← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أمِن ريحانةَ الدَّاعي السميعُ... يُؤرِّقُني وأصحابي هُجوعُ (١) وأما تفسيرُه: فقد قيل (٢): أي: يصلُ ألمُه إلى القلوب. وقيل: هو الشديدُ الذي لا يزولُ ولا ينقطع. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: أي: بكونهم كاذبين، فإنَّ (ما) مع (كان) مصدر، وكذا كلُّ فعلٍ؛ تقول: سمعتُ ما قلتَ؛ أي: قولَكَ. وكلمةُ (كان) قد تَجيءُ للماضي، كما في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. وقد تجيءُ للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. وقد تجيءُ للحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وقد تجيءُ جامعًا لذلك كلِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]؛ أي: لم يَزَلْ رحيمًا بهم في الأزلِ وفي الحالِ وفي الأبد. وقد تَجيءُ بمعنى: صار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].

стр. 457

وقد تجيءُ بمعنى: وَقَع، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ثم الكذبُ خلافُ الصدق، وفيه لغتان: كَذِبٌ وكِذْبٌ، كقولك: لَعِبٌ ولِعْبٌ، والتكذيب: النسبةُ إلى الكذب. وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف (١)، وهو كذبُهم فيما قالوا، وقرأ غيرهم بالتشديد، وهو تكذيبهم اللَّهَ تعالى ورسولَه. وأما تفسيرُه: فقد قيل: أي (٢): يَكْذبون على اللَّه تعالى بإثباتِ الشريك. وقيل: أي: بتحليلِ ما حرَّمه اللَّه وتحريمِ ما حلَّله. وقيل: أي: بقولهم: إنك لرسولُ اللَّه، بألسنتهم من غير تصديقِ قلوبهم بذلك، وهو منصوصٌ عليه بقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقيل: أي: بقولهم: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من غيرِ اعتقادٍ، وهو الذي سبَق ذكرُه في هذه الآيات، وتحقَّق به ما قلنا: أن (٣) الإيمان ليس هو مجردَ الإقرار، فقد كذَّبهم اللَّه تعالى في دعوى الإيمان مع إقرارهم باللسان؛ لمخالفةِ (٤) الجَنان، واللَّهُ المستعان.

стр. 458

(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾: (إذا) كلمة توقيتٍ، وهي ظرفٌ للزمان المستقبَل، و (إذ) ظرفٌ للزَّمان الماضي، والفسادُ ضدُّ الصلاح، والإفسادُ ضدُّ الإصلاح. وأمَّا تفسيره: فقد قيل: أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين (١): لا تَعملوا المعاصيَ (٢) في أرض المدينة وما حولها. وقيل: أي: لا تُداهِنوا. وقيل: أي: لا تفرِّقوا الناسَ عن محمدٍ ﷺ . وقيل: أي: لا تَصُدُّوا الناس عن دينِ اللَّه واتِّباع رسوله. وقيل: أي: لا تُمايلوا (٣) الكفار. وقيل: أي: لا تتَّبعوا الهوى بتركِ المأمور وارتكابِ المنهيِّ. واختلفوا في المرادِينَ بهذه (٤) الآيةِ: قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ وجماعةٌ ﵃: هم المنافقون (٥).

стр. 459

وقال مقاتلٌ، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄: هم اليهودُ من هاهنا إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، قال: ويَدلُّ عليه قولُه تعالى (١): ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ واليهودُ هم الذين كانوا يعتقدون هذا الإفسادَ إصلاحًا (٢)، ويُظهِرون ذلك، فأما (٣) المنافقون فما كانوا يقولون ظاهرًا: إن هذا إصلاحٌ، ولو قالوا ذلك لظَهر كفرُهم فقُتلوا، فأما (٤) اليهود -لعنهم اللَّه- فقد كانوا أَظهروا أنهم على الحقِّ وغيرَهم على الباطل، والمنافقون (٥) كانوا يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ودليلٌ آخَرُ: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ والمنافقون ما كان يمكنُهم التكلُّم بهذا ظاهرًا. فثبَت أنه في اليهود، وإفسادُهم هو كتمانُ حالِ النبيِّ ﷺ ، وصدُّ الناس عنه، وأخذُهم الرشوةَ، وتغييرُهم الأحكامَ بها (٦). وأما القائلون بأنَّ الآية في المنافقين فقد قالوا: إن ما قبلها وما بعدها في المنافقين على ما بيَّنَّا ونبيِّنُ، فأمَّا قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فمعناه أنهم قالوا: لا نفعلُ هذه الأشياءَ التي هي إفسادٌ (٧) بل نتَّبعُكم على دِينكم، وهذا إنكارٌ منهم للنِّفاق والإفساد.

стр. 460

وكان إفسادُهم على قولِ هؤلاء: ما ذُكر في هذه الآيات: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وهي قصةُ تنفيرِهم ناقةَ النبيِّ ﷺ ليلةَ العقبة، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٧]، ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وهو كعب بن الأشرف، ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحشر: ١١]، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٦٧]، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٥]، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، ونحوها. وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ هي وجهُ بساطِ الدنيا، والسماءُ سقفُها. وقيل: أريدَ بها هاهنا أرضُ المدينة، فإن إفسادَ المنافقين كان فيها. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ كلمتان في الأصل، (إنَّ) كلمةُ تأكيدٍ قُرنت بـ (ما)، فصارتْ للحَصْر والقَصْر، فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] تقديرُه: لا إله لا اللَّه الواحد، وقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] كذلك، وكذا هاهنا معناه: ما نحن إلا مصلحون. وقوله: ﴿نَحْنُ﴾: جمعُ (أنا) على غير لفظه، كـ: (هؤلاء) جمع (هذا) و (هذه)، وكقولهم: (أولئك) هو جمعُ (ذاك) و (ذلك) و (تلك)، وكالنسوة جمع المرأة، وكالإبل جمع الجمل والناقة، وكالغنم جمع الشاة.

стр. 461

ثم هذه الكلمةُ يتكلَّم بها الواحدُ إذا أَخرج (١) الكلامَ مُخْرج خطابِ الملوك، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣]، ويتكلم بها الاثنان، قال تعالى خبرًا عن هاروتَ وماروتَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ويتكلَّمُ بها الجماعةُ كما في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. والإصلاحُ: ضدُّ الإفساد، والصَّلاح والصِّلاح والصُّلوح: ضدُّ الفساد. وفي تصريفه ثلاثُ لغاتٍ: صَلُح يَصْلُح؛ كقولك: شَرُف يَشْرُف، وصَلَح يَصْلُح؛ كقولك: دَخَل يَدْخُل، وصَلَح يَصْلَح؛ كقولك: صَنَع يَصْنَع. والصُّلح والمُصالحة والإصلاح (٢) من ذلك. ثم لقولهم هذا وجوهٌ: أحدها: أنهم أنكروا الإفساد -وهو النِّفاق وما نُهوا عنه- لأنهم كانوا يُخفون ذلك، فأَظْهَرَ اللَّه تعالى ما أضمَروا، وكَشَفَ ما ستَروا. والثاني: أنهم اعتذروا إلى المسلمين، وقالوا: إنما نوافقُ الكفارَ ونمايلهم (٣) نريد بها الإصلاحَ بينهم وبين المؤمنين، وهذا قولُ ابن عباسٍ ﵄ (٤). والثالث: أنهم قالوا: نُصلح (٥) أمرَنا بموافقة الكفار في الباطن، وموافقةِ

стр. 462

المؤمنين في الظاهر؛ نظرًا في العاقبة، حتى لو كان الظَّفَرُ لهؤلاء قالوا: نحن منكم (١)، ولو كان لهؤلاء قالوا لهم كذلك. والرابع: أنَّ هذا جوابُ اليهود، وأظهَروا به أنَّ ما هم فيه إصلاحٌ وليس بإفسادٍ. * * * (١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و (إنَّ) كلمة تأكيدٍ، و (هم) كنايةٌ عن المذكورين قبلَه، و (هم) ثانيًا تأكيدٌ؛ لأن التكريرَ تأكيدٌ (٢) وتقريرٌ، وهذا كقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨]، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤]، ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. أثبَتوا لأنفسهم اسمَ المُصلِحين، فنفاه اللَّه عنهم وأثبت لهم اسم المفسِدين، فكان (٣) لكلامهم أربعةُ أوجهٍ، وفي هذا ردُّهم على تلك الوجوه: أما الأول: فكان إنكارًا منهم وإسرارًا، وكان هذا هتْكًا لأستارهم وإظهارًا. والثاني: كان اعتذارًا بأنَّا نطلب الإصلاح باستمالة الكفار، فأَخبر بهذا أنَّ هذا إفسادٌ منهم، حيث علمَ الكفارُ أنَّ المنافقين لهم أنصارٌ، وهذا باعثٌ لهم على الإصرار. والثالث: كان ظنًّا منهم أنَّ موافقةَ الفريقين من وجهين تنفعهم في الحالين،

стр. 463

فيكون إصلاحًا لبالهم، فأخبر أنَّه إفسادٌ لحالهم ومآلهم، فإنهم طلبوا رضَى الفريقين، وقد فاتَهم ذلك كلُّه؛ فإنَّ المؤمنين يبغضونهم؛ لِمَا أنهم لا يوافقونهم في الباطن، والكافرون (١) يردُّونهم؛ لِمَا أنهم لا يتابعونهم (٢) في الظاهر، وكذلك حالُ أهل الرِّياء، ولا خلاصَ لهم إلا بالإخلاص. والرابع: كان هذا جوابَ اليهود -لعنهم اللَّه- جِهَارًا، وكانوا ممَّن قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، وكانوا كفرعون لعنه اللَّه، سَمَّى صلاحَ موسى فسادًا، وغوايةَ نفْسِه رشادًا، فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، وقال: ﴿مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، فردَّ اللَّه تعالى عليه فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، وقال: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وقال هاهنا: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. وقيل: في هذا ما يدلُّ على أنهم وصفوا أنفسَهم بالإصلاح والمؤمنين بالإفساد (٣)، واقتضى أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون وأنتم مفسدون، فردَّ اللَّه عليهم القولين (٤)، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾، وتقديرُه: هم المفسدون لا أنتم، ولو كان كلامُهم هذا الواحدَ المنصوصَ عليه فحسب؛ كفى جوابًا لهم: إنهم مُفسدون، فتكرارُ (هم) وتعريفُ النَّعت بالألف واللام دليلٌ على ما قلنا، وهو كقوله: ﴿إِنَّ

стр. 464

شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، هو ردُّ قول ذلك اللَّعين: إنَّ محمدًا لأبترُ، إذا ماتَ انقطع ذِكرُه، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ لا أنت (١). ثم فيه بيانُ شرف المؤمنين، حيمث تولَّى جوابَ المنافقين عمَّا قالوه للمؤمنين، كما كان في حقِّ المصطفى ﵇، فإن الوليد بن المغيرة قال له: إنك مجنونٌ (٢)، فنفاه اللَّه تعالى عنه لقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] (٣)، ثم قال في حقِّ (٤) ذمِّ ذلك اللعين: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] (٥)، وهي عشرةُ أسماءٍ مذمومةٍ (٦).

стр. 465

فكذلك في حقِّ المؤمنين، فإنَّ المنافقين سَمَّوا المؤمنين مفسدين، فنفاه اللَّه عنهم، وسمَّى المنافقين بعشرة أسماءٍ مذمومةٍ: مخادعين: بقوله (١) تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾. جاهلين: بقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. مرضى: بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. كاذبين: بقوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾. مفسدين: بقوله: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. سفهاء: بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. طاغين: بقوله تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وتمامُها بقوله (٢): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: (لكنْ) كلمةُ استدراكٍ، وقيل: هي تحقيقُ شيءٍ تُثْبته بدلَ شيءٍ تنفيهِ. ويُشَدَّد ويُخَفَّف، والمُشَدَّد ناصبٌ، والمُخَفَّف رافعٌ، ويدخلان جميعًا الاسمَ، والمُخَفَّفُ منه يدخل الفعلَ أيضًا، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) [هود: ١٠١]. وقد تسقُطُ نونُه للضرورة في الشِّعر، قال الشاعر:

стр. 466

فلستُ بآتيه ولا أستطيعُه (١) ... ولاكِ (٢) اسقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فَضْلِ (٣) وفي موضع العطف تكون (لكنْ) المُخَفَّفةُ كسائر حروف العطف في العمل، تقول: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو، و: ما رأيتُ زيدًا لكنْ عَمْرًا، و: ما مررتُ بزيدٍ لكنْ (٤) عمرٍو. وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون. واختُلف في معناه: قيل: لا يعلمون أنَّهم مفسدون، وأنَّ فِعلَهم إفسادٌ. قال (٥) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: إنْ كان التأويلُ هذا؛ فهو ينقضُ قولَ مَن يقول: إن الحُجَّةَ لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قولُ الناشئ (٦) وغيره من المعتزلة؛ لأنه أخبرَ بفسادِ صنيعهم وإن لم يشعروا به، وهو كقوله أيضًا: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، أخبر بحَبطِ أعمالهم وإنْ كانوا لا

стр. 467

يعلمون (١)، بعد أن كانوا بسبيل العلم به؛ أي: مُتَمكِّنين من الوصول إلى العلم بالنظر في دَلائلِه. وقيل: ليس هذا نفيَ حقيقة العلم، بل هو نفيُ عملهم بالعلم، وقد قرَّرناه فيما مر. وقيل: أي: لا يشعرون (٢) أنهم يعذَّبون على ذلك. وقيل: أي: لا يشعرون متى ينزل بهم الموتُ فتنقطعَ عنهم التوبة. ولمَّا كانوا موصوفين بالعلم في الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وصاروا موصوفين بالجهل بقوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ من الوجوه الثلاثة: أنهم لم يعلموه إفسادًا، ولم يعلموا أنَّ عليه عذابًا، ولم يعلموا متى يموتون قبل أنْ يتوبوا؛ أَلزمهم الحجَّة، فأزال هذه الجهالات بالدَّلالات، فقال: إنه إفسادٌ، بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾، وقال في عذابه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال في الموت: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢]. وكذا وصفَ المؤمنين بالعلم بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ثم وصفَهم بالجهل لمخالفتهم (٣) العلم، فقال: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكان جهلُهم من هذه الوجوه الثلاثة، فأزالها، فقال في حقِّ الأول: إنَّه فسوق، بقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال في عقوبته: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ

стр. 468

لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]، وقال في الموت: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآيات (١) [المنافقون: ١٠]. * * * (١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: ذكر الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ الآيةَ نزلت في شأنِ اليهود ومسلمي أهل الكتاب: عبدِ اللَّه بنِ سَلَام وأصحابِه، والنَّجاشيِّ وأصحابِه، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ بعث ابنَ مسعودٍ وجعفرَ الطَّيَّارَ رسولًا إلى النَّجاشيِّ، فاستقبلهم عيرُ الشام وفيهم أهلُ الكتاب، وكان ابنُ مسعودٍ ﵁ يقرأ جهرًا، فانتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وفي العِير عبدُ اللَّه بن سلَام، فلما سمع ذلك هاب، وجعل يمسح رأسه ووَجْهَه خوفًا من المَسْخ، وهَمَّ أنْ يأتي رسولَ اللَّه فيُسْلِمَ (٢) على يديه، فأتى المدينة، ودخل على رسولِ اللَّه ﷺ وقال: يا رسول اللَّه! إنِّي سيدُ قومي، وهم (٣) يُعظِّمونني، فأرجو أنهم يُسلمون بإسلامي، فادعُهم وسَلْهم عنِّي ومَن (٤) أنا فيهم، وأخبرهم بإسلامي، فعسى

стр. 469

يجيبونك، ففعل، فلمَّا دخلوا عليه قال لهم (١): "ما تَعُدُّون فيكم ابنَ سَلَام؟ " قالوا: هو (٢) سيدُنا وابنُ سيدِنا، وأعلمُ يهوديٍّ بقي على وجه الأرض بالكتاب الذي أَنزل اللَّه تعالى على موسى ﵇، فقال النبيُّ ﷺ : "أَتُسلمون إنْ أَسْلَم هو؟ " فقالوا: هو لا يُسلم، فكرَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ ذلك، فأجابوا كذلك، فخرج عليهم عبدُ اللَّه بنُ سَلَام وقال (٣) لهم: يا أعداء اللَّه! فعلَ اللَّه تعالى بكم كذا وكذا، أمَا وجدتم نعتَ محمدٍ وصِفَتَه مكتوبًا في التوراة في موضع كذا؟ فقالوا: يا ابنَ سَلَام! ما كنت أهلًا للَّذي أثنينا عليك، ولكنْ كنتَ غائبًا فكرهنا أن نغتابك، وخرجوا وهم يقولون: إنك رجلٌ جاهلٌ سفيهٌ، فأنزل اللَّه هذه الآية (٤). فعلى هذا تأويلُ الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: لليهود: ﴿آمِنُوا﴾ بمحمدٍ وكتابه ﴿كَمَا آمَنَ﴾ عبدُ اللَّه بنُ سَلَام وأصحابُه والنَّجاشيُّ وأصحابُه؛ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي (٥): هؤلاء الجهَّال؛ أي: ابنُ سَلَام وأصحابُه والنجاشيُّ وأصحابُه. وقال الحسن: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي: النساء والصبيان (٦).

стр. 470

وقال ابن مسعودٍ وابن عباسٍ ﵃ في روايةٍ، ومجاهد وقتادة والربيع والسُّديُّ: إنها في المنافقين (١). وتفسيرها على هذا القول: وإذا قيل للمنافقين: آمِنوا بالقلوبِ مع إيمانكم بالألسنةِ كما آمن أصحابُ رسول اللَّه ﷺ ؛ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي (٢): هؤلاء الصحابةُ الذين لا يعلمون شيئًا؟ فعلى التفسير الأول: كان قولهم هذا جهرةً (٣)؛ لأنهم كانوا مُصرِّين على اليهودية ظاهرين، وبالكفر (٤) مجاهِرِين. وعلى التفسير الثاني: كان المنافقون لعنهم اللَّه يتكلَّمون بهذا الكلام في أنفسهم دون أنْ ينطقوا به بألسنتهم، لكنْ هَتَكَ اللَّهُ أستارَهم وأظهرَ أسرارَهم؛ عقوبةً لهم على عداوتهم، وهذا كما أظهر ما أضمرَه أهلُ الإخلاص من الكلام الحسَن وإنْ لم يتكلَّموا به بالألسنة (٥)؛ تحقيقًا لولايتهم، قال اللَّه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] إلى أنْ قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وكان هذا في قلوبهم، فأظهره اللَّه تعالى تشريفًا لهم وتشهيرًا لحالهم. وفي الآية بيانُ رسالة النبيِّ ﷺ ، وهو أنه أَخبر بما في قلوب المنافقين بإخبار ربِّ العالمين على مامرَّ.

стр. 471

وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾: هو جمع السَّفيه، ومصدرُه: السَّفَه والسَّفاهة، وذلك ضدُّ الحِلم، ويقال: هو خِفَّةُ العقل، يقال: ثوبٌ سَفِيهٌ؛ أي: رَدِيءُ النَّسج، وتَسَفَّهَتِ (١) الرِّيحُ الشَّجرة؛ أي: مالتْ بها وحرَّكَتْها واستخَفَّتْها، قال أبو تمَّام: سَفيهُ الرُّمح جاهلُهُ إذا ما... بَدا فَضْلُ السَّفيه على الحليم (٢) أي: سريعُ الطَّعن بالرمح خفيفُه. وسَفَّهتُ الشَّيءَ: إذا (٣) استَحْقَرتَه، وتسَفَّهتُ (٤) فلانًا عن ماله؛ أي: خدعتُه. والسَّفَه: أنْ يُكثر الرجلُ شُربَ الماء فلا يَرْوَى، وسافَهْتَ الدَّنَّ: إذا قعدتَ عنده تشربُ منه ساعةً بعد ساعةٍ، وسافَهَتِ الناقةُ الطريقَ؛ أي: لازَمَتْه لا تبالي به. وأما التفسيرُ (٥): فقد قيل: السُّفهاء: الجُهَّال.

стр. 472

وقيل: البهَّاتون المُتعمِّدون لخلاف ما يعلمون (١). وقيل: الجُهَّالُ الظَّالمون القائلون خلافَ الحقِّ. وقيل: المُجاهرون التَّاركون النَّظرَ في العواقب. وقيل: الجُهَّالُ بمصالح الأمور، الخِفافُ العقول والآراء. وحاصلُ تفسير السَّفَه (٢) في صفة المنافق على مجموع اللُّغات وأقاويل الطَّبقات: أنه ظاهرُ الجهل، عَديمُ العقل، خفيفُ اللُّبِّ، ضعيفُ الرَّأي، رديءُ الفَهْم، مُمالُ الغَيِّ، مُستَخَفُّ القَدْرَ، سريعُ الذنب، حقيرُ النَّفس، مَخدُوعُ الشيطان، أسيرُ الطُّغيان، دائمُ العِصيان، مُلازمُ الكفران، لا يبالي بما كان. وفي قولهم هذا شيئان اثنان: تأييسُهم (٣) عن إيمانهم، وتسفيهُ مَن آمَن من إخوانهم. وهذا الاستفهام في أول الكلام للاستعجاب والاستعظام، تراءى لهم أنهم هم الأَلِبَّاء (٤)، وأنَّ غيرَهم السُّفهاء (٥)، وهذا من تسويلِ النفس وتزيينِ الشيطان، ومنه ضلالاتُ أهل الهوى والطُّغيان، فقال (٦) اللَّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا أكرمُ رُتبةً وأعزُّ رِفعةً للمؤمنين المخلِصين إذ حمَاهم ورعاهم، ورَدَّ (٧)

стр. 473

على مَن عاداهم، وبالسُّوء رماهم، فقال بأبلغ ما يُبدأ به الكلام: ﴿أَلَا﴾، وبأَوْكَد ما يُؤسَّس به النظام: (إنَّ)، وبأحسن ما يُتبع به البدء بالختام (١): (هم (٢) هم السفهاء)؛ أي (٣): لا هؤلاء؛ لأنهم بإيمانهم وإخلاصهم من السَّفَهِ هربوا، وفي العلم والحقِّ رغِبوا، وهم العلماء على الحقيقة، والمستقيمون على الطريقة. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون أنهم هم السُّفهاء. وقيل: أي: لا يعلمون علمًا يُميِّزون به بين الحقِّ والباطل. وقيل: أي: لا يعلمون عاقبةَ صنيعهم. وقيل: أي: لا ينتفعون بعلمهم، لا أنهم يُعذَرون بجهلهم. ثم (٤) من لطائف الآية: أن الذين قالوا لهودٍ النبيِّ ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦] أجابَهم هو بنفسه، فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، واللَّه تعالى تولَّى جوابَ المؤمنين، وأثبتَ السَّفَهَ للقائلين، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. * * * (١٤) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: ﴿لَقُوا﴾؛ أي: عايَنوا، واللِّقاء:

стр. 474

الرُّؤية والمُعايَنة، واللُّقِيُّ واللّقِيَّا (١) كذلك، والمُلاقاةُ والالتقاء: الاجتماع، وهو للاجتماع في الحرب أيضًا على الخصوص، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣]. والتَّلَقِّي: الاستقبال، وهو الأخذُ أيضًا في قوله (٢): ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، وهو روايةُ بعضهم من بعضٍ في قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥]. وأما تفسيره: فقد قال ابن عباسٍ ﵄ -في روايةٍ عنه- ومقاتلٌ (٣) وأبو سهلٍ الطَّالقانيُّ: معناه: وإذا عاين اليهودُ المؤمنين (٤)، ويدلُّ عليه قولُه تعالى في هذه السورة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وذاك في حقِّ اليهود بالإجماع (٥). وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ ومجاهد والجمهور: وإذا عاين المنافقون المؤمنين (٦).

стр. 475

وأما النزول: فقد رُوي أن عبدَ اللَّه بنَ أُبَيٍّ المنافقَ كان جالسًا مع أصحابه المنافقين على قارعة الطَّريق، إذ استقبله أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال عبد اللَّه لأصحابه: انظروا إلَيَّ وتَعَلَّموا مني كيف أردُّ هؤلاء السُّفهاءَ عنكم، فانظروا كيف أُكلِّمهم، فافعلوا كما أفعل، فقال لأبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ وكان أولَ مَن لقيه: مرحبًا بسيد بني تَيْم بنِ مُرَّة، القويِّ في دين اللَّه، صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ في الأسفار، ثاني اثنين إذ هما (١) في الغار، الباذلِ نفسَه وبنتَه ومالَه لرسولِ اللَّه. ثم استقبله عمرُ بنُ الخطاب ﵁ فقال: مرحبًا بسيد بني عَديِّ بن كعب بن مُرَّة، القويِّ في دين اللَّه، الشَّديدِ الغَضبِ على أعداء اللَّه، الباذلِ نفسَه وبنتَه وماله لرسولِ اللَّه ﷺ . ثم استقبله عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ فقال: مرحبًا بسيد بني هاشم ما خلا رسولَ اللَّه ﷺ ؛ لأن اللَّه ﷻ اصطفاه وخَصَّه من بين خَلْقه بالنبوة. فقال له عليٌّ ﵁: اتَّقِ اللَّه ولا تُنافق، فإن المنافقين شرُّ خليقةِ اللَّه عزَّ وعلا في الأرض، فقال: يا أبا الحسن! لا تقُلْ هكذا، فواللَّه إنَّ إيمانَنا كإيمانكم، وتصديقَنا كتصديقكم، ونحن مؤمنون في السِّرِّ والعلانية. ثم افترقوا، فقال عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ لعنه اللَّه: كيف رأيتم ردِّي هؤلاء عنكم؟ فقالوا: لا نزال بخيرٍ ما عشتَ فينا (٢).

стр. 476

ثم رجع أبو بكرٍ ﵁ وأصحابُه إلى النبيِّ ﷺ فأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية في شأنهم (١). فأمَّا مَن حملها على اليهود -وهم مجاهرون بالكفر- فإنه حمل (٢) قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ (٣) على الإيمان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وأما مَن (٤) حَملها على المنافقين فظاهرٌ. وانتظامُ هذه الآيةِ بالآية التي قبلَها: أنه ذكر في تلك الآية ما قالوا لهم، وذكرَ في هذه الآية ما قال المنافقون لأولئك، في تلك الآية مقابلةُ التَّسْفيه بالتَّسْفيه (٥)، وفي هذه الآية مقابلةُ الاستهزاء بالاستهزاء. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: فقوله: ﴿خَلَوْا﴾ للجمع، وللواحد: خلا، وصَرْفُه: خَلا يَخْلُو خَلْوةً، وخَلا المكانُ خَلاءً (٦)؛ أي: صار خاليًا، وخلا فلان (٧) بفلانٍ: إذا اجتمعا على الخَلْوة، وخَلا بامرأته؛ أي: دخل بها، وخَلا

стр. 477

إليه؛ أي: انصرف إليه للخَلْوة، وخَلَتِ المرأةُ؛ أي: صارت خَلِيَّةً؛ أي: طالقًا، وخَلا؛ أي: مضى. وأما تفسيره هاهنا: فقد قيل: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾؛ أي: أفْضَوا إليهم. وقيل: أي: رجعوا إليهم. وقيل: أي: خلَوا مع شياطينهم؛ أي: اجتمعوا معهم على الخَلْوة، و ﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع)، قال النَّضْر بن شُميل: وهو كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: مع اللَّه (١). وعلى هذا قولُه: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: مع المرافق. وقيل: معناه: انصرَفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فمَن دخل على أحدٍ ابتداءً؛ قيل: خلا به، وإذا انصرف عن أحدٍ ودخل على غيره؛ قيل: خلا إليه. وقال الأخفش: خَلَوت إليه؛ أي: جعلتُه غايتي في حاجتي (٢). وقال بعض الكوفيين: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾؛ أي: صرفوا خَلْوتَهم إلى شياطينهم. فأما الشياطين؛ فهو جمع شيطان. وقال الخليل: كلُّ مُتَمرِّدٍ عند العرب شيطانٌ (٣). واختلفوا في المُرادِينَ بهذا الاسم هاهنا:

стр. 478

قال ابن عباسٍ ﵄: هم اليهودُ الذين أمَروهم بالتكذيب (١). وقال ابن مسعودٍ ﵁: هم رؤساؤهم في الكفر (٢). وقال الضحَّاك: هم كَهَنتُهم (٣). وهم في قريظة: كعبُ بنُ الأشرف، وفي بني أسلم (٤): أبو بُردة، وفي جُهينة: عبدُ الدَّار، وفي بني أسد: عوفُ بنُ عامرٍ، وفي الشام: عبد اللَّه بن السَّوداء (٥). وكانت العربُ تعتقدُ فيهم أنهم مُطَّلعون (٦) على الغيب، ويعرفون الأسرار، ويُداوون المرضى (٧)، وليس من كاهنٍ إلا وعند العرب أنَّ معه شيطانًا يُلقي إليه كهانَتَه. وسُمُّوا شياطينَ لبُعدهم عن الحقِّ، فإنَّ الشُّطُونَ: هو البُعد، ولعُتوِّهم وتَمرُّدهم،

стр. 479

فإنَّ الشيطان: هو العاتي المُتمرِّد، ولأنَّ الشياطينَ قُرناؤهم فسُمُّوا بقُرنائهم، ولأنَّ مَن شابَهَ أحدًا سُمِّي به، ولمَّا كان هؤلاء على صفة الشياطين سُمُّوا بهم، ولذلك قال النبيُّ ﷺ لمَن رآه يَتْبع حمَامًا: "شيطانٌ يَتْبعُ شيطانًا" (١). وقال للمارِّ بين يدي المُصلِّي: "فلْيُقاتِلْه؛ فإنه شيطانٌ" (٢). وقال نسوةٌ في المدينة ليوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] لمَّا رأينَه بصفة المَلَك. وقال النبيُّ ﷺ : علماءُ أمَّتي كأنبياءِ بني إسرائيل (٣)، لمَّا كانوا بصفتهم. فعلى العاقلِ أن يتَّصف بصفةِ الملائكة والأنبياء، ولا يتَّصفَ بصفة الشياطين والأغوياء (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾: (مع) كلمةُ قِران، يقال: جاء زيدٌ مع عمرٍو؛ أي: مقترِنًا به، وفيه لغتان: تحريكُ العين وتسكينُها، قال الشاعر:

стр. 480

ومَن يتَّقْ فإنَّ اللَّه مَعْهُ... ورزقُ اللَّه مُؤْتابٌ وغادِ (١) ويقال: جاءا معًا، بالتنوين؛ أي: مقترِنَين، ويقال: جئتُ مِن مَعِه؛ أي (٢): مِن عندِه. وهو في القرآنِ لمعانٍ: للقِرَانِ: وهو الأصل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢]. وللقِرَانِ واللُّحوق: قال: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ (٣) [الأنبياء: ٢٤]. وبمعنى: بَعْدَ، قال: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]. وبمعنى: عند، قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]. وبمعنى: سوى، قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: سوى اللَّه. وبمعنى: المعونة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨]. وبمعنى: العلم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ١٠٨]. وبمعنى: المتابعة، قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 481

وبمعنى: شهود الصورة، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]. وبمعنى: شهود القلب، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (١). وبمعنى: شهود الصورة والقلب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤]. وأما تفسيره هاهنا: فقد قيل: معناه: إنَّا عونٌ لكم على محمدٍ وإنْ كنَّا معه ظاهرًا. وقيل: معناه: إنا لكم أنصارٌ. وقيل: أي: إنَّا على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة. وقيل: أي: إنَّا على دينكم. أرادوا الجمع بين الأمرين فحُرموا منهما (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]. كذلك مَن أراد (٣) أنْ يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يَلتئمُ له ذلك، والضِّدَّان لا يجتمعان، ومَن كان له في كلِّ ناحيةٍ خليط، وفي كلِّ زاويةٍ من قلبه رَبِيطٌ، كان نَهْبًا للطَّوارق، ومُنقسمًا بين العلائق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، الهُزْء: السُّخرية من شيءٍ يَحِقُّ عند صاحبه ولا يَحِقُّ عند الهازئ، وقد هَزَأ به؛ أي: سَخِر، والهُزْأةُ (٤) بتسكين الزاي:

стр. 482

هو الذي يُسخر منه، والهُزَأة (١) بفتحها: هو الذي يَسخر من الناس، والاستهزاء كالهُزْء، بمنزلة الاستسخار، وهو كالسُّخرية. وانتظامُه بما قبلَه: أنهم لمَّا قالوا لشياطينهم: ﴿إِنَّا مَعَكُم﴾، قالوا: فما لكم تشهدون مشاهدَهم، وتدخلون مساجدَهم، وتحُجُّون وتَغْزون معهم؟ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قيل: معناه: ساخرون بمحمدٍ وأصحابه ﷺ . وقيل: أي: مُكذِّبون بما يدعو إليه. وقيل: أي: نُريهم أنَّا نوافقهم على دينهم ظاهرًا وباطنًا، وإنما نكون معهم ظاهرًا لنشاركهم في غنائمهم، وننكحَ بناتِهم، ونطَّلع على أسرارهم (٢)، ونحفظَ أموالنا وأولادَنا ونساءَنا من أيديهم. * * * (١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: له ثمانيةُ أوجهٍ: أحدُها: أنَّه عاملَهم في الدنيا على وَفْق معاملتهم، فإنَّهم أظهروا الإيمان وفي باطنهم النفاق، واللَّه تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ بالنيران. والثاني: أن معناه: يجازيهم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداء، قال عمرو بن كلثوم:

стр. 483

ألَا لا يظلمَنْ أحدٌ علينا... فنَظلِمَ فوقَ ظُلْم الظَّالمينا (١) ألَا لا يَجهلَنْ أحدٌ علينا... فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا (٢) وفي القرآن: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. والثالث: قول سيبويه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ أي: يُوقِعُ بهم ضررَ استهزائهم، كما قال في الخداع: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، وهو كقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. والرابع: قول ابن عباسٍ ﵄: كلَّما أحدثوا خطيئةً جدَّدَ لهم نعمةً (٣). والخامس: قول الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: هو إعطاءُ المراد في الحال، وأخْذُ البَغتة في المآل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].

стр. 484

والسادس: أنهم قالوا للنَّبيِّ ﷺ : نشهد إنك لرسول اللَّه، ولم يكنْ ذلك في عقيدتهم، ويقال للمنافق: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وليس ذلك من صِفَتهم (١). والسابع: قول قتادة: وهو ما أخبر اللَّه تعالى عن حالهم يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] بما قُلتم لشياطينكم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، واليومَ تقولون لنا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُم﴾، وكنتم تستهزئون (٢)، فاليوم نحن بكم مستهزئون (٣). فيكون الاستهزاء من المؤمنين مجازاةً لهم، وإنما أضاف اللَّهُ تعالى ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ تشريفًا للمؤمنين، وجَعْلًا لفعلهم (٤) فِعْلَه، كما قال لنبيِّه ﵇: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. والثامن: قولُ الكلبي: أنهم ضحكوا من المؤمنين في الدنيا، فيجعلهم يوم القيامة يضحكون منهم، وهو أنه يَجعل المؤمنين يطَّلعون على المنافقين من (٥) الجنة، فيقولون لهم: أتحبُّون أن تخرجوا من النار وتدخلوا الجنة، فيقولون: نعم، فيُفتح لهم بابٌ من النار، فيقصدون إليه، فيُغلَق عليهم، ثم يُفتح لهم (٦) بابٌ آخرٌ،

стр. 485

فيقصدونه فيُغلق عليهم (١)، فلا يزال يُفعل بهم كذلك والمؤمنون يضحكون منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى أن قال: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ الآيات (٢) [المطففين: ٣٤]. ودلَّت الآيةُ على قُبْح الاستهزاء بالناس، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال في قصة موسى ﵇: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، فأخبر أنه فِعْلُ الجاهلين، وإذا كان وعيدُ الاستهزاء بالناس هذا، فما جزاء الاستهزاء باللَّه تعالى؟! وهو فيما قال النبيُّ ﷺ : "المستغفِرُ من الذَّنب وهو مُصِرٌّ عليه كالمستَهْزِئ بربِّه" (٣). ثم مُقابلةُ الاستهزاء بالاستهزاء دليل على أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وقد عدَّدنا آياتٍ في أجزيَة أعمال السُّوء، وأجزيةُ أعمال الخير كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٤) [يونس: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦].

стр. 486

وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: فمَدُّ الحبل: جَرُّه، ومَدُّ النَّهار: ارتفاعُه، ومَدُّ الظِّلِّ: بَسْطُه، ومَدُّ العيش: تَطويلُه (١)، ومَدُّ النَّهر: ازديادُ مائه، وزيادةُ نهرٍ آخر في مائه، لازمٌ ومُتعدٍّ، ومَدُّ الألف والواو والياء: تطويلُها، ومديدُ القامة: طويلُها، ومَدُّ الدَّواة وإمدادُها: إلاقتُها بالمِداد، وإمدادُ الجيش: إلحاقُ المَدَد به. وذكروا في الفرق بين مَدَّ وأمَدَّ ثلاثةَ أوجهٍ: قال يونس: مَدَدْتُ في الشَّرِّ، وأمْدَدْتُ في الخير (٢). وقال الفرَّاء: مَدَدْتُ فيما كانت الزيادةُ منه؛ كمدِّ النهر، والإمدادُ فيما كانت الزيادةُ من غيره؛ كإمداد الجيش (٣). وقال الأخفش: المَدُّ: التَّرك، والإمداد: الإعطاء، قال تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، وقال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]؛ أي: نعطيهم. وأما تفسيره هاهنا: فقد قيل: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يتركهم. وقيل: أي: يُخلِّيهم (٤). وقيل: يُطَوِّلُهم (٥).

стр. 487

وقال ابن مسعودٍ ﵁: يُمْلِي لهم (١). وقال مجاهد ﵀: يزيدُهم مُدَّةً (٢). وقال ابن كَيسان: يُمْهلُهم (٣). وهي أقاويلُ متقاربةٌ. وأما الطُّغيان: فهو مجاوزةُ الحد في اللغة، يُقال: طَغَى السَّيل؛ أي: جاء بالماء الكثير، وطَغَى البحر: إذا هاجتْ أمواجه. وقال الخليل: هو من الواو والياء أيضًا جميعًا (٤)، يقال: طَغَوتُ، وطَغَيتُ، طُغْيانًا وطُغْوانًا. وأما تفسيرُه هاهنا: فقد قال ابن عباسٍ والسُّدِّي: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾؛ أي: في كفرهم وضلالهم (٥). وقيل: هو إظهارُ القوة على مَن لا قوة له. وقيل: أي: في غُلُوِّهم (٦) في الكفر. وقيل: أي: في عُتُوِّهم. وقيل: أي: في تكبُّرهم.

стр. 488

وقيل: أي: في جهلهم. وقيل: أي: في عَماهم. وقيل: أي: في تماديهم. وقيل: أي: في مجاوزتهم قَدْرَهم، ومعناه: يُطيل مُكْثَهم في طُغيانهم في الدنيا، وقيل: أي: يُطيل (١) مُكْثَهم في جزاء طُغيانهم في العُقبى. وأما العَمَه: فهو التَّردُّدُ في الحَيرة، وقد عَمِه يَعْمَه، فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ، وجمعُه: عُمَّهٌ، قال الشاعر: وَمَهْمَهٍ أَطْرافُهُ في مَهْمَهِ... أَعْمَى الهُدَى بالجاهلين العُمَّهِ (٢) ويقال: ذهبت إبلُه العُمَّيْهَى: إذا لم يَدْرِ أين ذهبت. وأما تفسيره هاهنا: فقد قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ والربيع: معناه: يتردَّدون (٣). وقيل: أي: يتحيَّرون. وقيل: أي: يَعْمَون (٤) عن رُشْدهم فلا يُبصرونه. وهذه الصفات الثلاث ثابتةٌ فيهم: أما التَّردُّد: ففي قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]. وأما التَّحيُّر: ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨].

стр. 489

وأما العَمَى: ففي قوله تعالى: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. ثم قولُه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مذكورٌ في القرآن في صفة الكافرين والمبتدعين والمرتدِّين والمنافقين: قال تعالى في الكفار: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١]. وقال في المبتدِعين: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وقال في المرتدِّين: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال تعالى في المنافقين في هذه الآية: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. ثم في (١) الآيةِ دليلُ أهل السُّنَّة والجماعة، فإنه قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وهو إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهو إثباتُ فعلِ العبد، فدلَّ على أنَّ العبدَ فاعلٌ، واللَّهَ تعالى لفعله (٢) خالقٌ، وبطَل قولُ الجبرية أنْ لا فعلَ للعبد، وقولُ القدريَّة أنْ لا صنعَ للَّه في فعل العبد. ثم ما ينبغي أنْ يفرح العبدُ بطول العمر وامتدادِه، ولا بكثرةِ أمواله وأولادِه، واللَّه تعالى يقول في أعدائه في حقِّ العُمر (٣): ﴿نُمِدُّهُمْ﴾، وفي حقِّ المال والبنين:

стр. 490

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، وكان طولُ العمر لهم خُذْلانًا، وكثرةُ المال (١) والأولاد لهم حِرمانًا. ثم لهم بمُقابلة هذا المَدِّ مَدٌّ لا يُحمَد، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ثم قال: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، وقد جعل اللَّه تعالى لعدِّوه في الدنيا مالًا ممدودًا، ولَولِيِّه (٢) في الآخرة ظلًّا ممدودًا. وقال اللَّه ﷻ لمحمدٍ ﷺ ليلةَ المعراج: إنَّ مِن نِعَمي (٣) على أمَّتك أنَّي قصَّرتُ أعمارهم كي لا تَكثرَ ذنوبهم، وأَقْلَلْتُ أموالهم كي لا يَشتدَّ في القيامة حسابُهم، وأخَّرتُ زمانهم كي لا يَطولَ في القبور حَبْسُهم (٤). * * * (١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: فالشراء: البيع، والاشتراء: الابْتِيَاع، والشَّرْوى: المِثْل. وتفسيره هاهنا: في قول ابن عباسٍ وابن مسعودٍ ﵃: أَخذوا الكفرَ، وتَركوا الإيمان (٥).

стр. 491

وقال قتادة ﵀: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (١)؛ أي: آثَروها. وقيل: أي: اختاروها. وقيل: أي: استبدَلوها، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. ثم هذا على قول الذين قالوا: إن الآية في اليهود، يرجع إلى قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكان هذا استبدالًا منهم الضَّلالةَ بالهدى. وعلى قولِ مَن جعلها في حقِّ المنافقين -وهم لم يكونوا في الهدى قطُّ- فمعناه: أخذوا النِّفاق وتركوا الإخلاص أصلًا، لا أنِ استبدَلوا الضَّلالةَ بالهدى، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وفي حقِّ الكفار: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ليس هذا بطريق النقل، بل بالإبقاء على الأصل. ثم هذا مجازٌ، وهو مُتعارَفُ أهلِ اللسان، وهو أبلغُ في البيان، وأوقَعُ في القلوب والآذان، وهو كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقال عزَّ وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال هاهنا: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. وأصله في استبدالِ مالٍ بمالٍ، واستُعير في الهدى والضلال، والجامعُ بينهما

стр. 492

معنى الاختيار والاستبدال، فكلُّ مُشتَرٍ مختارٌ، وكلُّ مشترٍ مُستبدِلٌ، وكذلك (١) هؤلاء اختاروا الكفرَ على الهدى واستبدَلوه به. وقد أشار إلى هذَين المعنيين في آيتين، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قيل: الكفرَ بالإيمان، وقيل: الشَّكَّ بالإيقان، وقيل: الجهلَ بالعلم، وقيل: الفُرقةَ بالجماعة، وقيل: النِّفاقَ بالإخلاص، وقيل: الدنيا بالآخرة، وقيل: النارَ بالجنة، ومعناه: أنَّ اختيارَ الدنيا ضلالٌ، والعملَ بما يُوجب النارَ ضلالٌ، واختيارَ الآخرة هدًى، والعملَ بما ينال به الجنةَ هدًى. ثم (٢) هذا دليلٌ على أنَّ حكمَ البيع يَثبتُ بالتعاطي من غير تكلُّمٍ بالإيجاب والقَبول، فإنَّ هؤلاء سُمُّوا مُشترِين بترك الهدى وأخذِ الضلال من غير تكلُّمٍ بهذه المبادَلة، أشار إليه الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: فالرِّبْح والرَّبَح: الفضل، ونظيرُهما المِثْل والمَثَل، والرَّباحُ كذلك، قال النَّبيُّ ﷺ : "السَّمَاحُ رَباحٌ" (٤).

стр. 493

والتجارةُ: مصدر (تَجَر) من بابِ (دخل)، واتَّجَر افتَعل منه، وجمع التاجر: التَّجْر، كالرَّكْب، والتُّجَّار كالفُجَّار (١)، والتِّجَار كالصِّيَام. ومعناه: فما ربحوا في تجارتهم، وهي اشتراءُ الضلالة بالهدى، وهو مَجازٌ واستعارةٌ، كالشِّراء، ثم هو مع الاستعارة من مقلوب الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عزموا عليه، وقولهِ تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أي: يُسرى فيه، وقولهِ تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ أي: مكرُهم فيهما، ومَن كان على هذا الوجه مُبايعتُه، فقد (٢) خسرتْ صَفْقتُه، وما ربحتْ تجارتُه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد مرَّ في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] أنَّ (كان) يصلح للماضي والحال والاستقبال (٣)، وهاهنا قد قيل بالوجوه الثلاثة: قيل: أي: وما كانوا على الهدى، فلذلك خُذلوا، فاختاروا الضلالةَ على الهدى. وقيل: أي: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ للحال؛ لتَمَسُّكهم بالضلال (٤). وقيل: أي: وما يكونون مهتدين؛ أي: لا يؤمنون من بعدُ. وقيل في انتظام هذا بالأول: وما نالوا الهدى حيث اشتروا الضلالةَ بالهدى. وقيل: إنما يتَّجِر المرءُ للربح والاهتداء (٥)، ولم يكن لهؤلاء رِبْحٌ لا اهتداءٌ.

стр. 494

وقيل: أي: ما اهتدَوا إلى الاتِّجار بالتجارة الرابحة التي اهتدَى إليها المؤمنون؛ فقد قيل لهم -أي: المؤمنون (١) -: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، و: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقيل لهؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أ [البقرة: ٢٧]، و: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٩]. * * * (١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ﴾: المَثَل في القرآن لعشرةِ معانٍ: للصِّفَة: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وللشِّبه (٢): قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ أي: لا تصفوا للَّه الأَشْبَاه. وللنَّوع: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]؛ أي: من كلِّ نوعٍ. وللعِبْرة: قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]؛ أي: عِبْرةً لهم. وللإمام: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]. وللحال: قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ أي: حالُهم كحال المُستوقِد.

стр. 495

وللعاقبة: قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١١٧]. وللمثال: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وللصِّلة والزِّيادة: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ١٥]؛ معناه: كالذين. وللعذاب: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: عذاب هؤلاء كعذاب الذين من قبلهم. والمَثَل في اللغة: الشَّبَه، والمِثال: ما يُماثلُ الشيءَ (١)، والتِّمْثال: الصورة. وفي القرآن أمثالٌ، وهي للإيضاح والإبلاغ، فإنه أَوجَزُ في الذِّكر، وأَوقَعُ في الفَهْم. وقالوا: إنَّ المَثَل للكلام كالمرآةِ للوجه، يَرى الناظرُ فيها مَثَلَ وجهه، فيقفُ على حقيقة حاله، ويَعرف كمالَ وصفه، وكذا وقوفُ السامع على معنى كلام المُتَمَثِّل، ووصولُه إلى مُراد قوله للمُتأمِّل (٢)، مع ما تذهبُ النَّفْسُ فيه كلَّ مَذْهب، وتستفيد منه (٣) كلَّ معنًى مُعْجِب. ونوضِّحُ ذلك في واحد: أن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]، فتكلَّموا في معنى تمثيله بالماء، فقيل: إنَّ الماءَ إذا قلَّ نَفَع، وإذا كثُرَ ضرَّ، ففي القليل التَّطهُّرُ من الحَدَث والجَنابة والحيض والنِّفاس، واتخاذُ الأطعمة والأشربة، وغَسْلُ الأعيان النجسة، وسقيُ الدَّوابِّ والأراضي والأشجار، وإحياءُ
следующие страницы →