← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

ومدبِّرُها، وذلك شهادةٌ منها للَّهِ تعالى بالقدرةِ والسُّلطان والوحدانيَّة، وخضوعٌ منها له، وهو السُّجود. ومِنَ السُّجود كَرهًا معنى سجود الكافرِ للَّهِ إذا نزلَ به ضرٌّ ألجأتْهُ الحاجة إلى أنْ يتواضعَ للَّهِ ويسجدَ له، يدعوه بها لحاجتِه بها. * * * (١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: قلْ للمشركِيْنَ السَّاجدِيْنَ للَّهِ كَرْهًا دلالةَ الخلقَةِ: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مالكهما ومدبِّرُهما، وكانوا مقرِّين (١) بأنَّ ربَّ السَّماوات والأرض هو اللَّه؛ أي: سَلْهُم عن هذا، فيقولون: اللَّه، فحذفَ جوابَهم لدلالَةِ الكلامِ عليه؛ لأنَّهم كانوا مقرِّيْنَ بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾: أي: وإذا قالوا: اللَّه، فقل أنت أيضًا: اللَّه، تقريرًا لهم، وتأكيدًا للاحتجاجِ عليهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والتَّقريع؛ أي: قلْ لهم بعدَ هذا التَّقرير: فلِمَ اتَّخذْتُم مِن دونه أولياء تتولَّونهم وتعبدونهم وتوجِّهون الرَّغبة إليهم، وهم لا يملكون لأنفسِهم نفعًا يجلبونَه إليها، ولا ضرًّا يدفعونَه عنها، وإذا كان كذلك فهم مِن ملكَةٍ لكم أبعدُ.

стр. 4307

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: وهو تقريعٌ آخر؛ أي: هل يستوي الجماد الذي لا يُبصِرُ ولا يسمَعُ، واللَّهُ الحيُّ الذي يبصرُ ويسمعُ. وقيل: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِن. ولَمَّا قرَّرَ أنَّ اللَّهَ ربُّ كلِّ شيءٍ، وبَّخهم بعبادةِ غيرِ اللَّهِ، وبيَّنَ أنَّ مَنْ فعلَ ذلك فهو أعمى عن الرُّشد، والمؤمن بصيرٌ (١) به، ولا يستويان. وقوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾؛ أي: الكفر والإيمان، فالكفرُ ظلمةٌ لا يُهتَدى فيها، والإيمانُ نورٌ يُهتَدى فيه، ولا يستويان. وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ الأنوارَ إذا تلألأَتْ في القلوبِ نفَتْ آثارَ الظُّلمةِ، فنورُ اليقين ينفي ظلمةَ الشَّكِّ، ونورُ العلمِ ينفي تهمةَ الجهلِ، ونورُ المعرفةِ يمحو أثرَ النَّكرة، ونورُ المشاهدة ينفي آثار البشريَّة، وأنوار الجمع تنفي آثار التَّفرقة، وأنوارُ الحقائق تمحو (٢) آثارَ الحظوظِ (٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: وهذا تقريعٌ آخر، يقول: أوَقعَ عندَهم أنَّ الأصنامَ تخلقُ الأشياءَ كما أنَّ اللَّهَ تعالى يخلقُ الأشياءَ فاستجازوا (٤) عبادةَ الأصنامِ لوجودِ التَّخليقِ منها، كما استجازوا (٥) عبادةَ اللَّهِ لذلك لاشتراكِهم في استحقاق العبادةِ لذلك، وإنْ (٦) لم يكنْ هذا هكذا، بل اللَّهُ

стр. 4308

هو المنفرِد بالتَّخليق، فهو المتفرِّد (١) باستحقاق العبادة له. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: وقد أقررْتُم أنَّه لا خالقَ غيرُه، فلا يستحقُّ العبادةَ غيرُه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؛ أي: الواحدُ الَّذي لا ثانيَ له، ولا شريكَ له، وهو القهَّارُ الَّذي يقهرُ بقدرته كلَّ شيءٍ، ولم يقهرْهُ شيءٌ، وهو المستحِقُّ لتوجيه الرَّغبات إليه، والاستغناءِ به عن غيرِه. * * * (١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: قال قتادةُ: هذه ثلاثةُ أمثالٍ في مثلٍ واحدٍ: قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصَّغير والكبيرُ، فشبَّه نزولَ القرآنِ بالماءِ ينزلُ مِن السَّماء، وشبَّه القلوبَ بالأوديةِ والأنهار، فذو العلم على قَدْر علمِه، وذو الجهل على قَدْر جهلِه، فهذا مَثَلٌ. ثمَّ شبَّه وساوسَ الشَّيطان ومخايل النَّفس والخَطَرات الفاسدةَ بالزَّبَد يعلو الماء، وهو قوله تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ (٢)، والرَّابي: العالي، فما يقعُ في النَّفس مِن الوهم والفضول فمِن ذاتِها لا من الحقِّ، يقولُ: فكما يذهبُ الزَّبدُ باطلًا

стр. 4309

ويبقى صفوُ الماءِ، كذلك تذهبُ مخايلُ النَّفس ووساوسُ الشَّيطان ويبقى الحقُّ كما هو، فهذا مثلٌ ثانٍ. والمثل الثَّالثُ قولُه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾: أي: له خبثٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، فكما (١) يذهبُ خَبَثُ الجواهرِ ويبقى خلاصُها وصفوها كَذَلِكَ يذهبُ الجهلُ والوهمُ، ويبقى العلمُ والفهمُ، فهذا المثل الثَّالث (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ: الآيةُ تشتملُ على أمثالٍ: شبَّه القرآنَ المنزَلَ بالماءِ المنزَل من السَّماء. وشبَّه القلوبَ بالأودية. وشبَّه وساوسَ الشَّيطان وهواجس النَّفس بالزَّبَد الَّذي يعلو الماء. وشبَّه الحقَّ بالجواهر الصَّافية مِن الخَبَثِ؛ مِنَ الذَّهب والفضَّة والصُّفر والنَّحاس وغيره. وشبَّه الباطلَ بخبَثِ هذه الجواهر. ثمَّ إنَّ الأودية مختلفةٌ في صغرِها وكبرِها، فبقَدْرها تحتمِلُ الماءَ في القلَّة والكثرة، كذلك القلوبُ مختلفةٌ في الاحتمالِ على حسب الضَّعف والقوَّة، وكما أنَّ السَّيل إذا حصل في الوادي يطهِّر الوادي، كذلك القرآن يطهِّرُ القلوب. وكما أنَّ السَّيل يحتمل الزَّبد فيلفِظُهُ كذلك القرآن إذا حصل حفظُه في القلوب ينفي الوساوسَ والهواجسَ عنها.

стр. 4310

وكما أنَّ الماء قد يصحبُه ما يكدِّره، ويخلِّص بعضه عمَّا يشوبُه، فكذلك الإيمانُ وفهمُ القرآنِ في قلوب المؤمنين قد تختلطُ به نزغات (١) الشَّيطان والخواطر الرديَّة، فمِن بين صافٍ وكدرٍ. وكما أنَّ الجواهر التي يُتَّخَذ منها الأواني إذا أذيبَتْ (٢) خلصَتْ عن الخبث، كذلكَ الحقُّ يتميَّز مِن الباطل ويبقى الحقُّ ويضمحلُّ الباطلُ. ثمَّ الجواهرُ الَّتي تُتَّخَذُ منها الأواني مختلفةٌ؛ فمِن إناءٍ يُتَّخَذُ مِنَ الذَّهبِ، وآخر مِن الرَّصاصِ إلى غيرِه، فكذلِكَ القلوبُ تختلفُ. وفي الخبر: "إنَّ للَّهِ أواني، وهي القلوبُ" (٣)، فمريدٌ قاصدٌ، ومحبٌّ واجدٌ، وعابدٌ خائفٌ، وموحِّد عارفٌ، ومتعبِّدٌ متقشِّفٌ، ومتهجِّد (٤) متصوِّف. وأنشدوا: ألوانُها شتَّى الفنونِ وإنَّما... تُسْقَى بماءٍ واحدٍ مِن مَنْهَلِ (٥) وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: الواحدُ القهَّار أنزلَ مِن السَّماء مطرًا.

стр. 4311

﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾: جمعُ وادٍ ﴿بِقَدَرِهَا﴾: على أقدارها (١) مِن السَّعةِ والضِّيق، والكِبَر والصِّغَر. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾؛ أي: الوادي إذا سالَ حملَ السَّيل زبدًا مرتفعًا على ظهرِه؛ وهو زَبَدُ الماءِ والغثاء؛ أي: الحق الَّذي أنزلَه اللَّهُ تلقَّتْهُ القلوبُ على قَدْرِ عقولِها وإذعانِها، والباطلُ يظهرُ أحيانًا ويكادُ يعلو الحقَّ، ثمَّ يتلاشى ويضمحِلُّ، ولا تكون العاقبةُ إلَّا للحقِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾؛ أي: من الجواهر الَّتي يستخرجونها مِن المعادن فيوقدون عليها ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾؛ أي: طلبَ الحلية ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾؛ أي: آنية من الأواني فله ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: خبثٌ كزبدِ الماء، ثمَّ إنَّه (٢) ينمحقُ عندَ أوَّل ما لمستْهُ النَّار، ولا ينتفِعُ به أهلُه، فكذلك الباطل يضمحِلُّ عندَ أوَّلِ حجَّةٍ تقومُ بهِ مِن حججِ الحقِّ، والجواهرُ تبقى في الأرض، وهي مِثْلُ الحُجَجِ (٣) تثبُتُ وتقوى. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾: أي: يبيِّن ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾؛ أي: يذهبُ بعدَ علوِّهِ السَّيل برفعِ الرِّياح إيَّاه، وقذفِ الماءِ به، وتعلُّقِه بالأشجار، وجنبات الأودية. وقد جَفَأَتِ القدرُ وأجْفَأَتْ، وجَفَأَ الوادي وأَجْفَأَ؛ أي: رمى بما علاه، فيرمِي الوادي بالجَفأ أوَّلًا إلى جانبٍ، ثمَّ تعمل فيه الرِّيحُ والشَّمسُ ويتلاشى، وكذا الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: المطرُ وجواهرُ المعادن

стр. 4312

تستقرُّ في الأرض، فيَنتفعُ بها النَّاسُ عندَ الحاجةِ إليها، والزَّبَدُ يعلو صورةً ثمَّ يتلاشى، وكذلك الباطلُ وأهلُه، والماءُ والجواهرُ يسفُلُ صورةً ويثبُتُ ويبقى، فكذلك الحقُّ وأهلُه، والجواهر تستفيدُ بالنَّار صفاءً، وكذلك المحقُّ يزدادُ بأذى المبطليْنَ خُلوصًا وبقاءً. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: أي: يبيِّنُ الأشياءَ لإيضاحِ الحقِّ وإدحاضِ الباطلِ. * * * (١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾؛ أي: أجابوا دعوةَ الحقِّ ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: المثوبةُ الَّتي لا أحسنَ منها، وهي الظَّفَرُ والتَّمكين في الدُّنيا، والنَّعيم المقيم في الجنَّة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛ أي: الظَّفرَ والشَّهادة، وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنَّة. وقال الإمام القشيريُّ: هي قَبولُ استجابَتِهم له، وذلك مِن أجلِّ الأشياءِ عندَهم؛ إذْ لا شيءَ أعزُّ على المحبِّ مِن قَبول محبوبِه منه شيئًا (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: لم يجيبوا لربِّهم في دعوةِ الحقِّ، فلا مخلَصَ لهم بوجهٍ مِن الوجوهِ. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن صنوفِ الأموالِ ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾؛ أي: وضعفَ ذلك.

стр. 4313

﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: لأعطَوه بدلًا عن أنفسِهم ليخلِّصوها من العذاب، ولا يُقبَل منهم، قال ذلك في آيةٍ أخرى، وهذا ممَّا عَلِمَ اللَّهُ في الَّذي لا يكونُ أنَّه لو كانَ كيفَ كانَ يكونُ. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أي: يحاسبُهم اللَّهُ بكلِّ معاصيهم، فيجازيهم عليها ولا يتجاوزُ عنها. وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: مرجعُهم بعدَ المحاسبة النَّارُ ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: بئسَ الفِراشُ جهنَّمُ. * * * (١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: ليسَ الَّذي استجابَ للَّهِ في دعوة الحقِّ وعلم أنَّ ما أوحى اللَّهُ إليك أنَّه حقٌّ صِدقٌ كالذي لم يستجبْ له فيها وعميَ عنها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: إنَّما يتَّعظُ بآياتِ اللَّهِ أولو العقول، فيعلمون أنَّ وحيَه الحقُّ. وقال أبو القاسم ابنُ حبيبٍ ﵀: رأيْتُ في بعض التَّفاسير أنَّها نزلَتْ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وفي أبي جهلٍ لعنَه اللَّه (١). وقيل نزلَتْ: في عمَّار بنِ ياسرٍ وأبي حذيفة بن المغيرة (٢).

стр. 4314

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا يستوي البصيرُ والضَّريرُ، والمقبولُ والمردودُ، والمؤهَّلُ للتَّقريبِ والمعرَّضُ للتَّعذيب، والَّذي أقصيناه عن شهودِنا والَّذي هديناه لوجودِنا (١). * * * (٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: له وجهان على الانتظام: أحدهما: أنَّه نعتُ قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. والثَّاني: أنَّ تقريره: هم الَّذين. وقال ابن عبَّاس ﵄: الَّذين يقيمون على الشَّهادة ولا ينقضون ذلك (٢)؛ أي: لا يشركون باللَّه تعالى. وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: هو ميثاق ذريَّة آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ إذا بلغوا الحنثَ (٣). وقيل: هو ميثاقُ أهلِ الإيمان وقَبول الأوامرِ والنَّواهي. وقيل: هو ميثاقُ الخِلْقة، وقد مرَّ ذكرُها وذكرُ أقاويل أُخَر في أوَّل (سورة البقرة). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو باستدامةِ العِرفان، وإيفاءِ شرائطِ الإحسان،

стр. 4315

والتوقِّي عن (١) ارتكاب العصيان، بذلك (٢) انبرم العقدُ يومَ الميثاق والضَّمان، وميثاقُ قومٍ ألَّا يعبدوا سواه، وميثاقُ قومٍ ألَّا يحبُّوا سواه، وميثاقُ قومٍ ألَّا يشاهدوا سواه، وميثاق قومٍ ألَّا يسألوا سواه (٣). * * * (٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعني مَن آمنَ مِن أهلِ الكتابِ وصلُوا الإقرارَ بكلِّ الأنبياءِ والكتبِ، ولم يقولوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض (٤). وقيل: هو صلةُ أرحامهم. وقيل: هو صلةُ رَحِم النَّبيِّ ﷺ ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إلا أن تودُّوني لقرابتي منكم (٥). وهو خطابٌ للعربِ، ويجوز أن يكون لأهل الكتاب أيضًا، فهم بنو إسرائيل، وهم أولاد إسحاق، والعربُ -وهم النَّبيُّ ﵇ وأصحابه- من أولاد إسماعيل، فهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض.

стр. 4316

وقيل: هو التَّواصل في (١) الدِّين والتَّوالي عليه، ولا طاعةَ بعدَ الإيمانِ باللَّهِ تعالى أعظمُ ثوابًا مِن الحبِّ في اللَّه تعالى والبغضِ فيهِ. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: في نقضِ الميثاقِ وقطيعةِ الرَّحم وكلِّ شيء. ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾: أي: مناقشتَه، والمجازاةَ على كلِّ المعاصي بغيرِ عفوٍ. وقال القشيريُّ ﵀: يصلونَ أنفاسَهم بعضَها ببعضٍ، فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغيرِ اللَّهِ تعالى، ولا في شهودِ غيرِ اللَّه، ويصلونَ سيرَهم بسُراهم (٢) في إقامة العبوديَّة، والتَّبرِّي مِنَ الحولِ والقوَّة. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: والخشيةُ لجامٌ يوقفُ المؤمنَ عن الرَّكض في ميادين الهوى، وزمامٌ يجرُّه إلى (٣) استدامة حكم التَّقوى. ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾؛ أي: يبدو لهم مِن اللَّهِ ما لم يكونوا يحتسبون (٤). * * * (٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: أي: حبسوا أنفسَهم عمَّا لا يجوز. وقيل: أي: تجرَّعوا مرارةَ منعِ النَّفس فيما تهواه.

стр. 4317

وقيل: صبروا على أداءِ الطَّاعات. وقيل: صبروا على ترك السَّيِّئات. ويجوز أن يكون هذا عطفًا، ويجوز أن يكون ابتداء، وجوابُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يحتمل الوجهَيْن. وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: الصَّلوات بأركانها وشروطها وآدابها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: أي: في الزَّكوات، ونوافل الصَّدقات، والمندوبِ من النَّفقات، سرًّا وعلانية، لا علانية لا غير، فيكونَ رياءً. وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: أي: يدفعون إساءةَ مَن أساءَ إليهم مِن النَّاس بالإحسان إليهم، عملًا بقولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]. وقيل: أي: يدفعون بالإيمانِ الشِّرك. وقال الحسنُ: إذا حُرِموا أَعطوا، وإذا ظُلِموا عَفَوا، وإذا قُطِعوا وَصَلوا (١). وقال ابنُ كيسان: إذا أذنبوا تابوا، وإذا هربوا أنابوا، فيدفعون بالتَّوبة عن أنفسِهم معرَّة الذُّنوب (٢). ونظيرُه قولُه ﵊ لمعاذٍ ﵁: "إذا عملْتَ سيِّئةً فأتْبِعْها بحسنةٍ، السِّرُ بالسِّرِّ، والعلانيةُ بالعلانيةِ" (٣).

стр. 4318

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: هؤلاء الَّذين وصفناهم هم الَّذين أعقبَهم اللَّهُ الجِنان مِن دار الدُّنيا؛ أي: جزاءً بما فعلوا فيها. وعن ابن المبارك أنَّه قرأ هذه الآيات فقال: ثماني خِلالٍ مسيِّرةٌ إلى ثمانيةِ أبوابٍ مِن أبوابِ الجنَّة (١). وقال القشيريُّ ﵀: وممَّا يجبُ الصَّبر عليه لأهل الإرادة هو الوقوف على حكم تعزُّز الحقِّ ﷻ ، فإنَّه يتفضَّلُ على الكافَّة مِن المجتهدين، ويتعزَّز خصوصًا على المريدين، فيمتحنُهم بالصَّبر في أوانِ إرادتِهم، فإذا صدقوا في صبرِهم جادَ عليهم بتحقيقِ ما طلبوا (٢). * * * (٢٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾: رفعُها مِن وجهَيْنِ: أحدُهما: أنَّه بدلٌ عن قولِه: ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾. والثَّاني: أنَّه مبتدأ، وخبرُه ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: بساتينُ إقامةٍ يدخلونها.

стр. 4319

﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: مَن آمنَ باللَّه مِن والدِيهم وزوجاتِهم وأولادِهم فيجتمعون، وفيه أعظمُ اللذَّات وأجلُّ النِّعمة والكرامات. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾: قال مقاتلٌ: يدخلون عليهم في مقدارِ يومٍ وليلةٍ مِن أيَّام الدُّنيا ثلاثَ كرَّات (١)، معهم الهدايا والتُّحف (٢). * * * (٢٤) - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يقولون: سلامٌ عليكم، وهو تحيَّة وكرامة. وقيل: إخبارٌ منهم أنَّهم وصلوا إلى السَّلامة التَّامَّة مِن كلِّ آفةٍ. وقيل: هو دعاءٌ منهم لهم بها. وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (٣): في الدُّنيا عن المعاصي (٤) وعلى الطَّاعة وعلى المحنة. وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: فهي نِعْمَ عُقبى الدَّار، وقد فسَّرناها. * * * (٢٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

стр. 4320

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: أي: إيثاقه ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ هو بمقابلة ما ذكر في الآيات المتقدِّمة مِن الوفاء بالعهد وصلة الرَّحم. قوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾: قيل: بالعمل بالمعاصي. وقيل: بالتَّنفير عن النَّبيِّ ﷺ والنَّميمة على المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: أي: الطَّرد والإبعاد عن رحمة اللَّه ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ أي: يرَوْن فيها ما يسوؤهم. وقال القشيريُّ ﵀: نقضُ العهدِ: الرُّجوع إلى الاختيار والتَّدبير (١) بعدَ شهودِ الأقدارِ وملاحظة التَّقدير (٢). * * * (٢٦) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يوسِّع الرِّزق لمن يشاءُ ويضيِّق على مَن يشاء، وليس التَّوسيع على الكفَّار لكرامتهم، ولا التَّضييق على المسلمين لإهانتِهم، بل للمسلمين في الآخرة الجنَّة ونعيمها، ونِعْمَ عُقبى الدَّار، وللكافرين في الآخرة اللَّعنة ولهم سوء الدَّار. وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: سُرُّوا بها وبطروا؛ أي: المشركون، ولم يعلموا ما عندَ اللَّهِ للَّذين يؤمنون.

стр. 4321

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾: قال مجاهدٌ: أي: نفعٌ قليلٌ ذاهبٌ (١). وقال القشيريُّ ﵀: بسَطَ الرِّزقَ للأغنياء وطالبَهم بالشُّكر، وقبضَ عن الفقراءِ وطالبَهم بالصَّبر، ثمَّ وعدَ الزِّيادةَ للشَّاكرين، ووعدَ معيَّته للصَّابرين، فللأغنياء الأموال بمزيدِها، وللفقراءِ التَّجرُّد في الدَّارين عن طريفِها وتليدِها. ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فرحَ الأغنياءِ بزكاءِ أموالِهم، وفرحَ الفقراءِ بصفاءِ أحوالِهم. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: قليلٌ بالإضافةِ إلى متاعِ الآخرةِ، فأموال الأغنياء وإنْ كَثُرَتْ قليلةٌ بالإضافةِ إلى ما وعدَ لهم مِن شهودِ جماله وجلالِه (٢). * * * (٢٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: يقول عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ وأميَّةُ وأصحابُه: لولا أُنزِلَ عليه آيةٌ مِن ربِّه، وهي آيةٌ كانوا يقترحونَها. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ مع ظهور الآيات ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ مَن يشاءُ (٣) مع غموضِ الآيات، فهو الهادي والمضلُّ، فيهدي ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ إليه؛ أي: رجعَ إليه (٤)، وانقطعَ بعملِه إليه؛ أي: يهدي مَن علمَ منه اختيارَ الهدى والرُّجوع إليه تعالى. * * *

стр. 4322

(٢٨) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: هذا نعتُ ﴿مَنْ أَناَبَ﴾، وذلك بمعنى الجمع؛ لأنَّه جنسٌ. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تسكنُ ولا تضطرب، وتزول عنها الشُّبَه. قال مجاهدٌ: الآيةُ في أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ (١). وقال مقاتلٌ: وتطمئنُّ قلوبهم بالقرآن (٢). ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ يعني: تسكنُ القلوبُ بالقرآنِ. وقال قتادةُ: أي: تَهَشُّ إلى ذكرِ اللَّهِ وتستأنسُ به (٣). وقال القشيريُّ: قومٌ قد اطمأنَّتْ قلوبُهم بذكرِ اللَّهِ، وفي الذِّكْرِ وجدوا سلوتهم (٤)، وبالذِّكرِ وصلوا إلى صفوتِهم، وقومٌ قد اطمأنَّتْ قلوبُهم بذكرِ اللَّهِ، فإذا ذكرَهُم اللَّهُ بلطفِه أثبتَ الطَّمأنينة في قلوبِهم على وجهِ التَّخصيص لهم. وقيل: إذا ذكروا أنَّ اللَّهَ ذكرَهُم استروحَتْ قلوبُهم، واستبشرَتْ أرواحُهم، واستأنسَتْ أسرارُهم (٥). * * * (٢٩) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

стр. 4323

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هذا مبتدأ، وخبرُه قولُه تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. وقيل: لَمَّا قال في الآية الأولى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقَبْل جوابه أتى بكلامٍ معترضٍ تامٍّ، وهو قولُه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ أي: هكذا يجبُ أنْ يكون، انقطع الأوَّل، فأعاد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وهو يرجع إلى ما تقدَّمَ، وبني عليه جوابُه. ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾؛ أي: لهم طِيْبُ العيش. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾؛ أي: حسنُ مرجعٍ ومنقلَبٍ إلى كرامةِ اللَّهِ تعالى. و ﴿طُوبَى﴾: فُعلى مِن الطِّيب، والواو أصلها الياء، وصارت واوًا لضمَّةِ ما قبلها. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: فرحٌ لهم، تقرُّ به أعينُهم. وقال قتادة: حُسنى لهم. وقال عكرمة: نِعْمَ ما لهم. وقال الضَّحَّاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم: أي: كرامة لهم من اللَّه. وقال مجاهد: أي: الجنَّة لهم (١). قال أبو هريرة: هي شجرةٌ في الجنَّة (٢).

стр. 4324

وقيل: هي تأنيثُ الأطيبِ، وهي صفة الجنَّة؛ أي: أطيب الأشياء لهم، وهي الجنَّة. وقال الزَّجَّاج: أي: العيش الطَّيِّب لهم (١). وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هو البستانُ بلغة الهند (٢). وقال مجاهد: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هو الجنَّة بلسانِ الحبشة (٣). وقال شميط بن عجلان (٤): ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، يعني: دوام الخير (٥). وقال أبو هريرة: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة، يقول اللَّه تعالى لها: تفتَّقي لعبادي عما شاؤوا، فتتفتَّقُ لقومٍ عن الخيلِ بِسُرُجِها ولُجُمِها، ولقومٍ مِن الإبلِ برحالِها وأَزِمَّتِها، ولقومٍ عن الحليِّ والحُلَلِ، ولقومٍ عن الفواكِه (٦). وقال مقاتلٌ: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة، لو ركبَ رجلٌ فرسًا أو نجيبةً عُمُرَهُ لم يبلغ الموضِعَ الَّذي ركبَ منه حتَّى يدركَهُ الهرمُ، ولو طارَ طائرٌ مِن ساقِها لَمَا أدركَ فرعَها حتَّى يدركَهُ الهرمُ، لها أوراقٌ كلُّ ورقةٍ منها تُظِلُّ أمَّةً، على كلِّ

стр. 4325

ورقةٍ ملَكٌ يسبِّحُ اللَّهَ تعالى بأنواع التَّسبيحِ، ثمارُها الحليُّ والحُلَلُ (١). وقال عبيدُ بنُ عميرٍ: طوبى: شجرةٌ في الجنَّة (٢)، أصلُها في دارِ النَّبيِّ ﷺ ، ففي كلِّ دارٍ وغرفةٍ غصنٌ منها، لم يخلق اللَّه لونًا ولا زهرةً إلَّا وفيها، ينبعُ مِن أصلِها عينان: الكافور والسَّلسبيل (٣). وروى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ عن النَّبيِّ ﷺ : "طوبى شجرةٌ في الجنَّةِ مسيرةُ مئةِ سنةٍ، ثيابُ أهلِ الجنَّةِ تخرجُ مِنْ أكمامِها" (٤). وقال أبو أمامة: طوبى شجرة في الجنَّة، ليس فيها دارٌ إلَّا وفيها غصنٌ منها، ولا طيرٌ إلَّا وهو فيها، ولا ثمرةٌ إلَّا وهي فيها (٥). وقال يزيد بن شجرة: طوبى شجرةٌ في الجنَّةِ عليها طيرٌ أمثالُ البخت، يقعدُ الوليُّ على الخوان فيدعو واحدًا منها فيقع على الخوان، فيأكل نصفَه شواءً، ونصفَه قديدًا، فإذا فرغَ مِن الأكلِ قامَ الطَّيرُ فطارَ وذهبَ (٦). * * *

стр. 4326

(٣٠) - ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾: أي: قد خلَتْ مِن قبلِكَ أممٌ أرسلنا إليهم كما أرسلنا إلى هذه الأمَّة. قوله تعالى: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: لتقرأَ عليهم القرآنَ فيتدبَّروه، ويقفوا على إعجازِه، فيكونَ آيةً على صدقِكَ، إذْ هم في غايةِ الفصاحةِ والعلمِ بأصنافِ الكلامِ، فيستدلُّوا بعجزِهم عن الإتيان بسورةٍ مثلِه أنَّه مِن عندِ اللَّهِ، فيقفوا أيضًا على أقاصيصِ الماضِيْن ليتيقَّنوا (١) أنَّه مِن عندِ اللَّهِ تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾؛ يعني: ممَّا تتلو عليهم مِن القرآنِ المعجزةِ (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا أكفرُ بِهِ كما تكفرون ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: اعتمدْتُ ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾؛ أي: مرجعي في الأمورِ كلِّها. وقال مقاتلُ بنُ سليمانَ: نزلَتْ في صلح الحديبيةِ حينَ صالحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أهلَ مكَّة؛ منهم سُهَيلُ بنُ عَمرو، وذلك أنَّهم أرادوا أنْ يكتُبَ لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ كتابَ الصُّلح، فقالَ للكاتبِ: "اكتب: بسمِ اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم"، فقال سهيلٌ: ما نعرفُ الرَّحمن إلَّا صاحبَ اليمامةِ -يعني مسيلمة الكذَّاب- اكتبْ: باسمِكَ اللَّهمَّ، فكتبَ: باسمِكَ اللَّهمَّ (٣)، فأُنْزِلَتْ هذه الآيةُ (٤).

стр. 4327

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلَتْ في أبي جهلٍ، وذلك أنَّه دعا جماعةً مِن المشركين، وأتَوا النَّبيَّ ﷺ ، فقالوا (١): إنْ يسرُّكَ أنْ نؤمِنَ بكَ ونتَّبِعَكَ فسيِّرْ لنا هذهِ الجبالَ مِن مكَّةَ، فنحنُ في ضِيْقٍ حتَّى نتَّخذ كظائِمَ -يعني: آبارًا (٢) - ونغرس ونزرع، فلسْتَ أهونَ عندَ اللَّهِ مِن داود، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا أطيقُ ذلك"، قالوا: فسخِّرْ لنا الرِّيحَ لنركبَها، ونمتارَ في يومٍ إلى الشَّامِ مسيرةَ شهرٍ، ونرجعَ مِن يومِنا، فلسْتَ أهونَ عندَ اللَّهِ مِن سليمانَ، قال: "لا أطيقُ ذلك"، قال: فإنْ كنْتَ لا تطيقُهُ فأحيِ لنا جدَّكَ قُصيًّا حتَّى يخبرَنا عن كونِ البعْثِ، وعن صحَّةِ أمرِكَ، فلسْتَ بأهونَ عندَ اللَّهِ تعالى مِن عيسى، قال: "لا أطيقُ ذلك"، قال: فإنْ كنْتَ لا تطيقُه فلا أُلفينَّكَ تذكرُ آلهتَنا بسوءٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الآية (٣). * * * (٣١) - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

стр. 4328

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾: جوابُه محذوفٌ، وهو: لكان هذا القرآن، وهو كقولِ القائل: واقْسِمُ لو شَيءٌ أَتَانَا رَسولُهُ... سِواكَ ولَكِنْ لم يَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا (١) وجوابُه محذوفٌ، وهو: لدفعْنَاه. وقال الفرَّاءُ: يجوزُ أنْ يكونَ جوابُه: لكفروا بالرَّحمن؛ لتقدُّم ما يقتضيه (٢). يعني: إنَّهم لتعُّنتِهم لا يؤمنون مع رؤيةِ كلِّ آيةٍ، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، وهي منتظِمةٌ بما مَرَّ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ يعنون: مثلَ تسيير الجبالِ وتفجُّرِ الأنهار، فلمَّا أُشِيْرَ بهم إلى القرآن أنَّه آية معجزة قالوا: فافعل هذا بقرآنِكَ، فنزلَتْ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ فكذا وكذا، وجوابُه: لكان هذا القرآن، لكنْ ما أُنْزِلَ هذا القرآنُ لهذه الأشياء، فليسَتْ هذه (٣) مِن القرآنِ ولا مِن محمَّد، بل هي مِن اللَّه (٤) تعالى، ولو فُعِلَ بالقرآنِ لكانَ

стр. 4329

ذلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تعالى، والأمرُ كلُّه للَّهِ تعالى، يفعلُ ما يشاءُ، لا يمتنعُ عليه شيءٌ أرادَه، ولكن لا يفعل (١) على شهواتِ المقترحين. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾: استفهامٌ بمعنى الأمرِ. قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ والحسنُ وقتادةُ وابن زيدٍ وأبو عبيدةَ: يعني: أفلمْ يعلمْ، ومعناه: فلْيعلَمْ (٢). قالَ سُحَيْمٌ: أقولُ لهمْ بالشِّعْبِ إذْ ييسرونَني... ألمْ تَيْأَسُوا أنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ (٣) وقيل: أفلمْ ينقطعْ طمعُهم مِن خلافِ هذا علمًا لصحَّتِه، والعلمُ بالشَّيءِ يوجِبُ اليأسَ مِن خلافِه. وقيل: إنَّ طائفةً مِن المسلمين قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أجبْ هؤلاءِ الكفَّارَ إلى ما سألوا، فعسى يؤمنون، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى

стр. 4330

النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ أي: إن اللَّه قادرٌ على أنْ يهديَ كلَّ النَّاسِ، ولكنْ لا تطمعوا أنتم في إيمانِهم، فإنِّي لا أهديهم لعلمي باختيارهم الضَّلال. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: قال ابنُ عبَّاس: ﴿قَارِعَةٌ﴾: عقوبة (١). وقال قتادة: بليَّة (٢). وقال مجاهدٌ: وقعة هَلَكة؛ أي: مِن سراياه (٣). وقال المبرِّد: داهيةٌ (٤). وأنشدَ لحسَّانَ ﵁: وأَمَّ النَّبيُّ بني مالكٍ... لقارعةٍ وَسْطَهُمْ تَنْزِلُ (٥)

стр. 4331

فعلى قولِ مَن قالَ: هذا السُّورة مكيَّةٌ، فتأويلُه: ولا يزالُ هؤلاء المشركون يصيبهم بكفرِهم واقتراحِهم داهيةٌ مهلكةٌ مِن صاعقةٍ، كما أصابَتْ أربدَ ونحوَ ذلك، وكما أصابَتِ المشركين (١) بمكَّة على ما تأتي قصَّتُه إن شاء اللَّه تعالى، أو تحلُّ أنت يا محمَّد قريبًا مِن دارهِم، تخرجُ مِن المدينةِ وتنزل قريبًا من دارهِم، فيخافون، حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ بالقتالِ. وعلى قولِ مَن قال: هي مدنيَّة، فالقارعةُ: السَّريَّةُ مِن سرايا رسولِ اللَّه ﷺ تأتي مكَّة، أو تحلُّ القارعةُ قريبًا مِن دارهِم حول مكَّة، والتَّاء (٢) في هذا للتَّأنيث، وفي الأوَّل للخطاب ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: فتحُ مكَّة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. وقيل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: إظهار دينِه على الأديانِ كلِّها. وقيل: حتَّى يأتي يومُ القيامةِ. والقارعةُ: مِن القَرْعِ، وأصلُه: الضَّربُ بشدَّةٍ كقَرْعِ البابِ، والضَّرْبُ بالمِقْرَعَةِ، والقارعةُ اسمٌ للقيامةِ لقرعِها القلوب. * * * (٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وهذه تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 4332

يقول: ولقد فُعِلَ بالرُّسِلِ مِنْ قبلِكَ ما يَفعلُ هؤلاء المستهزئون (١) بك، مِن الاستهزاءِ، واقتراحِ الآيات، فأمهلْتُ المستهزئينَ مدَّةً ليؤمِنَ مَن كان في علمي أنَّه يؤمِنُ، أو يزدادَ إثمًا ويكفرَ مَن علمْتُ أنَّه لا يؤمنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: بالعقابِ، فانظر كيف كان ذلك. وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ كلمةٌ تُستعمَلُ عندَ الإعلام بالقدرة، وهو توعُّدٌ لهؤلاءِ بمثلِه. * * * (٣٣) - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: هو تعجُّبٌ مِن المشركين في إشراكِهم باللَّهِ غيرَه، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: ليس مَن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ؛ أي: قائمٌ بالتَّدبير في جزائها (٢)، وقيل: بحفظِها وإدرارِ رزقِها. وقيل: أفمَن هو محاسِبٌ مطالِبٌ، كما قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. وحذفَ هنا: (كمَنْ ليس كذلك) لدلالةِ الكلامِ عليه، ومثلُهُ في القرآن كثيرٌ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩]، ودلَّ على هذا الحذف ما بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: شركاءَ ليسوا بقائمِينَ على الأنفس.

стр. 4333

وقيل: المحذوفُ شيءٌ آخرُ، وتقديرُه: أفمَن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ يحفظُها ويرزقُها في دار المحنةِ إلى مدَّةٍ يمتحنُهم ثمَّ لا يجعلُ لهم دارَ جزاءٍ؛ أي: هذا لا يكون. وكلمةُ: (أفَمَنْ) و (أومَنْ) و (أمَّنْ) ذُكِرَتْ في القرآنِ في ستَّ عشرةَ آية: ثلاثٌ في صفةِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس: ٣٥]. وثلاثٌ في حقِّ الرَّسولِ ﷺ : ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤]، ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]. وواحدةٌ في حقِّ الصِّدِّيقِ ﵁: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ الآية [القصص: ٦١]. وواحدةٌ في حقِّ الفاروقِ ﵁: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ [فصلت: ٤٠]. وواحدةٌ في حقِّ عثمانَ ﵁: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]. وواحدةٌ في حقِّ عليٍّ ﵁: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨]. وثلاثٌ في حقِّ المؤمنين: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وثلاثٌ في حقِّ الكفَّارِ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]، ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨].

стр. 4334

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: أشركوا أيضًا مع إنكارِهُمُ البعثَ، فازدادوا كفرًا إلى كفرٍ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: قيل: سمُّوا هؤلاء الَّذين جعلتُموهم شركاء بأسماء حقيقةٍ لها معانٍ تستحقُّ بها أنْ تكونَ معبودةً، ولم تقدروا على ذلك، فبطلَ قولُكم. وقيل: إذا سمَّيتموها آلهةً فسمُّوها بأسماء اللَّه، وهي الخالق والرَّازق وسائر الأسماء، ولا يفعلون ذلك لعلمِهم أنَّه باطل، فكذلك تسميتُهم بالآلهةِ. وقيل: إذا جعلتُم لي شركاء فسمُّوها مَن هم، ولا شكَّ أنَّهم يسمُّون أصنامَهم المعروفةَ بالَّلات والعُزَّى ومناةَ ونحوها، فيَعلمُ كلُّ عاقلٍ أنَّها جماداتٌ لا تملكُ شيئًا، ولا يكون منها شيءٌ إلهًا معبودًا، وهو كمَنْ يقولُ: إنِّي لأعلمُ لفلانٍ شبيهًا، فيُقالُ له: سَمِّهِ، فإذا سَمَّى مَن يُعْلَمُ يقينًا أنَّه ليس بشبيه لِمَنْ (١) يقولُ، رُدَّ عليه قولُه، وبطلَ كلامُه، فكذا هذا. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: أتخبِّرون اللَّهَ بالشُّركاءِ في الأرض وهو لا يعلمُ ذلك؛ أي: لو كان لَعَلمَ، فهو في الحقيقةِ نفيُ الكونِ، لا نفيُ العِلْم، وأنَّه (٢) عطفٌ على الألفِ في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾. وقيل: هاهنا مُضمَر با لألف، ثمَّ هذا عُطِفَ عليه: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٣) أتسمُّونهم أم تنبِّئون اللَّهَ بما لا يعلمُ في الأرض.

стр. 4335

وقوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾: قالَ مجاهدٌ وقتادةُ: أي: بظاهرٍ مِن قَوْل سلفِكُم على الجهالةِ أنَّها شركاء مِن غير حقيقةٍ (١). وقيل: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الَّذي أنزلَ اللَّهُ على عبادِه، فإنِ ادَّعوا ذلكَ فقل: هاتوا برهانَكم. وقيل: أي: بظنٍّ (٢) مِنَ القول، كالرَّجلِ يرى ظاهرَ الشَّيءِ وهو لا يعلمُ باطنَه، ولو تأمَّلَه لَبَانَ له خلافُه، وهو كقوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]؛ أي: بما ظهرَ لهم من الرَّأي مِنْ غيرِ تأمُّلٍ. وقيل: أي: بباطلٍ مِن القول زائلٍ، ويقال: ظهرَ عنِّي العيب؛ أي: زالَ، قال الشَّاعرُ: وتِلْكٌ شَكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها (٣) أي: زائلٌ. وقوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: أي: ما أُتُوا مِن هذا، ولكن زَيَّنَ الشَّيطانُ لهم اختداعَهم (٤) للضَّعفة. وقوله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ بضمِّ الصَّاد؛ أي: وصرفَهُم الشَّيطان عن سبيلِ اللَّهِ، وقرأ الباقونَ بفتحِها (٥)؛ أي: هم أعرضوا عنه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: هذا ظاهرٌ.

стр. 4336

(٣٤) - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يحلُّ بهم كما حلَّ بالمستهزئين وبرؤوس المشركين يومَ بدرٍ ونحو ذلك. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: أي: أغلظُ وأبلغُ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾؛ أي: إذا عذَّبهم لم يمنعْهُ مانعٌ عنه. * * * (٣٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: قيل: جوابُه محذوفٌ في آخرِه، وهو: أَجَلُّ مَثَلٍ. وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: صفةُ الجنَّة، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وعلى هذا فيه مُضْمَرٌ أيضًا، تقديرُه: صفةُ الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون [أنها] (١) تجري مِن تحتِها الأنهارُ. وقيل: الإضمار في أوَّله: وفيما يُتْلَى عليك مثلُ الجنَّةِ. وقيل: إضماره: هذا مثل الجنَّة، ذكر وعدَ الأولياءِ بعدَ ذكرِ وعيدِ الأعداءِ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: فى غاية النُّزهة، والعربُ كانوا فى عِوَزٍ مِن الماءِ، فكانوا يَعُدُّون هذا أعظمَ نزهةٍ. وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: أي: ثمرُها غيرُ منقطعٍ ﴿وَظِلُّهَا﴾ كذلِكَ لا تنسخُهُ الشَّمسُ.

стр. 4337

﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أي: هذه عاقبة المتَّقين ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾: هذا ظاهر. * * * (٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: وأهل الكتاب الَّذين أسلموا ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بالقرآنِ؛ لموافقةِ كتابِهم في ذِكْرِ الرَّحمنِ. ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: قال مقاتلٌ: يعني: بني المغيرة وبني أميَّة وآلَ أبي طلحة بن عبد العُزَّى، قالوا: ما نعرفُ الرَّحمن إلَّا مسيلمة (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ مؤمِني اليهود أتَوا النَّبيَّ ﷺ ، فقالوا: يا رسول اللَّه، ذِكرُ الرَّحمنِ في التَّوراةِ كثيرٌ، ولسْنَا نرى ذلك في القرآنِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، الآية، فقال مشركو مكَّة: كان محمَّدٌ يدعونا إلى إلهٍ واحدٍ، والآن يدعونا إلى إلهَيْنِ اثنَيْنِ، فأنكروا اسم الرَّحمن، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ (٢). وقيل: فرحَ أهلُ الكتابِ به لموافقتِه كتابَهم في كلِّ شيءٍ، والأحزابُ ينكرونَ بعضَه لأنَّهم يقولون: الخالقُ هو اللَّهُ، ثمَّ يشركون بهِ غيرَه. وقال ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ: إنَّ اليهودَ آمنوا بسورةِ يوسف لوفاقِها ما في التَّوراة مِن قصَّةِ يوسفَ، ثمَّ أنكروا جميعَ القرآنِ سوى قصَّةِ يوسفَ (٣).

стр. 4338

والأحزابُ: جمعُ حِزْبٍ، وهم الأخلاط من اليهود والنّصارى والمشركين، تحزَّبوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ يوم الخندق؛ أي: تعاونوا. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: أي: مرجعِي في أمورِي كلِّها، وهو حَسْمٌ لإطماعِهم في مطابقتِهم على شيءٍ مِن دينِهم. * * * (٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾: أي: وكما آتيناهم الكتاب قد أنزلنا عليكم حكمًا عربيًا؛ أي: كتابًا بلسانِ العربِ. والحُكْمُ: اسمُ القرآنِ، سُمِّيَ به لأنَّه للحُكْمِ نَزَل. وقيل: أي: أنزلنا حُكْمًا دانَتْ به العرب قديمًا، وهو دينُ الحنيفيَّة، دينُ إبراهيمَ وإسماعيلَ، إلى أنْ غيَّروه. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: في اتِّباع مِلَّةِ آبائِهم المشركين. وقد قيل: في القِبْلَةِ، فقد قيل في ذلك: نزلَتْ حين دعاه اليهود إلى الصَّلاة إلى قبلِتهم بعدما حُوِّلَ عنها. ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: يتولَّى دفعَه عنك ﴿وَلَا وَاقٍ﴾: يقيْكَ عذابَه. * * * (٣٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

стр. 4339

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: ثمَّ عاد الكلامُ إلى ذِكْرِ ما التَمسوا مِن الآياتِ قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١). ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾؛ أي: زوجاتٍ وأولادًا؛ أي: كان سبيلُهم كسبيلِ غيرِهِم مِن البشرِ، ينكحونَ ويُوْلَدُ لهم، ويقضونَ ما أحلَّ اللَّهُ لهم مِن الشَّهوات، لم يفارقوا غيرهم إلَّا في الرِّسالة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: لم يكنْ في وُسْعِهم الإتيان بآيةٍ إلَّا بإيتاءِ اللَّهِ تعالى. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: لكلِّ شيءٍ وقتٌ وقد قدَّرَهْ اللَّهُ فيه، فالآياتُ الَّتي التمسوها إنَّما تكون في الوقتِ الذي أجَّله اللَّه لها، لا على اقتراحِهم. وقيل: إنَّ الآيةَ نزلَتْ في اليهودِ حينَ عيَّرَتْ (٢) رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وقالوا: لا نرى له همَّة إلَّا النِّساء والنِّكاح، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية (٣). وقد كانَ لداودَ ﵇ مئةُ امرأةٍ مهرلَّة، وثلاثُ مئة سُرِّيَّة، وكان لسليمان ﵇ ثلاثُ مئةِ مهريَّة، وسبعُ مئة سُرِّيَّة، ولك يا محمَّد تسع نسوهٍ، فما لهم لا يعيبونهما ويعيبونك. * * * (٣٩) - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

стр. 4340

وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عَمرو وعاصم: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مخففًا، مِن الإثباتِ، والباقون: ﴿يُثَبِّتُ﴾ مشددًا مِن التَّثبيت (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن ديوان الحفظَةِ، ما ليسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما فيه ثوابٌ وعقابٌ، وذلك لأنَّ الحفظَةَ تكتبُ على الإنسانِ جميعَ ما يقول ويعمل، فإذا كان يومُ الخميس والإثنين عُوْرِضَ ذلك بالَّلوح المحفوظ، فيُلْقَى مِن كتاب الحفظة ما لا جزاءَ له مِن خيرٍ وشرٍّ، ويُثبتُ ما يوافق الكتابَ مِن ذلك الخير والشَّرِّ، والثَّواب والعقاب (٢). وقال الضَّحَّاكُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ ما ليس للعبد ولا عليه، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما له وعليه (٣). وقال عليٌّ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من القرون ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء من القرون؛ قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨]، وقال: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] (٤). وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هذا في الفرائض والشَّرائع، يَنسخُ فرضٌ فرضًا، وشريعةٌ شريعةً (٥). وقال قتادة: هو قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، الآية (٦)، يشيرُ إلى أنَّ النَّاسخ هو المثبَت، والمنسوخ هو الممحوُّ.

стр. 4341

وقال عكرمةُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: يمحو بالتَّوبة جميعَ الذُّنوب، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدلَ الذُّنوب حسناتٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (١). وقال الحسنُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ الآباءَ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الأبناء (٢). وقال السُّدِّيُّ: يعني: في الشَّمس والقمر، ومعناه: يمحو القمرَ، ويثبت الشَّمس؛ قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] (٣). ومحو اللَّيل على وجهَيْن: أحدهما: نقصانُ نورِه عن نورِ الشَّمس. والثَّاني: ما نرى مِن السَّوادِ في وجهِ القمر. وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ: إذا وُلدَ الإنسانُ أثبِتَ أجلُه ورزقُه، فإذا ماتَ مُحِيَ أجلُه ورزقُه (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمل محوَ الأحوال (٥) وإثبات أضدادها، مِن نحوِ تحويلِ النُّطفةِ علقةً، ثمَّ مضغةً. . . إلى آخرها. ويحتمل: محوَ الأعمالِ؛ إذا كان كافرًا ثمَّ أسلمَ في آخر عمرِه مُحيَتِ الأعمالُ

стр. 4342

الَّتي كانت في حال كفرِه فأُبْدِلَتْ حسناتٍ، وإذا كان مسلمًا ثمَّ كفرَ في آخر عمرِه مُحِيَتْ أعمالُه الَّتي كانت صالحةً فلم ينتفِع بها (١). وقيل: هو محو السعادة وإثبات الشقاوة وعكسهما (٢). وعن عمرَ ﵁: أنَّه كان يدعو بهذا الدُّعاء: اللَّهمَّ إنْ كُنْتَ كتبْتَ اسمي في ديوان الأشقياءِ، فامحُهُ مِن ديوان الأشقياءِ، وأثبتْهُ في ديوان السُّعداءِ، فإنَّكَ قلْتَ وقولُك الحقُّ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣). وقيل -وهو الأوفقُ (٤) للنَّظم-: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: لكلِّ وقتٍ قضاءٌ مكتوب في اللَّوحِ المحفوظِ، فكانَ في أَيَّامِ الماضيْنَ إذا سألوا آيةً مقترحةً أتاهم ذلك، فإذا لم يقبلوها استأصلَهم، كالنَّاقة لصالح، والمائدة لعيسى. وكان في زمنِ النَّبيِّ ﷺ الإتيانُ بالآيات الدَّالة على حقيقته مِن غير اقتراحٍ منهم، ولم يؤْتِهم ما اقترحوه؛ لأنَّ تركَ الإيمانِ يوجبُ الاستئصال، والنَّبيُّ ﷺ بُعِثَ رحمةً للعالمين. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: يمحو إيتاءَ الآياتِ المقترحة، ويثبِتُ إيتاءَ الآياتِ المبتدأة لهذه الحكمة.

стр. 4343

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يمحو مِن قلوبِ الزُّهَّاد حبَّ الدُّنيا، ويثبِتُ بدلَه الزُّهدَ فيها. ويمحو مِن قلوب العارفين الحظوظ، ويثبِتُ بدلها إيثارَ حقِّ اللَّهِ. ويمحو عن قلوب الموحِّدين شهود الخلق، ويثبِتُ بدلها شهود الحقِّ. وقيل: يمحو العارفين عن شواهدِهم، ويثبِتُهم بشاهد الحقِّ. وقيل: يمحو العبدَ عن أوصافِه، ويثبِتُه بالحقِّ. وقيل: يمحو عن قلوبِ الأجانبِ ذِكْرَ الحقِّ، ويبدلُ بدلَه غَلَبَاتِ الغَفْلَةِ وهواجم النِّسيان. وقيل: يمحو أوضارَ الزَّلَّةِ عن نفوس العاصين، وآثارَ العصيانِ عن ديوانِ المذنبين، ويثبِتُ بدلَه لوعةَ النَّدمِ، وانكسارَ الحسرةِ، والخمودَ عن متابعةِ الشَّهوة. وقيل: يمحو نضارةَ الشَّبابِ، ويثبِتُ صفةَ الشَّيبِ. وللمقال مجالٌ في هذا الباب. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قيل: اللَّوحُ المحفوظُ الَّذي أثبِتَ فيه ما سبقَ علمُه وحُكمه بما لا تبديلَ له ولا تغيير. وقيل: هو إشارة إلى علمِه الشَّامل لكلِّ معلومٍ (١). * * * (٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾: ﴿وَإِمَّا﴾ كلمتان؛ (إنْ) للشَّرط، و (ما) للتَّأكيد، والنُّون في ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ كذلك.

стр. 4344

﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: هو قولُه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوْا قَارِعَةً﴾، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ﴾ ما نعدهم من الانتقام (١)؛ أي: مِن هؤلاءِ المستهزئين بك المكذِّبين لك في حياتِك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: أو أُمِتْكَ قبلَ ذلكَ وفعلْتُ بهم ذلكَ بعدَ موتِكَ، أو أخَّرْتُ عقوبَتهم إلى يومِ القيامةِ = فليس عليكَ في ذلكَ نقصٌ في نبوَّتِكَ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾؛ أيْ بتبليغ الرِّسالة، والوعيدِ بالعقوبةِ، لا تعجيلها لهم ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾؛ أي: وإلينا مراعاةُ أجلِها المعلوم، والإيقاعُ بهم عندَ الوقتِ المحتوم. * * * (٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: تأخيرُ العذاب عنهم ليس للعجزِ، لأَنَّا قد أريناهم النُّقصان في أطراف بلادِهم، بخرابِ ما حولَهم مِن القُرى، وخلوِّها عن أهلِها بالقتل والسَّبي، وزوالِ سلطانِهم عنها، وضربِ الجزيةِ عليهم. وتفسيرُ قولِه تعالى: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: يأتيها أمرُنا بالعذابِ، كما قال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]، ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]،

стр. 4345

وهذا التَّأويل عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ والحسن والضَّحاك (١). وقال مجاهد: هو بموت أهلها (٢). وقال ابن عبَّاس في روايةٍ ومجاهد: بموت العلماءِ وخيارِ أهلِها (٣). والأطرافُ: الأشرافُ -لغةً- على هذا القول، وعلى القول الأوَّل: النَّواحي. وقال ابن عبَّاس في رواية: بخرابها (٤). وروى أبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "هو موتُ العلماءِ" (٥). وقيل: معنى الآية: أَوَلَا يتأمَّلون أنَّا نفتحُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ما حولَ مكَّةَ مِن بلاد المشركين فأَنْقصُ بذلك مِن قراهم وأزيدُ في بلادِ الإسلامِ، فيعلموا أنَّه لا يكون لهم حُسن (٦) العاقبة بعدَ أنْ نَقَصْتُ مِن أطرافِ أرضِهم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ما رُويَ أنَّه موتُ علمائِها، وذلك لأنَّ العلماءَ هم عُمَّار الأرض وأهلها، وبهم صلاحُ الأرضِ، فوصفَ الأرضَ بالنُّقصانِ بذهابِ أهلِها، وهو كما قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال: ﴿لَفَسَدَتِ
следующие страницы →