(٢٥) - ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: أي: تثمرُ في كلِّ حينٍ بإذنِ اللَّهِ؛ أي: بإيجادِ اللَّهِ ذلك.
و ﴿أُكُلَهَا﴾: ما يُؤكَلُ منها.
فهذا مَثَلُ كلمةِ الإيمانِ، وهي طيِّبة في لفظِ صاحبِها المتكلِّمِ بها؛ لأنَّها حمدٌ وتنزيهٌ للخالقِ البارئِ المصوِّر الواحدِ، الموصوفِ بالصِّفاتِ الحسنى، وشهادةٌ له بالحقِّ.
وهي طيبةٌ فيما تثمرُه؛ لأنَّها تثمِرُ في الدُّنيا الثَّناءَ الحسنَ (١)، والمودَّةَ في صدور الأخيار، والأسماء الجميلة، وتثمر أيضًا في الدُّنيا التَّوفيقَ مِن اللَّهِ للطَّاعات، وانشراحَ الصَّدر للحقِّ والعملِ بهِ، وتثمرُ في الآخرةِ رضوانَ اللَّهِ عليهم، والنَّعيمَ المقيمَ في جوار الأنبياء والصِّدِّيْقِين والشُّهداءِ والصالحين.
وهي ثابتةُ الأصلِ في الأرضِ، ليس معتقدُها بمذبذبٍ، ولا هو مِن دينِه في لَبْسٍ، ولا هي مأخوذةٌ تقليدًا مِن غيرِ دليلٍ وبرهان، فصاحبُها مِن الانتفاعِ بها وإصابةِ الحقِّ منها على بصيرةٍ وبيِّنة.
ثمَّ فرعُها في السَّماء؛ لأنَّ عملَ صاحبِها مُتَقَبَّلٌ، مرفوعٌ إلى اللَّهِ، تثني به عليه الملائكةُ، ويذكُر اللَّهُ تعالى بها في الملأِ الأعلى.
وهي تؤتي أكُلَها كلَّ حينٍ؛ لأنَّ شهادةَ المؤمنِ للَّهِ تعالى بالوحدانيَّةِ، وثناءه
стр. 4386
عليه، وتمجيدَه له، وشكرَه له على النِّعم السَّالفةِ والآنفةِ (١)، لا ينقطعُ في الأوقاتِ، بل هي منهُ على ذُكرٍ؛ إمَّا بلسانِه، وإمَّا بقلبِه، وكذلك أعمالُه الصَّالحةُ تتَّصلُ وتَتابَعُ في الأحايين كلِّها، وهذا تمثيلٌ في غايةِ الحُسْنِ والصِّدقِ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: وإنَّما يضربُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ ليتذكَّرَ بها النَّاسُ أشباهَ الأشياء الغائبةِ بالأشياءِ الحاضرة، فإذا كانَتِ الأشياءُ الحاضرةُ المضروبُ بها الأمثال حسنةً محمودةً مالوا إليها، وإذا كانَتِ الأشياءُ الحاضرةُ المضروبُ بها الأمثال قبيحةً مذمومةً انحرفوا عنها.
كالهدى (٣) الَّذي هو في معنى الشَّيء الغائب لأنَّه يُدرَكُ بالدَّليل، والضَّلالُ الَّذي هو كذلك، إذا ضُرِبَ المَثلُ للهُدَى بالنُّورِ قَرُبَ مِن القَلْبِ كَقُرْبِ النُّور منه، وإذا ضُرِبَ مَثَلُ الضَّلالِ بالظُّلْمَةِ أُبْعِدَ مِنَ (٤) القلبِ كبُعْدِ الظُّلمة منه.
ثمَّ الشَّجرةُ الطَّيبةُ قيل: هي النَّخلة.
ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأصحابه يومًا: "أخبروني عَن شجرةٍ مَثَلُها مَثَلُ المؤمنِ؟ "، قالَ ابنُ عمرَ: فوقعَ النَّاسُ في شجرِ البوادي، فوقع عندي أنَّها النَّخلةُ، فأردْتُ أنْ أقولَ: هي النَّخلة، فنظرْتُ فإذا في القومِ أبو بكرٍ وعمرُ، فسكتُّ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هي النَّخلةُ"، فذكرْتُ ما وقعَ في قلبي لِعُمَرَ، فقالَ: لو كنْتَ قُلْتَهُ كانَ أحبَّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها، أو كلامًا هذا معناه (٥).
стр. 4387
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هي شجرةٌ في الجنَّة (١).
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ قال مجاهد وابن زيد: هي السَّنَةُ (٢).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄ -في رواية- وسعيدُ بن جُبيرٍ والحسنُ: ستَّة أشهرٍ مِن وقتِ الطُّلوع إلى وقت الصِّرام (٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ: غدوةً وعشيَّةً (٤).
وقيل: أُكُلُ النَّخلِ: الطَّلعُ والبُسْرُ والرُّطَبُ والتَّمرُ، وهو دائمٌ لا ينقطعُ على هذه الصِّفة، وهذه حالةُ المؤمنِ، لا يخلو وقتًا مِن الأوقات مِن خيرٍ؛ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أمرَهُ كلَّهُ خيرٌ؛ إنْ أَصابَهُ خيرٌ حَمِدَ اللَّهَ، وإِنْ أصابَهُ ما يَكرَهُ (٥) صَبَرَ، وكانَ أمرُه كلُّه إلى خيرٍ" (٦).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ: قال الإمامُ أبو بكرٍ الكيسانيُّ (٧):. . . . . .
стр. 4388
كلمةٌ طيِّبةٌ: هي هذا القرآنُ، وكلمةٌ خبيثةٌ: هي الكُتُبُ الَّتي أحدثَها النَّاس.
شَبَّهَ القرآنَ بالشَّجرةِ الطَّيِّبةِ الَّتي تثمرُ، والشَّجرةُ الطَّيِّبةُ هي باقيةٌ إلى آخرِ الدَّهرِ، ينتفعُ بها النَّاس بجميعِ أنواعِ المنافعِ، لا يقطعونَها، فهي تدومُ (١) وتبقى، فعلى ذلك القرآنُ ينتفعُ بهِ النَّاسُ، وهو دائمٌ أبدًا.
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: لها قرارٌ، وهو ثابتٌ بالحُجَجِ والبراهين، والكتبُ المحدَثةُ باطلةٌ فاسدةٌ، لا حجَّةَ معها ولا برهان، كالشَّجرةِ الخبيثةِ الَّتي هي غيرُ مثمرةٍ، لا بقاءَ لها ولا قرارَ ولا ثبات (٢).
قال القشيريُّ: شبَّهَ اللَّهُ تعالى معرفةَ المؤمنِ بشجرةٍ طيِّبةٍ، أصلُ تلكَ الشَّجرةِ ثابتٌ في أرضٍ زاكيةٍ، وفروعُها باسقةٌ عاليةٌ، وثمراتُ تلكَ الشَّجرةِ وافيةٌ، تؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ، وينتفعُ بها أهلَها في كلِّ وقتٍ، فالإيمانُ كذلكَ، أصلُهُ المعرفةُ المصحَّحةُ بالأدلَّةِ والبراهين، وفروعُها الأعمالُ الصَّالحةُ الَّتي هي الفرائضُ (٣).
ومجانبةُ المعاصي في الإيمانِ كصيانةِ الشَّجرةِ ممَّا يضرُّها مِن قشطِ قشرٍ، وقطعِ عِرْقٍ، وإتلافِ غصنٍ، وما يجري مجراه.
وأوراقُ تلكَ الشَّجرةِ: قيامُه بآدابِ العبوديَّة.
وأزهارُ تلكَ الشَّجرةِ: أخلاقُه الجميلةُ.
стр. 4389
وثمارُ تلكَ الشَّجرةِ حلاواتُ الطَّاعةِ، ولَذَاذاتُ (١) الخِدْمةِ.
ثمَّ الثِّمارُ تختلفُ في الطَّعمِ والطَّبعِ والرَّائحةِ والصُّورة، كذلكَ ثمراتُ الطَّاعاتِ، وهي المعاني الَّتي يجدُها العبدُ في قلبِهِ، وهي مختلفةٌ مِن حلاوةٍ يجدُها في الطَّاعةِ وهي صفةُ العابدِيْن، وبسطٍ يجدُهُ في وقتِهِ وهو صفة العارفِيْن، ولوعةٍ في ضميرِهِ وهي صفةُ المريدِيْن، وأُنْسٍ ينالُهُ في سِرِّهِ وهو صفة المحبِّيْن، وقلقٍ واهتياجٍ يجدُهُ ولا يعرفُ سببَهُ، ولا يجدُ سبيلًا إلى سكونِهِ، وهو صفةُ المشتاقِيْن، إلى ما لا يفي بشرحِهِ نُطْقٌ، ولا يستوفِيْهِ بيانٌ وذكرٌ؛ مِنْ لوائِحَ وبوائح، ولوامِعَ وطوالِع، وشوارِقَ وطوارِق.
ثمَّ هذه الشَّجرةُ تربو بالعناية، وتورقُ بالكفاية، وتتورَّد بالكلاءة، وتثمرُ بالرِّعاية.
ولا بُدَّ للشَّجرِ (٢) مِن ماءٍ، وماءُ هذه الشَّجرةِ ماءُ النَّدمِ والحياءِ، والتَّلهُّفِ والحسرةِ، والإنابةِ والخشوع، وإرسالِ الدُّموع.
ثمَّ ثمراتُ الأشجارِ في السَّنةِ مرَّةً، وثمراتُ هذه الشَّجرةِ في كلِّ لحظةٍ كذا وكذا مرَّةً، فهي كثمراتِ الجنَّةِ، لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة، وكذا هذه اللَّطائفُ لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة، وقلوبُ أهلِ الحقائقِ عنها لا مصروفةٌ ولا محجوبة (٣).
وقال أبو بكرٍ الورَّاق: المعرفةُ شجرةٌ في قلبِ المؤمنِ، لها سبعةُ غصونٍ:
غصنٌ ينتهي إلى قلبِه وثمرتُه: صحَّةُ الإرادات.
وغصنٌ ينتهي إلى لسانِه وثمرتُه: صِدْقُ المقالات.
стр. 4390
وغصنٌ ينتهي إلى عينِه وثمرتُه: الغضُّ عنِ المحرَّمات، والنَّظرُ بالعِبرةِ في الكائنات.
وغصنٌ ينتهي إلى رجلِه وثمرتُه: المشي إلى الجماعات.
وغصنٌ ينتهي إلى يدِهِ وثمرتُه: إعطاءُ الصَّدقات.
وغصنٌ ينتهي إلى الحلْقِ والبطنِ وثمرتُه: أكلُ الحلال، وتركُ الحرامِ والشُّبهات (١).
وغصنٌ ينتهي إلى النَّفس وثمرتُه: تركُ الشَّهوات.
وقال سهلُ بنُ عبدِ اللَّهِ: لها أربعةُ أغصان:
أحدُها: ينتهي إلى قصرِ الأمل.
والثَّاني: إلى إخلاصِ العمل.
والثَّالثُ: إلى ارتقابِ الأجل.
والرَّابع: إلى تدارُكِ الخَلَل.
* * *
(٢٦) - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: هي كلمةُ الكُفْرِ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: غيرِ زاكيةٍ، كما قال: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وخبيثةٌ أيضًا مِن جهةِ أنَّ ثمرتَها (٢) غيرُ مستطابةٍ.
стр. 4391
﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾: اقتُلعَتْ، وقد جثَّ جثًّا مِن حدِّ دخَلَ يدخُلُ (١)؛ أي: قَلَعَ، واجتَثَّ اجتثاثًا كذلك.
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ في الأرض، ولا فروعَ لها في السَّماء (٢)؛ لأنَّها مستأصَلةٌ مِن فوقِ الأرضِ، ولا عروقَ لها في الأرضِ فتزكوَ؛ لأنَّها قد اجتثَّتْ مِن أصلِها، أو أنَّها لا عروقَ لها في باطنِ الأرضِ، فإذا اجتثَّتْ -أي: أُخِذَتْ جُثَّتُها الَّتي هي بارزةٌ على وجهِ الأرض- مِن أصلِها انقطعَ ثمرُها، وهي شجرةٌ ليسَ لها أصلٌ ثابتٌ يتفرَّع، وإنَّما هي قطعةُ عودٍ أو نباتٍ على الأرضِ، لا ثمرةَ لها (٣)، ولا نماءَ، ولا نفعَ.
فكذلك كلمةُ الشِّركِ (٤) هي خبيثةٌ في لفظِ المتكلِّم بها؛ إذ هي ثناءٌ على جمادٍ لا يَعقِل، وتسميةٌ بالإلهيَّة لحجرٍ لا يضرُّ ولا ينفع.
وهي تثمرُ في الدُّنيا الذِّكْرَ القبيحَ، وتسفيهَ العقلِ، وتضليلَ الرَّأي، والتَّسميةَ بالأسماءِ المكروهةِ مِن الصُّمِّ والبُكْمِ والعُمْي، والتَّشبيهَ بالحُمُرِ والبهائمِ والأموات.
وتثمرُ في الآخرةِ العقابَ (٥) الأليم، وصاحبُها في لَبْسٍ مِن دينِه، واختلاطٍ مِن اعتقادِه، وعلى غيرِ بصيرةٍ مِن دَرْكِ الصَّوابِ فيه، وليسَ له عملٌ يصعدُ إلى اللَّهِ تعالى.
стр. 4392
وقال أنسٌ (١): الشَّجرةُ الخبيثةُ: الشَّريان وهو الحنظلُ (٢).
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: هي شجرةٌ لم تُخْلَقْ، وهي مَثَلٌ (٣).
وقال القشيريُّ ﵀: خَبُثَتْ كلمةُ الشِّركِ لصدورِها عن قلبٍ هو مستقرُّ الشِّركِ ومنبعُهُ (٤).
﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾: لأنَّ الكفرَ متضادٌّ متناقضٌ، ليسَ له أصلٌ صحيحٌ، ولا برهانٌ موجِبٌ، ولا دليلٌ كاشِفٌ، ولا علَّةٌ مقتضيةٌ، إنَّما ذلك شُبَهٌ وأباطيل، وضلالٌ وتضليل، اقتضاها وساوسُ وتسويل.
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ لأنَّها حاصلةٌ مِن شُبَهٍ واهية، وأصولٍ فاسدة.
* * *
стр. 4393
(٢٧) - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: ﴿يُثَبِّتُ﴾؛ أي: يوفِّقُ للثَّبات، ويحفظُ عن الزَّوال والزَّلل.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الذين آمنوا واتَّقوا، فالوعدُ للمؤمنِ المستقيمِ المستكمِلِ خصالَ الإيمانِ، وذلك بالتَّقوى، فأمَّا العصاةُ (١) فهم في خطرٍ.
وقوله تعالى: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قيل: هو صلة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: هذا الوعدُ للَّذين آمنوا بالقول الثَّابتِ؛ أي: بالتَّوحيد الخالص، فوحَّدوا اللَّهَ، ونزَّهوه عمَّا لا يليقُ به.
وقيل: هو صلةُ ﴿يُثَبِّتُ﴾؛ أي: يثبِّتُهم بالبقاءِ على هذا القول الثَّابت.
أو يكون بمعنى الجزاءِ؛ أي: يثبِّتُهم بسببِ قولِهم الثَّابت، يُقال: جزيتُه بكذا أو على كذا أو في كذا (٢).
و ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ما داموا أحياءً، وعندَ الموتِ، حتَّى يُختَم لهم به.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في القبرِ عندَ مسائلةِ مُنكر ونَكير.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: مَن دامَ على الشَّهادةِ في الحياة الدُّنيا ثبَّتَهُ اللَّهُ عليها في قبرِه ولقَّنه إيَّاها (٣).
стр. 4394
وكذلك قالَ مقاتلٌ (١)، وعليه كثيرٌ مِن الأخبار (٢).
وقيل: القبرُ مِن الحياةِ الدُّنيا؛ لأنَّه في الدُّنيا صورة، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ عندَ مسائلةِ اللَّهِ إيَّاهم عندَ الحساب.
والقولُ الثَّابتُ: هو الشَّهادةُ للَّهِ بالوحدانيَّة، والصِّفاتِ التي وصفَ بها نفسَه، وهو قولٌ ثابتٌ في نفسِهِ بدلائلِ العُقول وشهاداتِ المعارف.
وقيل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يمكِّنُهم اللَّهُ في الأرضِ، ويستخلِفُهم فيها، وفي الآخرةِ في الجنَّةِ بقولهم الثَّابت؛ أي: بسببِ كلمةِ التَّوحيد منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: يخذِلُ الَّذين ارتكبوا الكبائرَ، فوضعوا الأمرَ غير موضعِه، وظلموا بذلك أنفسَهم.
وهذا الوعيد لهم ما داموا مختارِيْن لذلك، فإذا تركوا الظُّلم ورجعوا إلى (٣) الحقِّ يوفِّقُهم اللَّهُ ويعصمُهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: يتوبُ على الظَّالم إنْ شاءَ، فيغفرُ له ويهديه، ويغفرُ له إنْ شاءَ مِن غيرِ توبةٍ، ويعاقبُه إنْ شاءَ ويتركُه في ظلمةٍ.
والآيةُ ردٌّ على المعتزلةِ، فإنَّهم يقولون: لا يقدِرُ أنْ يفعلَ ما يشاءُ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّه شاءَ إيمانَ الجميع، ولم يؤمنوا، فلم يقدرْ أنْ يفعلَ ذلكَ بهم.
* * *
стр. 4395
(٢٨ - ٢٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: قال الحسنُ: يعني: أبا جهلٍ وأصحابَه (١)، الَّذين (٢) بدَّلوا نعمةَ اللَّهِ عليهم بمحمَّد وبالإيمانِ، فكفروا به وكذَّبوه.
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾: أي: دار الهلاك ﴿جَهَنَّمَ﴾: هو بدلٌ عنها، وترجمةٌ لها، فأخرجوهم إلى قتالِ محمَّدٍ ببدرٍ، فقتلَهُم اللَّهُ فدخلوا النَّارَ.
فالنِّعمةُ هي محمَّدٌ ﷺ في هذه الآيةِ، وكذلك في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣].
وقيل: ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: هي بدرٌ هلكوا بها.
وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ يكون منصوبًا لقوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾، وهو كلامٌ غيرُ الأوَّل (٣).
وقيل: النِّعمة: هي جميعُ ما أنعمَ اللَّهُ تعالى عليهم بها، فكفروا بها، فاستحقُّوا بها العقاب.
وقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: يدخلون جهنَّم ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾؛ أي: بئسَ الاستقرار؛ أي: بئسَ المستَقَرُّ جهنَّم.
стр. 4396
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: النَّاسُ بَراءٌ مِن هذه غير ظَلَمةِ قريشٍ (١).
وقال عليٌّ ﵁: هم بنو المغيرة وبنو أميَّة؛ أمَّا بنو المغيرة فاسْتُؤصِلوا ببدرٍ، وأمَّا بنو أميَّة فمُتِّعوا إلى حين (٢).
* * *
(٣٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: أشكالًا وأشباهًا مِن الأصنامِ سمَّوها اللَّات والعزَّى، كما أنَّ مِن أسماء الرَّبِّ ﷻ : اللَّه والعزيز.
﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: أي: ليضلُّوا بذلك عن سبيلِ طاعةِ اللَّهِ غيرَهم، كما ضلُّوا بأنفسِهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾: أي: قل لهم يا محمَّد: تمتَّعوا في الدُّنيا ما شِئْتُم ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: مرجعَكم في عاقبةِ أمرِكُم إلى جهنَّم.
ويجوزُ أنْ يكون: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ دليلًا على قلَّةِ مُكْثِهم في الدُّنيا، فإنَّ المتاع اسم لذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ١٨﴾، وإنْ أُجْرِيَ على إطلاقِهِ وطولِ زمانِهِ فقد قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].
* * *
(٣١) - ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾.
стр. 4397
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: قلْ لهم: أقيموا الصَّلاة، فيقيموا الصَّلاة، فهذا الظَّاهر جُزِمَ بالجوابِ للأمرِ المحذوفِ الَّذي دلَّ عليه: ﴿قُلْ﴾.
وقيل: هو بنفسِهِ أمرٌ بإضمارِ اللَّامِ فيه؛ أي: ليقيموا الصَّلاة، وجاز ذلك لدلالةِ ظاهرِ الكلامِ عليه، ويجوز مثلُه في الكلام: قلْ له: يضربْ زيدًا.
وهذا أمرٌ للمؤمنين بأن يخالفوا الذين بدَّلوا نعمةَ اللَّه كفرًا؛ أي: قل يا محمَّدُ للذين حقَّقوا عبوديَّتهم لي بالإيمان بي ومخالفةِ الَّذين أشركوا بي غيري: أقيموا لي (١) الصَّلاةَ بأبدانِكُم، وأنفقوا في إقامةِ ديني ومواساة عبيدي أموالَكم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: فِعْلَ المخلصِيْنَ دونَ المرائِيْنَ الذين ينفقون في العلانيةِ بمرآةٍ للنَّاس لا غيرَ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾: وهو يومُ القيامةِ، لا يجزي فيه تبايعٌ بينَ (٢) النَّاسِ فيشتريَ نفسَه مِن العذابِ بمالٍ يعطيه، ولا مصافاةٌ فيشفعَ خليلٌ لخليلِه فينجِيه؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال الإمامُ القشيريُّ رحمة اللَّه عليه: أمرنا بالصَّلاةِ التي فيها المناجاةُ، وبإنفاقِ ما رزقَه اللَّه، وهو إنفاقُ اللِّسان على ذكرِه، والبدنِ على طاعتِه، والوقتِ على شكرِه، والقلبِ على عرفانِه، والرُّوحِ على حُبِّه، والسِّرِّ على مشاهدَتِه، ولا يكلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلَّا وسعَها.
وهو جوابُ مَن سألَ: إنَّ كلَّ إنسانٍ لم يعطَ كلَّ شيءٍ، ولأنَّه قال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾، وهو للتَّبعيض.
ومعنى قراءة التَّنوين: مِن كلِّ شيءٍ ما سألتموه، ثمَّ (ما) إنْ جُعِلَ بمعنى الذي فهو كالأوَّل، وإنْ جُعِلَ للنَّفي فمعناه: مِن كلِّ شيءٍ لم تسألوه؛ أي: أعطاكم ما سألتُموه وما لم تسألوه، كالشَّمس والقمر واللَّيل والنَّهار وما عُدَّ في هذه الآية، وكذلكَ مِن المصالح ما يَخفَى على العبدِ سؤالُه، واللَّهُ يعطيهِ مِن غيرِ سؤالٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: أي: لن (١) تطيقوا شكرَها، كما قال ﵊: "استقيموا ولن تُحصوا" (٢)؛ أي: لن تُطيقوا.
وقيل: أي: لا تستوفوا عدَّها (٣)، كما قال: "مَن أحصاها دخلَ الجنَّةَ" (٤).
وأقلُّ النَّاسِ نعمةً لو تكلَّفَ عَدَّ ما أنعمَ اللَّهُ عليه نفعًا ودفعًا لم يمكنْهُ إيفاءُ عدِّهِ، وبلوغُ حدِّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾: ﴿لَظَلُومٌ﴾ لنفسهِ في معصيتِه، ﴿كَفَّارٌ﴾ لربِّه في نعمتِه.
وقيل: ظلومٌ: في الشِّدَّة يضجَر ويجزَع، كفَّارٌ: في النِّعمة يجمَعُ ويمنَعُ.
* * *
стр. 4401
(٣٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي: اذكرْ يا محمَّدُ إبراهيمَ إذْ لم يستعجلِ العذابَ لِمَنْ (١) كذَّبَه وآذاه، فكذلكَ فافعلْ بأهلِ عصرِكَ، واتَّبعْ في ذلك أباك، وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقدَّم على ذلك وأخَّرَ عنه دعوات، فممَّا قدَّم قولُه تعالى:
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: أي: اشرعْ للنَّاس أنْ يكونَ ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ وهو مكَّة ﴿آمِنًا﴾؛ أي: مأمنًا (٢)، وقيل: مأمونًا فيه، وقيل: ذا أمنٍ، وهو كقولهم: ليلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ، وكقول اللَّه تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾؛ أي: بَعِّدْني (٣) وأولادي، وقد جَنَبه مِن حدِّ (دخل)، وجنَّبَهُ تجنيبًا للمبالغة، واجتنبَ وتجنَّب لازمٌ، وحقيقة الكلمة: اجعلني في جانبٍ، كما يُقال: نحِّني؛ أي: اجعلني في ناحيةٍ.
﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: (أن) مع الفعل مصدر؛ أي: عبادةَ الأصنام، وهذا لتعليمِ الأُمَّةِ، ولأنَّ العِصمةَ لا تزيلُ المحنةَ، فيجوز فيه الدَّعوة كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
* * *
стр. 4402
(٣٦) - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: أي: ضَلَّ بهنَّ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، أضافَ الإضلالَ إليهنَّ بطريق التَّسبُّبِ؛ أي: إلى الأصنام، كما في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠].
وقال القشيريُّ ﵀: كانَ إبراهيمُ ﵇ بينَ شهودِ فضلِ ربِّه، وشهودِ فَقْرِ نفسِهِ، فلِنَظَرِه إلى فضلِ ربِّهِ قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، ولِنَظَرِه إلى فَقْرِ نفسِهِ قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
وقال: وقيل: شاهدَ عزَّ اللَّهِ واستغناءَه فقال (١): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وشاهدَ فضلَه ورحمتَه ولطفَه فقال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: أي: فمَنْ كانَ على ديني في توحيدِكَ فإنَّه ممَّنْ أُمالِيْهِ (٣) وأَعُدُّه مِن جُملةِ أصحابي، كما قال في قصَّة طالوت: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿غَفُورٌ﴾: تسترُ عليه ذنبَه، ﴿رَحِيمٌ﴾: ترحمُه فتتوبُ عليه.
وقيل: أي: تُمْهلُه ولا تعاجِلُه بالعذاب، فهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ
стр. 4403
الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، فالمغفرةُ في هذه الآيةِ على ستر ذنوبِهم وإمهالِهم.
وقال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ولم يقل: (عصاكَ)، وإنْ كانَ مَن عصاهُ فقد عصى اللَّه؛ مراعاةً للأدبِ في الخِطابِ.
* * *
(٣٧) - ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي: بعضَ أولادي، وهو إسماعيلُ مع أمِّه هاجر، وأسكنتُه؛ أي: جعلتُه ساكنًا.
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾: هو وادي مكَّةَ، وهو الأبطحُ، والوادي: سفحُ الجبلِ.
و ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾؛ أي: لا ماءَ فيه فنزرعَ الأرضَ عليه.
﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾: وهو الكعبة، والإضافةُ إلى اللَّهِ تعالى للتَّشريف.
والتَّحريمُ: إثباتُ حرمتِه وحرمةِ ما يَحلُّ مِن غيرِه فيه.
وقال القشيريُّ ﵀ في (١) قولِه تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾: هو إخبارٌ عن صدقِ توكُّلِهِ وصِدْقِ تفويضِهِ.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو بيانُ أنَّه رأى الرِّفق لهم في الجوار، لا في المَبارّ (٢).
стр. 4404
ثمَّ قيل: هذا كان بعدَ بنائِهِ البيت.
وقيل: كان قبلَ بنائِه، لكنْ كانَ اللَّهُ أبانَ له موضعَ البيتِ، فصحَّتْ إشارتُه إليه.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أسكنْتُهم به ليعبُدُوكَ به، ويقيموا الصَّلاةَ لكَ، مخلصِيْن غيرَ مشركِيْن.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: تَنْزِعُ إليهم (١).
وقال الضَّحَّاكُ: تشتاقُ إليهم (٢).
والهوى لغةً: هو الانحطاطُ بسرعةٍ.
يقول: حَبِّبْ هذا البيتَ إلى عبادِكَ ليأتوه فيحجُّوه.
وقال مجاهدٌ: قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، ولو قال: (أفئدة النَّاس) لازدحمَتْ عليه الرُّوم والتُّرك والهند (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: التي تكون في بلاد النَّاس، فتُجنَى إليه الثَّمرات مِن النَّواحي، فيُوجَد به ما يوجَدُ بها.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾: أي: ليشكروا لك.
وقيل: (لعلَّ) ها هنا للتَّرجِّي؛ أي: أرجو أنَّهم إذا استغنَوا بهذه النِّعم فيه سكنوه
стр. 4405
واستوطنوه، وأقاموا مناسكَكَ فيه؛ شكرًا لك على نِعَمِكَ، فاستجابَ اللَّهُ دعاءَه بثمراتِ الطَّائف.
وقال القشيريُّ ﵀: يقول: أسكنْتُهم بهذا الوادي، ولا متعلَّق مِن الأغيارِ لقلوبِهم، ولا مُتناوَل لأفكارِهم وأسرارِهم (١)، فهم مطروحون ببابِك، مقيمون بحضرتِك، جارٍ فيهم حكمُك، إنْ راعيتَهم كفيتَهم وكانوا أعزَّ خلقِكَ، وإنْ أقصيْتَهم ونفيْتَهم كانوا أذلَّ خلقِكَ (٢).
* * *
(٣٨) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾: أي: لا يخفَى عليكَ قولي وإرادتي في إرادةِ الخيرِ بعبادِكَ عمومًا، وبذريَّتي خصوصًا؛ لعلمِي بسَعَةِ رحمتِكَ، وإرادَتِكَ الخيرَ بمَن آمنَ بك.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ ومقاتلٌ: ﴿مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ مِن الوجدِ (٣) بإسماعيلَ وأمِّه، وغربتِهما وكونِهما بوادٍ غير ذي زرعٍ (٤).
стр. 4406
وقوله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: يجوُز أنْ يكون هذا مِن كلامِ إبراهيمَ، ويكونُ انتقالًا مِن المخاطبة إلى المغايبة، وهو أحدُ أقسامِ البلاغة.
ويجوزُ أنْ يكونَ هذا كلامًا معترِضًا في كلام إبراهيم، وهو كلام اللَّه تعالى؛ أي: صَدَق إبراهيم فيما قال: لا يخفى على اللَّه مِن شيءٍ في الأرضِ ولا في السَّماء؛ أي: علمَ اللَّهُ قصدَه بهذا الدُّعاء، فاستجابَ له في البيت وذريَّتِه.
* * *
(٣٩) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾: أي: الشُّكرُ للَّهِ على أنْ وهبَ لي هذَيْن الولدَيْن على كِبَرِ سنِّي وكِبَرِ سِنِّ امرأتي، كما قالت سارة: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢].
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيم وهو ابنُ تسعٍ وتسعيْنَ سنةً، ووُلِدَ له إسحاقُ وهو ابنُ مئةٍ واثنتي عشرة سنة (١).
وقال سعيدُ بنُ جُبير: وهو ابنُ سبعَ عشرةَ ومئةِ سنةٍ (٢).
وقال مقاتلٌ: وُلِدَ إسماعيلُ لإبراهيمَ وهو ابنُ أربعٍ وستِّين سنة، ووُلِدَ له إسحاقُ وهو ابنُ سبعينَ سنةً (٣).
стр. 4407
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: أي: قد سمعَ دعائي: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وقيل: إنَّه أراد به: اسمعْ (١) دعائِي في حقِّ البيت وفي حقِّ ذرِّيَّتي.
* * *
(٤٠) - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي: وفِّقْني وأولادي لإدامةِ الصَّلاةِ وإقامَتِها على شرائِطِها في أوقاتِها.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: أي: عبادتي، قال اللَّه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]؛ أي: فاعبدوه.
ويحتمِل: أنَّه عَدَّ دعاءَه لذرِّيَّته وللمؤمنين عملًا صالحًا يُثابُ عليه، فسألَ قَبولَه.
* * *
(٤١) - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال الحسن: كانَتْ أمُّه مسلمةً، بدليلِ قولِه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، ولم يصف الأمَّ بالضَّلال.
قال الإمام أبو منصور: ولسنا نعلمُ ذلكَ، وسؤالُ المغفرةِ للأبِ الضَّالِّ وللأمِّ إنْ كانَتْ ضالَّةً، هو سؤالُ ما يُنالُ به المغفرة، وهو الإسلام (٢). وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في آخر (سورة براءة).
стр. 4408
وقيل: أرادَ به آدمَ وحوَّاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: دعاءٌ بالمغفرةِ لجميعِ المؤمنين أيضًا، ويدخلُ فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحنُ ندعو له بالصَّلاة بأمرِ اللَّهِ بهِ إجابةً لدعائِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: أي: حين يجيءُ وقتُ الحسابِ، كما يُقالُ: قامَت الصَّلاة، وقامَت الحربُ.
وقيل: هو عبارةٌ عن العدلِ في الحسابِ، يُقال: أقمْ هذا الحساب؛ أي: اعدلْ فيه.
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: يخاطبُ نبيَّه به (١) تسليةً له وإخبارًا أنَّ إبراهيمَ لم يستعجلْ؛ ليصبر هو كما صبرَ إبراهيمُ، وبيانًا للمشركين أنَّ إبراهيمَ لم يكن راضيًا بفعلِهم بهذا القول، وإنَّ تأخُّرَ العذابِ عن الكفَّار في الدُّنيا لتشديدِهِ عليهم في العُقْبى.
وقال القشيريُّ ﵀: الظُّلم على وجوهٍ:
ظلمٌ على النَّفسِ: بوضعِ المعصيةِ مكانَ الطَّاعة.
وظلمٌ على القلبِ: بتمكُّنِ الخواطرِ الرَّديئة منه، وإخطارِ الغيرِ بالبالِ.
стр. 4409
وظلمٌ على الرُّوحِ: بمحبَّةِ المخلوقِيْنَ (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: أي: تأخيرُ عذابِهم ليسَ لخفاءِ حالِهم على اللَّهِ تعالى، بل يؤخِّرُهم ليومِ القيامةِ الذي ترتفعُ فيه أبصارُهم ارتفاعًا لنزولِ (٢) ما توعِّدوا به، ولانفتاحِ أبوابِ السَّماءِ ونزولِ الملائكةِ.
* * *
(٤٣) - ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾.
﴿مُهْطِعِينَ﴾: أي: مسرِعِيْنَ على خوفٍ لِمَا أنَّهم (٣) مساقون إلى النَّار.
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: أي: رافعِيْها حتَّى لا يبصروا مواضعَ أقدامِهم.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾: أي: لا تَغتمِضُ عيونُهم.
ووحَّدَ الطَّرْفَ لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ؛ طَرَفَ (٤) ببصرِهِ يطرُفُ طَرْفًا.
والجمعُ بينَ الإهطاعِ والإقناعِ على معنى: أنَّهم يكونونَ مُسْرعِيْنَ إلى الدَّاعي إذا دعاهُم، وإلى أنْ يدعوهم يكونونَ مُقْنِعي رؤوسِهِم.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: قيل: هي خاليةٌ لا تعي شيئًا ولا تعقلُ مِن الخَوف.
وقيل: جُوف لا عقولَ لها.