← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لتوقنوا بالبعثِ بعدَ الموتِ، والمصيرِ إلى ثوابِه وعقابِه. ويقال لمن مات: لقي اللَّه. وقيل: هذه الآيةُ مِن جملةِ مئة وثمانين آية هي أجوبةٌ لسؤال المشركين رسولَ اللَّه ﷺ أنَّ الرَّبَّ الَّذي تعبدُه ما فِعْلُه؟ وما صنيعُه (١)؛ فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠]، ونظائرَها. وقال مقاتل وعطاء: الأجلُ المسمَّى: يومُ القيامة (٢). وقال ابن عباس ﵄: هو الشَّهر للقمر، والسَّنة للشَّمس (٣)، وفسرناهما. * * * (٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾: ذَكَرَ السَّماءَ وعجائبَها، ثمَّ الأرضَ كذلِكَ؛ دلالةً على ربوبيَّته ووحدانيَّته.

стр. 4272

و ﴿مَدَّ اَلْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطَها طولًا وعرضًا. وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابت، رَسا يَرْسُو رَسْوًا؛ أي: ثبتَ. ﴿وَأَنْهَارًا﴾: أي: جعل فيها أنهارًا جارية، فيها المياه العذبة وغير العذبة. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: وجعلَ فيها من كلِّ الثَّمرات. ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي: لونَيْن؛ أسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وصغيرًا وكبيرًا، ورطبًا ويابسًا، ونحو ذلك. وإنَّما أتبع ﴿زَوْجَيْنِ﴾ بقوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾ لمعنيَيْنِ: أحدُهما: أنَّ الزَّوْجَ قد يكون اسمًا للشَّفْعِ، وقد يكون اسمًا للفَرْدِ، فأتبعَه ﴿اثْنَيْنِ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّه لم يُرِدْ به الشَّفع، ولكن أراد به اللون الفَرْد. والثَّاني: أنَّه للتَّأكيد؛ لتمكين المعنى في النَّفس. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطي، فيغشي النَّهارَ اللَّيلَ (١) فيُذْهِبُ ظلمَتَهُ، ويغشي اللَّيلَ النَّهارَ (٢) فيُذْهِبُ ضوءَهُ، وهو مختصرٌ في الذِّكْرِ مُرادٌ في المعنى، بدلالةِ نظائرِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١]، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه، فيعلمون بتعاقُبِه وتصرُّفِه على نظامٍ واحدٍ أنَّ له صانعًا عليمًا حكيمًا قادرًا، ليس كمثلِه شيءٌ، وأنَّ ذلكَ كلَّه إذا كان مخلوقًا لقِوام العباد اقتضى شكرَهم له على هذه النِّعم بإخلاصِ العبادةِ له.

стр. 4273

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: خلقَ اللَّهُ الأرضَ على الماءِ، فكانَتْ تَكَفَّأُ كما تَكَفَّأُ السَّفينة بأهلها، فأرساها اللَّهُ بالجبالِ حتَّى استقرَّتْ (١). وقال وهبُ: هذه الجبالُ الشَّامخة على وجهِ الأرضِ، طولُها في الأرضِ مثلُ طولها في الهواء، فلذلك سمَّاها أوتادًا. * * * (٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: أي: متلاصقاتٌ متقرِّبات، تربتُها واحدةٌ وماؤها واحد. ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾: عطف على قوله: ﴿قِطَعٌ﴾؛ أي: وفي الأرض بساتين مِن أعناب، وهي الكرومُ. ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو وعاصمٌ في رواية حفص كلَّها بالرَّفع عطفًا على قوله: ﴿قِطَعٌ. . . وَجَنَّاتٌ﴾. وقرأ الباقون كلَّها بالخفضِ عطفًا على قوله: ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (٢). والصِّنوانُ: هي النَّخلات الَّتي أصلُها واحد، وهو قول ابنِ عبَّاس والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة والحسن (٣).

стр. 4274

وهو كذلك في اللُّغة، والواحدة منها: صِنْوٌ، وكلُّ شجرةٍ صِنْوٌ لصاحبتِها إذا كان أصلُهما واحدًا. وقال النَّبيُّ ﷺ : "العبَّاسُ صِنْوُ أبي" (١)؛ أي: أصلُه وأصلُ أبي واحدٌ. وقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾: قرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عَمرو: ﴿تُسْقَى بماءٍ واحدٍ﴾ بالتَّاء الَّتي هي للتَّأنيث على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنُّون، ومعنى التَّأنيث: أنَّ المذكورات (٢) قبلَه جماعة، والنُّونُ إخبارُ اللَّهِ تعالى عن نفسِه بخطاب الملوك. قرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿تُسْقَى﴾ بتاء التَّأنيث بإمالة، ﴿ويفضِّلُ﴾ بياء المغايبة وبكسر الضَّاد؛ إثباتًا للفعل الظَّاهر صفةً لـ ﴿اللَّهُ﴾ المذكورِ (٣) في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾.

стр. 4275

وقرأ عاصمٌ وابنُ عامر: ﴿يُسْقَى﴾ بياء التَّذكير على معنى: يُسْقَى ما ذُكِرَ، أو كلُّ واحدٍ ممَّا ذُكِرَ، ﴿وَنُفَضِلُ﴾ بالنُّون (١)؛ أي: إنَّ اللَّه تعالى يقول: ونحنُ نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأكل؛ أي: بالثَّمر. ويُقرأ: (ويُفَضَّلُ) بالياء وفتح الضَّاد على ما لم يُسمَّ فاعلُه (بعضُها) بالرَّفع؛ لأنَّه اسمُ ما لم يُسَمَّ فأعلُه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: مَن استعملَ عقلَهُ وتدبَّرَ -معَ سلامةِ العقلِ مِن الآفات المانعاتِ عن كمالِ النَّظر (٣) - علمَ أنَّ لذلكَ صانعًا هو فرَّقَ بينَهما وبينَ الجنس الواحد منهما مع اجتماعِها في المغرسِ (٤) والماءِ، فدلَّ على أنَّ ظهورها ليس بالتُّربة والماء؛ إذ لو كانَ كذلك لم تختلف الطُّعوم والمناظر، وذلك ظهورها بإنشاءِ اللَّهِ تعالى القادرِ على ما يشاء. وفي الآيةِ وجهٌ آخرُ عن الحسن ومجاهد: وذلك أنَّه مثالُ قلبِ المخاطَبِ، وذاك أنَّ اللَّهَ أنزلَ القرآنَ الذي هو حياة النَّاس في أديانهم، فيتفاضَلُ العبادُ فيه والقرآنُ واحدٌ كتفاوتِ الثِّمارِ والماءُ واحدٌ، ثمَّ ترى هذا (٥) أنه كما لو شاءَ سوَّى بينَ جميعِ الثِّمار، فكذلِكَ لو شاء لسوَّى بينَ قلوبِ العِبادِ، ولكنَّه بحكمِ

стр. 4276

رُبوبيَّتِهِ فاوتَ بينها، فَمِنْ متكبّرٍ معرضٍ عنه، ومنْ متدبِّرٍ مستنبطٍ منه (١). وانتظامُها بالأولى على هذا التَّأويل: أنَّه جعلَ الأرضَ وما فيها آياتٍ لقومٍ يتفكَّرون، وأخبر في هذه الآية أنَّ النَّاس يتفكَّرون، وفي التَّفكُّر يتفاوتون؛ فمنهم مَنْ لا يتفكَّرُ، ومنهم مَنْ يتفكَّرُ ولا يستقصي فلا يجني ثمارَه، ومنهم يستقصي فيه فيُرْزَق استكثاره. وهو كقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. ثم ذَكَرَ في كلِّ آيةٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ على الجمع؛ لأنَّ في الشَّيء الواحد آياتٍ ودلائلَ وبيِّناتٍ، فالسَّماء تدلُّ على أنَّ لها صانعًا، وعلى أنَّ صانعَها قديم، وأنَّه قديرٌ مدبِّرٌ مختارٌ مريدٌ واحدٌ، لا شريكَ له، حتَّى يفضي ذلك إلى إثباتِ جميع الصِّفات، وإلى إثبات النُّبوَّات، والبعثِ بعدَ الممات، والثَّواب والعقاب. وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: فمِن سبخٍ وسهل وحجر ورمل أنواعٌ مختلفةٌ وأزواج متَّفقة، وزروع ونبات، وأشجار أشتات (٢)، أصلُ كلِّ واحدٍ مِن أشجارِها حبَّة متماثلة الأجزاء، متشاكلة الأبعاض، فإذا أنبتَها جعلَ بعضَها عِرقًا (٣)، وبعضها جِذْعًا، وبعضها غصنًا، وبعضها أوراقًا، وبعضها أزهارًا (٤)،

стр. 4277

وبعضها قشرًا، وبعضها لُبًّا، ثمَّ لكلِّ واحدٍ طعمٌ مخصوصٌ، ولونٌ مخصوصٌ، وطبعٌ مخصوصٌ (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وقولُه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ يبطلُ قولَ مَن تأوَّل قوله ﵊: "الجارُ أحقُّ بِشُفْعَتِهِ" (٢): أنَّ المرادَ به: الشَّريك؛ لأنَّه ذَكَرَ التَّجاوُرَ صفةً للقِطَعِ، فإذا كانَتِ الأرضُ واحدةً فلا تكون متجاورةً، بل التَّجاورُ للقِطَعِ المفرَزة المتلازقة، فدلَّ أنَّ المرادَ بالحديثِ هو الجار المتلازق دون الشَّريك (٣). * * * (٥) - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾: أي: وإنْ عجبْتَ يا محمَّدُ مِن إنكارِ هؤلاءِ للإعادةِ مع إقرارِهم أنِّي أنا الخالقُ لِمَا قدَّمْتُ ذِكْرَه مِن السَّماء والأرضِ وعجائبِ ما فيهما، وأنِّي أنا المخترع (٤) للثِّمار المختلفة مِن الأرضِ الواحدةِ، بل مِن الحبَّةِ الواحدةِ ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾؛ أي: فقد وضعتَ (٥) بالتَّعجُّب في موضعِه؛ لأنَّهم أقرُّوا بقدرتي على ابتداء هذه الأشياء، ثمَّ أنكروا إعادتها، والَّذي أنكروا قدرتي عليه أولى أن يكون مقدورًا عليه مما أَقَرُّوا بقدرتي عليه.

стр. 4278

ووجهٌ آخرُ: أنَّ الكفَّار كانوا صنفَيْنِ: قوم منهم ينكرون الصَّانع، ومنهم مَن كان يُثْبِتُ الصَّانع وينكر البعث، فاحتجَّ على منكرِي الصَّانع بهذه الآيات الدَّالة على قدرته ووحدانيتِه، ثمَّ قال لنبيِّه: وإنْ تعجبْ مِن إقامة هؤلاء على الإنكارِ مع قيام الدَّلائل على إثباته ووحدانيته وقدرتِه، فاعجَبْ مِن الذين يقرُّون بالابتداءِ، ثمَّ يُنكرون الإعادة ويقولون: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرو وعاصم وحمزة بالاستفهام فيهما جميعًا، إلَّا أنْ عاصمًا وحمزة يهمزان همزتين، وقرأ نافعٌ والكِسائيُّ بالاستفهام في الأوَّل والخبر في الثَّاني، إلَّا أنَّ الكسائيَّ يهمز همزتين، وقرأ ابنُ عامر على الخبرِ في الأوَّل والاستفهام في الثَّاني رواية (١). وقال الزَّجَّاج: تقديرُه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ نُبعث، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: بعدَ أنْ صرنا ترابًا نُحيَى ونُعاد خلقًا جديدًا كما كنَّا أوَّل مرَّة (٢). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: وإنْ تعجَبْ مِن قولِهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] يعنونَ بعثَكَ رسولًا، فاعجَبْ أيضًا مِنْ قولِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ (٣). ثمَّ العَجَبُ منَّا (٤) يكونُ بظهورِ ما لم يكن في الوَهْم، ولا يجوز ذلك على اللَّهِ تعالى، فإنْ حُمِلَ على الحقيقةِ فهو على تعجُّبِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: وإنْ تعجَبْ مِن إنكارِهِم رسالتَك فتعجَّبْ مِن إنكارِهِم البعثَ أيضًا، وإنْ تعجَبْ مِنْ إنكارِ بعضِهم الصَّانعَ فتعجَّبْ مِنْ إنكارِ المقرِّيْنَ به البعثَ.

стр. 4279

وإنْ جعلْتَ معنى قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ مِن اللَّه تعالى فمعناه الإنكار؛ أي: أنكرْتَ أنتَ مِن هؤلاء كذا، فقد أنكرَ اللَّهُ منهم قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾. وكشفُ هذا الكلام: أنَّ العجبَ منَّا يكون في موضعَيْن: في الإساءة ممَّنْ يلزمُه الإحسان، فتقول: عجبْتُ مِن فلانٍ؛ أحسنْتُ إليه طولَ الزمان (١) فأساءَ إليَّ! وهو غايةُ الكراهةِ والإنكار (٢). وفي الإحسان ممن كان لا يُتوقَّع منه ذلك، فتقول: عجبْتُ مِنْ فلانٍ قامَ بأموري وأحسنَ إليَّ، وما كان منِّي إليه شيءٌ يقتضي ذلك! ويكون ذلكَ غايةَ الرِّضا والحمد. فوردَتْ هذه اللَّفظة في هذَيْن الموضعَيْن في صفةِ اللَّه تعالى على إرادة هذَيْن المعنيَيْن، قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تعالى ليعجَبُ مِنَ الشَّابِ ليسَتْ له صَبْوة" (٣)؛ أي: يرضى عنه غايةَ الرِّضا. وقال في هذه الآية: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، وقال في (سورة الصَّافات): ﴿بَلْ عَجبْتُ

стр. 4280

وَيَسْخَرُوْنَ﴾ على قراءة الضَّم (١)، وهو غاية الإنكار (٢) والكراهة، وهو مجازٌ على إرادةِ منتهى الأمر دون مَبدئِهِ. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾؛ أي: كفروا بإنكار البعث بربِّهم الذي هم يُقرُّون أنَّه (٣) خالقُهم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: أي: يومَ القيامة، فإنَّه مِن عقوبةِ أهل النَّار، قال تعالى: ﴿إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، ولم يذكر الأيدي مع الأعناق، وإنْ كان الاستعمال على هذا الوجه أنْ تكونَ الأيدي مجموعة إلى الأعناق؛ لأنَّه معقولُ (٤) المعنى، فوقعَ الاكتفاء بذِكْرِ أحدِهما عن الآخر. وقيل: إنَّهم ممنوعون (٥) عن الإضرار بكَ، وإيصال المكروه إليك، وأنتَ معصومٌ عنهم، لا سبيلَ لهم إلى مَسِّكَ بسوءٍ، كالمغلول يداه إلى عنقه. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكرَ (أولئك) ثلاثَ مرَّاتٍ، والمراد به: هؤلاء، وجازَ ذلك لأنَّه مَضى (٦) الخبر عنهم، فجازَتْ الإشارةُ بـ (أولئك). * * *

стр. 4281

(٦) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: أي: ومِن عِظَمِ جهالتِهم أنَّهم -مع إصرارِهم على الشِّرك ومعاندتهم النَّبيَّ ﷺ يَدْعون اللَّهَ تعالى بإنزالِ العذابِ عليهم. نزلَتْ في النَّضر بن الحارث بن علقمة بن كَلَدة بن قصي قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] (١). وقوله تعالى: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بالعذاب. وقوله: ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: الإيمانِ والطَّاعة الذي يُدْفَع به العذاب، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الآية ﴿القصص: ٨٤]. وقيل: ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: العفو والإهمال. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمِل أن يكون معناه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ منهم إليك؛ أي: الإيذاء ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ منهم إليك، وهي القَبول والتَّصديق (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: العقوبات (٣). وقال قتادة: وقائع اللَّه في الأمم الخالية (٤).

стр. 4282

وقال الكسائيُّ: الأمثال (١). وقال الأخفشُ: النَّظائر والأشباه، يعني: في العذاب. والمَثُلات في اللُّغة: العقوبات الَّتي تَزجرُ عن مثل ما وقعَتْ لأجله؛ أي: قد مضَتْ قبلَ هؤلاء وقائعُ اللَّهِ في الأمم الخالية. أو قالوا لأنبيائهم: ائتونا بعذابِ اللَّهِ، إذا أصرُّوا على كفرهم واقترحوا الآيات، فعُذِّبَ بعضُهم بالمسخ، وبعضُهم بالخسف، وبعضهم بالقذف (٢)، وبعضُهم بالظُّلَّة، وهؤلاء قد تقرَّر علمُهم بذلك، فكيف يستعجلونك به وليس معهم إيمانٌ يعتصمون به؟ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: قال السُّدِّيُّ: يعني: المؤمنين ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يعني: على الكافرين (٣). قال بعضُ أهل العلم: هي أرجى آيةٍ في كتاب اللَّه تعالى، حيثُ ذَكَرَ المغفرةَ مع الظُّلم، وهو بدون التَّوبة، فإنَّ التَّوبة تزيلُ العقوبة (٤) وترفعُها. وقيل: هما جميعًا في حقِّ المؤمن، وهو معلَّق بالمشيئة فيهما، ومعناه: يغفرُ لمن يشاءُ، ويعذِّب مَن يشاء، وهو ترغيبٌ وترهيبٌ، وإطلاقُه كإطلاقِ قولِه تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].

стр. 4283

(٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هي الآية المقترحة. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: أي: مبعوثٌ لتحذِّرهم العذابَ، لا مريدٌ لهلاكِهم، ولا مستعجِلٌ بعذابِهم، ولا مالكٌ لعقابِهم. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: أنت نذيرٌ لهم، داعي الخلقِ إلى الحقِّ، وكذلك كان الأنبياء قبلك أوَّلًا (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: داعٍ إلى الحقِّ (٢). وقال الزَّجَّاجُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: هو يدعوهم بما يُعطَى مِنَ الآيات، لا بما يتحكَّمون به (٣). وقال مجاهد وقتادة: وهو نبيُّ كلِّ أمَّة (٤). وقال الحسن وقتادة في روايةٍ وأبو الضُّحى وعكرمة: الهادي محمَّد رسول اللَّه (٥).

стр. 4284

وقال ابن عبَّاس ﵄ في رواية وسعيد بن جبير ومجاهد والضَّحَّاك: الهادي هو اللَّه تعالى، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وأنا الهادي دونَك (١). نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والمرادُ: إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكلِّ قوم (٢). * * * (٨) - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾: يَنتظِمُ بقولِه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الرعد: ٢]، وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣]. ووجهٌ آخرُ: أنَّه خطاب للمتعجِّلين، وتعريفٌ لهم أنَّ اللَّهَ لا يدعُ حكمتَه باستعجالِهم، ولا يخفى عليه وجهُ الصَّلاح، فإنَّه الَّذي يعلمُ ما تحملُ كلُّ أنثى: أذكرٌ هو أم أنثى؟ أبيضُ أم أسودُ؟ واحدٌ أو أكثرُ؟ ناقصٌ أم تامٌّ؟ ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: أي: ما تنقصُ، غاضَ يغيضُ، لازمٌ ومتعدٍّ، وكذلك غاضَ الماءُ وغاضَه اللَّه؛ أي: غار، وأغاره (٣) اللَّه، قال تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤].

стр. 4285

وقال الحسن: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾؛ أي: تنقص عن تسعة أشهر، فتضع الولدَ لستَّة أو لسبعة أو لثمانية ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ على تسعة (١). وقال الرَّبيع بن أنس: أي: تزداد على الولد الواحد إلى أربعة، ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾ هو السَّقط (٢). وقال ابن كيسان: ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾؛ أي: تنقص من أعضاء الولد كالمُخدَج وما أشبهه من نقصان يد أو أصبع، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ على الأعضاء كزيادة أصبع أو نحوها. وقيل: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾؛ أي: تذهِبُ الماءَ فلا تحمل، وتكون عقيمًا، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: فتحملُ وتلدُ الأولاد. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: جعلَ لكلِّ شيءٍ مقدارًا معلومًا مِن الخَلْقِ والرِّزقِ والأجلِ والعمل، فلا معنى لاستعجالهم بالعذاب. * * * (٩) - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾: نعت قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾. وقيل: أي: هو عالمُ الغيب والشَّهادة. وقال الحسن: أي: عالم السِّرِّ والعلانية (٣). وقيل: أي: هو عالمٌ بما غابَ عن الخلق وما شاهدوه، لا يخفى عليه شيءٌ منه.

стр. 4286

﴿الْكَبِيرُ﴾ في شأنِه وقدرته وسلطانِه وكلِّ صفاتِه ﴿الْمُتَعَالِ﴾: عمَّا لا يليقُ به. وقال الحسنُ: المتعالي عمَّا يقول المشركون (١). وقال القشيريُّ ﵀: أحاطَ الحقُّ سبحانَه بالمعلوماتِ عِلمًا، وأمضى في الكائنات حكمًا، فلا معلومَ يَعْزُبُ عن علمِه، ولا مخلوقَ يخرجُ مِن حكمِه، تعالى عن سمات النَّقص، وتقدَّس عن صفات العيب (٢). * * * (١٠) - ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾: أي: أخفاه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾؛ أي: رفعَ به صوته ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: متوارٍ. ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ذاهب (٣). وقال الضَّحَّاكُ: ظاهرٌ (٤). وقال مقاتل بن حيَّان: خارجٌ (٥). وقال مقاتل بن سليمان: منتشر (٦).

стр. 4287

وقال الكسائيُّ: أي: راكب رأسَه (١). وقيل: سالكٌ في سَرَبِهِ يتسرَّب في مذاهبه (٢)؛ أي: يضطرب في طرقه. وهذه الأقاويل متقاربة (٣)، وهي في اللُّغة: جريانٌ في خروجٍ بسرعة، وقيل: ذهاب على الوجه. وقد سَرَبَ سُرُوبًا، وانْسَرَبَ انْسِرابًا. قال الحطيئة (٤): وكلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فَحْلِهِمْ... ونحنُ حللْنَا قيدَهُ فهوَ سارِبُ (٥) وقال الحسن: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: مستترٌ بالنَّهار (٦). وقال الزَّجَّاج: هو جائز في اللُّغة، يقال منه: سَرَبَ الوحشُ وانسَرَبَ: إذا دخلَ كناسَه (٧). تمدَّح سبحانَه في هذه الآية بسمعِه وبصرِه كما تمدَّح في الآية الأولى بعلمِه

стр. 4288

فقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ فليسَ قولٌ عندَه أخفى مِن قولٍ، وليسَ سمعُه كسمع المخلوق الَّذي يَخفى عليه ما بَعُدَ مِن سمعِه، ويَفهمُ ما قَرُبَ منه، وسواءٌ عندَه في الرُّؤية مَن هو مستَخْفٍ باللَّيل ومَن هو ظاهرٌ بالنَّهار. وقيل: تقديرُه: ومَن هو مستخفٍ باللَّيل ومَن هو ساربٌ بالنَّهار، فترك (مَن) في (١) الثَّاني اختصارًا (٢) لدلالة الماضي عليه. وقيل: بل معناه -أي: الاستخفاء والسُّروب- صفةُ الواحد لا الاثنين (٣)، والمرادُ به أَنَّه (٤) تستوي حالتا هذا الرَّجل في علم اللَّه، بخلافِ قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾؛ لأنَّهما صفتا رجلَيْن. وقال القشيريُّ: سِيَّان منكم مَن خاطَبَنا بلسانِه بوصف الدُّعاء جهرًا، ومَن خاطبَنا بقلبِهِ ببيانِ النَّجوى سِرًّا، لكلِّ واحدٍ منهما إجابةٌ منَّا إذا ساعدَتْهُ المشيئةُ ووافقتْهُ القضيَّة. وقيل: سواءٌ في علمِ اللَّه ورؤيتِهِ وسمعِهِ المُسِرُّ والذي يجهرُ، والذي يَكمن (٥) والذي يَظْهَر، فالبصرُ متناولٌ للكلِّ، والعلمُ شاملٌ للجميع، والحكمُ جارٍ على الكافَّة. وقيل: نزولها في عمير بن وهب (٦) الجُمحيِّ، كان جُرِحَ يومَ بدرٍ وهو مع الكفَّار جرحًا مخوفًا، وعالج وبرأ، وقال يومًا وهو مع صفوان بن أميَّة وهو في حِجْر

стр. 4289

الكعبةِ: لولا عيالي ودينٌ عليَّ لتولَّيْتُ قتلَ محمَّدٍ، قال صفوانُ: وكيف تصنع؟ قال: أراعي وحدته فأقتله بسيفي غِيلةً وأهرب، فقال صفوان: دَينُكَ عليَّ، وعيالُك مع عيالي، فافعل هذا. فاتَّخذَ وهبٌ سيفًا وسمَّه، ودخل مع صفوان بينَ (١) باب الكعبة والسِّتر، وعاهدَه على ذلك. فقال صفوان: كيف تسير إليه واللَّه يخبرُه بمسيرك؟ فقال: أستخفي باللَّيل؛ أي: أسيرُ في ظلمته، وأسربُ بالنَّهار؛ أي: أدخل السرب. وكان ذلك عقيدةُ بعضِ الكفَّار في أنَّ العبد قد يتستَّر عن اللَّه بمثل هذا. ولَمَّا وصل إلى المدينة ودخلَها راَه عمرُ ﵁، فقال للصَّحابة: إنِّي رأيْتُ وهبًا قد قدم، فرابني قدومُه، وهو رجل غادر، فاحرسوا (٢) رسولَ اللَّهِ ﷺ عنه. ولَمَّا رآه النَّبيُّ ﷺ قال له: "ما أقدمَكَ؟ "، قال: جئْتُ أفادي الأسارى، فقال النَّبيُّ ﷺ : "فلمَ تقلدْتَ السَّيفَ؟ "، فقال: يا محمَّد، أَمَا إنَّا حملنا السُّيوف يومَ بدرٍ فلَمْ نُفلح، فقال ﷺ : "وما الَّذي قلْتَ لصفوان في الحِجْر: لولا عيالي ودَيني لتولَّيْتُ قتلَ محمَّدٍ بيدي؟ " فقال وهبٌ: ما قلْتَ يا محمَّد؟ أعدْهُ عليَّ. فأعادَ، فقال: كنَّا نكذّبُكَ في أخبار الأرض، فالآن أخبَرْتَنا بخبر السَّماء، هذا أمرٌ لم يطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن النَّاس، وما أطلَعَكَ عليه إلَّا اللَّهُ بوحيٍ مِن السَّماء، ثمَّ قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه، وأشهدُ أنَّك عبدُه ورسولُه (٣).

стр. 4290

قال الضَّحَّاك: وفيه نزلَتْ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ الآية (١). * * * (١١) - ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾: قال الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير والضَّحَّاك وأبو صالح وإبراهيم: أي: للَّه ملائكة يتعاقبون (٢) باللَّيل والنَّهار (٣). ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: أي: مِن بينِ يدَي (٤) هذا الذي هو مستَخْفٍ باللَّيل وساربٌ بالنَّهار. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: أي: مِن وراء ظهرِه؛ أي: عليه حفظةٌ مِن الملائكةِ حولَه.

стр. 4291

﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: قال الحسنُ وقتادة: أي: بأمر اللَّه (١). كما يُقال: أجابك مِن دعائِكَ؛ أي: بدعائك. وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: الملائكة هم مِن أمرِ اللَّه (٢). وقال مجاهد وإبراهيم: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من الجنِّ والهوامِّ (٣). وسمى الجنَّ مِن أمرِ اللَّهِ لأنَّها لا تُرى؛ كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقيل: أي: مِن عذابِ اللَّهِ، كما قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٥٨]. وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: لأمرِ اللَّهِ، كما قال: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]؛ يعني: أنَّ هذا المستخفيَ والسَّارب إنَّما يمتنِعُ مِن نزولِ العقوبةِ به مع قبيحِ فعله لِمَا وكَّلَ اللَّهُ تعالى به من (٤) الحفظة، لا أنَّه يمتنع بقوَّة نفسه (٥)، أو لمكانةٍ له عند ربِّه، أو لخفاءِ أحوالِه وأفعالِه على اللَّه تعالى، ولكن يؤخِّر إزالةَ نعمتِه وعافيتِه عنه وإنزالَ عقوبتِه وسطوتِه به إلى أنْ يغيِّروا هم ما بأنفسهم بالإصرار على الفساد، والإقامة على الكفر، فتزول المعقِّبات، وتنزل العقوبات. وقال كعب: لولا أنَّ اللَّه وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخطِّفتم (٦).

стр. 4292

وقيل: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾؛ أي: للَّذي أسرَّ القول. . . إلى آخره. وقيل: أي: للَّه معقِّبات بينَ يدَي الرَّسول المصطفى محمَّد ﷺ ومِن خلفِه؛ أي: وللرَّسول معقِّبات، فقد سبقَ ذكرُه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾؛ أي: حفظةٌ يحفظونَه بأمرِ اللَّهِ ممَّنْ يريدُ به سوءًا، أو يهمُّ فيه بمكروهٍ مِن قتلٍ أو غيرِه. أو يرجع إلى جميع الرُّسل، فقد قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾؛ أي: ولكلِّ قومٍ هادٍ وكَّل اللَّهُ به مَن يحفظُه. والمعقِّبات: إنَّما جُمِعَ بالألفِ والتَّاء مع أنَّ الملائكةَ ذكران لأنَّه جمع الجمع، مَلَكٌ معقِّبٌ، وطائفةٌ منهم معقِّبةٌ، وطوائِفُ منهم معقِّبات، وهو كالرَّجل والرِّجال والرِّجالات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾: أي: من نعمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بالكفران. قال ابنُ عبَّاس: إذا أنعمَ اللَّهُ على قومٍ بنعمةٍ فشكروها ولم يَكْفرُوها زادَ لهم تلك النِّعمة وأدامَها عليهم، وإذا لم يشكروها وتلقَّوها بالكُفْران سلبَها عنهم وابتلاهم بضدِّها (١). وفيه يقول الشَّاعر: لم يشكروا نعمةَ ما خُوِّلوا... فبدَّلوا المالحَ بالعذْبِ صاحَ بهمْ مِنْ بينِهم صائحٌ... شتَّتَهُم في الشَّرْقِ والغَرْبِ (٢)

стр. 4293

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾: أي: وإذا حقَّتْ كلمةُ العذابِ على هؤلاءِ الَّذين غيَّروا ما بأنفسِهم، وحانَ وقتُ حلولِ النِّقمة بهم، وكانوا أهلًا لذلك ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: فلا يقدرُ أحدٌ على ردِّهِ عنهم، فزالَ عنهم المعقِّبات. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: أي: ما لهؤلاء القومِ أحد دونَ اللَّهِ يليهم ويلي أمرهم؛ أي: لا يعافيهم (١) إلَّا اللَّه، ولا أحد يملكُ أمرهم إلَّا اللَّه، فلا مانعَ ولا دافعَ ولا رافعَ ولا شافعَ. * * * (١٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: تَنتظِمُ بما قبلَها في بيان قدرةِ اللَّهِ تعالى على ما يشاء. وقيل: نزلَتْ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ هذه الآية وما بعدها في أربد بن قيس، أخي لبيد بن ربيعة الشَّاعر لأمِّه (٢)؛ جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ مريدًا له سوءًا، فعلمَ بذلكَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فخرجَ أربدُ فأرسلَ اللَّهُ عليه في طريقِهِ صاعقةً فقتلَتْهُ (٣).

стр. 4294

فتوعَّدهم اللَّهُ تعالى بهذا، ودلَّهم به على قدرتهِ وعَجْزِ آلهتِهم عن مثلِه، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾؛ أي: اللَّهُ هو الذي يريكم -معاشرَ عبادِه- البرقَ في السَّماء ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر، يخافُ أذاهُ لِمَا ينالُه مِن مطرٍ إنْ كانَ عقيبه ﴿وَطَمَعًا﴾ للحاضر، المعنى: أنْ يكونَ عقيبه مطرٌ فينتفعُ به. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿خَوْفًا﴾ من العذاب، ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر، ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم (٢). وقال قتادة: ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر يخافُ أذاه ومعرَّته، ﴿وَطَمَعًا﴾ للمقيم يرجو بركته ومنفعته (٣). وقيل: ﴿خَوْفًا﴾ مِن هولِه وصواعقِه ﴿وَطَمَعًا﴾ في مطرِه. والرَّعدُ والبرقُ فيهما أقاويلُ كثيرة ذكرناها في (سورة البقرة). وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: أي: ينشئ ويبدئ، والسَّحابُ هنا جمعُ سحابةٍ، ولذلك قال: ﴿الثِّقَالَ﴾ على الجمع؛ أي: الثِّقال بالمطر، وهو واحدٌ في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ [الروم: ٤٨]. * * *

стр. 4295

(١٣) - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: قال شَهْرُ بنُ حَوْشَبُ: الرَّعدُ مَلَكٌ، وصوتُه: سبحانَ ربِّيَ العظيم (١). وقال الضَّحَّاكُ: الرَّعدُ: مَلَكٌ، والبرقُ: سوطٌ (٢) مِن نورٍ، يزجرُ به السَّحاب (٣). وقال النَّبيُّ ﷺ : "ينشئ اللَّهُ السَّحاب، فينطق أحسنَ النُّطْقِ، ويضحكُ أحسنَ الضِّحك، فمنطقُه الرَّعْدُ، وضحكُهُ البرقُ" (٤). وقال ابن عبَّاس ﵄: الرَّعدُ مَلَكٌ يسوقُ السَّحاب، والصَّوتُ الَّذي تسمعون هو زجرُه السَّحاب (٥).

стр. 4296

وقال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: الرَّعد: الرِّيح، والبرقُ: النَّار، وهي مخاريق الملائكة (١). وقال أبو الجَلْدِ: الرَّعدُ: الرِّيح، والبرقُ: الماءُ (٢). وقال بعضُ أهل اللُّغة: الرَّعدُ: الصَّوت، والبرقُ: نارٌ، يكونان مع السَّحاب. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾: وقال مقاتل بن سليمان: ميَّزَ اللَّه بينَ الرَّعدِ وبينَ الملائكةِ، كما ميَّزَ بينَ جبريل وميكائيل وبين الملائكة، وكما ميَّزَ بينَ الفاكهة وبين النَّخل والرُّمَّان (٣). وقيل: الرَّعدُ: اصطكاكُ أجرامِ السَّحاب، وتسبيحُهُ: دلالتُه على وحدانيَّة اللَّهِ تعالى وتنزيهِه عن كلِّ سوءٍ، وهو كقولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في الآية: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: يحتملُ: خوفًا لأهل البنيان، ﴿وَطَمَعًا﴾ لأهل الأنزال. ويحتمل: طمعًا في وقت المنفعة، وخوفًا في غير وقت المنفعة، ﴿خَوْفًا﴾ من نزوله، طَمَعًا في مضيِّه.

стр. 4297

ويحتمل: ﴿خَوْفًا﴾ موعودًا، ﴿وَطَمَعًا﴾ موعودًا؛ لأنَّ البرقَ نورٌ ونارٌ، فالنُّور يُطمِعُ في النُّور الموعود في الجنَّة، والنَّارُ يخوِّفُ مِنَ النَّار الموعودة في جهنَّم. وقال في قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: قال أبو عوسجة: أي: يرفع. وقال في قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أقبلَتِ يهودُ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرَّعد ما هو؟ قال: "ملَكٌ مِن الملائكة موكَّلٌ بالسَّحاب معه مخاريق مِن نار، يسوق بهِ السَّحاب حيثُ شاءَ اللَّهُ"، فقالوا: ما هذا الصَّوت الَّذي نسمع؟ قال: "زجرُه السَّحاب إذا زجرَه انتهى (١) إلى حيث أُمِرَ"، قالوا: صدَقْتَ (٢). فإنْ ثبتَ هذا فهو هو. قال: وقيل: الرَّعدُ: ملَكٌ يسوقُ السَّحاب، وإذا شذَّتْ (٣) سحابةٌ ضمَّها، فإذا اشتدَّ غضبُه طار (٤) مِن فيه النَّار، فهي الصَّواعق. قال: وقال بعض الفلاسفة: هو ريحٌ مختنقٌ تحتَ السَّحاب. قال: وأيَّ شيءٍ كانَ فالتَّسبيح مُحْتَمَلٌ مِن كلِّ شيءٍ، فيَحْتَمِلُ تسبيحَ الخلقة، وجعلَ في كلِّ شيء حمدَ صانعِه وبراءةَ مُنشئِه مِن كلِّ ما وصفَتْه الملاحدة. فالأقاويل فيه كثيرة، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجةٌ سوى أَنَّه هولٌ هائلٌ يهولُ الخلقَ ويذكِّرُهم سلطانَه وعظمتَه، ولولا أنَّهم اعتادوا ذلك وإلَّا لم تقمْ (٥) أنفسُهم لسماع ذلك.

стр. 4298

وقال في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾: له وجهان: أحدهما: أنَّه خوفُ عقوبتِه؛ لأنَّه قد جاء فيهم (١) الوعيد؛ قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. والثَّاني: خوفُ هيبتِه؛ لأنَّه وصفَهم بالطَّاعة والاستسلام، والعملِ على الدَّوام، وخوفُ الهيبة لا يزولُ في الآخرة، وخوفُ العقوبة يزولُ (٢). وقال القشيريُّ ﵀: إذا أُنشِئَتِ السَّحابةُ في السَّماء أظلمَ الجوُّ في الوقتِ، ولكنَّه يَعقبه بعدَ ذلك ضحكُ الرَّياحين، وما لم تبكِ السَّماء لا تضحكُ الرِّياض. فكذا يُنْشِئُ في القلبِ سحابةً للطَّلب، فيحصل للقلب تردُّدُ الخاطر، ثمَّ يلوح وجهُ التَّحقيقِ فتضحكُ الرُّوح بفنون راحات الأُنْس، وصنوف أزهار القُرْب (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾: جمعَ صاعقةٍ، وهي نارٌ تسقطُ مِن السَّماءِ هائلةٌ، لها صوتٌ يقتلُ، فتقتلُ مَن تُصيبُه أو تُدْهِشُه. وقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾: أي: وهؤلاء المشركون -مع علمِهم بأنَّ اللَّهَ خالقُ هذا الرَّعدِ وما فيه مِن الخوفِ والطَّمع- لا يُخلصون العبادةَ للَّهِ، بل ﴿يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: يخاصمونَ النَّبيَّ ﷺ والمؤمنين فيه، فمرَّةً يقولون: أآلهتنا خيرٌ أم هو؟ ومرَّة يقولون: صِفْ لنا ربَّك، على ما رُوِيَ أنَّ عامر بن الطُّفيل قال للنَّبيِّ ﷺ : أخبرني عن إلهك، مِن أيِّ جنسٍ هو؟ مِن جميع

стр. 4299

أجناس الآلهة، أم مِن خشبٍ، أم حديدٍ، أم رصاص، أم شَبَهٍ، أم صُفرٍ، أم ذهب، أم فضَّة؟ فأرسلَ اللَّهُ عليه صاعقةً نفخته فذهب (١). وقيل: نزلَتْ في أربد بن قيس أخي لبيد بن ربيعة لأمِّه، وذلك أن عامر بن الطُّفيل أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال له: ما تجعل لي مِن أمرِكَ إنْ أسلمْتُ؟ فقال: "أجعلُ لكَ الوبر"، فقال: أليس ذلك لي؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "فما تريد أنْ أجعلَ لكَ (٢)؟ " قال: اجعل لي الأمر بعدَك، فقال: "ذلك إلى اللَّه تعالى"، فقال: فاجعلني على أعنَّة الخيل، فقال: "ليس ذلك إليَّ"، فغاظه ذلك فقال لأربد بن قيس: اكفني أمرَ محمَّد أو أكفيك أمره، قال: ما تريد (٣)؟ قال: اشغلْهُ بالحديثِ حتَّى أقتلَه، فأجابه إلى ذلك، فجاء عامرٌ فشغلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فجاء أربدُ مشتملًا على سيفِه ليضربَه، واختلفوا فيما بعد هذا: فمنهم مَن قال: شُلَّتْ يدُه. ومنهم مَن قال: استمسكَ السَّيف في القراب فلم يقدر على سلِّه.

стр. 4300

ومنهم مَن قال: كُفَّ عن رسولِ اللَّه ﷺ . فقال ﵇: "اللَّهمَّ اكفني عامرًا -أو: قني عامرًا-"، فانصرف أربد، فقال له عامر: ما منعَكَ مِن قتله؟ قال: كلَّما همَمْتُ بقتلِه رأيتُكَ بيني وبينَه. ثمَّ جاءَتْ صاعقة فأحرقَتْهُ، وجعلَتْهُ فحمًا (١). وأمَّا عامرٌ فقد قيل: إنَّه دخلَ بيتَ امرأةٍ مِن بني سلول، وظهرت على ركبته غُدَّة، وهو يقول: غدَّةٌ كغدَّة البعير، وموتٌ في بيت سلوليَّة، فواللَّهِ ما قتلني إلَّا ربُّ محمَّد، وركبَ الفرسَ وبيده الرُّمح، وهو يقول: يا ملكَ الموتِ، تحاربني عن خفية، فاظهرْ لي وجاهرني بالمحاربة تَرَ بأسي، فما زالَ يطارد حتَّى يسقط عن فرسِه، ومات وصار إلى النَّار، ونزلَتِ فيه الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: أي: اللَّهُ شديدُ العقوبةِ (٣)، وقيل: قويُّ الكيدِ. ولا يجوز في الابتداء وصفُ اللَّهِ به، ويجوز على وجهِ المجازاة كما مرَّ في المكر والخداع والاستهزاء، وهو مِن قولِكَ: مَحَلَ (٤) به إلى السُّلطان؛ أي: سعى به، وذكرَ عيوبَه حتَّى أوقَع به، ومنه في صفة القرآن: "هو شافعٌ مشفَّع وماحِلٌ مصدَّق" (٥).

стр. 4301

وقيل: هو من الإهلاك، وسَنَةُ المَحْلِ: سَنَةُ القَحْطِ المُهْلِكِ. وقيل: هو صفةُ عامرٍ، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾؛ أي: شديد المخاصمة والمنازعة، والمماحلة كذلك. * * * (١٤) - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: هي شهادة أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه على إخلاص التَّوحيد (١). وهو قول قتادة وابن زيد (٢). وقال الحسنُ: اللَّهُ الحقُّ، فمَنْ دَعاه دعا الحقَّ (٣). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ: له عبادةُ الحقِّ؛ لأنَّه المستحِقُّ للعبادةِ. وقيل: أي: للَّهِ دعوةُ الحقِّ، وهي الاستعانةُ بهِ والدُّعاءُ بكشفِ الضُّرِّ وإعطاءِ

стр. 4302

السُّؤْلِ، وهي الحقُّ، ومَن دعا اللَّهَ وسألَه فهو على حقيقةٍ مِن دعوَتِه؛ لأَنَّه يدعو مَن لا يعجزُه شيءٌ، ولا يلحقُه بخلٌ، ولا تنقضه عطيَّةٌ. وقيل: للَّهِ دعوةُ الخَلْقِ إلى الحقِّ، ولمن دعا إليه بأمرِه، وليس ذلك لغيره مِن الأصنام؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] (١). وقيل: للَّهِ دعوة (٢) الرُّبوبيَّة، فله عليه البراهين الباهرة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾: يعني: الأصنام، وجمع بالواو والنُّون وهي جماد لأنَّ المشركين وضعوها موضعَ الأحياء العقلاء الذين يضرُّون وينفعون، ويستجيبون للَّذين يدعون، فأُضِيْفَ الخبر عنهم إليها كما يُضاف إلى العقلاء، كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. ويحتمل: أنَّه أراد به الملائكة وعُزيرًا والمسيح والجنَّ؛ لأنَّهم لا يستجيبون لعابدِيهم بشيءٍ، ولا ينفعونهم إلَّا بأمرِ اللَّهِ، فأمَّا أنْ ينفعوهم مِن عندهم فلا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه﴾: قيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن؛ أي: لا يستجيبون لهم أصلًا، لكنَّهم كمادِّ يدَيْهِ إلى الماء ليبلُغَ الماءُ فمَه ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾؛ أي: ليس يبلغُ الماءُ فمَهُ. وقيل: هو على حقيقةِ الاستثناءِ، والمعنى (٣): لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلَّا كما يُستَجابُ لِمَن بسطَ كفَّيْهِ إلى الماء؛ أي: فإذا كان لا يُستجابُ لهذا الباسطِ بشيءٍ،

стр. 4303

فكذلك لا يُستجابُ لهم، وهو كقولك للرَّجل يرجو بخيلًا: ربما (١) يعطيْكَ فلانٌ كما أعطى فلانًا، يريد: أنَّه لم يعطِه شيئًا فكذلك لا يعطيْكَ. وقال مجاهدٌ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾؛ يعني: يدعو بلسانِه، ويشيرُ بيدِه، فلا ينالُه أبدًا (٢). وقال عطاءٌ: هو إنسانٌ ينظرُ في قعرِ بئرٍ، فكما لا تبلغُ يدُه قعرَ الماء، ولا يعلو الماءُ إليه، فكذلك الأصنامُ لا تنفعُ العبدَ شيئًا (٣). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هذا مَثَلُ المشركِ الَّذي عبَدَ غيرَ اللَّهِ، فمثلُهُ كمَثَلِ العطشانِ الَّذي ينظرُ إلى خَيالِهِ في الماءِ ليتناوَلَهُ، فلا يقدرُ عليه (٤). وقال الفرَّاءُ: لا تجيبُ الأصنامُ داعيَها إلَّا كما ينالُ الظَّمآن المشرِفُ على الماء، وليسَ معه آلاتُ الاستقاء (٥). والعربُ تضربُ المثلَ لِمَنْ سعى (٦) فيما لا يدركُهُ بالقابضِ على الماء، قال الشاعر: فأصبحْتُ ممَّا كان بينِيْ وبينَها... مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ باليَدِ (٧)

стр. 4304

وقيل: أي: مَن بسطَ كفَّيْهِ إلى الماء مِن غير أنْ يرفعَه إلى فِيْه بكفَّيْهِ أو في إناءٍ لم يبلغْ فاه، يجعلُ الماءَ مثلًا للمعبود مِن دونِ اللَّهِ، وقد جعلَ بَسْطَ اليدَيْن إلى الماء كتوجيه الرَّغبة إلى المواتِ المعبودِ الَّذي لا يعقل، كالماء الَّذي لا يعقل رغبةَ باسطِ الكفِّ إليه فيه. وأخبرَ أنَّهم فيما يرجون مِن ذلكَ في ضَلالٍ، وهو قولُه تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: في غيرِ استقامةٍ وهدًى، فإنَّه غيرُ حاصلٍ لهم ما رَجَوه، ولا إجابةَ لهم ممَّن دَعَوه. وقيل: هو مبتدأ؛ أي: وما دعاءُ الكفَّارِ الأصنامَ إلَّا ضلالًا عن الهدى. وقيل: أي: تَضِلُّ الأصنامُ عنهم، فلا يجدونها ولا ينتفعون بها، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقال القشيريُّ ﵀: دواعي الحقِّ صارخةٌ في القلوبِ مِن حيث البرهان، فيدعو العبدُ بلسانِ الخواطرِ، فمَنِ استمعَ إليها بسَمْعِ الفهم استجابَ ببيان العلم، وفي مقابلتِها دواعي الشَّيطان، وهي هاتفةٌ بالعبدِ تزيينَ المعاصي، فمَنْ أصغى إليها بسمْعِ الغَفْلةِ استجابَ لصوتِ (١) الغيِّ (٢). * * * (١٥) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

стр. 4305

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: أي: إنَّ الكفَّارَ وإنْ دعوا مِن دونِ اللَّهِ دعوةَ الباطلِ، وامتنعوا مِن دعوةِ الحقِّ، فكلُّ مَن في السَّماواتِ والأرضِ مِن الملائكةِ وبني آدمَ والجنِّ والشَّياطين يسجدون للَّهِ؛ إمَّا طائعِيْن، وإمَّا كارهِين، وظلالهم تسجدُ له بالغَدواتِ والعشايا. والآصال: جمعُ أُصُلٍ، والأُصُل: جمع أصيل، وهو العشيُّ، وهو ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشَّمس، ويُجمَعُ على أصائلَ أيضًا، قال أبو ذؤيب: لَعَمْرِي أنتَ البيتُ أُكْرِمُ أهلَهُ... وأقعدُ في أفيائِهِ بالأصائلِ (١) والسُّجودُ طوعًا ظاهرٌ، والسُّجودُ كَرْهًا ممَّنْ أُكْرِه على الإسلام موجودٌ أيضًا، أمَّا ما عداهما: فتركُّب (٢) صور الأعيان، واختلافُ الأحوال عليها، وتعاقبُ المتضادات مِن الحركة والسُّكون والاجتماع والافتراق عليها، وحاجةُ بعضها إلى بعض في تمامِ قوامِها = شاهدٌ على أنَّها مصنوعاتٌ محتاجةٌ إلى مَن يقيمها، وأنَّ لها صانعًا صنعَها (٣) لا يشبهُها، فهذا مِن الكافرِ شاهدٌ للَّهِ بالرُّبوبيَّةِ، وأنَّه مستحِقٌّ لدعوة الحقِّ، وإنْ كانَ الكافرُ كارهًا لذلك غيرَ مريدٍ له ولا معترفٍ، وذلك سجودٌ مِن الكافرِ للَّهِ وخضوعٌ له كرهًا. وأمَّا الظِّلال فساجدةٌ للَّهِ تعالى بالغدوِّ والآصالِ؛ لأنَّها تميلُ مِن ناحيةٍ إلى ناحية، وليس ذلك باختيارِها، بل هو بفعلِ اللَّهِ ذلك بها، وتصريفُه إيَّاها على ما يشاء مِن ذلك، ودلَّ ذلك على أنَّها مخلوقةٌ مصرَّفةٌ على ما يصرِّفُها عليه صانعُها

стр. 4306

ومدبِّرُها، وذلك شهادةٌ منها للَّهِ تعالى بالقدرةِ والسُّلطان والوحدانيَّة، وخضوعٌ منها له، وهو السُّجود. ومِنَ السُّجود كَرهًا معنى سجود الكافرِ للَّهِ إذا نزلَ به ضرٌّ ألجأتْهُ الحاجة إلى أنْ يتواضعَ للَّهِ ويسجدَ له، يدعوه بها لحاجتِه بها. * * * (١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: قلْ للمشركِيْنَ السَّاجدِيْنَ للَّهِ كَرْهًا دلالةَ الخلقَةِ: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مالكهما ومدبِّرُهما، وكانوا مقرِّين (١) بأنَّ ربَّ السَّماوات والأرض هو اللَّه؛ أي: سَلْهُم عن هذا، فيقولون: اللَّه، فحذفَ جوابَهم لدلالَةِ الكلامِ عليه؛ لأنَّهم كانوا مقرِّيْنَ بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾: أي: وإذا قالوا: اللَّه، فقل أنت أيضًا: اللَّه، تقريرًا لهم، وتأكيدًا للاحتجاجِ عليهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والتَّقريع؛ أي: قلْ لهم بعدَ هذا التَّقرير: فلِمَ اتَّخذْتُم مِن دونه أولياء تتولَّونهم وتعبدونهم وتوجِّهون الرَّغبة إليهم، وهم لا يملكون لأنفسِهم نفعًا يجلبونَه إليها، ولا ضرًّا يدفعونَه عنها، وإذا كان كذلك فهم مِن ملكَةٍ لكم أبعدُ.

стр. 4307

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: وهو تقريعٌ آخر؛ أي: هل يستوي الجماد الذي لا يُبصِرُ ولا يسمَعُ، واللَّهُ الحيُّ الذي يبصرُ ويسمعُ. وقيل: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِن. ولَمَّا قرَّرَ أنَّ اللَّهَ ربُّ كلِّ شيءٍ، وبَّخهم بعبادةِ غيرِ اللَّهِ، وبيَّنَ أنَّ مَنْ فعلَ ذلك فهو أعمى عن الرُّشد، والمؤمن بصيرٌ (١) به، ولا يستويان. وقوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾؛ أي: الكفر والإيمان، فالكفرُ ظلمةٌ لا يُهتَدى فيها، والإيمانُ نورٌ يُهتَدى فيه، ولا يستويان. وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ الأنوارَ إذا تلألأَتْ في القلوبِ نفَتْ آثارَ الظُّلمةِ، فنورُ اليقين ينفي ظلمةَ الشَّكِّ، ونورُ العلمِ ينفي تهمةَ الجهلِ، ونورُ المعرفةِ يمحو أثرَ النَّكرة، ونورُ المشاهدة ينفي آثار البشريَّة، وأنوار الجمع تنفي آثار التَّفرقة، وأنوارُ الحقائق تمحو (٢) آثارَ الحظوظِ (٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: وهذا تقريعٌ آخر، يقول: أوَقعَ عندَهم أنَّ الأصنامَ تخلقُ الأشياءَ كما أنَّ اللَّهَ تعالى يخلقُ الأشياءَ فاستجازوا (٤) عبادةَ الأصنامِ لوجودِ التَّخليقِ منها، كما استجازوا (٥) عبادةَ اللَّهِ لذلك لاشتراكِهم في استحقاق العبادةِ لذلك، وإنْ (٦) لم يكنْ هذا هكذا، بل اللَّهُ

стр. 4308

هو المنفرِد بالتَّخليق، فهو المتفرِّد (١) باستحقاق العبادة له. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: وقد أقررْتُم أنَّه لا خالقَ غيرُه، فلا يستحقُّ العبادةَ غيرُه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؛ أي: الواحدُ الَّذي لا ثانيَ له، ولا شريكَ له، وهو القهَّارُ الَّذي يقهرُ بقدرته كلَّ شيءٍ، ولم يقهرْهُ شيءٌ، وهو المستحِقُّ لتوجيه الرَّغبات إليه، والاستغناءِ به عن غيرِه. * * * (١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: قال قتادةُ: هذه ثلاثةُ أمثالٍ في مثلٍ واحدٍ: قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصَّغير والكبيرُ، فشبَّه نزولَ القرآنِ بالماءِ ينزلُ مِن السَّماء، وشبَّه القلوبَ بالأوديةِ والأنهار، فذو العلم على قَدْر علمِه، وذو الجهل على قَدْر جهلِه، فهذا مَثَلٌ. ثمَّ شبَّه وساوسَ الشَّيطان ومخايل النَّفس والخَطَرات الفاسدةَ بالزَّبَد يعلو الماء، وهو قوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ (٢)، والرَّابي: العالي، فما يقعُ في النَّفس مِن الوهم والفضول فمِن ذاتِها لا من الحقِّ، يقولُ: فكما يذهبُ الزَّبدُ باطلًا

стр. 4309

ويبقى صفوُ الماءِ، كذلك تذهبُ مخايلُ النَّفس ووساوسُ الشَّيطان ويبقى الحقُّ كما هو، فهذا مثلٌ ثانٍ. والمثل الثَّالثُ قولُه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾: أي: له خبثٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، فكما (١) يذهبُ خَبَثُ الجواهرِ ويبقى خلاصُها وصفوها كَذَلِكَ يذهبُ الجهلُ والوهمُ، ويبقى العلمُ والفهمُ، فهذا المثل الثَّالث (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ: الآيةُ تشتملُ على أمثالٍ: شبَّه القرآنَ المنزَلَ بالماءِ المنزَل من السَّماء. وشبَّه القلوبَ بالأودية. وشبَّه وساوسَ الشَّيطان وهواجس النَّفس بالزَّبَد الَّذي يعلو الماء. وشبَّه الحقَّ بالجواهر الصَّافية مِن الخَبَثِ؛ مِنَ الذَّهب والفضَّة والصُّفر والنَّحاس وغيره. وشبَّه الباطلَ بخبَثِ هذه الجواهر. ثمَّ إنَّ الأودية مختلفةٌ في صغرِها وكبرِها، فبقَدْرها تحتمِلُ الماءَ في القلَّة والكثرة، كذلك القلوبُ مختلفةٌ في الاحتمالِ على حسب الضَّعف والقوَّة، وكما أنَّ السَّيل إذا حصل في الوادي يطهِّر الوادي، كذلك القرآن يطهِّرُ القلوب. وكما أنَّ السَّيل يحتمل الزَّبد فيلفِظُهُ كذلك القرآن إذا حصل حفظُه في القلوب ينفي الوساوسَ والهواجسَ عنها.

стр. 4310

وكما أنَّ الماء قد يصحبُه ما يكدِّره، ويخلِّص بعضه عمَّا يشوبُه، فكذلك الإيمانُ وفهمُ القرآنِ في قلوب المؤمنين قد تختلطُ به نزغات (١) الشَّيطان والخواطر الرديَّة، فمِن بين صافٍ وكدرٍ. وكما أنَّ الجواهر التي يُتَّخَذ منها الأواني إذا أذيبَتْ (٢) خلصَتْ عن الخبث، كذلكَ الحقُّ يتميَّز مِن الباطل ويبقى الحقُّ ويضمحلُّ الباطلُ. ثمَّ الجواهرُ الَّتي تُتَّخَذُ منها الأواني مختلفةٌ؛ فمِن إناءٍ يُتَّخَذُ مِنَ الذَّهبِ، وآخر مِن الرَّصاصِ إلى غيرِه، فكذلِكَ القلوبُ تختلفُ. وفي الخبر: "إنَّ للَّهِ أواني، وهي القلوبُ" (٣)، فمريدٌ قاصدٌ، ومحبٌّ واجدٌ، وعابدٌ خائفٌ، وموحِّد عارفٌ، ومتعبِّدٌ متقشِّفٌ، ومتهجِّد (٤) متصوِّف. وأنشدوا: ألوانُها شتَّى الفنونِ وإنَّما... تُسْقَى بماءٍ واحدٍ مِن مَنْهَلِ (٥) وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: الواحدُ القهَّار أنزلَ مِن السَّماء مطرًا.
следующие страницы →