← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: نارٌ لا دخانَ لها، والصَّواعق تكون منها، وهي نارٌ بينَ السَّماءِ والحجابِ، فإذا أحدثَ اللَّهُ أمرًا خرقَتِ الحِجابَ فهوَتْ، فالهَدَّةُ الَّتي تسمعونَ خَرْقُ ذلك الحجابِ (١). والسَّمومُ في أصل اللُّغة: الرِّيحُ الحارَّة؛ كالحَرُوْر، إلَّا أنَّ الحَرُوْر تكونُ باللَّيل والنَّهار جميعًا، والسَّموم لا تكون إلَّا بالنَّهار، فيحتمِلُ أنَّ نارَ السَّموم نارٌ تلتهبُ التهابَ السَّموم، ومنه قوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]؛ أي: عذاب اللَّهب. * * * (٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: حيوانًا ظاهرَ البَشَرة، لا شعرَ عليه، ولا وَبرَ، ولا صوف. وقيل: أي: حيوانًا يباشر؛ أي: يلمس، فإنَّ الرُّوحاني لا يلمس (٢). * * * (٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أي: صوَّرتُه بشرًا سويًّا ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: روحًا مِن الأرواح مفضَّلة على سائرها، وإضافته إلى نفسِه للتَّفضيل والتَّشريف. والنَّفخُ: الإدخال.

стр. 4447

﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: أي: خِرُّوا له ساجدِيْن سُجودَ تحيَّةٍ. وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ وضعَ الجبهة (١) على الأرض دونَ الانحناءِ وحدَه. * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أضمرَ هنا: فخلقْتُ آدمَ فسجد له الملائكة. ﴿كُلُّهُمْ﴾ للاستيعاب، فدلَّ أنَّه كلُّ الملائكة، لا ملأٌ دونَ ملأٍ، و ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ليس بتكرارٍ، بل يدلُّ على الاجتماعِ في السُّجود؛ أي: سجدوا في حالةٍ واحدةٍ مجتمعين، لا متعاقبين مترادفين. هذا قولُ المبرِّد. وقال سيبويه: هو تأكيدٌ بعد تأكيدٍ (٢). * * * (٣٢ - ٣٥) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: أي: أيُّ سببٍ لكَ في هذا؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإنكار.

стр. 4448

﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: أي: هو دوني، فأنا مِن نارٍ. ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: مِنَ السَّماء، وقيل: مِنَ الملائكة؛ أي: تميَّزْ عنهم. وقيل: مِنَ الجَنَّةِ. وقيل: مِن هذه الصُّورة الحسنة. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قيل: مشتومٌ، وقيل: ملعونٌ، وقيل: مرميٌّ، وقيل: مُهلكٌ، وقد مَرَّ ذلك في شرح (سورة البقرة)، وكذا تفسير الآيات ومعانيها والقصَّة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: إلى يوم القيامة، وإذا دامَتْ إليه لم تنقطِعْ. وهي لعنة اللَّه، فقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨]. وقيل: هي لعنة المؤمنين إيَّاه، كلما ذُكر (١) لعنوه. * * * (٣٦ - ٣٨) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: وهو يوم القيامة. ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: قيل: هو وقت فناء الدُّنيا وموتِ أهلها، وهو (٢) تأخير العذاب عنه إلى تلك الحالة.

стр. 4449

وقيل: سأل الأمانَ من الموتِ، فلم يُعْطَ ذلك. والإنظارُ إلى تلك الحالة لم يكن كرامةً له، بل إِمْلاءٌ له (١) ليزدادَ إثمًا. * * * (٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: مَرَّ تفسيره في الأعراف ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لَأُحَسِّنَنَّ إليهم معاصيك، ولَأُحَبِّبَنَّها إليهم ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ولَأُضِلَّنَّهُمْ. فقوله: (معاصيك) مُضمَرة فيه، أو أضمر فيه: (ما)، يعني (٢): لأزيِّنَنَّ لهم ما في الأرض. وقيل: ﴿فِي﴾ زائدة؛ أي: لأَزيِّنَنَّ لهم الأرضَ، وهي الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: ذريتي. * * * (٤٠ - ٤١) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: مَن قرأ بفتح اللَّام فمعناه: إلَّا عبادَك الَّذين أخلَصْتَهم بتوفيقِكَ وعصمْتَهم مِن فتنتي، مِن قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦].

стр. 4450

ومَنْ قرأ بكسرها (١) فمعناه: إلَّا عبادَك الذين أخلَصُوا أعمالَهم لكَ، مِن قولِه: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾: قيل: هذا الَّذي قلْتَ يا إبليس: (لأزيِّنَنَّ لهم ولأغوينَّهم) طريقٌ مَمَرُّ مَن سلَكُه عليَّ ومصيرُه إليَّ، فأُجَازِي كُلًّا منهم على عملِه. و ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: نعتٌ للصِّراطِ، وليس المرادُ منه استقامتَه في نفسِه، بل المرادُ به أنَّه لا يمكن العُدول عنه، بل يستقيم لسالِكِهِ إليَّ وعليَّ. وقيل: بل هو إشارةٌ إلى الطَّريقِ الحقِّ، وقد سبق ذِكْرُه: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ فالإخلاصُ طريقٌ مستقيمٌ، وقوله: ﴿عَلَيَّ﴾؛ أي: عليَّ وإليَّ الهداية إليه، ودفعُ الشُّبهِ عنه. * * * (٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾؛ أي: إنَّ عبادي الَّذين قاموا إليَّ (٢) بحقِّ العبوديَّة ليسَ لَكَ عليهم سُلْطانٌ. ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾: وقَبِل تَزْيِينَكَ وإغواءَكَ ﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾: مِنَ الضَّالِّين.

стр. 4451

وسُئِلَ سفيانُ بنُ عُيينةَ عن هذه الآيةِ فقال: معناها: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [أن] تلقيَهم في ذنبٍ يضيقُ عنه عفوي (١). يعني: أنِّي أَحُولُ بينَهم وبينَ الشِّركِ، وما دونَ الشِّركِ لا يضيقُ عنه عَفوي. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: موعد متَّبعِيك. * * * (٤٤) - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾. ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: قيل: سبعة أَطْباقٍ بعضُها في بعضٍ. ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: أي: نصيبٌ مِن المُتَّبِعِيْن، فقد جعل لهم على حسب مراتبِهم في كفرِهم. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: إنَّ اللَّهَ وضعَ الجِنانَ على العرض، ووضعَ دركاتِ النِّيران بعضَها فوقَ بعض، فأسفلُها جهنَّم، وفوقَها لَظًى، وفوقَها الحُطَمة، وفوقَها سَقَر، وفوقَها الجحيم، وفوقَها السَّعير، وفوقَها الهاوية (٢). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: حظٌ معلومٌ، فجهنَّمُ لِمَنِ ادَّعَى الرُّبوبيَّةَ مِنَ الخَلْقِ، ولَظَى لِعبدَةِ النِّيران، والحُطَمةُ لِعبدَةِ الأصنام، وسَقَر لليهود، والسَّعير للنَّصارى، والجحيم للصَّابئين، والهاوية للموحِّدين (٣).

стр. 4452

وقيل: جهنَّم مِن قولِ العربِ: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ؛ أي: بعيدة القَعر. ولَظًى مِن التَّلظِّي، وهو التَّوقُّد. والحُطَمة لأنَّها تَحطِمُ عظامَ الكفَّار؛ أي: تكسرُها. وسَقَر لأنَّها تُذِيْبُ عظامَهم ولحومَهم، وقد سَقَرَتْهُ الشَّمسُ وصَقَرَتْهُ: إذا أذابَتْه. والسَّعير لأنَّها سُعِّرَتْ؛ أي: أُلْهِبَتْ. والجحيم لأنَّها نارٌ عظيمةٌ. وهاوية لأنَّها تَهْوِي بهم؛ أي: تسقِطُهم. وقال القشيريُّ: إذا سمَّى اللَّهُ واحدًا بالعبوديَّة كان مِن جُملةِ الخواصّ، فإذا أضافه إلى نفسِه فهو خاصُّ الخواصّ، فهؤلاء خواصُّ عبادِه الَّذين محاهم عن شواهدِهم، واختطفَهم عنهم، وصانَهم عن أودية التَّفرقة، وجرَّدَهم عن حولِهِم وقوَّتِهم، يحفظُ عليهم آدابَ الشَّرع، ويُلبسُهم لباسَ الاختيار في حالةِ الائتمار، ثمَّ يأخذُهم عنهم باستهلاكِهم في شهودِه، واستغراقِهم في وجودِه، فأيُّ سبيلٍ للشَّيطان عليهم؟ وأيُّ يدٍ للعدوِّ عليهم؟ ومَن أشهدَهُ الحَقُّ حقائقَ التَّوحيد، ورأى العالَمَ مصرَّفًا في قبضةِ التَّقدير، فحاشا أن يكونَ نهبًا للأغيارِ، أو محلًّا للأكدار (١). * * * (٤٥ - ٤٦) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.

стр. 4453

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ولَمَّا ذَكَرَ مَصيْرَ الغاوينَ (١) أتبَعَهُ ذِكْرَ ما أعدَّه للمخلصِيْنَ، وهم الَّذين اتَّقوا الشِّرك والمعاصيَ، فأخبرَ أنَّهم في بساتينَ فيها عيون، وقد سُمِّيَتْ في القرآن. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: أي: يُقال لهم: ادخلوا الجنَّات آمنِيْنَ؛ أي: سالمين غانمين (٢). قال القشيريُّ ﵀: لم يذكرْ مَنْ يقولُ لهم ذلك، و [قال] قومٌ: يقولُ لهم ذلك الملَكُ. وقيل: إذا وافَوا بأبواب الجنَّة بعدَ مقاساةِ الشَّدائد والأهوال، ومختلِفِ الأحوال، فمِن حقِّهم أن يَبتدِروا دخولَها، فقد أُبِيْحَتْ لهم، لكنَّهم يقفون احترامًا وانتظارًا للإذْنِ. ولعلَّ قومًا إذا قالَت لهم الملائكةُ: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ لم يدخلوا حتَّى يقولَ لهم الحقُّ: ادخلوا، وفي مثله قالوا: ولا ألبَسُ النُّعْمَى وغيرُكَ مُلْبِسِي... ولا أقبلُ الدُّنيا وغيرُكَ واهِبُ (٣) وقال: إنَّ الجنَّةَ دَرَجَاتٌ بعضُها أرفعُ مِن بعضٍ، ولهم اليومَ كذلك، فدرجةُ قومٍ حلاوةُ الخِدْمة ولذاذة الطَّاعة، ولقومٍ البَسْطُ والرَّاحة، ولآخرين الرَّجاءُ والرَّغبة، ولآخرين الأُنْسُ والقربة، قد علمَ كلُّ أناسٍ مشربَهم، ولزِمَ كلُّ فريقٍ اليومَ مذهبَهم (٤).

стр. 4454

(٤٧) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: أي: أخرجْنا ما في قلوبِ أهلِ الجنَّةِ مِن غِشٍّ وخيانةٍ وحِقْدٍ وضَغينةٍ مِن بعضِهم على بعضٍ، لا يعادي بعضُهم بعضًا، ولا يُحزِنُ (١) أحدٌ منهم أحدًا، ولا يحسدُه بنعمةٍ صارَتْ إليه. وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا﴾: نصب على الحال ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: يقابِلُ بعضُهم بعضًا، لا يستدبِرُه فينظرَ في قَفاه، حيثُ ما التفَتَ رأى وجهًا يحبُّه. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: فينا نزلَتْ أهلَ بدرٍ (٢). وروي عنه أنَّه قال: إنِّي لأرجو أنْ أكونَ أنا وطلحة والزُّبير مِن أهلِ هذه الآية (٣). وقال عبدُ الرَّحمنُ بن أبي ليلى: قلْتُ لعليٍّ: كنَّا نظُنُّ أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ فيكَ وفي طلحةَ والزُّبير، فقال: اعلمْ أنَّ تيمًا وعديًّا كان بينهما في الجاهليَّة دماءٌ وجِراحاتٌ وتقاتُلٌ وتجادُلٌ، فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإسلامِ، وأسلمَ مَنْ أسلمَ مِنْ تيمٍ وعَدِيٍّ طفقَتْ (٤) قريشٌ تقولُ: أتظُنُّ تيمٌ وعَدِيٌّ أنَّ الشَّحناء الَّتي كانت بينهم تزولُ عنهم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكر وعمر في تكملة أربعةَ عشرَ نفسًا، وقرأ عليهم هذه الآية، فزالَ عن قلوبِهم ما خامرها مِن الشَّحناء والبغضاء (٥).

стр. 4455

وروى أبو أمامةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ الجنَّةَ بما في صدورِهِم مِنَ الشَّحناءِ (١) والغِلِّ، فإذا ترافَقوا وتقابَلوا نزعَ اللَّهُ ذلك عن صدورِهم، فذلِكَ قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية (٢). وقال مجاهدٌ: لا يرى الرَّجلُ مِن أهل الجنَّة قَفا زوجتِهِ، ولا زوجتُهُ تَرَى (٣) قَفاه؛ لأنَّ الأَسِرَّةَ تَدُورُ بهم حيث ما شاؤوا، حتى يكونوا في جميع أحوالِهم مُتقابِلِيْن (٤). * * * (٤٨ - ٥٠) - ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾: أي: تعبٌ ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: مِنَ الِجنَانِ ونعيمِها ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ بل هم فيها مخلَّدون. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾: أخبرهم يا محمَّد ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تابَ، ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ لِمَنْ لم يَتُبْ (٥).

стр. 4456

وقيل: لَمَّا ذكرَ ثوابَ المتَّقين وعقاب الغاوين ذكرَ أنَّه غفورٌ رحيمٌ لهؤلاء، وعذابُه أليمٌ لهؤلاء. وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ يومًا فرأى أصحابَه يضحكونَ، فقال لهم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكْتُم قليلًا ولبكيْتُم كثيرًا"، فأخذوا يبكون، فنزلَ جبريلُ بهذه الآية (١). وقال القشيريُّ: لَمَّا ذكرَ حديثَ المتَّقين وما لهم مِن رفيعِ المنزلةِ علِمَ انكسارَ قلوبِ العاصين، فتدارَكَ قلوبَهم وقال لنبيِّه: أخبرْ عبادي العاصِيْنَ: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: إنْ كنْتُ الشَّكُورَ الكريمَ بالمطيعين، فإنِّي أنا الغفورُ الرَّحيمُ للعاصين (٢). وفي الأخبار: لَمَّا نزلَ قولُه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] ووصفَ جبريلُ ﵇ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ما في جهنَّم، احتجبَ عن النَّاسِ أيَّامًا يبكي، وجاءَ سلمانُ فاطمةَ وأخبرَها به، فجاءَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَتْ: يا أبتاه، ما الَّذي أصابَكَ؟ فذكَرَ لها نزولَ هذه الآيةِ، وبعضَ ما وصفَ له جبريلُ مِن ذلكَ، وقالَ: "إنَّ حرَّها شديد، وقَعرَها بعيد، وحليَّها حديد، وشرابَها الحميمُ والصَّديد، وثيابَها

стр. 4457

مقطَّعاتُ النِّيران، لو أنَّ مثلَ خرقِ إبرةٍ فُتِحَ منها لأحرقَ أهلَ الدُّنيا، ولو أنَّ ثوبًا من ثيابِ أهلِها علقَ بين السَّماء والأرض لماتوا مِن حرَّها ونتنِها، ولو أنَّ ذراعًا من السِّلسلةِ الَّتي ذكرَها اللَّهُ تعالى في القرآن وُضِعَ على جبلٍ لذابَ إلى الأرض السَّابعة، ولو أنَّ رجلًا بالمغرب يُعَذَّبُ لاحترقَ الَّذي بالمشرق، لها سبعةُ أبوابٍ، بعضُها أسفلُ مِن بعضٍ، مِنْ بابٍ إلى بابٍ مسيرةُ سبعينَ سنةٍ، وكلُّ بابٍ منها أشدُّ حرًّا مِنَ الَّذي يليه بسبعين ضعفًا، تُساقُ أعداءُ اللَّهِ إليها، فإذا انتهوا إلى أبوابها استقبلَتْهُم الزَّبانِيَة بالأغلال والسَّلاسل، فتُسلكُ السِّلسلةُ مِن فِيْهِ، وتخرجُ مِن دُبُرِهِ، وتُغَلُّ يدُه اليُسرَى إلى عنقِه، وتدخلُ يدُه اليمنى في فؤادِه، وتُنْزَع مِن بينِ كتفَيْهِ، ويُسْحَبُ على وجهِهِ، ويُضْرَبُ بمقامعَ مِن حديدٍ". فلم يحتملْ قلبُ فاطمةَ سماعَ ذلك، فخرَّتْ مغشيًّا عليها، ولَمَّا أفاقَتْ بكَتْ وصاحَتْ، وقالَتْ: يا ليتني لم أُوْلَدْ. وسمعَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ذلك خارجَ البابِ، فقال وهو يبكي: ليتني كنْتُ شاةً تُذْبَحُ. وقال عمرُ ﵁: ليتني كنْتُ شجرةً تُعْضَدُ. وقال عثمانُ ﵁: ليتني لم أُخْلَقْ. وقال عليٌّ ﵁: ليتني لم أُوْلَد. وهربَ مالكُ بنُ سلمة (١) إلى الفيافي، وهو يصيحُ: النَّارَ النَّار.

стр. 4458

وبكى النَّاسُ لبكائِهِ، وخرجَتِ الصَّحابة يطلبونَهُ، فوجدوه في جبلٍ يصيحُ، فردُّوه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فناشدَه أنْ يقرأها عليه مرَّة أخرى، ففعلَ، وصاحَ وخرَّ ميتًا. وكانت له بنتٌ صغيرةٌ، فأُخْبِرَتْ بموتِ أبيها، فخرجَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فوجدَتْ أباها ميتًا، فقالَتْ: ما أصابَهُ، فذكروا لها أنَّه سمع آيةً فاشتدَّ خوفُه وخرجَتْ روحُه، فقالَتْ: اقرؤوا عليَّ تلك الآية، فقرؤوها عليها، فصاحَتْ فخرَّتْ ميتة (١). فهذا رسولُ اللَّهِ ﷺ وولدُه وكبراءُ أصحابِه والطَّاهرون مِن أهل عصرِه يخافون جهنَّم هذا الخوفَ، فكيفَ ينبغي لنا أن نغفلَ بعدَه؟ * * * (٥١) - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: انتظامُ بقيَّة السُّورة بهذه الآيةِ الَّتي قبلَها: أنَّه قالَ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فذكرَ رحمتَه، وقال: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، فذكرَ عقوبتَه، ثمَّ ذكرَ إلى بقيَّة السُّورة تأثيرَ رحمتِه في حقِّ إبراهيمَ ببشارة الولد بإسحاق (٢)، وفي حقِّ لوطٍ وأتباعِه بالنَّجاة، وفي حقِّ النَّبيِّ ﵊ ومَن آمَنَ به وأصحابِه بإعطاءِ السَّبع المثاني والقرآن العظيم. وتأثيرَ عذابِه في حقِّ قومِ لوطٍ وأصحابِ الحجرِ والمقتسمين والمستهزئين.

стр. 4459

وقوله تعالى: ﴿عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: أضيافه، فقد قال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، وصيغتُه صيغةُ المصدرِ، فصلح للجمع. والضَّيفُ: هو النَّازلُ على غيرِه، طَعِمَ عندَه أو لم يطعَم، نزلَ للطُّعم أو لغيره. * * * (٥٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾. يقولُ: خبِّرهم عن ضيفِ إبراهيم، وهم الملائكة الَّذين أُرسِلُوا لإهلاكِ قوم لوط ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾: أي: سلَّموا عليه سلامًا. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾؛ أي: قال إبراهيم: إنَّا منكم خائفون. قال هذا بعدَما ردَّ ﵈ وقدَّمَ العجل إليهم فلم يتناولوه، فخافَهم على نفسِه حيثُ لم يتحرَّموا بطعامِه. ودليلُ هذا الإضمار قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]. ولا يُقال: ذكرَ في (سورة الذاريات): ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، ثمَّ ذكر تقديم العجلِ بعد الإنكار: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]. لأنَّا نقول: ذاك إنكارُ المعرفة؛ أي: لا أعرِفُكم، لا إنكارُ الخيفةِ. * * * (٥٣ - ٥٤) - ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.

стр. 4460

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾: أي: لا تخفْ ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾؛ أي: إذا كبر (١). وصارَتِ البشارةُ بشاراتٍ: بوجودِه، وبلقائِه إلى أنْ يُعلَّمَ، وبعلمِه، وأيُّ فرحٍ فوقَ هذا الولدِ وعيشِه وعلمِه؟ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾: أي: بعدَما أصابني كبرُ (٢) السِّنِّ. ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ بتشديد النُّون وكسرها، وأصله: (تبشرونني) أدغمَ إحدى النُّونَيْن في الأخرى. وقرأ نافعٌ بكسر النُّون وتخفيفها، على إسقاط النُّون الأولى تخفيفًا. وقرأ الباقون بفتح النُّون وتخفيفها (٣)، على إثبات الفعل بدون الإيقاع على نفسِه؛ يعني: أيُّ بشارة تكونُ على رأسِ الكِبَرِ؟ أي: فليس حينَ (٤) بشارة، وهذا تعجيبٌ واستبعادٌ منه لذلك. * * * (٥٥ - ٥٦) - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بما لا كذبَ فيه ولا خُلْفَ، بل هو جِدٌّ وحَقٌّ ويقين.

стр. 4461

﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: أي: لا تيأسَنَّ (١) مِن رحمتِه بإعطاء الولد على الكِبَر. ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ بكسر النُّون مِن باب (ضرب)، والباقون بفتحها من حد (علم)، وهما لغتان، وأجمعوا في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] على فتح النُّون (٢). ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾: أي: المخطئون سبيلَ الصَّواب، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي، وتقديره: ولا يقنط مِن رحمة ربِّه ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، أخبرَ أنَّه غيرُ قانطٍ مِنْ رحمتِه، ولا مُنْكِرٍ لقدرَتِهِ. * * * (٥٨ - ٥٧) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾: أي: أمرُكم ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ لَمَّا بشَّروه بخلاف العادةِ علمَ أنَّهم ملائكةٌ، فخاطبَهم بهذا. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: وهم قوم لوط، أجرموا (٣)؛ أي: كسبوا لأنفسِهم بشركِهم وفواحشِهم العقوبةَ. * * * (٥٩ - ٦٠) - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.

стр. 4462

﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: أُرْسِلنا لإهلاكِ قومٍ مجرمين، إلَّا أتباعَ لوطٍ فإنَّا ما بُعِثْنا لإهلاكِهم، بل لإنجائِهم. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: استثنوها مِن غيرِ المُهْلَكين، وهم آلُ لوطٍ؛ أي: أتباعُه، فصارت من المهلَكين. وقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: قالت الملائكةُ: أُعْلِمْنا بتقديرِ اللَّهِ تعالى كونَها مِن الغابِرِيْنَ؛ أي: الباقيْنَ في العقوبةِ. وقد غَبَرَ مِن باب دخل؛ أي: بقي، و ﴿إِنَّهَا﴾ كُسِرَتْ لوقوع اللَّام في الجواب. و ﴿قَدَّرْنَا﴾؛ أي: أَعلمنا بالتَّقدير، كقوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: ١٩]؛ أي: لأُعلِمَكِ بأنَّه وُهِبَ لَكِ. * * * (٦١ - ٦٤) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: لا أعرفُكُم، وهذا سؤالُ أنْ يُعرِّفُوه أنفسَهم ليطمئنَّ إليهم. ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: أي: بل نحنُ رُسُلُ اللَّهِ جِئْناكَ بما كان يشكُّ قومُكَ في نزولِه بهم مِن العذابِ الذي حذَّرتَهم إيَّاه. ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالعذابِ المتيقَّنِ، كما قال: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: أي: في إخبارِنا بهلاكِ قومِكَ. * * *

стр. 4463

(٦٥) - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: سَرَى وأَسْرَى: سارَ باللَّيل، لازمٌ، وبالباء عدَّاه. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي: ببقيَّةٍ، وهو كقولِه: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: أي: كُنْ وراءَ أهلِكَ؛ أي: قَدِّمْهُم، وسِرْ خلفَهُم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وهذا الواجِبُ على كُلِّ والٍ أَمِرَ الجيشَ أنْ يتبعَ أثرَهم، أو يأمرَ مَن يتبعُ أثرَهم ليلحقَ به مَن تخلَّفَ منهم، ويحمِلَ المنقطعَ منهم، وليكونَ ذلك أحفظَ لهم (١). ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: أي: لا تلتفِتَنَّ أنتَ وراءَكَ، ولا أحدٌ (٢) ممَّن معَكَ. أُمِروا بالمبادرةِ في السَّيرِ، وألَّا يعرِّجوا على شيءٍ حتَّى يتباعدوا عن القريةِ قبلَ أنْ يَفْجَأَهم الصُّبح، وينزلَ بالمجرمين العذاب. ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾: أي: سيروا إلى حيثُ يأمرُكُم اللَّهُ. قيل: هي صُغَر؛ إحدى قريَّات قوم لوط (٣). * * * (٦٦) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.

стр. 4464

قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: أي: أوحينا إلى لوطٍ وأعلمْناهُ، كما في قولِه: وقضينا إلى بني إسرائيل، و ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: هو العذابُ الَّذي قالوا: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤]. ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾: ﴿أَنَّ﴾ ترجمةٌ عِن قولِه: ﴿الْأَمْرَ﴾، ودابرُ القومِ: مَن يجيءُ بعدَهم، وإذا قُطِعَ ذلك فقد هَلَكَ الكلُّ. وقوله تعالى: ﴿مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾: أي: يُقْطَعُ مصبِحِيْن؛ أي: في حال إصباحِهم. * * * (٦٧ - ٦٧) - ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾: أي: قومُ لوط وهم أهل مدينة سَدُوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يُظهِرونُ آثارَ السُّرور في بَشَرَاتِ وجوهِهم؛ إذْ سمعِوا أنَّ غلمانًا صباحًا ضافوا لوطًا؛ طمعًا منهم في ركوبِ الفاحشة. ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾: أي: أضيافي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾؛ أي: لا تَهتكوا حُرْمَتي فيهم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يحتمل: فلا تفضحوني في ضيفي، فإنَّهم إنَّما نزلوا بنا على أمنٍ منَّا. ويحتمل: فلا تفضحوني في الخُلُقِ، فإنَّهم يقولون: في بيت لوط يُفعَلُ بالأضياف كذا (١). * * *

стр. 4465

(٦٩ - ٧١) - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾: أي: لا تُخجلوني، ولا تلحقوا بي العارَ فيهم. ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: قالَ له قومُه: أولم ننْهَكَ أنْ تُضيْفَ أحدًا مِنَ النَّاسِ كلِّهم؟ ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾: أي: بناتُ قومي؛ لأنَّ كلَّ نبيٍّ هو أبو أمَّتِه، أُزَوِّجُكُموهنَّ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أي: قابلين ما آمرُكُم به. وقيل: أي: طالبين الاستمتاع. وقيل: أرادَ به بناتَ نفسِه، وكان يزوِّجُهنَّ منهم إذا أسلموا، وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هذه القصَّة وما قبلَها مِن القصص في هذه السُّورة وغيرها، وورودُها بألفاظٍ مختلفةٍ في آياتٍ دليلٌ على أنَّ العبرة لاتِّفاق المعاني، فإنَّ هذه المخاطَبَاتِ لم تكن مرارًا، بل مرَّة، ومع ذلك وردَتْ على وجوهٍ، فدلَّ أنَّ اختلافَ الألفاظ وتغيُّرَها لا يوجبُ اختلافَ الحُكْمِ بعدَ أنْ (١) لا يغيِّرَ المعنى، وذلك أنَّ الخبرَ إذا أُدِّيَ معناه على اختلافِ لفظِهِ فإنَّه يجوز، وكذا إذا قرئ بعدَ أنْ لا يُغيَّرَ المعنى (٢) بغيرِ اللِّسان الذي أُنزِلَ جازَ (٣).

стр. 4466

(٧٢) - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: وهذا كلامٌ اعتَرض في خلالِ القصَّة، يخاطِبُ اللَّهُ به (١) نبيَّه محمَّدًا ﵊، فيقول: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: هو قسمٌ بحياةِ رسولِه، والعُمْرُ والعَمْرُ (٢): البقاءُ والحياةُ. واللَّام للتَّأكيد، و (عَمْرُ) رفعٌ بالابتداءِ، وخبرُه مُضمَرٌ، وهو: قسمي؛ أي: وعيشُكَ يا محمَّدُ. وقال الضَّحَّاكُ: هذا قَسَمٌ بدينِهِ (٣). ﴿إِنَّهُمْ﴾: قومَك مِن قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: حيرَتِهم وضلالِهم التي هي كحالِ سُكْرِ السَّكران ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتردَّدونَ في الباطلِ، غافلِيْن عمَّا أَعَدَّ اللَّه تعالى لأهل معصيتِهِ (٤) نظيرًا لِمَا أنزلَه بقومِ لوطٍ. وهذا كرجلٍ يذكرُ قصَّةَ قومٍ خرجوا على السُّلطانِ فأُخِذوا وقُتلوا، فإذا ذكرَ بعضَ القصَّةِ وهو يريدُ أنْ يَسْمَعَه قومٌ مثلُهم فعلوا كذلك ولم يعاقبوا بعدُ، فقالَ قبلَ تمام القصَّة: اسمعْ فإنَّ هؤلاءِ في غفلةٍ لا يدرونَ ماذا يحلُّ بهم، ثمَّ يعودُ إلى تمامِ القصَّة. وقيل: هذا قولُ الملائكةِ لِلُوطٍ أنَّه لَمَّا دعاهم إلى نكاح البنات فلم تنجع فيهم

стр. 4467

الموعظة قالت له الملائكةُ: لَعَمْرُكَ إنَّهم لا يعلمونَ ماذا يُنتظر بهم صباحَ ليلتِهم، فلا تخفْ (١)؛ فإنَّهم لا يصلون إليك ولا إلينا. والقولُ الأوَّلُ أصحُّ؛ قال ابنُ عبَّاس ﵄: واللَّهِ ما خلقَ اللَّهُ شخصًا أكرمَ عليه مِن محمَّدٍ ﵊، وما سمعْتُ اللَّهَ أقسمَ بحياةِ أحدٍ إلَّا بحياتِه (٢). * * * (٧٣ - ٧٤) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي: الهَلَكَةُ؛ صاحَ الزَّمانُ به؛ أي: هلَكَ. ﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلِيْنَ في وقتِ شُروقِ الشَّمس؛ أي: طلوعِها؛ أي: في هذه الحالةِ، وكذلك قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلِيْن في الصَّباح، وهو هذه الحالة. ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: أي: قلبَها جبريلُ بأمرِنا عُلْوًا لسفلٍ. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: وأرسلْنَا عليهم ﴿حِجَارَةً﴾ مِن فوقُ، كالمطر يأتي مِن السَّماء. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ذكرنا الأقاويل فيه في (سورة هود). ثمَّ الإمطارُ مع التَّقليْبِ: قيل: قُذِفوا بالحجارةِ أوَّلًا، ثمَّ قُلِبُوا. وقيل: التَّقليْبُ كان للحاضرِيْن، والإمطارُ لِمَن شَذَّ منهم. * * *

стр. 4468

(٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: قال مجاهدٌ: أي: للمُتفرِّسين (١). وقال قتادة: أي: للمُعتبِرِيْن (٢). وقال ابنُ زيدٍ: للمُتفكِّرِيْن (٣). وقال الضَّحَّاك: أي: للنَّاظرين (٤). وقال أبو عبيدة: أي: للمتبصِّريْن (٥). وقيل: النَّاظرين في السِّمة الدَّالة على المراد. يقول: [إنَّ] (٦) في هذه القصَّة لدلائلَ للمعتبِرين المستدلِّين على أنَّ عواقب مَن عصى اللَّهَ مثلُ ذلك، والأصلُ المعقولُ الموافقُ للأصول: أنَّ كُلَّ مشتبِهَيْنِ فحُكْمُهُما مِن حيثُ اشتباهُهما واحدٌ. * * * (٧٦) - ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: أي: إنَّ هذه المدينة الَّتي جعلْنَا عالِيَها

стр. 4469

سافِلَها بطريقٍ واحدٍ ثابتٍ، يراها المارُّ بها منكم -معاشرَ العربِ- في الأسفارِ (١)، لا تزولُ عن مكانها، ولا يخفَى أمرُها، فاعتبروا بها. * * * (٧٧ - ٧٨) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: هم المنتفِعون بها. ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾: الأيكةُ: الشَّجرُ الملتفُّ. وقيل: الغَيْضَةُ. ذكرَ هلاكَ قومٍ آخرينَ، وهم قومُ شعيبٍ، وقد مرَّتْ قصَّتُه في (الأعراف) وفي (هود). ومعنى الآية: وما كان أصحابُ الأيكةِ إلَّا ظالمين أنفسَهم، واضعِيْن الشَّيء في غيرِ موضعِه. * * * (٧٩) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: عاقبناهم ﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: المدينتان؛ مدينةُ قوم لوط، ومدينةُ قوم شعيب ﴿لَبِإِمَامٍ﴾؛ أي: لبِطَريقٍ يُؤْتمُّ ويُتَّبعُ ويُهْتَدَى به. وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاكِ والحسن (٢). ﴿مُبِينٍ﴾: أي: بيِّن واضح، يمرُّ بها المشركون في أسفارِهم، ويطَّلِعون على آثارِهم.

стр. 4470

(٨٠) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾: هو مدينةُ ثمودَ قومِ صالحٍ، وبينها وبين وادي القرى ثمانيةَ عشرَ ميلًا، فيما بينَ (١) الحجاز والشَّام. ذكرَ قصَّةً أُخرى، وكانَتْ منازلُهم وما نزلَ بهم معروفًا عند العربِ، فذكرَهم اللَّهُ تعالى ليعتبِروا بهم (٢). قال ابنُ عمرَ ﵁: مررْنا مع النَّبيِّ ﷺ على الحِجْرِ، فقال: "لا تدخلُوا منازلَ الذين ظَلَمُوا أنفسَهم إلَّا أنْ تكونوا باكِيْنَ، حذرًا أنْ يصيبَكُم ما أصابَهم"، ثمَّ تَزَحْزَحَ حتَّى خَلَّفَها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: رسولَهم صالحًا، وفي تكذيبِهِ تكذيبُ كلِّ الرُّسل. * * * (٨١) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾: أي: جئناهم بأدلَّتِنا وحُجَّتِنا، ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: لم يتفكَّروا فيها، ولم يعتبِروا بها. ثمَّ جمعُ الآياتِ: يحتملُ أنْ يكونَ أعطاهم آياتٍ سِوى النَّاقة، ولم تُذْكَرْ في القرآنِ. ويحتملُ أنْ تكونَ النَّاقةُ وحدَها آياتٍ، وهي أنَّها كانت مِن الصَّخرة، وتحرَّكَتِ

стр. 4471

الصَّخرةُ لخروجِها، ووِرْدُها يومًا وتركُها يومًا، والانتصابُ لهم حتَّى غلبوها، وصدورُها في طريقٍ غير الطَّريق التي وردَتْ لأنَّه كان يضيقُ عنها (١)، وغيرُ ذلك مِن أمورِها، كلُّ ذلك آياتٌ، وكلُّ واحدٍ مِن ذلك آيةٌ. * * * (٨٢) - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: أي: لأنفسِهم لشدَّة قوَّتِهم ﴿آمِنِينَ﴾ مِن الموتِ عندَ أنفسِهم. وقيل: مِن نزول العذاب بهم في ظنِّهم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾ [الحشر: ٢]. وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾: أنْ تَخِرَّ عليهم، أو تخربَ لإحكامِ صُنْعِها. * * * (٨٣ - ٨٤) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي: الهَلَكَة ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلِين في صباح اليوم الرَّابع الذي أُوْعِدوا فيه العذابَ، وهو كقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: ما نفعَهم وما دفعَ عنهم ما كانوا يكسبون مِن الأموال، وغيرِها من البيوتِ في الجبال. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى﴾ يحتمِلُ الاستفهامَ، ويحتمِلُ النَّفي، وهو تنبيهٌ

стр. 4472

لأهل مكَّةَ، يقول: كانوا أشدَّ منكم قوَّة وأكثرَ أموالًا، فلم يُغْنِ ذلك عنهم شيئًا، فكيف حالكم؟ * * * (٨٥) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: إنَّ الأممَ الَّذين عرفتُموهم يا معاشر العرب -ومساكنُهم على ممرِّكُم- لَمَّا خالفوا الحقَّ أُهْلِكوا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ما خلقَ السَّماواتِ والأرضَ وما بينهما إلَّا بالحقِّ، والسَّاعةُ آتيةٌ للجزاءِ، وجميعُ ما خلَقَ يرجِعُ إلى عالِمٍ به وبتدبيرِهِ (١) ونظمِ أجزائِه. بيَّنَ في أوَّلِ السُّورةِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرضِ، وذَكَرَ (٢) ها هنا الحكمةَ في خلقِهما فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحقِّ الذي جعلَ لنفسِهِ على أهلِها، وللحقِّ الَّذي لبعضِهم على بعضٍ. وقيل: أي: إلَّا شهودًا للَّهِ بالحقِّ على أهلِها. وقيل: إلَّا ليمتحنهم بالعبادةِ فيها. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لحقٍّ كائنٍ، وهو البعْثُ بعدَ الموتِ للجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أي: إنَّ القيامةَ لَكائنةٌ، فيُجْزَى كلُّ عاملٍ على وَفقِ عملِه. وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: أي: فأعرضْ يا محمَّدُ عن هؤلاء

стр. 4473

المشركين إعراضًا جميلًا، كما قال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]؛ أي: لا تكافيهم بما آذَوك بألسنَتِهم وفعلِهم؛ فإنَّ السَّاعة آتيةٌ، وأنا أكافيهم عنك. ووصفَه بـ ﴿الْجَمِيلَ﴾ على معنى: لا تتركْ نصيحَتَهم ودعاءَهم إلى الحقِّ مع ذلك. وقيل: كان هذا أمرًا بالإعراض عن قتالِهم، ثمَّ نُسِخَ بآيةِ القتال. وهو قول مجاهد وعكرمة وقتادة والضَّحَّاك (١). وقيل: ليس هذا بمنسوخٍ، بل هو كان مأمورًا بالصَّفحِ في موضعِهِ، وبالقتالِ في موضعِهِ، كما قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، فهو أمرٌ بالإعراضِ في موضعِه، وبالوعظِ في موضعِه. * * * (٨٦) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾: أي: بخلقِهِ، لا تخفَى عليه أفعالُهم وأقوالُهم وضمائرُهم، ونجزيهم يومَ القيامةِ على استحقاقِهم. * * * (٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: ذكَّرَهُ منَّتهُ فيما أعطاه؛ ليَسْهلَ عليه تحمُّلُ إيذاءِ المشركين إيَّاه، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: أعطيناك سبعًا من المثاني.

стр. 4474

روى أبيُّ بنُ كعبٍ وأبو هريرة وأبو سعيدٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "هي فاتحةُ الكتاب" (١). وكذا فسَّره عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ (٢). وعلى هذا قولُه: ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ آياتٍ مِن المثاني، و (من) ليسَ للتَّبعيض بل هي للتَّجنيس هنا، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾: وهي المثاني؛ أي: الفاتحة؛ لأنَّها تُثَنَّى في كُلِّ صلاة (٣)، ولأنَّ معانيَها من أوَّلها إلى آخرها على المثاني، على ما مرَّ شرحُه في (سورة الفاتحة)، ولأنَّها أَثْنيَةٌ على اللَّهِ تعالى، ولأنَّها قسمان اثنان. وقيل: ﴿الْمَثَانِي﴾: اسمُ القرآن، ومعنى ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ آياتِ الفاتحة، وهي مِن المثاني؛ أي: مِن القرآن الَّذي هو مثاني، قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ به لأنَّه ثنَّى فيه الأقاصيص والأمثال والتَّرهيب والتَّرغيب، تأكيدًا للحُجَّة، وإبلاغًا في الإفهام. وقيل: هو مِن قولهم: ثنَى عِنانَه، وثنَاه عن كذا: إذا صرَفَه، وهي مصارفُ عن المعاصي لِمَن عملَ بها.

стр. 4475

وقيل: ﴿سَبْعًا﴾؛ أي: سبعَ (١) سورٍ ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: مِن القرآن. قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ وجماعةٌ مِن التَّابعين: هي السَّبعُ الطِّوال (٢). والأوَّلُ أصحُّ. قال الرَّبيع بن أنسٍ ﵁: نزلَتْ هذه السُّورة بمكَّة قبلَ أنْ ينزلَ مِن الطُّوَلِ شيءٌ (٣). قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: قيل: هو جميعُ القرآنِ، والسَّبع المثاني منه، لكنه أفردَها بالذِّكر تخصيصًا وتشريفًا له، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقولهِ تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقيل: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ هو الفاتحة، ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ ﷺ في حديث أبيِّ بنِ كعبٍ: "هي السَّبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ" (٤). وهو بعضُ القرآن، ولكنَّ بعض القرآن يُسمَّى قرآنًا؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 4476

وقال الضَّحَّاكُ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: هي سبعةُ الأسباع، وهي كلُّ القرآن (١). * * * (٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: قيل: قَدمَتْ لأبي جهلٍ -لعنه اللَّه- في يومٍ واحدٍ سبعُ قوافل للتِّجارة، معها مالٌ كثيرٌ وطعام (٢) ومطاعم وثياب، وكان بأصحاب رسول اللَّه ﷺ يومَئذٍ عُرْيٌ وجوعٌ، فخطرَ بقلب رسول اللَّه ﷺ أنَّ أصحابَه ليس لهم قَدْرُ الحاجة، وللمشركين هذه الأموال بهذه الكثرة، فنزلَتْ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ بدل ما أعطيناهم سبعًا من القوافل، وهم لا يمدُّون أعينَهم إلى هذه السَّبع مع عظمتِها، فلا تمدنَّ عينَيْكَ إلى دنياهم مع خساستِها (٣). وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾: أي: لا تتمنَّينَّ يا محمَّدُ ما جعلناه من زينةِ الحياة الدُّنيا متاعًا للأغنياء مِن هؤلاء المشركين ممَّا قد جعلْنا مثلَه لأشباهِهم، وهو معنى قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أشباهًا.

стр. 4477

وقيل: أي: أفرادًا، فإنَّ الزَّوجَيْن فردان؛ أي: أعطينا ذلك واحدًا بعدَ واحدٍ؛ لأنَّ الغِنى خاصٌّ في النَّاس، وإذا كان مَتاعًا (١) كان زائلًا عن قريب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: قيل: كان تمنِّيه ذلك لفقر (٢) أصحابِه، فقيل له: لا تحزنْ لأجلِهم. وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: تواضعْ لهم، فتواضعُكَ لهم خيرٌ مِن مَرافق الدُّنيا (٣)، وتَطيبُ بذلك قلوبُهم، وتزول كروبُهم. وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفَّار بما أصابوا مِن نعيم الدُّنيا. وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ بفقد إيمانهم باللَّه وطاعتهم له ومتابعتهم لك. وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هلاك الكفَّار، فللهلاكِ خلقَهم (٤). ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: أصلُ هذه الكلمة أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ فرخَه إلى نفسِه بسطَ جناحَه له، ثمَّ خفضَه على الفرخ، فجعل ذلك وصفًا لتقريب الإنسانِ أتباعَه وتعطُّفِه عليهم. وقال القشيريُّ: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: غارَ الحقُّ سبحانَه على عينِ حبيبِهِ أنْ

стр. 4478

يستعمِلَها في النَّظرِ إلى المخلوقاتِ، ولَمَّا لم يكن في الدُّنيا إلى رؤيةِ الحبيبِ سبيلٌ أمرَهُ بغضِّ بصرِه عن غيرِ الحبيبِ (١). وأنشد (٢): لَمَّا تيقَّنْتُ أنِّي لسْتُ مبصرَكُم... غَمَّضْتُ عيني فلم أنظرْ إلى أحد (٣) وتأدَّبَ بهذا الأدبِ، فلم ينظرْ في ليلة المسرى إلى ما أُري (٤) في الحضرة الكبرى، فأثنى عليه في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] (٥). * * * (٨٩ - ٩٠) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: أي: وقلْ يا محمَّدُ للمشركين بعدَ خفضِ الجناحِ للمؤمنين: إنِّي أنا المخوِّفُ بالعذاب المصرَّح (٦) به ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾؛ أي: بمثل عذابٍ نزلَ بهؤلاء، وصحَّ قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بعدَ قولِه: ﴿إِنِّي﴾ لأنَّ معنى قوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وأنذِر، ويستقيمُ أنْ يُقال: وأنذرهم عذابًا كما أنزلنا.

стр. 4479

وقال الحسن: هو عطفٌ على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ. . . كَمَا أَنْزَلْنَا﴾؛ أي: تفضَّلْنا عليك بهذا كما تفضَّلْنا بهذا (١). وقال ابن عباس ﵄: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: مِن مشركي العرب، وكانوا اثني عشر رجلًا (٢). وقال مقاتل: كانوا ستَّة عشرَ رجلًا، بعثهم الوليد بن المغيرة في أيَّام الموسم حتَّى قعدوا على أنقابِ مكَّة ودروبها وأبوابها، فإذا جاء الحُجَّاج قال فريق منهم: لا تغترُّوا بالخارج منا المدَّعي للنُّبوَّة فإنَّه مجنون. وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّه كاهن. وقالت طائفة ثالثة على طريق ثالث (٣): إنَّه (٤) عرَّاف. وقالت طائفةٌ أخرى: شاعر. والوليدُ قاعدٌ على باب المسجد، نصَّبوه حكَمًا، فإذا سُئِلَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: صدق هؤلاء (٥)؛ يعني: المقتسمين (٦). وسُمُّوا مقتسمين لأنَّهم اقتسموا أنقاب مكة.

стр. 4480

وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الَّذين اقتسموا القرآن، فقال بعضُهم: هو سحرٌ، وقال بعضهم: سَمَرٌ، وقال بعضهم: كذبٌ، وقال بعضُهم: أساطيرُ الأوَّلين (١). وقيل: هم أهل الكتاب، اقتسموا القرآن وعَضَوْه (٢)، وآمنوا ببعضِه، وهو ما كان فيه ذِكْر موسى ﵇ وعيسى ﵇ وفضائل بني إسرائيل، وكفروا ببعضِه ممَّا قد حرَّفوه مِن كتبِهم، وهو ما قال خبرًا عنهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]. * * * (٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. وعليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: جمع عِضَةٍ، وهو مِن التَّعضيةِ، وهي التَّفريق، ومِن ذلك العضوُ والأعضاءُ، والعِضَةُ حذفت الواو مِن آخرها، كالبُرَة والثُّبَة والكُرَة والعِزَة (٣).

стр. 4481

وقيل: العِضة أصلُها: العِضْهَة، حُذفَتْ هاؤها تخفيفًا، كالسَّنة أصلها: السَّنْهَة، حذفت هاؤها تخفيفًا، وكذلك الماء والشَّاة، أصلها الماه والشَّاهة، ودليل ذلك التَّصغيرُ والفِعل: مُوَيْهٌ وشُوَيْهةٌ وسُنَيْهَةٌ (١)، وسانهْتُ فلانًا، وموَّهْتُ السِّكين (٢). وها هنا أيضًا يقال: يا للعَضِيهة (٣)، والعاضهُ: الباهت، وعضهْتَ الرَّجل: رميتَه بالباطل، والعِضْهة: البُهْتُ والقول الباطل. ومعناه: أنَّهم عابوا كتابَ اللَّهِ باهتين، قائلين بالباطل: إنَّه سحرٌ، وإنَّه كهانةٌ، وإنَّه كذبٌ، وإنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأوَّلين. وقال الفرَّاء: العِضةُ: السِّحرُ (٤)، وأنشد: للماءِ مِن عِضاتِهنَّ زمزمَه (٥) أي: من سحرهنَّ. * * * (٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 4482

وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: في الآخرة ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الاقتسامِ، وتعضيةِ القرآنِ، والشِّركِ والمعاصي، وهو سؤالُ تقريعٍ وتوبيخٍ لا سؤالُ استفهامٍ واستعلام. وقال القشيريُّ: يسألُ قومًا عن تصحيحِ أعمالِهم، وقومًا عن تصحيح أحوالهم. يسألُ قومًا عن حركات ظواهرِهم، وآخرين عن خَطَراتِ سرائرِهم. يسألُ الصِّدِّيقين (١) عن تصحيحِ المعاني تشريفًا لهم، ويسألُ المدَّعين عن تصحيح الدَّعاوي تعنيفًا لهم (٢). * * * (٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: قيل: أي: أَظْهِرْ ما تُؤْمَرُ به. والصَّدْعُ في اللُّغةِ: هو الشَّقُّ والفَرْقُ والفَتْحُ، وتصدَّعَ القومُ؛ أي: تفرَّقوا، ويقع به الإظهار. وقيل: أي: فرِّقِ الباطلَ بالحقِّ؛ أي: الَّذي أنزلناه (٣) عليك، والشَّقُّ يقعُ به ذلك. وقيل: أي: امضِ بما تُؤْمَر؛ أي: بأمرِ اللَّهِ، وأرادَ به تبليغَ (٤) الرِّسالة إلى جميعِ الخَلْقِ، ومتى شُقَّ الحائل تهيَّأ المضيُّ.

стр. 4483

و ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ بمعنى المصدر على هذا القول، كما في قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]. وقال القشيريُّ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: كُنْ بنا، وقُلْ بنا، وإذا كنْتَ لنا بنا فلا تحتفلْ بغيرِنا، وصَرِّحْ بما خصصناكَ به، وأعلِنْ محبَّتنا (١) لك: فَبُحْ باسْمِ مَن تهوَى ودَعْنِي مِنَ الكُنَى... فلا خيرَ في اللَّذَّاتِ مِن دونِها سِتْرُ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي: عن مكافأتهم. وقيل: عن قتالهم، ونُسخ هذا بآيةِ السَّيف. * * * (٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: أي: نكفيْكَ، فذكره بصيغة الماضي لِقُرْبِهِ وتحقُّقِ كونه، كأمور القيامة ذُكِرَتْ أكثرُها بصيغة (٣) الماضي لهذا. قال محمَّدُ بنُ إسحاق: حدَّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير: أنَّهم كانوا خمسةَ نفرٍ ذوي أنسابٍ وشرفٍ في قومِهم. من بني أسدِ بنِ عبد العُزَّى بن قصيٍّ: الأسود بن المطَّلب (٤) بن أسد أبو زَمعَة،

стр. 4484

وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ دعا عليه لِمَا كان يبلغُه مِن أذاه واستهزائِه به، فقال: "اللَّهمَّ أعمِ بصرَه، وأثكلْهُ ولدَه". ومن بني زُهْرة: الأسودُ بن عبد يَغُوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. ومن بني مخزوم: الوليدُ بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عَمرو بن مخزوم. ومن بني سهمِ بن عَمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاصُ بنُ وائلِ بن هاشمِ بن سعيد بن سهم. ومن بني خزاعة: الحارث بنُ طُلاطِلَة بن عَمرو بن الحارث بن عبد عَمرو بن مَلَكان. فلمَّا تمادَوا في الشَّرِّ وأكثروا الاستهزاء، أنزلَ اللَّهُ تعالى عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وكان مِن أمرهم أنَّ جبريل ﵇ أتى رسول اللَّه ﷺ وهو يطوف في البيت، فقامَ وقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى جنبِهِ، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطَّلب (١)، فرماه في وجهِه بورقةٍ خضراء، فعَمِي. ومرَّ به الأسودُ بن عبدِ يغوث، فأشارَ إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فماتَ منه حَبَنًا (٢). ومرَّ به الوليدُ بن المغيرة، فأشارَ إلى أثرِ جرحٍ بأسفل كعبِ رجلِه كانَ أصابَه قبلَ ذلك بسنين، فانتقض به فقتلَه.

стр. 4485

ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ، فأشارَ إلى أخمصِ رجلِه، فخرج على حمارٍ له يريد الطَّائفَ، فَوُقِصَ على شِبْرِقَةٍ (١)، فدخلَتْ في أخمصِ رجلِه منها شوكةٌ فقتلَتْهُ. ومرَّ به الحارثُ بنُ الطُّلاطِلَة، فأشار إلى رأسِه، فامتَخَضَ قيحًا فقتلَه (٢). وكان رأسُهم الوليدَ بن المغيرة، هو الَّذي جمعَهم (٣). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كانوا خمسةً؛ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطَّلب (٤). وقال مقاتل: كانوا سبعةً، وزاد على هؤلاء: بَعْكَكًا وأصرمَ (٥). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: وكان جبريل عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فمرَّ الوليدُ بن المغيرة، فقال جبريل: ما تقولُ فيه يا محمَّد؟ قال: "أقول فيه: إنَّه عبدُ سوءٍ"، فأشار جبريلُ إلى أخمصِ رجلِه، وقال: لقد كُفِيْتَ أمرَه، قال: فندرَتْ (٦) شظيَّة، فتعلَّقَتْ
следующие страницы →