← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وقال عكرمةُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: يمحو بالتَّوبة جميعَ الذُّنوب، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدلَ الذُّنوب حسناتٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (١). وقال الحسنُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ الآباءَ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الأبناء (٢). وقال السُّدِّيُّ: يعني: في الشَّمس والقمر، ومعناه: يمحو القمرَ، ويثبت الشَّمس؛ قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] (٣). ومحو اللَّيل على وجهَيْن: أحدهما: نقصانُ نورِه عن نورِ الشَّمس. والثَّاني: ما نرى مِن السَّوادِ في وجهِ القمر. وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ: إذا وُلدَ الإنسانُ أثبِتَ أجلُه ورزقُه، فإذا ماتَ مُحِيَ أجلُه ورزقُه (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمل محوَ الأحوال (٥) وإثبات أضدادها، مِن نحوِ تحويلِ النُّطفةِ علقةً، ثمَّ مضغةً. . . إلى آخرها. ويحتمل: محوَ الأعمالِ؛ إذا كان كافرًا ثمَّ أسلمَ في آخر عمرِه مُحيَتِ الأعمالُ

стр. 4342

الَّتي كانت في حال كفرِه فأُبْدِلَتْ حسناتٍ، وإذا كان مسلمًا ثمَّ كفرَ في آخر عمرِه مُحِيَتْ أعمالُه الَّتي كانت صالحةً فلم ينتفِع بها (١). وقيل: هو محو السعادة وإثبات الشقاوة وعكسهما (٢). وعن عمرَ ﵁: أنَّه كان يدعو بهذا الدُّعاء: اللَّهمَّ إنْ كُنْتَ كتبْتَ اسمي في ديوان الأشقياءِ، فامحُهُ مِن ديوان الأشقياءِ، وأثبتْهُ في ديوان السُّعداءِ، فإنَّكَ قلْتَ وقولُك الحقُّ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣). وقيل -وهو الأوفقُ (٤) للنَّظم-: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: لكلِّ وقتٍ قضاءٌ مكتوب في اللَّوحِ المحفوظِ، فكانَ في أَيَّامِ الماضيْنَ إذا سألوا آيةً مقترحةً أتاهم ذلك، فإذا لم يقبلوها استأصلَهم، كالنَّاقة لصالح، والمائدة لعيسى. وكان في زمنِ النَّبيِّ ﷺ الإتيانُ بالآيات الدَّالة على حقيقته مِن غير اقتراحٍ منهم، ولم يؤْتِهم ما اقترحوه؛ لأنَّ تركَ الإيمانِ يوجبُ الاستئصال، والنَّبيُّ ﷺ بُعِثَ رحمةً للعالمين. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: يمحو إيتاءَ الآياتِ المقترحة، ويثبِتُ إيتاءَ الآياتِ المبتدأة لهذه الحكمة.

стр. 4343

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يمحو مِن قلوبِ الزُّهَّاد حبَّ الدُّنيا، ويثبِتُ بدلَه الزُّهدَ فيها. ويمحو مِن قلوب العارفين الحظوظ، ويثبِتُ بدلها إيثارَ حقِّ اللَّهِ. ويمحو عن قلوب الموحِّدين شهود الخلق، ويثبِتُ بدلها شهود الحقِّ. وقيل: يمحو العارفين عن شواهدِهم، ويثبِتُهم بشاهد الحقِّ. وقيل: يمحو العبدَ عن أوصافِه، ويثبِتُه بالحقِّ. وقيل: يمحو عن قلوبِ الأجانبِ ذِكْرَ الحقِّ، ويبدلُ بدلَه غَلَبَاتِ الغَفْلَةِ وهواجم النِّسيان. وقيل: يمحو أوضارَ الزَّلَّةِ عن نفوس العاصين، وآثارَ العصيانِ عن ديوانِ المذنبين، ويثبِتُ بدلَه لوعةَ النَّدمِ، وانكسارَ الحسرةِ، والخمودَ عن متابعةِ الشَّهوة. وقيل: يمحو نضارةَ الشَّبابِ، ويثبِتُ صفةَ الشَّيبِ. وللمقال مجالٌ في هذا الباب. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قيل: اللَّوحُ المحفوظُ الَّذي أثبِتَ فيه ما سبقَ علمُه وحُكمه بما لا تبديلَ له ولا تغيير. وقيل: هو إشارة إلى علمِه الشَّامل لكلِّ معلومٍ (١). * * * (٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾: ﴿وَإِمَّا﴾ كلمتان؛ (إنْ) للشَّرط، و (ما) للتَّأكيد، والنُّون في ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ كذلك.

стр. 4344

﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: هو قولُه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوْا قَارِعَةً﴾، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ﴾ ما نعدهم من الانتقام (١)؛ أي: مِن هؤلاءِ المستهزئين بك المكذِّبين لك في حياتِك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: أو أُمِتْكَ قبلَ ذلكَ وفعلْتُ بهم ذلكَ بعدَ موتِكَ، أو أخَّرْتُ عقوبَتهم إلى يومِ القيامةِ = فليس عليكَ في ذلكَ نقصٌ في نبوَّتِكَ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾؛ أيْ بتبليغ الرِّسالة، والوعيدِ بالعقوبةِ، لا تعجيلها لهم ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾؛ أي: وإلينا مراعاةُ أجلِها المعلوم، والإيقاعُ بهم عندَ الوقتِ المحتوم. * * * (٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: تأخيرُ العذاب عنهم ليس للعجزِ، لأَنَّا قد أريناهم النُّقصان في أطراف بلادِهم، بخرابِ ما حولَهم مِن القُرى، وخلوِّها عن أهلِها بالقتل والسَّبي، وزوالِ سلطانِهم عنها، وضربِ الجزيةِ عليهم. وتفسيرُ قولِه تعالى: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: يأتيها أمرُنا بالعذابِ، كما قال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]، ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]،

стр. 4345

وهذا التَّأويل عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ والحسن والضَّحاك (١). وقال مجاهد: هو بموت أهلها (٢). وقال ابن عبَّاس في روايةٍ ومجاهد: بموت العلماءِ وخيارِ أهلِها (٣). والأطرافُ: الأشرافُ -لغةً- على هذا القول، وعلى القول الأوَّل: النَّواحي. وقال ابن عبَّاس في رواية: بخرابها (٤). وروى أبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "هو موتُ العلماءِ" (٥). وقيل: معنى الآية: أَوَلَا يتأمَّلون أنَّا نفتحُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ما حولَ مكَّةَ مِن بلاد المشركين فأَنْقصُ بذلك مِن قراهم وأزيدُ في بلادِ الإسلامِ، فيعلموا أنَّه لا يكون لهم حُسن (٦) العاقبة بعدَ أنْ نَقَصْتُ مِن أطرافِ أرضِهم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ما رُويَ أنَّه موتُ علمائِها، وذلك لأنَّ العلماءَ هم عُمَّار الأرض وأهلها، وبهم صلاحُ الأرضِ، فوصفَ الأرضَ بالنُّقصانِ بذهابِ أهلِها، وهو كما قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال: ﴿لَفَسَدَتِ

стр. 4346

الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، والأرضُ لا تفسدُ بنفسِها، بل وُصِفَتْ به لفسادِ أهلِها، فلذلك لا تَنْقصُ، ولكنْ وُصِفَتْ بهِ لذهابِ عُمَّارها. ثمَّ يحتمِلُ ذلكَ علماءَ أهلِ الكتاب المتقدِّمين، والمرادُ بذِكْرِ ذلك أنَّهم إذا ذهبوا فلا بُدَّ مِن رسولٍ يعلِّمُهم الشَّرائع والآداب، ويجدِّد ما درسَ مِن الآياتِ، وإنْ أرادَ به علماءَ هذه الأمَّة ففيه تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ وتعزيةٌ له بما يصيبُ أمَّته (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾؛ أي: لا ناقضَ له، ولا رادَّ، والتَّعقيبُ: إعقاب الشَّيء بما يبطلُه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: إنَّ أجلَ العذابِ إذا جاءَ لى يتأخَّر عن مستحقِّه، بل هو سريعٌ عاجلٌ. وقال القشيريُّ: النَّقص مِن أطرافِها هو موتُ الأولياء الذين إليهم يفزَعُ الخَلْقُ. وقيل: هو ذهابُ أهلِ المعرفةِ حتَّى إذا جاء مسترشدٌ في طريقِ اللَّهِ لم يجدْ مَن يهديهِ إلى اللَّهِ تعالى (٢). * * * (٤٢) - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: بأنبيائِهم (٣)؛ بالاستهزاءِ، والتماسِ آياتِ الاقتراحِ، كما مكرَ بك هؤلاء وصوَّروا عندَ الضَّعَفة أنَّ دعوتَكَ لو كانت حقًّا لجئْتَهم بما يلتمسونَه مِن الآياتِ المقترحة.

стр. 4347

وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾: أي: إنَّ اللَّهَ تعالى يردُّ ضررَ المكرِ على الكفَّارِ، فلا يحصلون (١) مِن مكرِهم على شيءٍ، ويوضِّحُ اللَّهُ حُججَهُ لعبادِه، فيعودُ أثرُ مكرِهم عليهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]. وقيل: تحصيلُ هذا الكلام: أنَّ اللَّهَ مالكُ مكرِ العبادِ، لا يضرُّ الماكرون أحدًا إلَّا بإذنِ اللَّهِ، وقد ضَمِنَ اللَّهُ تعالى نصرةَ أوليائِهِ، فلا يعودُ ضررُ مكرِ المشركين إلَّا عليهم. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: مِن خيرٍ أو شرٍّ، فهو مجازِيْها بهِ. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: أي: عن قريبٍ يعلمون، وقرأ أبو عَمرو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ (٢)، وهو معرفة، فكان للجنس، فتضَمَّنَ معنى الجمعِ. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: يعلمون لِمَنْ تكونُ عاقبةُ الدَّار، وهذا وعيدٌ. وقال القشيريُّ ﵀: مكرُ الكفَّارِ: إظهارُ الموافقةِ مع إبطانِ المخالفةِ، ومكرُ اللَّهِ بهم: إيهامُهم أنَّهم محسنونُ في أعمالِهم، وأنَّ لهم شيئًا مِن أحوالهم (٣). * * * (٤٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: قال ابن عبَّاس رضي اللَّه

стр. 4348

عنهما: هو كعبُ بنُ الأشرفِ، ومالكُ بنُ الصَّيفِ، وكنانةُ بن أبي الحقيق، وربيعة بن عَمرو (١). ويجوز أنْ يكون جميعَ كفَّارِ عصرِه. وقال مقاتلٌ: يعني: مشركي العرب (٢). وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: جوابُ هذا وردَ منصوصًا عنه في آياتٍ، منها قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣]، ومنها قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]. ثمَّ معنى قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: ما أنتَ برسولٍ مِن اللَّهِ إلينا؛ لأنَّكَ عاجزٌ عن إنزالِ ما التمسناهُ منكَ مِن الآيات. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: كفى باللَّه شهيدًا لي عليكم بما أقامه مِن الدَّلائل على صحَّةِ (٣) دعوى النُّبوَّة والرِّسالة، بالمعجزات الَّتي أظهرَها على يدي، وبما أيَّدني به مِن الإخبار عن الغيوب، وغير ذلك، وكفى بذلك شهادةً؛ لأنَّه ممَّا لا يتهيأُ لأحدٍ مِن البشرِ أنْ يعارضَها بمثلِها، أو ينقضَها بضدِّها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾. وقيل: أُريدَ به عبد اللَّه بن سلام، كما قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠].

стр. 4349

وقيل: ﴿مِنْ﴾ للجنسِ، والمراد بهِ جمعٌ، وهم: عبد اللَّه بن سلام، وتميمٌ الدَّاري، وسلمانُ الفارسي، والنَّجاشي، وعلماء أهل الكتاب الذين أسلموا. وقرأ بعض المتقدِّمين: (ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكتابِ) بكسر الميم والدَّال (١)، ومعناه: ومنْ عندِ اللَّهِ علمُ الكتابِ. وكان يقول: حملُه على هذا أولى؛ لأنَّ حملَهُ على علماءِ أهلِ الكتابِ لا وجهَ له هنا، والسُّورة مكيَّة، وإسلامهم كان بعدَ ذلك. لكنْ لا وجهَ لتَرْكِ القراءةِ المشهورةِ، والأكثرُ على أنَّ السُّورةَ مدنيَّة (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 4350

سورة إبراهيم

стр. 4351

سورة إبراهيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي يضلُّ مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاءُ وهو العزيز الحكيم، الرحمنِ الَّذي يُدخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات في جنَّاتِ النَّعيم، الرحيمِ الذي يغفرُ للمؤمنينَ يومَ يقومُ (١) الحسابُ وهو الغفور الرَّحيم. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ إبراهيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجرِ عَشرَ حسناتٍ بعددِ مَن عبدَ الأصنامَ ومَن لم يعبدْها" (٢). وهذه السُّورةُ مكيَّةٌ، إلَّا آيتينِ نزلَتا بالمدينة في قتلى بدرٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيتَيْن. وهي إحدى وخمسون آيةً، وقيل: اثنتان، وقيل: أربع، وقيل: خمس، وقيل: سبع؛ لأنَّهم اختلفوا في هذه المواضع: ﴿[لِتُخْرِجَ النَّاسَ] مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿[أَنْ أَخْرِجْ] قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ٥]، ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [ابراهيم: ٩]، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ابراهيم: ١٩]، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

стр. 4352

[إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، ﴿عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (١). وكلماتُها ثماني مئةٍ وثلاثون، وحروفها ثلاثةُ آلاف وأربع مئة وثلاثة وستُّون. وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بخَتْمِ تلكَ السُّورة بذكْرِ (٢) الكتاب: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، ﴿الر كِتَابٌ﴾. وانتظامُ هذه السُّورة بتلك السُّورة: أنَّ تلك السُّورة في بيانِ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وصفاتِه، وبيانِ القرآنِ، وبيانِ عقلاءِ المؤمنين، وبيانِ المعاندِيْن مِن المشركِيْن، وبيانِ اقتراحِهم وتكذيبِهم، وقوله في آخرِها: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]. وهذه السُّورة تسليةٌ له على ذلك: في أوِّلها بيانُ إنزالِ الكتاب عليه، وبيانُ مدحِه، وبيانُ إرسالِ الرُّسل مِن قَبْلِه وصبرِهِم على إيذاءِ قومِهم، وبيانُ عاقبةِ الفريقَيْنِ، ووَعْدُ الموافِقِيْنَ بالجنَّة، ووعيدُ المخالفِيْنَ بالنَّار، وبيانُ مَثلِ الإيمان (٣) ومَثلِ الكُفْرِ كما كان في (سورة الرعد)، والأمرُ بالصَّلاة والزَّكاة كما وعدَ في (سورة الرعد) على الصَّلاة والزَّكاة، وعِظمُ قَدْرِ الصَّلاة بذِكْرِها في قصَّةِ إبراهيم، وذِكْرُ القيامةِ فيها كما ذُكِرَ في تلكَ السُّورة، وختمُها بقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لْلِنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، كما قال في تلك السُّورة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠]. * * *

стр. 4353

(١) - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. قوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيها مرَّات. ﴿كِتَابٌ﴾: أي: هذا كتابٌ أو سورةٌ ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ (١) نحن (٢)، ما ألقَاهُ إليكَ شيطانٌ، ولا افتريْتَهُ أنت. وقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: أي: ظلمات الكُفْرِ ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: نور الإيمان ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: تفعلُ هذا بهم (٣) بأمرِ ربِّهم إيَّاك به. وقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: هو ترجمةُ قولِه: ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: إلى طريقٍ دعا إليه اللَّهُ العزيزُ في ملكِه، الحميدُ عندَ جميعِ خلقِه بجلالِه وإفضالِه وحميدِ فِعالِه. وقال القشيريُّ ﵀: لِتُخرِجَ النَّاسَ مِن ظلماتِ الجهلِ إلى نورِ العلمِ، ومِن ظلماتِ الشَّكِّ إلى نورِ اليقينِ، ومِن ظلماتِ التَّدبيرِ إلى نورِ شهودِ قضاءِ التَّقدير، ومن ظلماتِ دَعاوي النَّفسِ إلى نورِ معارفِ القلبِ، ومِن ظلماتِ التَّفرقةِ إلى أنوار الجمعِ، ومِن ظلماتِ الابتداعِ إلى أنوار الاتِّباع. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بإرادتِه ومشيئتِه وسابقِ حكمِهِ وقضائِه، إلى صراطِ اللَّهِ، وهو نهجُ التَّوحيدِ بشواهدِ التَّفريد (٤).

стр. 4354

(٢) - ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿اللَّهُ﴾ رفعًا بالابتداء، وخبرُه ﴿الَّذِي﴾، وقرأ الباقون بالخفض (١) نعتًا لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: أي: وإذا كانَ للَّهِ ما في السَّماواتِ والأرض، وهو خالقُهما ومدبِّرُهما، وهو المستحِقُّ للعبادةِ، فمَنْ أشركَ به غيرَه فلَهُ الوعيدُ الغليظُ بالعذابِ الشَّديدِ في الآخرة. * * * (٣) - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: أي: يُؤْثرون الحياةَ القريبةَ المدَّةِ وشهواتِها والتَّعزُّزَ فيها بالرِّئاسةِ (٢) على الحياة الآخرة الباقية التي لا ينقطعُ نعيمُها، وهو صفة الكافرين الذين لهم العذاب الشَّديد. وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون النَّاسَ عن سلوكِ طاعةِ اللَّهِ، الذي يهدي إلى رضوانِه وجنانِه. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبون لها تعويجًا وتحريفًا عن وجهِها، ويقبِّحونها عندَ الرَّاغب فيها بإدخالِ الشُّبَهِ. والتَّأنيثُ لأنَّ السَّبيلَ مؤنَّثةٌ سماعًا.

стр. 4355

و ﴿يبغونها﴾ بمعنى: يبغون لها، قال تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: يبغونَ لكم. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: عن الحقِّ، وهو قوله (١): * * * (٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: أعلمَ رسولَه في الآيةِ الأولى أنَّه أرسلَه وأنزلَ عليه كتابًا بيانًا للنَّاس، ثمَّ قالَ: وكذلكَ كانتِ الرُّسلُ قبلَك أرسلوا بلسانِ قومِهم. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾: أي: يبيِّنوا لهم (٢)، ثمَّ إنْ كانَ كذلِكَ لم يتَّفقوا على قَبولهم بل اختلفوا؛ فضَلَّ قومٌ واهتدى قومٌ. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿الْعَزِيزُ﴾ فيما يريدُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعلُ. * * * (٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: أي: كما أرسلناكَ ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾؛ أي: بأنْ أخرجْ.

стр. 4356

وقيل: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى: أعلَمْنا وعرَّفْنا ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: هو في مقابَلةِ ما قالَ لرسولِنا ﷺ : ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: قال الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ وسعيدُ بنُ جبيرٍ: أي: بِنِعَمِ اللَّهِ (١). وقيل: أي: بِنِقَمِ اللَّه بعادٍ وثمودَ وغيرِهم مِن الأممِ الضَّالة. قال عَمرُو بنُ كلثومٍ: وأيَّامٍ لَنَا غرٍّ طِوَالٌ... عَصَيْنا المَلْكَ فيها أنْ نَدِيْنا (٢) قيل فيه قولان: النِّعم، والنِّقم مِن أعدائنا. وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، قيل: لا يخافون وقائعَ اللَّهِ الَّتي أوقعَها بأعدائِه. وقيل: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ في الأممِ الخاليةِ، فيها آيات مِن حيثُ إنَّه عاقب قومًا وأنجى آخرين، على الطَّاعات منهم والمعاصي، والتَّصديق والتَّكذيب، ليعملوا بما يدخلون به في زمرة التَّائبين النَّاجين، ويخرجوا عن طبقة المعاقَبِين الهالكين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: لكلِّ مَن

стр. 4357

استكملَ خِصالَ الإسلامِ، فقد رُوِيَ: "الإيمانُ نصفانِ: صبرٌ، وشكرٌ" (١)، فتَرْكُ كلِّ المعاصي صَبْرٌ، وفِعْلُ كلِّ الطَّاعاتِ شُكْرٌ. وكأنَّه قال: لآياتٍ لكلِّ كاملٍ في إيمانِه، فهو الذي ينتفعُ بها، نحو (٢) قولِه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: أيَّامُ اللَّهِ: نَعْماؤُه، بأنْ ظلَّلَ عليهم الغَمامَ، وأنزلَ عليهم المنَّ والسَّلوى، وفلقَ البحرَ، ونحوها (٣). وقيل: هو إهلاكُ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ ولوطٍ وشعيبٍ. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، هذا في النِّعم. وقولهم: مَنْ يَرَ يومًا يُرَ بِهِ (٤)، هذا في الشِّدةِ. وقول الشَّاعر: فيومًا علينا ويومًا لنا... ويومًا نُساءُ ويومًا نُسَر (٥)

стр. 4358

جمعَ (١) المعنيَينِ. وقال القشيريُّ ﵀: أيَّام اللَّه: هي ما سبقَ لأرواحِهم مِن الصَّفوة وتعريف التَّوحيد قبل حلولها بالأشباح، قال قائلهم: سَقْيًا لها ولطِيبها... ولحُسنها وبهائها أيامَ لم يَلِجِ النَّوَى... بينَ العصا ولحائها (٢) وقيل: هي ما كانَ وقتَ الميثاقِ وبعدَه. * * * (٦ - ٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: فسَّرناها في (سورة البقرة)، وهذه مِن أيَّام اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: أي: أعلمَ، وتأذَّن وآذَنَ واحدٌ، كقولِكَ: تَوَعَّد وأَوْعدَ، وهو قول الحسن والفرَّاء (٣).

стр. 4359

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: وهو وعدٌ بإبقاءِ النِّعمةِ، فالزِّيادة عليها (١) تكونُ بعدَ بقاءِ أصلِها. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾: إنْ جُعِلَ هذا مِن الكُفْرانِ فمعناه: إنَّ عذابي بإزالةِ النِّعمةِ عنكم لشديدٌ عليكم، وإنْ جُعِلَ مِنَ الكُفْرِ فمعناهُ: إنْ جَحدْتُم النِّعم مِن عندي فعذابي للكفَّار شديدٌ؛ لأنَّه بالنَّار، وهو دائم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: وعدَ ربُّكم وكفلَ ربُّكم، لم يبيِّنْ ما الشُّكر، وما النِّعمة، وما الزِّيادة، وما الكفر، وما العذاب؟ ويُشبِهُ أنْ يكونَ معناه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ لي بالتَّوحيدِ بما خلقْتكُم، وركَّبْتُ فيكم ما تتلذَّذون به وتتنعَّمون في الدُّنيا، وبما قوَّمتكم في أحسن التَّقويم ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ النِّعَمَ الدَّائمة في الآخرة، وهذا قول ابن عبَّاس (٢)، أو هو قريب منه، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: ولَئِنْ صرفْتُم شكرَ نعمتي إلى غيري. ويحتمِلُ أنْ يكونَ: كلُّ نعمةٍ يشكرُها يزيدُ له مِن نوعِها في الدُّنيا ويُديمُ له ذلك (٣). وقال القشيريُّ: لَئِنْ شكرْتُمْ إنعامِي زِدْتُكُم مِن إكرامي، ولَئِنْ كفرْتُم إحساني عذَّبْتكُم اليومَ بامتحاني، وغدًا بفراقي (٤) وهجراني.

стр. 4360

لَئِنْ عرفْتُم قدرَ أفضالي لأرقينَّكُم مِن وجودِ نوالي إلى شهودِ جمالي وجلالي. لَئِنْ شكرْتُم توفيقَ العبادةِ لأزيدنَّكُم تحقيقَ الإرادةِ. لَئِنْ شكرْتُم وجودَ ألطافي لأزيدنَّكُم شهودَ أوصافي. لَئِنْ شكرْتُم صنوفَ نعمتي لأزيدنَّكُم كشوفَ كرمي، ولأرقينَكم إلى شهودِ قدمي (١). لَئِنْ شكرْتُم مختصَّ نعمائي لأزيدنَّكُم منتظرَ آلائي. لَئِنْ شكرْتُم ما خوَّلْتكُم مِن عطائِي لأزيدنَّكُم ما وعدْتُكُم مِن لقائي. ولَئِنْ كفرْتُم نعمتي بأنْ توهَّمْتُم استحقاقَها لجرَّعناكُمْ ما تستمرُّون مذاقَها (٢). * * * (٨ - ٩) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: قال القشيريُّ ﵀: أي: قالَ موسى لقومِه: لَئِنْ اجتمعْتُم أنتم ومَن عاصركم ومَن غابَ عنكم ومن حضرَكُم، والَّذين يقتفون أثَرَكُم = على أنْ تكفروا باللَّهِ جميعًا، وأخذْتُم كلَّ يومٍ في الشِّرْكِ أمرًا قطيعًا (٣)،. . . . . . .

стр. 4361

لَمَا أوجبْتُم لعزِّنا شَينًا (١)، كما لو شكرْتُم وآمنْتُم ما حصَّلْتُم لِمُلْكِنا زَينًا (٢)، فالحقُّ بنعوتِه ووصفِ جبروته عَلِيٌّ، وعَنِ العالَمِ بأسرِهِ غنيٌّ (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: قيل: هو كلامُ موسى لقومِه. وقيل: هو ابتداءُ خطابِ مِن اللَّهِ تعالى لأهلِ عصرِ محمَّدٍ، يقول: ألم يأتِكُمْ يا معشرَ الكفَّار خبرُ الأممِ الًّذين سمعْتُم بتكذيبِهم لرسلِهم، وما أحلَّ اللَّهُ بهم مِن نقمَتِه، وهم في الكثرةِ على ما لا يَعلمُ عددَهم وأسماءَهم إلَّا اللَّهُ تعالى. وكان ابنُ مسعودٍ إذا قرأَ هذهِ الآيةَ قال: كذبَ النَّسَّابون، يدَّعونَ علمَ الأنساب في الأسلاف، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤). ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾؛ أي: رسُلنا، وأضاف إليهم لأنَّهم أُرسلوا إليهم بالبيِّناتِ، أي: الحُجَج والمعجزات. وقيل: أي: الشَّرائع الواضحات، لا يخفى حسنُها على المتدبِّر. وقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: جعلوا أصابعَ أنفسِهم في أفواهِ أنفسِهم يعضُّونها غيظًا، إذ كان فيه تسفيهُ أحلامِهم وشتمُ أصنامِهم، وهو

стр. 4362

كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهو قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ ﵁ وابنِ زيد (١). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ في رواية الكلبيِّ: فردُّوا أيديَ أنفسِهم في أفواهِ أنفسهم؛ أي: وضعوا الأيدي على الأفواه؛ إشارةً إلى الرُّسل أنِ اسكتوا (٢). وقال مقاتلٌ والحسنُ: في أفواه الرُّسُلِ يسكتونَهم بذلك (٣). وهو كما فعلَ عتبةُ بنُ ربيعةَ حين قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : (حم السجدة) حتَّى بلغَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، فوثبَ فوضعَ يدَه على فمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لئلَّا يقرأَ الباقي، وقال: خشيْتُ إنْ أتمَّ الآيةَ أنْ تأتيني صاعقةٌ مِنَ السَّماءِ فتحرقَنِي (٤).

стр. 4363

وقال مجاهدٌ: ردُّوا نعمَهم بأفواهِهم (١). وحُكِيَ عن أبي عبيدةَ أنَّ هذا مَثَلٌ، ومعناهُ: أنَّهم كَفُّوا عمَّا أُمِروا بقولِه مِن الحقِّ ولم يؤمنوا به، ويُقالُ للرَّجل إذا أمسكَ عن الجواب فلم يُجبْ: ردَّ يدَه في فيه (٢). وكأنَّ مجازَ هذا (٣): أنَّه سترَ فاه بيدِه؛ أي: هذا لم يدخل قلبي، وليس له عندي جوابٌ. وحُكِيَ عن غيرِ أبي عبيدة أنَّ العربَ تقولُ: كلَّمْتُ فلانًا في حاجةٍ فردَّ يدَه في فيه: إذا سكتَ عنه ولم يُجبْ (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ هذا المكاءَ بأفواهِهم استهزاءً بهم (٥). وقولُه : ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أي: مِن التَّوحيد وترك الشِّرك. ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ﴾: أي: مِن صحَّة (٦) ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ أي: مُوقِعٍ للرِّيبةِ والتُّهمةِ لكم بالكذب فيه.

стр. 4364

(١٠) - ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾: أي: في أنَّ العبادةَ لا تجوزُ إلَّا له. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: نعتُ قولِه: ﴿أَفِي اللَّهِ﴾؛ أي: لا يقدرُ على إنشائِهما غيرُه، فلا شريكَ له فيهما، فكيفَ يجوزُ الإشراكُ به؟ وقوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: أي: على ألسنتِنا إلى عبادَتِه. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو عبيدة: (مِن) زائدةٌ (١). وقال سيبويه: لا يجوز ذلك في الإثبات، وإنَّما ذلك في النَّفي (٢)، ولكن (مِن) للبدل؛ أي: بدلَ ذنوبِكُم الَّتي كانت في الشِّركِ. وقيل: هو للتَّبعيض، وهي ذنوبُ حالةِ الشِّرك، فإنَّ ما يفعلُه بعدَ الإسلامِ فهو بحالِه، لا يُغفَر إلَّا بتوبة، أو بفضلِ اللَّه تعالى لأهل الإسلام. قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: إلى منتهَى أعمارِكُم، فلا يعاجلكم بالعقوبة والهلاك، وهو جواب قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]، يقول: إذا أسلمتُم لم (٣) تُتَخطَّفوا، وبلغتُم إلى آجالكم المسمَّاة. قالَه الإمام أبو منصور ﵀ (٤).

стр. 4365

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾: أي: ما أنتم. ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: حجَّةٍ ظاهرة. قال الإمام أبو منصور ﵀: في قولهم تناقضٌ مِن وجهَيْن: أحدهما: أنَّهم تركوا طاعةَ رسلِهم، واتِّباعَ رسلِهم (١)؛ لأنَّهم بشرٌ مثلهم، ثمَّ أطاعوا آباءَهم واتَّبعوهم في عبادةِ الأصنامِ، وهم بشرٌ مثلُهم. والثَّاني: أنَّهم لم يروا الرُّسُل مَتْبوعِين لأنَّهم بشرٌ، ثمَّ لا يخلو هم بأنفسِهم مِن أنْ يكونوا مَتْبوعين، استتبَعوا غيرَهُم ممَّن هو دونَهم، أو كانوا أتباعًا لغيرِهم، حيث قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وذلكَ تناقضٌ. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: سألوا الحُجَّة على ما دَعوا إليه مِن ألوهيَّةِ اللَّهِ تعالى ووحدانيَّتِه، أو على ما ادَّعوا من الرِّسالة مِنَ اللَّهِ، وفي كلِّ شيءٍ وقعَ عليه بصرُهم دلالةُ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وألوهيَّته، وكذلك الرُّسلُ أقاموا الحُجَجَ (٢) على دَعوى الرِّسالةِ، وكانوا معاندِين في قولِهم: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (٣). * * * (١١) - ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 4366

وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: إنَّ اجتماعَ الكلِّ في صفةِ البشريَّةِ لا يُبطل التَّفاضل؛ لأنَّه يوجِبُ ألَّا يكون في الدُّنيا مَن يفضُلُ غيرَه في رياسةٍ ومُلْكٍ ونفاذِ قَولٍ، وحُسْنِ خلقٍ (١)، وحُسْنِ وَجْهٍ، وفَضْلِ مَالٍ (٢)، وسلامةِ بدنٍ، وصِحَّةِ عَقْلٍ، وجودةِ تمييزٍ، وهذا ممَّا لا تَخفى استحالتُه، بل للَّهِ أنْ يخلقَ البشرَ، ويفضِّلَ بعضَهم على بعضٍ في الأحوالِ والأموالِ وغيرِها، فَيَمُنَّ عليه بذلك. والحكمةُ في دارِ المحنةِ ألَّا يكونَ النَّاسُ سواءً لا يفضلُ بعضُهم على بعضٍ، فيبطلُ حينئذٍ موضعُ (٣) الشُّكر والصَّبر اللَّذَين هما جملةُ الإيمانِ. فأمَّا السُّلطانُ المبينُ مِن جهةِ الإعجازِ، فذاكَ إنَّما يُحتاجُ إليه في إثباتِ صِدْقِ النَّبيِّ ﷺ في دعوى الرِّسالة، لا في إثباتِ حقِّ ما يدعو إليه النَّبيُّ ﵇، بلْ إذا ثبتَتْ نبوَّتُه بالإعجازِ كانَ جميعُ ما يدعو إليه حقًّا، وما يحكمُ به صوابًا، ولا قدرةَ للرَّسولِ على إيرادِ معجزةٍ إلَّا بإذنِ اللَّهِ؛ أي: بإعطاءِ اللَّهِ إيَّاه ذلكَ. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: قال الأنبياءُ: وعلى اللَّهِ فليعتَمِدِ الَّذين آمنوا به في كفِّ شرِّ مَن خالفَهم، وفي إيضاحِ دعوتِهم، وإقامةِ حقِّهم. * * * (١٢) - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.

стр. 4367

وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التَّوكُّلِ على اللَّه في كفِّ أذاكُم (١) وكيدِكُم عنَّا. ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: أي: وقد وفَّقنا لسلوكِ سبيلِ الحقِّ، فينصرُنا عليكم أيضًا. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾: أي: على إيذائِكم، وكان هذا قبلَ الأمرِ بالانتصارِ منهم، وحالَ قلَّةِ المؤمنين وكثرةِ الكافرين قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: أي: فعليهِ فليعتَمِدِ المعتمدون دونَ غيرِه. وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقد حقَّقَ لنا ما سبقَ به الضَّمانُ مِن وجوه الإحسان، وكفايةِ ما أظلَّنا (٢) مِن الامتحان (٣). ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾: والصَّبرُ على البلاءِ يهونُ إذا كان على رؤيةِ المُبْتلِي (٤). وأنشدونا في معناه: مُرُّ (٥) ما مَرَّ بي لأجلِكَ حُلْوٌ... وعَذابي لأجْلِ حُبِّكَ عَذْبٌ (٦)

стр. 4368

(١٣ - ١٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾: أي: ولتصيرُنَّ إليها (١)، ولم يريدوا حقيقةَ الرُّجوع، فإنَّهم ما كانوا قَطُّ فيها، وقد مرَّ شرحُه في (سورة الأعراف). ولعلَّهم اشتغلَتْ قلوبُهم بهذا القولِ كما تقتضيه طباعُ البشرِ، فسكَّنَها اللَّهُ تعالى، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الَّذين يظلمونَ أنفسَهم وإيَّاكم ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: ولنجعلنَّكُم سكَّانَ أرضِهم بعدَ هلاكِهم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾: أي: هذا مِن مِنَني على الأنبياءِ وأتباعِهم؛ بخوفِهم مقامِي، وخوفِهم وعيدي. ومعناه: أنَّهم إذا تذكَّروا الحسابَ وقيامَهم للعرضِ على اللَّه تعالى، وقيل: قيامَهم على رؤوسِ القبور إذا بُعثوا ثلاث مئة سنة، وقد تذكَّروا ما توعَّد اللَّهُ به النَّاسَ مِن غليظِ العِقاب على معاصيهم = ثبتوا على طاعتي، وتجنَّبوا سخطي، فإضافةُ المَقام إلى اللَّهِ تعالى إنَّما هو على معنى كونِه بينَ يدَي اللَّهِ. وقيل: ذلك لِمَنْ خافَ قيامي عليه وحِفظي أسبابَه، مِن قولِه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. * * *

стр. 4369

(١٥) - ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: قال عبدُ الرَّحمن بن زيد: أي: استفتحَ الكفَّارُ بالبلاء (١). وقال الحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ: أي: استفتحَ الرُّسلُ بالنَّصرِ (٢)؛ أي: أذِنَ للرُّسلِ بالاستنصارِ، فسألوا اللَّهَ تعالى ذلك. وقيل: أي: سألوا اللَّه على الحُكْمِ (٣) بنصرِهِم وإهلاكِ أعدائهِم. والفَتْحُ: الحْكْمُ، والفتَّاحُ: الحاكِمُ، ودليلُه قوله تعالى خبرًا (٤): ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، وذلك عندَ اليأسِ مِن إيمانِهم. وقوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: أُجيبَتْ دعوةُ الرُّسلِ، فيئسَ الجبَّارون المعاندون فلم يفوزوا بخيرٍ، ولا نالوا أملًا ببقاءِ الرِّياسةِ (٥) ودوامِ الحُرْمَةِ. وقيل -على قولِ مَن جعلَ الدُّعاء والاستفتاح مِنَ الكفَّار-: إنَّهم قالوا: اللَّهمَّ إنْ كانَ رسلُنا صادقِيْن فعذِّبْنا، فخابوا بهذا الدُّعاء؛ أي: انقلبَ ذلك عليهم. والجبَّارُ: هو طالبُ علوٍّ ليسَ فوقَه منزلةٌ. وقيل: هو مَن لا يَرى لأحدٍ عليه حقًّا. وقيل: هو المتكبِّرُ بغيرِ حقٍّ.

стр. 4370

والعنيدُ: الجائرُ عنِ الحقِّ إلى الباطلِ. وقال ابن كيسان: هو الشَّامخُ بأنفِهِ (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: هو المعرِضُ والمجانِبُ (٢). وقيل: هو المعارِضُ لكَ بالخلافِ. * * * (١٦) - ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾؛ أي: وراءَ هذا الجبَّارِ العنيدِ جهنَّمُ؛ أي: أمامَه، كما قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، وقال الشَّاعر: أَيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي... وقَوْمِي تميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا (٣) وقال مقاتلٌ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾؛ أي: مِن بعدِه (٤). والوراءُ تُستعمَلُ للخلفِ والقُدَّام، وأصلُه: أنَّ كلَّ ما وارى عنك شيئًا مِن خلفٍ أو قُدَّامٍ فهو وراءٌ. وقيل: إنَّه يجوز في الزَّمان على تقدير: إنَّه كان خلفَهم لأنَّه يأتي ليلحقَهم (٥).

стр. 4371

قال الأخفش: ويُقال: هذا الأمرُ مِن ورائِكَ، يعني: أنَّه (١) سيأتيك (٢). وقال الشَّاعر: عسى الكربُ الَّذي أمسيْتَ فِيْهِ... يكونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيْبُ (٣) أي: لهم الهلاكُ في الدُّنيا، والعِقاب في العُقْبى. وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: قال قتادة: هو ماءٌ يخرجُ مِن بينِ جلدِ الكافرِ ولحمِهِ (٤). وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ ومحمَّدُ بنُ كعبٍ: هو ما يسيلُ مِن فروجِ الزُّناة، يُسقاه الكافرُ (٥). وقيل: هو الحميمُ أُغْلِيَ حتَّى خَثَر. وقال أهلُ اللُّغة: هو القيحُ الَّذي يسيلُ مِن الفرجِ. وقيل في التَّفسير: هو ما يسيل مِن جوفِ الكفَّارِ مِنَ القيحِ والدَّمِ. ثمَّ قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾؛ أي: مِن ماءٍ هو صديد (٦)؛ أي: لونُه لونُ الماءِ، وطعمُه طعمُ الصَّديد، وهو كقوله: ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦]؛ أي: لها صفاءُ الزُّجاجِ وبياضُ الفضَّة.

стр. 4372

(١٧) - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾؛ أي: يَزْدَرِدُهُ باستكر اهٍ واستثقالٍ لعطشِهِ وحاجتِهِ إلى الماءِ. ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: أي: لا يُمْرِئُهُ (١)، ولا يقاربُ إدخالَه حلقَه، يُقال: ساغَ لي الشَّراب، وأسغتُهُ؛ أي: أدخلْتُه جوفي بسهولةٍ. قال النَّبيُّ ﷺ في تفسيرِها: "يُقَرَّبُ (٢) إليه فيتكرَّهُه، فإذا أُدْنِيَ منه شَوَى وجهَهُ ووقعَتْ فروةُ (٣) رأسِهِ، فإذا شربَهُ قطَّعَ أمعاءَهُ حتَّى يخرجَ مِن دُبُرِهِ، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] " (٤). وقولُه تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: يعني في النَّارِ مِن كلِّ ناحيةٍ (٥)؛ أي: ليسَ في جسدِهِ موضعُ شعرةٍ إلَّا والموتُ يأتيه منها مِن شدَّةِ العذابِ حتَّى يجدَ طعمَ الموتِ وكُرَبَهُ.

стр. 4373

وقيل: يأتِيْه غمُّ الموتِ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ ومَفْصِلٍ. قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: لا يموتُ حقيقةً فيستريحَ، قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقيل: مِنْ كُلِّ مكانٍ مِنْ جهاتِ بَدَنِهِ السِّتَّةِ: مِنْ فوقِه، ومِنْ تحتِهِ، وورائِهِ، وأمامِهِ، وعن يمينِهِ، وعن شمالِهِ، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: أي: أمامَه؛ أي: متجدِّدٌ له كلَّ ساعةٍ بعدما كانَ يصيبُه عذابٌ (١) أغلظُ مِنَ الأوَّلِ. * * * (١٨) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: يتَّصِلُ بقولِهِ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]؛ أي: لم ينتفعوا بما عملوا، فقد صارَ عملُهُم كذا. قال الفرَّاءُ: أضافَ المَثَلَ إلى الكفَّارِ، والمَثَلُ لأعمالِهم، وتقديرُهُ: مَثَلُ أعمالِ الَّذين كفروا، ونظيره: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]؛ أي: أحسنَ خلقَ كلِّ شيءٍ، وقوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ أي: ترى وجوهَ الَّذين كَذبوا على اللَّه مسودَّةً (٢).

стр. 4374

قال: وإنْ شئْتَ جعلْتَ المَثلَ صلةً، فقلْتَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾. وقال بعضُهم: ﴿مَثَلُ﴾ بمعنى: صفة؛ أي: صفةُ الكفَّار هذا أعمالُهم كرمادٍ. قال سيبويه: في الكلام إضمار، ومعناه: وممَّا نقصُّ عليكَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾، ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ (١). ومعنى الآية: صفةُ الكافرين بربِّهم ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾؛ أي: تحبطُ أعمالُهم وتتلاشَى، فلا ينتفعُ بها أحدٌ منهم، بل تطيرُ أَعمالُهم كرمادٍ (٢)؛ أي: تذهبُ. وقد سئلَ الإنسانُ عَن الشَّيءِ (٣)، فيُقال له: أين هو؟ فيقول: طارَ وكانَ ريحًا (٤)، فكذا قولُه: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: كرمادٍ هاجَتْ به ريحٌ شديدةٌ (٥) في يومٍ كثيرِ الرِّياح قويِّها، فلا شكَّ أَنَّه لا يبقى مِن ذلك الرَّمادِ شيءٌ يمكِنُ أنْ يؤخذَ (٦) ويُتعلَّق به، فكذلك هؤلاء بما كسبوه في حالِ شركِهم مِن قِرى ضيفٍ، وصلةِ رحمٍ، وصدقةٍ على محتاجٍ، أو شيءٍ يُعَدُّ مثلُهُ تقرُّبًا، أو سَعوا في جمعِ مالٍ، أو إعداد عتادٍ (٧) يُنتفعُ به في دينٍ أو دنيا، فإنَّ ذلكَ يبطلُ عنهم (٨)، فلا يقدرون منه على شيءٍ؛ أي: لا يجدون له نفعًا.

стр. 4375

﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾؛ أي: سوءُ تدبيرٍ، وضعفُ رأيٍ، وذهابٌ عن الصَّواب إلى ما يتباعد عنه، حتَّى لا يكون فيه موضعٌ في استصوابٍ، ولا قُرْبٌ مِن الهدى. وقال الفرَّاء: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾: إنْ شئْتَ قلْتَ: في يومٍ ذي عُصُوفٍ، وإنْ شئْتَ قلْتَ: في يومٍ عاصفِ الرِّيح (١). وقال أبو حاتمٍ سهلُ بنُ محمَّدٍ (٢): هذا مِن كلام العرب، ونظيرُه في القرآنِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، وهما لا يمكران، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وإنَّما يُبْصَرُ فيه، ويُمْكَرُ في اللَّيل والنَّهار، ويُقال: يومُ ماطرٌ ومُغِيْمٌ (٣)، وليلُ فلانٍ قائمٌ، ونهارُه صائمٌ، على معنى أنَّ هذه الأفعال تكون فيها، فأضيفت إليها. وقيل: هو كقولهم: يومٌ حارٌّ، ويومٌ باردٌ، واليومُ ليسَ ممَّا يُلْمَسُ فَيُحَسَّ منه الحرُّ والبرد، لكن يكون فيه حرُّ الأشياء وبردُها. والعُصُوفُ: شدَّةُ هبوبِ الرِّيحِ. * * * (١٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

стр. 4376

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿خالقُ السَّمواتِ والأرضِ﴾، وهو نعت، وقرأ الباقون: ﴿بِالْحَقِّ﴾ (١)، وهو فعلٌ. وهو مِن حُجَجِ وحدانيَّة اللَّه تعالى، و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: ألمْ تعلمْ يا محمَّد، ومعناه الإثبات؛ أي: قد علمْتَ، أو الأمر؛ أي: اعلمْ، وهو لتعليمِ غيره أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بالحقِّ. قال مقاتلٌ: أي: لم يخلقْهُما باطلًا عبثًا، بل لحقٍّ؛ أي: أمرٍ كائنٍ (٢)، وهو البعث والجزاء. وقال القشيريُّ ﵀: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لَهُ ذلِكَ بحقِّ ملكِهِ (٣)، وخلقَهُما بقوله الحق، فجعلَ كلَّ جزءٍ منها على وحدانيَّته دليلًا، ولمَن أرادَ الوصولَ إلى ربِّه سبيلًا (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال عامَّة أهلِ التَّأويل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحقِّ؛ أي: للكائنِ لا محالةَ، وهي الآخرةُ؛ لأنَّ المقصودَ مِن خَلْقِ العالَم الأوَّل هو العالَم (٥) الثَّاني. وقال: وقيل: أي: للحقِّ الَّذي وجبَ عليهم له بالامتحان. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمةِ (٦).

стр. 4377

وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: أي: يُهْلِكْكُم ويفنيْكُم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوعَ له منكم. * * * (٢٠) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: أي: غير (١) ممتنعٍ ذلك عليه، وهو إذهابُكُم والإتيانُ بغيرِكُم. وقيل: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: شديدٍ، كما يشتدُّ على ملوكِ الدُّنيا إذا ذهبَ أهلُ المملكةِ؛ إذْ لا زيادةَ في ملكِهِ، ولا نُقصانَ مِن خلقِهِ. * * * (٢١) - ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: ماضٍ بمعنى المستقبلِ؛ لأنَّه مِن أمورِ الآخرةِ، وهي كائنةٌ لا محالةَ، فأخبرَ عنها كما يخبَرُ عن الكائنِ الموجودِ المتحقِّق. والبروزُ: الخروجُ والظُّهور؛ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. يقول: ويُحْشَرُ هؤلاء يومَ القيامةِ فيظهرون بحيثُ لا يسترهم ساترٌ، ولم يبقَ أحدٌ منهم لم يُحْشَرْ ولم يَظْهَرْ (٢).

стр. 4378

وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الخلقُ اليومَ كلُّهم بارزون للَّه تعالى، وإنَّما ذَكَرَ ذلك يومَ القيامةِ لأنَّ الكفَّارَ لا يعتقدون ذلك، ولا يُقرُّون به (١)، ويومَ القيامةِ يقرُّون بذلك ويعلمونه (٢)، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: فيقولُ الأتباعُ للرُّؤساءِ -وهم كلّ جبَّارٍ عنيدٍ-: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾؛ أي: أتباعًا، والتبعُ: جمعُ تابعٍ، كالغَيَبِ جمعُ غائِبٍ، والخَدَمُ جمعُ خادمٍ، والسَّلَفِ جمعُ سالفٍ، والخَلَف جمعُ خالِفٍ. وقال الزَّجَّاجُ: ويجوز أن يكون مصدرًا وُصِفَ به، فيستوي الواحدُ والجمعُ فيه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال قائلون: أي: دافعون عنَّا عذابَ اللَّهِ، نافعون لنا. ولكن هذا بعيدٌ أنْ يطلبوا منهم دفعَ العذابِ عنهم، فقدْ رأَوْهم في العذابِ، ولو قدروا على دفعِ العذابِ عنهم لدفعوا أوَّلًا عن أنفسِهم، إلَّا أن يكون فيهم حيرةٌ وعمًى كما كان في الدُّنيا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾. والأشبهُ أنَّهم يطلبون رفعَ بعضِ العذابِ عنهم، وتحمُّلَه منهم، وكان ذلك

стр. 4379

متعارفًا في الدُّنيا، ويدل عليه قوله تعالى خبرًا: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ رحمة اللَّه عليه: قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ الأتباع والمتبوعين مِن الكفَّار أعلمُ باللَّهِ مِنَ المعتزلة، يقولون: لو هدانا اللَّه لهديناكم، والمعتزلةُ يقولون: هداهم اللَّه جميعًا فلم يهتدوا، ولو أرادَ أنْ يهديَ واحدًا لم يملِكْ، وكذا إبليسُ أعلم باللَّهِ منهم يقول: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، وهم يقولون: لا يغوي اللَّهُ أحدًا (٢). ومعنى هذه الآية: لو وفَّقَنا اللَّهُ للإيمانِ واهتدينا في دارِ الدُّنيا لهديناكم؛ أي: بيَّنَّا لكم طريقَ الهُدى. وقيل: أي: لو هدانا اللَّه إلى طريقِ التَّخليص مِن العذاب (٣) لهديناكم إليه. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: الجَزَعُ: انزعاجُ النَّفسِ لورودِ ما يغمُّ، وهو نقيضُ الصَّبر، وقال الشَّاعر: فإنْ تَصْبِرا فالصَّبْرُ خَيْرُ مَغَبَّةٍ (٤) ... وإنْ تَجْزَعا فالأمرُ ما ترَيانِ (٥) أي: يقولون: لا حيلةَ لنا فيما قد وقعْنا فيه، وسواءٌ علينا أجزِعْنا أم صَبَرْنا لا يخفُّ عنَّا العذابُ بالصَّبر ولا يرقُّ لنا بالجَزَع.

стр. 4380

وقال مقاتلٌ: يقولون ذلك في النَّار، فيقولون أوَّلًا: تعالوا نجزَع لعلَّنا نُرْحَم، فيجزعون خمس مئة سنة فلا ينفعُهم الجَزَعُ، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمس مئة سنة، فلا ينفعُهم الصَّبر، فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] (١). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتملُ أنَّهم يقولون ذلك حين يُقال لهم: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: مَنْجًى. وقيل: مَخْلَصٍ. وقيل: مِنْ نجاةٍ. وقيل: مِن فرارٍ. وقيل: مِن رَوَاغٍ (٣). والمحيصُ في اللُّغة: المحيدُ، يُقال: حاصَ يحيْصُ حَيْصًا ومَحِيْصًا وحُيْوصًا وحَيَصانًا؛ أي حادَ، كما قالوا في الدُّنيا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، قيل لهم في النَّارِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وهم قومٌ صفتُهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، و ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]. * * * (٢٢) - ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
следующие страницы →