سورة الحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعلَ في السَّماء بروجًا وزيَّنَها للنَّاظرِيْنَ، الرحمنِ الذي جعلَ الجنَّة للمتَّقين يدخلونها بسلام آمنين، الرحيمِ الذي أمرَ رسولَه بخفضِ جناحِه للمؤمنين.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "مَن قرأَ سورةَ الحِجْرِ كانَ له مِنَ الأجرِ عشرُ حسناتٍ بعددِ المهاجرينَ والأنصارِ، والمستهزئِينَ بمحمَّدٍ ﷺ " (١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي تسعٌ وتسعون آيةً، وستُّ مئةٍ وأربعٌ وخمسون كلمةً، وألفان وثماني مئة وستَّة عشر حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخر (سورة إبراهيم): أنَّهما جميعًا في صفةِ القرآنِ.
وانتظامُ السُّورتَيْنِ جملةً: أنَّ (سورة إبراهيم) في بيانِ وحدانيَّة اللَّهِ تعالى، ودعوةِ
стр. 4422
الأنبياء إليها، وتكذيبِ الكفَّار إيَّاهم، وتوكُّلِ الأنبياء على اللَّه تعالى، ونجاتِهم، وهلاكِ مكذِّبِيهم، وبيانِ مَثَلِ أعمالِهم، وبيانِ مَثَلِ توحيدِ المؤمنين، ومَثَلِ كُفْرِ الكافرين، ثمَّ تقسيمِ مَن كفرَ فقيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، ومَن آمنَ قيلَ لهم: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١]، وختمَ السُّورةَ بأنَّ القرآنَ بلاغٌ وتبصيرٌ، وإنذارٌ وتذكيرٌ.
وافتتاحُ هذه السُّورة بأنَّ مَن لم يتذكَّرْ ففي الآخرة يتحسَّر، ويودُّ أنْ لو كانَ آمنَ وما كفر، ثمَّ بيانِ تكذيبِ الأوَّليْن واستهزائِهم، ثمَّ بيانِ خَلْقِ آدمَ، وانقسامِ أولادِه إلى مَن يَتَّبعُ الشَّياطين ومَن يتَّبعِ الرَّحمن، وبيانِ جزاءِ هؤلاءِ وجزاءِ هؤلاءِ، وتحقيقِ هذَيْنِ المعنَيَيْنِ إلى ختم السُّورة.
* * *
(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر﴾ مرَّتْ الأقاويلُ فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾: أي: تلك الآياتُ المنزَلة قَبْلَ هذه السُّورة إنْ جُعِلَ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الغائبِ، وهذه الآياتُ الَّتي في هذه السُّورة، إنْ كانَ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى الحاضرِ.
فاللَّفظُ يصلحُ لهما آيات القرآن.
وقوله تعالى: ﴿الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ﴾ هما واحدٌ، وسُمِّيَ باسمَيْنِ لاختلافِ المعنَيَيْنِ، فهو كتابٌ لأنَّه يُكْتَبُ ليكونَ مُدوَّنًا مخلَّدًا، وقرآنٌ لأنَّه جُمِعَ فيه ما بنا إليه حاجةٌ اليوم وغدًا.
وقوله تعالى: ﴿الْمُبِينُ﴾ قال القشيريُّ ﵀: يبيِّنُ للمؤمنينَ ما يسكِّنُ
стр. 4423
قلوبَهم، وللمريدِيْن ما يقوِّي رجاءَهم، وللمحبِّين ما يَهِيجُ اشتياقَهم، وللمشتاقين ما يثيرُ لواعِجَ أسرارِهم (١).
* * *
(٢) - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: أي: كثيرًا ما يتمنَّى هؤلاء الكفَّار أنْ لو كانوا مسلمين منقادين لِحُكْمِ هذا الكتاب.
وكلمة (رُب) موضوعةٌ لتكثيرِ ما يُخْبَرُ عنه، وهي تدخلُ اسمَ النَّكرة، وإذا ولِيَتِ الفعلَ (٢) دخلَها (ما) ليصيرَ مصدرًا، فتصيرُ داخلةً في الاسم معنًى.
وتقدير هذا: رُبَّ ودادِ (٣) الَّذين كفروا.
وفي ﴿رُبَمَا﴾ قراءتان؛ قرأ عاصم ونافع بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديد (٤)، وهما لغتان، قال الشَّاعر:
أَزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فإنَّني... رُبَ هَيْضَلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ (٥)
وقيل: هذا التَّمنِّي يكونُ عندَ الموتِ، عندَ نزولِ ملائكةِ العذاب.
وقيل: يكون عندَ البعث.
وقيل: يكون عندَ الحساب.
стр. 4424
وقيل: يكون عندَ دخولِ النَّار. وقيل: يكون فيها.
وقيل: يكون في كلِّ الأحوالِ الَّتي تُخْطِرُ بالبالِ ظهورَ بطلانِ ما كانوا فيه مِن خلافِ الإسلام.
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يعذب اللَّه قومًا ممن كان يعبده وقومًا ممن كان يعبد غيره فيجمعهم في النار، فيعيِّر الكفار المؤمنين فيقولون لهم: ما أغنى عنكم توحيدُكم وأنتم معنا في النار؟ فيأمر اللَّه بإخراجهم، فحينئذ يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين (١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: يُجْمَعُ طائفةٌ مِن أهلِ التَّوحيدِ وطائفةٌ مِن الكفَّارِ في بعضِ دَرَكَاتِ النَّارِ، فيقول الكفَّارُ للمؤمنين: أمَّا نحنُ فمعلومٌ كُفْرُنا وشِرْكُنا وتَكْذِيْبُنا، ولذلِكَ وقَعْنا في النَّارِ، وأمَّا أنتم فكنْتُم مؤمنينَ مصدِّقين، فما أحلَّكُمُ النَّارَ؟ قال: فيَغارُ اللَّهُ تعالى للمؤمنين، فيقول: وعِزَّتي لأنجينَّكُم منها، ثمَّ يأمرُ الشُّفعاءَ حتَّى يشفعوا لهم (٢).
وقال القشيريُّ: إذا عرفوا عمَّنْ بقُوا علموا كيف شقُوا، وأيَّ كأسٍ سُقُوا.
ويقال: لو علموا عمَّن بقُوا لرأَوا أنفسَهم أهلًا لِمَا مِن العقوبةِ لقُوا.
ويقال: إذا صارَتِ المعارفُ ضرورةً احترقَتْ نفوسُ أقوامٍ عقوبةً، وتقطَّعَتْ قلوبُ آخرِيْنَ حسرةً (٣).
стр. 4425
وقال الفرَّاءُ والكِسائيُّ: (رب) أصلُهُ (١) لِمَا مَضَى: رُبَّ مالٍ أنفقْتَه، وقد تُستَعْمَلُ في المستقبل على معنى التَّقريبِ له، كما أنَّ (إذ) موضوعةٌ للماضي، ثمَّ قد تُستعمَلُ في المنتظَرِ (٢) تقريبًا له، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية [السجدة: ١٢]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، وذلكَ لأنَّ ما أَوعدَ اللَّهُ تعالى به فهو قريبٌ آتٍ لا محالةَ، فجُعِلَ في معنَى ما وُجِدَ (٣).
* * *
(٣) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: يتمتَّعوا: يتلذَّذوا، ويلهِهِمُ: يَشغَلْهم، وقد لَهِيَ يَلْهَى مِن حدِّ (علم)؛ أي: ذهلَ عن الشَّيءِ وشُغِلَ عنه، وألهاهُ غيرُه.
وهذا تهديدٌ للكفَّارِ، وتسليةٌ للنَّبيِّ ﵊؛ يقول: دعْهُم يا محمَّد يتقلَّبوا في الدُّنيا ويتمتَّعوا بها، ويشغلهم طولُ الأملِ عن التَّفكُّرِ في القرآن.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بهم عذابُ الآخرة والسَّيفُ (٤) في الدُّنيا أنَّ ما كانوا فيه مِنَ الاشتغال في الدُّنيا بالاستمتاعِ بها لم يكنْ شيئًا، وأنَّه لا ينفعُ عندَ اللَّهِ إلَّا الإيمانُ والعملُ الصَّالح.
وقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُوا﴾ جُزِمَ لأنَّه جوابُ الأمرِ، وكذا ما بعدَه.
стр. 4426
وفي قولِه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] لم يُجزَمْ لأنَّه حالٌ، لا خبرٌ، وتقول العربُ: (دَعْ زيدًا يَنَمْ)، و: (دَعْ زيدًا ينامُ)، فإذا كانَ غيرَ نائمٍ تقولُ: (دَعْ زيدًا يَنَمْ) جوابًا للأمر، وإذا كان نائمًا تقولُ: (دَعْ زيدًا ينامُ)؛ أي: قَرِّرْهُ على حالةِ النَّوم.
* * *
(٤) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾: يتَّصِلُ بما قبلَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: العذابُ نازلٌ بهم، لكنْ في وقتِه الَّذي جعلناه أجَلًا له، وما أهلكْنَا أهلَ قريةٍ ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: أجلٌ مكتوبٌ (١) معلومٌ، أخَّرناها إلى أجلِها إذا كان في عِلْمِنا إيمانُ مَن يؤمنُ منهم، أو حدوثُ (٢) أولادٍ يخرجون مِن أصلابِهم يؤمنون، فإذا بلغَ الكتابُ أجلَه وجبَتْ كلمةُ العذابِ على الكافرين، ولم يتأخَّرِ العذابُ عنهم.
* * *
(٥) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: أي: لا تتقدَّمُ أمَّةٌ، و (مِنْ) مؤكِّدةٌ.
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: أي: لا يتأخَّرون عن وقتِها.
ووحَّد (تسبق) بالتَّاء لظاهرِ كلمةِ (أمَّة)، وجمع قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بالواو والنُّون للمعنى.
стр. 4427
وقال القشيريُّ: الآجالُ معلومة، والأحوالُ مقسومة، والمشيئةُ في الكائنات ماضية، ولا يَخفى على اللَّه خافية (١).
* * *
(٦) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: أي: قال هؤلاء المشركون: يأيُّها الَّذي نُزِّلَ عليه القرآنُ على زعمِهِ، قالوه على وجهِ الاستهزاء به.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾: يُخَيِّلُ إليكَ الشَّيطانُ فتظنُّه مَلِكًا.
* * *
(٧) - ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾: أي: هَلَّا تأتينا بالملائكة رُسُلًا مِنَ اللَّهِ يخبرونَنا بصدقِ رسالتِكَ، ونزولِ الذِّكْرِ عليك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدَّعوى.
وقيل: تزعمُ أنَّ الملائكةَ يأتونَكَ بالوحيِ، فهَلَّا أظهرْتَ لنا إذْ أتَوْكَ لننْظُرَ إليهم، فنعرفَ صِدْقَكَ.
و (لوما) و (لولا) واحدٌ قال ابنُ مقبل:
لوما (٢) الحياءُ ولوما الدِّينُ عِبْتكُما... ببعضِ ما فِيْكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي (٣)
стр. 4428
أي: (لولا) و (لوما) بمعنى: هلَّا، قال تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
* * *
(٨) - ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: قرأ أبو عَمرو وأهلُ المدينة: ﴿ما تَنَزَّلُّ﴾ بنصب التَّاء ورفع اللَّام، بمعنى: تتنزَّل، وحُذِفَتْ إحدى التَّاءين تخفيفًا.
وقرأ عاصمٌ وأهل الكوفة: ﴿نُنَزِّلُ﴾ برفع النُّون ورفع اللَّام إخبارًا مِنَ اللَّهِ تعالى عن نفسِهِ بخطابِ الملوكِ جمعًا، و ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ نصبًا لأنَّه مفعولٌ، وفي القراءة الأولى رفع لأنَّه فاعل (١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: العذابِ الذي حَقَّ على الجُناةِ.
﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾: أي: إذا جاءَهم العذابُ لم يُمْهَلُوا.
وقيل: أي: لا تنزِلُ الملائكةُ إلى الأرضِ بشهواتِ العبادِ وسؤالِ الاقتراحِ، إنَّما تنزلُ بالحقِّ؛ أي: وحي إلى الأنبياء، أو لقبض الأرواح، أو لأمرٍ مِن أمرِنا.
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالموتِ الَّذي هو كائنٌ حقٌّ؛ لأنَّهم لو رأوا الملائكة
стр. 4429
لَمَاتوا لِمَا ليس (١) في وُسْعِهم رؤيةُ الملائكة، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾، وعلى هذا قولُه: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨].
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحُججِ على الرُّسل، وهؤلاء ليسوا برسلٍ، ولا أهلٍ لذلك.
وقيل: أي: لا تنزلُ الملائكةُ إلَّا بالوحي إلى الأنبياء، أو تعذيب الكفَّار، وهؤلاء ليسوا كذلك، فليس وراءَه إلَّا النُّزول للعذاب، وذلك إذا حقَّ القول به، وليس بعدَه نَظِرةٌ (٢).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾: أي: القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ نتوَلَّى (٣) حفظَه، فلم يُغَيَّرْ ولم يبدَّلْ (٤)، ولا يأتيه الباطلُ مِن بينِ يدَيْه ولا مِن خلفِه، واستُحْفِظَ أهلُ الكتابِ التَّوراةَ والإنجيل فحرَّفوا وبدَّلوا.
وقيل: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ بإعجازِ نظمِه ومعانيه مِن أنْ يعارِضَه معارِضٌ بمثلِه.
وقيل: نزَّلْنا الذِّكْرَ على محمَّد، وإنَّا لمحمَّدٍ لحافظون مِن التَّقوُّلِ علينا، وممَّا وصفتُموه به مِن الجنون.
وقيل: حافظونَ مِن أنْ يُكادَ وينفذَ فيه لمحتالٍ (٥) مرادُه.
стр. 4430
(١٠ - ١١) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾: وهنا مُضمَرٌ؛ أي: ولقد أرسلنا مِن قبلك رسلًا مِن قرنِ الأوَّلين (١).
والشِّيعةُ: الفِرقة (٢) المتشايعة، وهي الَّتي يعينُ بعضُها بعضًا (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: كما يستهزئُ بكَ هؤلاء.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾: أي: نُدْخِلُ الاستهزاءَ والتَّكذيبَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: بالرَّسول، أو: الكتاب، وسَلَكَ لازمٌ ومتعدٍّ، ونظيره: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢].
وقال الإمام أبو منصورٍ: أي: مثلَ الذي سلكْنا في قلوبِ المؤمنين مِن قَبولِ الآياتِ والحُجَج والتَّصديق بها لِمَا علمْنَا أنَّهم يختارون ذلك، كذلك نسلُكُ في قلوبِ المجرمينَ مِن تكذيبِ الآياتِ والحُجَج ورَدِّها لِمَا علمْنَا منهم ذلك (٤).
стр. 4431
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: مضَتْ طريقةُ الأوَّلين بالتَّكذيبِ والمعاندةِ والاستهزاءِ.
ويحتمِل: وقد خَلَتْ سُنَّتُنا في الأوَّلِيْنَ؛ بتخليصِ الأنبياءِ والمؤمنين وإهلاكِ المكذِّبِيْن والمعانِدين.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: لو أجبْتُ المشركين (١) إلى مسألَتِهم لأصرُّوا على كفْرِهم ولم يؤمنوا ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: أي: فظلَّ الملائكةُ ينزلون ويعرجون؛ أي: ويصعَدون، ذكرَ (٢) العروجَ ولا يكون ذلك بدون النُّزول، فكان ذكرُه ذكرَه (٣)، وكانَ حذفُه اختصارًا، واقتضى ظاهرُه إضمارًا.
وقيل: معناه: ولو فتحنا عليهم بابًا من السَّماء فعرجوا فيه بأنفسِهم لم يؤمنوا، بل تعلَّقوا بضَرْبٍ آخرَ (٤) مِن الباطلِ.
* * *
(١٥) - ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.
стр. 4432
قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾؛ أي: سُحِّرَتْ ومُنِعَتْ عن النَّظر وسُدَّتْ.
والسِّكْرُ: السَّدُّ، والتَّسكيرُ للتَّكثير والتَّكرير، وقرأ ابنُ كثيرٍ بالتَّخفيف على الأصل (١).
قال ابنُ عبَّاس ومقاتلٌ: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾؛ أي: سُدَّتْ (٢).
وقال الحسنُ: سُحِرَتْ (٣).
وقال قتادة: أُخِذَتْ (٤).
وقال الكلبيُّ: أُغْشِيَتْ (٥).
وقال أبو عَمرو بن العلاء: غُطِّيَتْ (٦).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾: أي: سحرَنا محمَّدٌ، وخَيَّلَ إلينا أنَّ هؤلاء ملائكة، وسَحَرَنا بفتحِ بابِ السَّماء، يَصِفُ عنادَهم.
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾.
стр. 4433
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: ثمَّ ذَكَرَ بعدَ عنادِ المشركين دلائلَ قدرَتِه وعَجْزِ أصنامِهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾؛ أي: كواكبَ عظامًا ظاهرةً، ومثلُه قولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وقولُه: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: أبنية عالية.
وأصلُه: الظُّهور، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]؛ أي: ظاهرات.
وقال قتادةُ: البروجُ: الكواكبُ (١).
وقال مجاهدٌ: هي دراريُّ النُّجوم (٢)، يعني: عِظامَها وبيضها.
وقال الضَّحَّاك: هي كبار النُّجوم (٣).
وقال الكلبيُّ عن ابن عبَّاس: هي الحصونُ، وهي منازلُ الشَّمس والقمر، وأسماؤُها: الحمل والثَّور والجوزاء والسَّرطان والأسد والسُّنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدَّلو والحوت (٤).
стр. 4434
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾: أي: جعلنا السَّماء مزيَّنةً بالكواكبِ للنَّاظرين إليها، كما قال: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦].
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي: حرسْنا السَّماءَ مِن كلِّ شيطانٍ مرجومٍ بالنُّجوم؛ أي: مرميٍّ بها.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: قيل: هو استثناءٌ منقطعٌ، ومعناه: لكنْ مَن استرقَ السَّمع؛ أي: صعد من الشَّياطين إلى السَّماء ليسمعَ كلامَ الملائكةِ فيما يتحاورون بينهم ممَّا يريدُ اللَّهُ إحداثَه في الأرض، فإنَّه يعرِّفُهم بما يشاءُ مِن ذلك، ثمَّ يوحي منه إلى أنبيائِه ما يشاءُ، فتصعدُ الشَّياطينُ لتستمعَ ذلك فَتُرْجَم بالنُّجومِ، فيلحقُها مِن ذلكَ شِهابٌ مبينٌ؛ أي: واضحٌ.
وأتبعَه؛ أي: لحقَه، كما قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، وهو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
وقيل: هو حقيقةُ الاستثناءِ، ومعناه: حفظنا السَّماء من الشَّياطين أنْ تسمعَ الوحيَ، وهو كقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]؛ أي: سماعِ الوحي، ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ أي: سماعَ خبر أهل السَّماء دون الوحي، فإنَّا لا نحفظها من ذلك، فيسترِقُون ما ليس بوحي، فيقذفونَه إلى آلهتِهم (١)، ثمَّ تتبعهم الشُّهُب فتقتلُهم (٢) أو تخبلُهم.
стр. 4435
قال ابنُ عبَّاس ﵄: كانتِ الشَّياطينُ لا يُحجبونَ عن السَّماواتِ، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقونها على الكهنة، فلَمَّا وُلِدَ عيسى ﵇ مُنِعُوا مِن ثلاثِ سماواتٍ، فلمَّا وُلِدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ أجمع، فما منهم مِنْ أحدٍ يريدُ استراقَ السَّمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ مبينٍ (١)، فإنْ أصابَه أحرقَه، وإنْ أخطأَهُ خَبَلَه، فصارَ غولًا يضلُّ النَّاس في البراري (٢).
ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٨ - ٩] الآية، وقوله تعالى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] الآية.
* * *
(١٩) - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: بسطناها على وجه (٣) الماء ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ -وقد رَسَا يَرْسُو رُسُوًّا؛ أي: ثبتَ- لئلَّا تنكفِئ الأرضُ بأهلِها.
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: أي: في الأرضِ ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾؛ أي: مقدَّرٍ بقدَرٍ معلومٍ
стр. 4436
على حسبِ الحاجةِ إليهِ والصَّلاحِ به في معايشِهم (١).
وقيل: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الجبال (٢) ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾؛ أي: مِنَ الأشياءِ الموزونةِ مِنَ الذَّهبِ والفضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ وسائرِ جواهرِ المعادنِ كلِّها وزينةً (٣).
* * *
(٢٠) - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الأرضِ ﴿مَعَايِشَ﴾: جمع معيشةٍ، وهي وجهٌ يُقامُ به العيشُ مِنْ حرفةٍ أو تجارةٍ أو زراعةٍ.
стр. 4437
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾: عطفٌ على ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: وجعلْنا لكم عبيدًا وإماءً (١) ودوابَّ، لكم رِفْقُها، ومنَّا رِزْقُها.
و (مَنْ) تُستَعْمَل في العقلاء، وهنا لبني آدم وهم عقلاء، وللدَّوابِّ على التَّبعيَّةِ عند الاجتماع، كما في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الآية، لَمَّا بدأَ الآيةَ بقولِهِ (٢): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وهو يتناولُ كلَّ حيوانٍ -ومنهم البشرُ وغيرُهم- أطلق لفظة (٣) (مَن) للمشاركةِ.
وقيل: فيه دليلٌ على أنَّ الإنسانَ يُزادُ في رزقِهِ بالخَدَم والنَّعَم.
وقيل: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: جعلْنا للخدمِ والدَّوابِّ أيضًا معايش، فإنَّ للدَّواب والأنعام والوحوش والطيور نصيبًا فيما يرتفعُ مِن الأرضِ مِن الزُّروع والأشجار وغير ذلك، فهو من المعايش لها أيضًا.
وقال القشيريُّ: ومِن الرَّواسي الَّتي تثبتُ بها الأرضُ الأولياءُ الذينَ هم أوتادُ الأرضِ، بهم المدفَع وإليهم المفزَع.
ومنَ الرَّواسي العلماء، فبعلماء الأصولِ قِوامُ أصلِ الدِّين، وبالفقهاء نظامُ أمور المسلمين.
وقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: المعايشُ مختلفةٌ، فعيشُ المريدين بيُمْنِ إقبالِه، وعيشُ العارفين بلُطْفِ جمالِه، وعيشُ الموحِّدين بكشْفِ جلالِه، وكلٌّ مربوطٌ بحالِه، ولكلٍّ نصيبٌ مِن أفضالِه، والحقُّ غنيٌّ بذاتِه وصفاتِه وأفعالِه (٤).
стр. 4438
(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ليس مِن شيءٍ يخزِّنُهُ الخلْقُ ممَّا يحتاجون إليه.
﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾: أي: إلَّا نحنُ مالكونَ له، قادرون عليه.
والخزائنُ: جمعُ خزانةٍ، وهي المواضعُ الَّتي (١) يخزِّن فيها الملوك أملاكَهم ليأخذوا منها ما يحتاجون إليه بقَدْرِ الحاجة، ويكونُ الباقي معدًّا لوقت الحاجة، فاستُعِيرَ هنا لِمَا يخرِجُهُ اللَّهُ تعالى لعبادِهِ عندما يحتاجون إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾: وما يخرجُ مِن ذلك للخَلْقِ إلَّا بقَدَرٍ معلومٍ للكفايةِ.
وقال القشيريُّ: مَن عرفَ القِسْمةَ وأنَّ خزائنَ الأشياءِ عندَ اللَّهِ، تقاصرَتْ خُطاه عن التَّرداد إلى منازلِ الأغيار في طلَبِ الإرفاق، وعن التَّطوافِ في الآفاق في طلبِ الأرزاق، وتنقطعُ آمالُه عنِ الخَلْقِ، فينفردُ قلبُه للَّهِ، ويتجرَّدُ عنِ التَّعلُّقِ بغيرِ اللَّهِ.
وقال في قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾: مَن عرفَ القسمةَ استراحَ عن كدِّ الطَّلبِ، فإنَّ المعلومَ لا يتغيَّر، والمقسومَ لا يتقلَّل ولا يتكثَّر (٢).
* * *
(٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾؛ أي: لاقحاتٍ بالماء؛ أي: حاملاتٍ،
стр. 4439
وقد لَقِحَتِ النَّاقة: إذا حملَتْ، مِن حدِّ (علم)، وهو قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودِ (١).
فالرِّياحُ حواملُ بالماءِ وبما يكون فيها مِن خيرٍ، وضِدُّ هذه الرِّيحُ العقيم، وهي الَّتي لا تحملُ الماءَ، وبالنَّظرِ إلى هذه الضِّد عُلِمَ أنَّه يُمْكِنُ إجراؤها على ظاهرها أنَّها لواقِحُ بأنفسِها لا مُلْقِحاتٌ غيرَها، وكذا قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ -أي: حملتْها- دليلٌ (٢) على أنَّ صفَتها أنَّها حواملُ مستقيمة.
وقال قتادةُ وإبراهيمُ والضَّحَّاكُ: هي بمعنى ملاقِح، جمعُ مُلْقِحَة، وهي مُلْقِحةٌ للشَّجر أو للسَّحاب (٣)، بجعلِها الماءَ فيها، كالفحلِ يكون مُلْقِحًا للنَّاقةِ بجعلهِ ماءَه فيها.
ثمَّ جَعْلُ اللَّاقِح بمعنى المُلْقِحِ بطريقَيْن:
أحدهما: أنَّ المنشعبَ يُرَدُّ إلى الثُّلاثيِّ؛ لأنَّه هو الأصل.
والثَّاني: أنَّ اللَّاقحةَ بمعنى: ذات اللِّقاح.
وبهذَيْنِ الطَّريقَيْن كان النَّاصبُ بمعنى المُنْصِب في بيتِ النَّابغةِ:
كِلِيْنِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ... وليلٍ أُقَاسِيْهِ بَطِيءِ الكَواكِبِ (٤)
أنَّه بمعنى: ذي نَصَبٍ، أو ردَّ أَنْصَب إلى نصَبَ، ومُنْصِبًا إلى ناصبِ.
стр. 4440
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: قيل: سقى وأسقى بمعنًى، وقيل: سقاه بمعنى: أشربَه، وأسقاه بمعنى: جعلَ له شربًا، فتفسيرهُ على هذا: فجعلْنَا لكم ذلكَ المطرَ سَقيًا لأراضِيْكُم ومواشِيْكُم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾: أي: ليس في وُسْعِكم أنْ تَخْزُنُوا الماءَ (١) بقَدْرِ حاجتكم إليه.
وقال أبو بكر بن عيَّاش: لا تقطرُ قَطرةٌ مِنَ السَّحابِ إلَّا بعدَ أنْ تعملَ فيه هذه الرِّياحُ، فالصَّبا تَهيجُه، والدَّبور تُلقِحُه، والجَنوب تَدرُّه، والشَّمال تفرِّقُه (٢).
* * *
(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾: أي: نحيي النُّطفَ ﴿وَنُمِيتُ﴾؛ أي: الأحياء عندَ انقطاعِ آجالِهم ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾؛ أي: الباقون بعدَ فناءِ الخَلْقِ، والمالكون ما في العالَم.
وكانَ للَّهِ تعالى كلُّ شيءٍ ولكنْ كانَ للخلْقِ تصرُّفٌ، فينقطع تصرُّفُهم بالموت ويخلُصُ للَّهِ كلُّ شيءٍ بلا وجودِ تصرُّفِ غيرِه، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
* * *
(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: استقدمَ بمعنى:
стр. 4441
تقدَّمَ، واستأخَرَ بمعنى: تأخَّرَ، وهو كقولهم: استيقَن وتيقَّن، واستعجلَ وتعجَّل، واستكبرَ وتكبَّر.
ومعناه: ولقد علمْنا مَن تقدَّمَ في الموتِ فماتَ قبلَ هذا اليوم، وعلمْنا مَنْ تأخَّرَ موتُهُ فيموتُ بعدَ هذا، فلا يفوتُنا إحضارُهم، فنحنُ نُحْيِيهم جميعًا ونميتُهم جميعًا، ونحشرُهم جميعًا.
* * *
(٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه؛ مِن الإحياءِ والإماتةِ والحشْرِ وغيرِ ذلك، ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقِهِ وأعمالِهم وجزائِهم.
وقال عكرمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ الآية: قدَّم خَلْقًا وأَخَّر خَلْقًا، فعَلِمَ مَن قَدَّمَ، وعَلِمَ مَنْ أَخَّرَ (١).
وقال مقاتلٌ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: مَن ماتَ مِن لَدُن آدمَ، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بقيَ إلى يوم القيامة (٢).
وقال قتادة: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: هو آدمُ ومَن مَضَى مِن ذرِّيَّتَه، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بقيَ في أصلابِ الرِّجال (٣).
وقال مجاهدٌ: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: القرون الأولى، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: أمَّة محمَّد (٤).
стр. 4442
وقال الحسنُ: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: السَّابقون إلى الطَّاعات، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: المُبَطِّؤون عنها (١).
وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ: هذا في الصُّفوف، وذلك أنَّ النِّساءَ كُنَّ يخرجْنَ إلى الجماعات، فتقوم النِّساء صفوفًا خلفَ صفوفِ الرِّجال، فكانَ يتأخَّرُ بعضُ (٢) مَن في قلبِة رِيبةٌ إلى الصَّفِّ الآخير، وتتقدَّم بعضُ النِّساء في الصَّفِّ لذلك، لتقرُبَ مِنَ الرِّجال، وكانت امرأةٌ مِنْ أحسنِ النِّساءِ وجهًا تصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ، فربَّما ينظرُ الرَّجلُ مِن تحتِ إبطِهِ إليها، فنزلَتِ الآية (٣).
وذكرَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ في هذه القصَّة: كان بعضُ المسلمين يتقدَّمُ في الصَّفِّ الأوَّلِ لئلَّا تفتنَه هذه المرأة، وبعضُهم يتأخَّر، فإذا سجدوا نظروا إليها مِن تحتِ أقدامِهم، فنزلَتْ (٤).
وقال مقاتل بن حيَّان: نزلَتْ في صفِّ (٥) القتال (٦).
وقال سفيان بن عيينة: يعني: مَن يسلِمُ، ومَن لا يسلِمُ (٧).
стр. 4443
وقال الرَّبيع بن أنسٍ: حضَّ (١) النَّبيُّ ﷺ على الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازدحمَ النَّاسُ عليه، وكانت بنو عذرة دُورُهم قاصيةٌ عن المسجدِ، فقالوا: نبيعُ دورَنا ونشتري دورًا قريبة مِن المسجدِ، فنزلَتْ هذه الآية. وفيهم نزلَتْ أيضًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]؛ أي: خُطاهم إلى المساجد (٢).
وقال القشيريُّ: إنَّا لنحنُ نحيي القلوبَ بالمشاهدةِ، ونميتُ النُّفوسَ بالمجاهدة، نحيي المريدِيْن بالذِّكْرِ، ونميْتُ الغافلِيْنَ بالهجر (٣).
وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: هم العارفون يستقدمون بالهِمَم، والعابدون بالقَدَم، والتَّائبون بالنَّدَم، وقومٌ يستأخرون بالقَدَم وهم العُصاة، وقومٌ بالهِمَم وهم الرَّاضون بخسائس الحالات.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: يبعثُ كلًّا على الوصفِ الَّذي خرجوا عليه مِن الدُّنيا؛ فمِن منفردِ القلبِ بربِّهِ، ومِنْ منطرحٍ في أوديةِ التَّفرقة، ثمَّ يحاسبهم على ما يستوجبونَه (٤).
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: ثمَّ ذكرَ ابتداءَ خلقِ
стр. 4444
الإنسِ (١) والجنِّ لإثباتِ آيةِ الوحدانيَّة، ومطالبةً بشكرِ النِّعمة، وتنبيهًا على أصلِ الخِلْقة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: سُمِّي إنسانًا لأنَّه عُهِدَ إليه فنَسِي (٢).
وقال القتبي: ذهبَ قومٌ إلى أن اشتقاقَه هذا، وإنسانٌ أصله: إِنْسِيان، ولذلك يقال في التَّصغير: أُنَيْسيان.
وقال البصريُّون: هو مِنْ قولهم: آنسَ؛ أي: أبصر، قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، سُمِّيَ به لظهورِه وإدراكِ البصر إيَّاه، وزِيْدَتِ الياءُ في تصغيرِه، كما زِيْدَتْ في تصغير رَجُلٍ، فقِيل (٣): رُوَيْجِل، وفي تصغير لَيْلَة: لُيَيْلَة (٤).
والصَّلْصالُ: الطِّين اليابس الَّذي يُصَلْصِلُ؛ أي: يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ لشدَّة يُبْسِه، وهو كقولِه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، وهو الخزَفُ، شُبِّهَ به لِيُبْسِه وصوتِه عندَ نقرِه؛ أي: خلقْنا آدمَ مِن طينٍ يابسٍ.
قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الحمأ: الطِّينُ الأسودُ المتغيِّر، والمَسْنون: قيل: هو المصبوب، وهو إشارةٌ إلى رطوبتِه قبلَ أنْ يجفَّ فيصيرَ صلصالًا.
وقيل: معناه: إنَّه كان طينًا (٥) سيَّالًا، فصارَ حمأً متجاسدًا. وقد سَنَّ الماءَ على وجهِهِ؛ أي: صبَّهُ.
стр. 4445
وقيل: المسنونُ: المتغيِّر الرِّيح؛ قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وقيل: هو مِن قولِكَ: سننْتُ الحديدةَ على المِسَنِّ: إذا غيَّرتها بالتَّحديد.
وقال ابنُ عبَّاس والحسنُ وقتادةُ: الصَّلصالُ: الطِّينُ اليابسُ الَّذي يُسمع له عندَ النَّقْرِ صَلْصَلةٌ (١)؛ أي: صوت.
وقال مجاهدٌ: الصَّلصالُ: المنتِن (٢). مِن قولِهم: صَلَّ اللَّحمُ وأَصَلَّ: إذا أَنْتَنَ.
والصَّلصال بِناءُ النَّعتِ بالفتح، وبالكسر بِناءُ المصدر؛ قال تعالى ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: رَطْب (٣).
* * *
(٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾: قيل: هو إبليس، وقيل: هو أبُو الجنِّ، وإبليس أبُ الشَّياطين.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: مِن قبلِ الإنسانِ، وهو آدم.
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: أي: نارٍ لها التهابٌ.
стр. 4446
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: نارٌ لا دخانَ لها، والصَّواعق تكون منها، وهي نارٌ بينَ السَّماءِ والحجابِ، فإذا أحدثَ اللَّهُ أمرًا خرقَتِ الحِجابَ فهوَتْ، فالهَدَّةُ الَّتي تسمعونَ خَرْقُ ذلك الحجابِ (١).
والسَّمومُ في أصل اللُّغة: الرِّيحُ الحارَّة؛ كالحَرُوْر، إلَّا أنَّ الحَرُوْر تكونُ باللَّيل والنَّهار جميعًا، والسَّموم لا تكون إلَّا بالنَّهار، فيحتمِلُ أنَّ نارَ السَّموم نارٌ تلتهبُ التهابَ السَّموم، ومنه قوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]؛ أي: عذاب اللَّهب.
* * *
(٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: حيوانًا ظاهرَ البَشَرة، لا شعرَ عليه، ولا وَبرَ، ولا صوف.
وقيل: أي: حيوانًا يباشر؛ أي: يلمس، فإنَّ الرُّوحاني لا يلمس (٢).
* * *
(٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أي: صوَّرتُه بشرًا سويًّا ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: روحًا مِن الأرواح مفضَّلة على سائرها، وإضافته إلى نفسِه للتَّفضيل والتَّشريف.
والنَّفخُ: الإدخال.
стр. 4447
﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: أي: خِرُّوا له ساجدِيْن سُجودَ تحيَّةٍ. وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ وضعَ الجبهة (١) على الأرض دونَ الانحناءِ وحدَه.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أضمرَ هنا: فخلقْتُ آدمَ فسجد له الملائكة.
﴿كُلُّهُمْ﴾ للاستيعاب، فدلَّ أنَّه كلُّ الملائكة، لا ملأٌ دونَ ملأٍ، و ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ليس بتكرارٍ، بل يدلُّ على الاجتماعِ في السُّجود؛ أي: سجدوا في حالةٍ واحدةٍ مجتمعين، لا متعاقبين مترادفين. هذا قولُ المبرِّد.
وقال سيبويه: هو تأكيدٌ بعد تأكيدٍ (٢).
* * *
(٣٢ - ٣٥) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أي: أيُّ سببٍ لكَ في هذا؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإنكار.
стр. 4448
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: أي: هو دوني، فأنا مِن نارٍ.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: مِنَ السَّماء، وقيل: مِنَ الملائكة؛ أي: تميَّزْ عنهم.
وقيل: مِنَ الجَنَّةِ.
وقيل: مِن هذه الصُّورة الحسنة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قيل: مشتومٌ، وقيل: ملعونٌ، وقيل: مرميٌّ، وقيل: مُهلكٌ، وقد مَرَّ ذلك في شرح (سورة البقرة)، وكذا تفسير الآيات ومعانيها والقصَّة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: إلى يوم القيامة، وإذا دامَتْ إليه لم تنقطِعْ.
وهي لعنة اللَّه، فقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨].
وقيل: هي لعنة المؤمنين إيَّاه، كلما ذُكر (١) لعنوه.
* * *
(٣٦ - ٣٨) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: وهو يوم القيامة.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: قيل: هو وقت فناء الدُّنيا وموتِ أهلها، وهو (٢) تأخير العذاب عنه إلى تلك الحالة.
стр. 4449
وقيل: سأل الأمانَ من الموتِ، فلم يُعْطَ ذلك.
والإنظارُ إلى تلك الحالة لم يكن كرامةً له، بل إِمْلاءٌ له (١) ليزدادَ إثمًا.
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: مَرَّ تفسيره في الأعراف ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لَأُحَسِّنَنَّ إليهم معاصيك، ولَأُحَبِّبَنَّها إليهم ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ولَأُضِلَّنَّهُمْ.
فقوله: (معاصيك) مُضمَرة فيه، أو أضمر فيه: (ما)، يعني (٢): لأزيِّنَنَّ لهم ما في الأرض.
وقيل: ﴿فِي﴾ زائدة؛ أي: لأَزيِّنَنَّ لهم الأرضَ، وهي الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: ذريتي.
* * *
(٤٠ - ٤١) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: مَن قرأ بفتح اللَّام فمعناه: إلَّا عبادَك الَّذين أخلَصْتَهم بتوفيقِكَ وعصمْتَهم مِن فتنتي، مِن قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦].
стр. 4450
ومَنْ قرأ بكسرها (١) فمعناه: إلَّا عبادَك الذين أخلَصُوا أعمالَهم لكَ، مِن قولِه: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾: قيل: هذا الَّذي قلْتَ يا إبليس: (لأزيِّنَنَّ لهم ولأغوينَّهم) طريقٌ مَمَرُّ مَن سلَكُه عليَّ ومصيرُه إليَّ، فأُجَازِي كُلًّا منهم على عملِه.
و ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: نعتٌ للصِّراطِ، وليس المرادُ منه استقامتَه في نفسِه، بل المرادُ به أنَّه لا يمكن العُدول عنه، بل يستقيم لسالِكِهِ إليَّ وعليَّ.
وقيل: بل هو إشارةٌ إلى الطَّريقِ الحقِّ، وقد سبق ذِكْرُه: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ فالإخلاصُ طريقٌ مستقيمٌ، وقوله: ﴿عَلَيَّ﴾؛ أي: عليَّ وإليَّ الهداية إليه، ودفعُ الشُّبهِ عنه.
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾؛ أي: إنَّ عبادي الَّذين قاموا إليَّ (٢) بحقِّ العبوديَّة ليسَ لَكَ عليهم سُلْطانٌ.
﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾: وقَبِل تَزْيِينَكَ وإغواءَكَ ﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾: مِنَ الضَّالِّين.