهما مِن الآثار في الحبوب والثِّمار. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: كلٌّ منهما يجري إلى وقتٍ مقدَّرٍ، فالقمرُ يقطعُ الفَلَكَ في شهرٍ، والشَّمس في سنةٍ، لا يختلفُ جريُهما، كما قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]؛ أي: بحسبانٍ معلومٍ لا (٣) يختلف. وقيل: كلٌّ يجري على ما سخَّرَهُ اللَّهُ إلى يوم القيامة، ثم ينتقِض، فتُكوَّرُ (٤) الشَّمس، ويُخسَفُ القمر، وتنكدرُ النُّجوم. وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: أي: يجري الأمورَ كلَّها على علمِ عواقبِها. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: يأتي بالآياتِ الدَّالة على وحدانيتِه وصدقِ رُسلِهِ فصلًا فصلًا؛ ليتمكَّن العبادُ مِن تدبُّر كلِّ آيةٍ على حِدة.

стр. 4271

﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لتوقنوا بالبعثِ بعدَ الموتِ، والمصيرِ إلى ثوابِه وعقابِه. ويقال لمن مات: لقي اللَّه. وقيل: هذه الآيةُ مِن جملةِ مئة وثمانين آية هي أجوبةٌ لسؤال المشركين رسولَ اللَّه ﷺ أنَّ الرَّبَّ الَّذي تعبدُه ما فِعْلُه؟ وما صنيعُه (١)؛ فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠]، ونظائرَها. وقال مقاتل وعطاء: الأجلُ المسمَّى: يومُ القيامة (٢). وقال ابن عباس ﵄: هو الشَّهر للقمر، والسَّنة للشَّمس (٣)، وفسرناهما. * * * (٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾: ذَكَرَ السَّماءَ وعجائبَها، ثمَّ الأرضَ كذلِكَ؛ دلالةً على ربوبيَّته ووحدانيَّته.

стр. 4272

و ﴿مَدَّ اَلْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطَها طولًا وعرضًا. وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابت، رَسا يَرْسُو رَسْوًا؛ أي: ثبتَ. ﴿وَأَنْهَارًا﴾: أي: جعل فيها أنهارًا جارية، فيها المياه العذبة وغير العذبة. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: وجعلَ فيها من كلِّ الثَّمرات. ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي: لونَيْن؛ أسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وصغيرًا وكبيرًا، ورطبًا ويابسًا، ونحو ذلك. وإنَّما أتبع ﴿زَوْجَيْنِ﴾ بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾ لمعنيَيْنِ: أحدُهما: أنَّ الزَّوْجَ قد يكون اسمًا للشَّفْعِ، وقد يكون اسمًا للفَرْدِ، فأتبعَه ﴿اثْنَيْنِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّه لم يُرِدْ به الشَّفع، ولكن أراد به اللون الفَرْد. والثَّاني: أنَّه للتَّأكيد؛ لتمكين المعنى في النَّفس. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطي، فيغشي النَّهارَ اللَّيلَ (١) فيُذْهِبُ ظلمَتَهُ، ويغشي اللَّيلَ النَّهارَ (٢) فيُذْهِبُ ضوءَهُ، وهو مختصرٌ في الذِّكْرِ مُرادٌ في المعنى، بدلالةِ نظائرِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١]، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه، فيعلمون بتعاقُبِه وتصرُّفِه على نظامٍ واحدٍ أنَّ له صانعًا عليمًا حكيمًا قادرًا، ليس كمثلِه شيءٌ، وأنَّ ذلكَ كلَّه إذا كان مخلوقًا لقِوام العباد اقتضى شكرَهم له على هذه النِّعم بإخلاصِ العبادةِ له.

стр. 4273

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: خلقَ اللَّهُ الأرضَ على الماءِ، فكانَتْ تَكَفَّأُ كما تَكَفَّأُ السَّفينة بأهلها، فأرساها اللَّهُ بالجبالِ حتَّى استقرَّتْ (١). وقال وهبُ: هذه الجبالُ الشَّامخة على وجهِ الأرضِ، طولُها في الأرضِ مثلُ طولها في الهواء، فلذلك سمَّاها أوتادًا. * * * (٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: أي: متلاصقاتٌ متقرِّبات، تربتُها واحدةٌ وماؤها واحد. ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾: عطف على قوله: ﴿قِطَعٌ﴾؛ أي: وفي الأرض بساتين مِن أعناب، وهي الكرومُ. ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو وعاصمٌ في رواية حفص كلَّها بالرَّفع عطفًا على قوله: ﴿قِطَعٌ. . . وَجَنَّاتٌ﴾. وقرأ الباقون كلَّها بالخفضِ عطفًا على قوله: ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (٢). والصِّنوانُ: هي النَّخلات الَّتي أصلُها واحد، وهو قول ابنِ عبَّاس والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة والحسن (٣).

стр. 4274

وهو كذلك في اللُّغة، والواحدة منها: صِنْوٌ، وكلُّ شجرةٍ صِنْوٌ لصاحبتِها إذا كان أصلُهما واحدًا. وقال النَّبيُّ ﷺ : "العبَّاسُ صِنْوُ أبي" (١)؛ أي: أصلُه وأصلُ أبي واحدٌ. وقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾: قرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عَمرو: ﴿تُسْقَى بماءٍ واحدٍ﴾ بالتَّاء الَّتي هي للتَّأنيث على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنُّون، ومعنى التَّأنيث: أنَّ المذكورات (٢) قبلَه جماعة، والنُّونُ إخبارُ اللَّهِ تعالى عن نفسِه بخطاب الملوك. قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿تُسْقَى﴾ بتاء التَّأنيث بإمالة، ﴿ويفضِّلُ﴾ بياء المغايبة وبكسر الضَّاد؛ إثباتًا للفعل الظَّاهر صفةً لـ ﴿اللَّهُ﴾ المذكورِ (٣) في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾.

стр. 4275

وقرأ عاصمٌ وابنُ عامر: ﴿يُسْقَى﴾ بياء التَّذكير على معنى: يُسْقَى ما ذُكِرَ، أو كلُّ واحدٍ ممَّا ذُكِرَ، ﴿وَنُفَضِلُ﴾ بالنُّون (١)؛ أي: إنَّ اللَّه تعالى يقول: ونحنُ نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأكل؛ أي: بالثَّمر. ويُقرأ: (ويُفَضَّلُ) بالياء وفتح الضَّاد على ما لم يُسمَّ فاعلُه (بعضُها) بالرَّفع؛ لأنَّه اسمُ ما لم يُسَمَّ فأعلُه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: مَن استعملَ عقلَهُ وتدبَّرَ -معَ سلامةِ العقلِ مِن الآفات المانعاتِ عن كمالِ النَّظر (٣) - علمَ أنَّ لذلكَ صانعًا هو فرَّقَ بينَهما وبينَ الجنس الواحد منهما مع اجتماعِها في المغرسِ (٤) والماءِ، فدلَّ على أنَّ ظهورها ليس بالتُّربة والماء؛ إذ لو كانَ كذلك لم تختلف الطُّعوم والمناظر، وذلك ظهورها بإنشاءِ اللَّهِ تعالى القادرِ على ما يشاء. وفي الآيةِ وجهٌ آخرُ عن الحسن ومجاهد: وذلك أنَّه مثالُ قلبِ المخاطَبِ، وذاك أنَّ اللَّهَ أنزلَ القرآنَ الذي هو حياة النَّاس في أديانهم، فيتفاضَلُ العبادُ فيه والقرآنُ واحدٌ كتفاوتِ الثِّمارِ والماءُ واحدٌ، ثمَّ ترى هذا (٥) أنه كما لو شاءَ سوَّى بينَ جميعِ الثِّمار، فكذلِكَ لو شاء لسوَّى بينَ قلوبِ العِبادِ، ولكنَّه بحكمِ
следующие страницы →