← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وقيل: العِضة أصلُها: العِضْهَة، حُذفَتْ هاؤها تخفيفًا، كالسَّنة أصلها: السَّنْهَة، حذفت هاؤها تخفيفًا، وكذلك الماء والشَّاة، أصلها الماه والشَّاهة، ودليل ذلك التَّصغيرُ والفِعل: مُوَيْهٌ وشُوَيْهةٌ وسُنَيْهَةٌ (١)، وسانهْتُ فلانًا، وموَّهْتُ السِّكين (٢). وها هنا أيضًا يقال: يا للعَضِيهة (٣)، والعاضهُ: الباهت، وعضهْتَ الرَّجل: رميتَه بالباطل، والعِضْهة: البُهْتُ والقول الباطل. ومعناه: أنَّهم عابوا كتابَ اللَّهِ باهتين، قائلين بالباطل: إنَّه سحرٌ، وإنَّه كهانةٌ، وإنَّه كذبٌ، وإنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأوَّلين. وقال الفرَّاء: العِضةُ: السِّحرُ (٤)، وأنشد: للماءِ مِن عِضاتِهنَّ زمزمَه (٥) أي: من سحرهنَّ. * * * (٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 4482

وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: في الآخرة ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الاقتسامِ، وتعضيةِ القرآنِ، والشِّركِ والمعاصي، وهو سؤالُ تقريعٍ وتوبيخٍ لا سؤالُ استفهامٍ واستعلام. وقال القشيريُّ: يسألُ قومًا عن تصحيحِ أعمالِهم، وقومًا عن تصحيح أحوالهم. يسألُ قومًا عن حركات ظواهرِهم، وآخرين عن خَطَراتِ سرائرِهم. يسألُ الصِّدِّيقين (١) عن تصحيحِ المعاني تشريفًا لهم، ويسألُ المدَّعين عن تصحيح الدَّعاوي تعنيفًا لهم (٢). * * * (٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: قيل: أي: أَظْهِرْ ما تُؤْمَرُ به. والصَّدْعُ في اللُّغةِ: هو الشَّقُّ والفَرْقُ والفَتْحُ، وتصدَّعَ القومُ؛ أي: تفرَّقوا، ويقع به الإظهار. وقيل: أي: فرِّقِ الباطلَ بالحقِّ؛ أي: الَّذي أنزلناه (٣) عليك، والشَّقُّ يقعُ به ذلك. وقيل: أي: امضِ بما تُؤْمَر؛ أي: بأمرِ اللَّهِ، وأرادَ به تبليغَ (٤) الرِّسالة إلى جميعِ الخَلْقِ، ومتى شُقَّ الحائل تهيَّأ المضيُّ.

стр. 4483

و ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ بمعنى المصدر على هذا القول، كما في قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]. وقال القشيريُّ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: كُنْ بنا، وقُلْ بنا، وإذا كنْتَ لنا بنا فلا تحتفلْ بغيرِنا، وصَرِّحْ بما خصصناكَ به، وأعلِنْ محبَّتنا (١) لك: فَبُحْ باسْمِ مَن تهوَى ودَعْنِي مِنَ الكُنَى... فلا خيرَ في اللَّذَّاتِ مِن دونِها سِتْرُ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي: عن مكافأتهم. وقيل: عن قتالهم، ونُسخ هذا بآيةِ السَّيف. * * * (٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: أي: نكفيْكَ، فذكره بصيغة الماضي لِقُرْبِهِ وتحقُّقِ كونه، كأمور القيامة ذُكِرَتْ أكثرُها بصيغة (٣) الماضي لهذا. قال محمَّدُ بنُ إسحاق: حدَّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير: أنَّهم كانوا خمسةَ نفرٍ ذوي أنسابٍ وشرفٍ في قومِهم. من بني أسدِ بنِ عبد العُزَّى بن قصيٍّ: الأسود بن المطَّلب (٤) بن أسد أبو زَمعَة،

стр. 4484

وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ دعا عليه لِمَا كان يبلغُه مِن أذاه واستهزائِه به، فقال: "اللَّهمَّ أعمِ بصرَه، وأثكلْهُ ولدَه". ومن بني زُهْرة: الأسودُ بن عبد يَغُوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. ومن بني مخزوم: الوليدُ بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عَمرو بن مخزوم. ومن بني سهمِ بن عَمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاصُ بنُ وائلِ بن هاشمِ بن سعيد بن سهم. ومن بني خزاعة: الحارث بنُ طُلاطِلَة بن عَمرو بن الحارث بن عبد عَمرو بن مَلَكان. فلمَّا تمادَوا في الشَّرِّ وأكثروا الاستهزاء، أنزلَ اللَّهُ تعالى عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وكان مِن أمرهم أنَّ جبريل ﵇ أتى رسول اللَّه ﷺ وهو يطوف في البيت، فقامَ وقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى جنبِهِ، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطَّلب (١)، فرماه في وجهِه بورقةٍ خضراء، فعَمِي. ومرَّ به الأسودُ بن عبدِ يغوث، فأشارَ إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فماتَ منه حَبَنًا (٢). ومرَّ به الوليدُ بن المغيرة، فأشارَ إلى أثرِ جرحٍ بأسفل كعبِ رجلِه كانَ أصابَه قبلَ ذلك بسنين، فانتقض به فقتلَه.

стр. 4485

ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ، فأشارَ إلى أخمصِ رجلِه، فخرج على حمارٍ له يريد الطَّائفَ، فَوُقِصَ على شِبْرِقَةٍ (١)، فدخلَتْ في أخمصِ رجلِه منها شوكةٌ فقتلَتْهُ. ومرَّ به الحارثُ بنُ الطُّلاطِلَة، فأشار إلى رأسِه، فامتَخَضَ قيحًا فقتلَه (٢). وكان رأسُهم الوليدَ بن المغيرة، هو الَّذي جمعَهم (٣). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كانوا خمسةً؛ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطَّلب (٤). وقال مقاتل: كانوا سبعةً، وزاد على هؤلاء: بَعْكَكًا وأصرمَ (٥). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: وكان جبريل عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فمرَّ الوليدُ بن المغيرة، فقال جبريل: ما تقولُ فيه يا محمَّد؟ قال: "أقول فيه: إنَّه عبدُ سوءٍ"، فأشار جبريلُ إلى أخمصِ رجلِه، وقال: لقد كُفِيْتَ أمرَه، قال: فندرَتْ (٦) شظيَّة، فتعلَّقَتْ

стр. 4486

ببردِه، وكان عليه بردةٌ يتبخترُ فيها، فمنعَه الكبرُ أنْ ينزعَها منه، فهبَّتْ ريحٌ، فأسقطَتْه على يدِه، فأصابَتْ أكحلَه، فمات منه. ومرَّ به العاصُ، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى ظهرِه، وقال: قد كُفِيْتَ أمرَه. فَخَرَجَ متنزِّهًا مع بَنِيْهِ في شِعْبٍ مِن شِعابِ مكَّة، فصاح وقال: قد لُدِغْتُ، ففتَّشوا، فلم يجدوا شيئًا، ومات منه. ومرَّ الحارث بن قيس، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى بطنِه وقال: قد كُفِيْتَ أمرَه. فأكلَ سمكةً مالحةً، فعطشَ، فجعل يشربُ ولا يَروَى، حتى انفطرَ بطنه، ومات (١). ومرَّ به الأسودُ بنُ المطَّلب، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ" فأشار إلى عينِه فعمِيَ، فتوجَّعَتْ عينُه، فجعل يضربُ رأسَه في الجَدْر (٢) حتى هلك، وكان رسول اللَّه ﷺ قال: "اللَّهمَّ أعمِ بصرَه". ومرَّ به الأسودُ بن عبد يغوث، فقال جبريل ﵇: ما تقول فيه؟ فقال: "عبدُ سُوءٍ"، فأشار إلى جسدِه، فخرج إلى البادية، ورجع وقد اسودَّ وجهُه وجلدُه كلُّه، فقرعَ الباب، فأنكرَه أهلُه، فلم يفتحوا له حتَّى مات (٣).

стр. 4487

قال مقاتل: وأمَّا بَعككٌ فأخذَتْه الدُّبَيْلةُ (١) فمات، وأمَّا أصرمُ فأخذَتْه ذات الجَنْب (٢) فمات. فماتوا في يومٍ وليلةٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣). * * * (٩٦) - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: هي صفة ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ما ينزل بهم عاجلًا وآجلًا، ودلَّ قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ قولَه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾؛ أي: نكفيْكَ. * * * (٩٧ - ٩٨) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾: أي: نحن عالمون أنَّ صدرَكَ يضيقُ بما يقولُ هؤلاء المشركون فيك وفي القرآن مِن الفِريةِ والباطل، ويحزِنُكَ ذلك، فلا يضيقَنَّ صدرُكَ، ولينكشِفْ عنك حزنُكَ، وليكُنْ مفزعُكَ إلى ذِكْرِنا وعبادَتِنا، وذلك قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وهذا قولٌ ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلِّين، وهذا فعلٌ.

стр. 4488

(٩٩) - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: أي: وأقم العبادة والعبوديَّة لربِّكَ إلى أن يأتِيَكَ المتيَقَّنُ مِن وعدِ اللَّهِ بما يُنزِلُ اللَّهُ بهؤلاءِ، وسَمَّى العذابَ يقينًا كما سماه (١) حقًّا في آياتٍ. وقيل: ﴿الْيَقِينُ﴾: الموتُ. وهو قولُ الضَّحَّاكِ وغيرِه (٢). ورُوي أنَّ عثمانَ بنَ مظعونٍ لَمَّا توفِّي جاءَه النَّبيُّ ﷺ وقال: "أمَّا هذا فقد جاءَه اليقين" (٣). وقال الحسنُ: المداومةَ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى لم يجعل لعمَلِ ابنِ آدمَ أجلًا (٤) إلَّا الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥). وسُمِّيَ الموتُ يقينًا لوجهَيْن: أحدهما: أنَّه بمعنى المتيقَّن، مصدرٌ بمعنى المفعول. والثَّاني: أنَّه يزول به كلُّ شكٍّ. ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قال النَّبيُّ ﵊: "ما أوحى اللَّهُ إليَّ أنْ أجمعَ المالَ وأكونَ مِن التَّاجرين، ولكنْ أوحى إليَّ أنْ سبِّح بحمدِ ربِّك وكُنْ من السَّاجدين، واعبُد ربَّك حتَّى يأتِيَكَ اليقين" (٦).

стр. 4489

وقال القشيريُّ ﵀: يقولُ: إنْ ضاقَ قلبُكَ بسماعِ ما يقولون في ذمِّك، فارتعْ بلسانِكَ في رياضِ تسبيحِنا والثَّناء علينا، يكنْ ذلك سببًا لزوالِ ضِيقِ صدرِكَ وسلوةً لقلبِكَ. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: قفْ على بساطِ العبوديَّة معتنقًا للخدمة إلى أنْ تجلسَ على بساطِ القُربةِ، وتُطالَب بآداب الوصلة. ويُقال: التزِمْ شرائطَ العبوديَّة إلى أن تُلَقَّى بصفات الحرية، وأَشرفُ خصالِكَ العليَّةِ قيامُك بحقِّ العبوديَّة (١). وأُنشِدَ في معناه: لا تَدْعُنِي إلا بيا عبدَها... فإنَّه أصدقُ أسمائي (٢) والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 4490

سورة النحل

стр. 4491

سورة النحل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي تَعالَى عمَّا يشركون، الرحمنِ الَّذي جعلَ لعبادِه السَّمع والأبصار والأفئدةَ لعلَّهم يشكرون، الرحيمِ الذي هو مع الذين اتَّقَوا والذين هم محسنون. وسورة النَّحل مكيَّة إلَّا ثلاثَ آياتٍ نزلَتْ بالمدينة بعدَ قتل حمزة بن عبد المطَّلب عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، وهي قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ إلى آخر السُّورة. وهي مئةٌ وثمانٍ وعشرون آية، وألفٌ وثماني مئةٍ وأربعون كلمة، وسبعة آلاف وستُّ مئة وتسعة وثلاثون حرفًا. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَن قرأَ سورةَ النَّحل لم يحاسبْهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ بما أنعمَ عليه في دار الدُّنيا، وإنْ ماتَ مِن يومِ تَلاها أو ليلةِ تلاها كانَ له مِن الأجرِ كالَّذي ماتَ فأحسنَ الوصيَّة" (١). وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخرِ سورة الحجر: أنَّه ختمَ تلكَ السُّورة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ثمَّ قرَّب ذلك الآتي فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. وانتظامُ السُّورتَيْن: أنَّه ذكَرَ في تلك السُّورة دلائلَ التَّوحيد، ووعيدَ الكافرين، ووَعْدَ المؤمنين، وذلك كلُّه دعاءٌ إلى التَّوحيد، وذكرَ في هذه السُّورة نِعمَه على

стр. 4492

عبادِه، وهو استدعاءٌ للشُّكر (١) مِن العبيد، وهو الإيمان والطَّاعة (٢) على التَّأبيد، استبقاءً للنِّعمة (٣) واستجلابًا للمزيدِ. * * * (١) - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: أي: أتى عذاب اللَّه وعيدًا فلا تستعجلوه وقوعًا. قال النَّضرُ بن الحارث بن علقمة: اللَّهمَّ إنْ كانَ ما يقوُله محمَّدٌ حقًّا فأمطرْ علينا حجارةً مِن السَّماء. فنزلَتْ هذه الآيةُ جوابًا له (٤). وهذا مِن الجواب المفصول، وكذا قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. وقيل (٥): ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: دنا مجيءُ عذاب اللَّه، كقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي: عذابنا. وقيل: أي: أمرنا بالعذاب. وقيل أي: عذابنا المأمور به. وقيل: هو عذاب السَّاعة. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية،

стр. 4493

أشفقَ المشركون، فانتظروا قربَ السَّاعة، فلمَّا امتدَّت الأيَّامُ قالوا: يا محمَّد، ما نرى شيئًا ممَّا تخوِّفنا به، فنزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، فقالوا: يا محمَّد، أينَ ما تعدُنا به مِن نزول (١) العذاب؟ فنزلَتْ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فوثَبَ النَّبيُّ ﷺ حذرًا مِن وقوعِ السَّاعة، فنزلَ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنَّ رسولُ اللَّه ﷺ (٢). وقال مقاتل بن حيَّان: لَمَّا أخبرَ النَّبيُّ ﷺ المشركين بالسَّاعة كذَّبوا بها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فقال النَّبيُّ ﷺ عندَ ذلك: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتَيْن، إنْ (٣) كادَتْ لتسبقني"، وأشار بأصبعيه (٤). وقال ابنُ جريجٍ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: السَّيف والأمر بالقتال (٥). وقال الضَّحَّاك: يعني ما كانوا يستعجلون به من الفرائض والشَّرائع (٦).

стр. 4494

وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا للَّه عمَّا يقول المشركون. وقيل: أي: هو مُسبَّح مُقدَّس على ألسنة الملائكة والمؤمنين من الجنِّ والإنس، وفي شهادات الخليقة له بالفطرة مِن أهل السَّماوات والأرضين، كما قال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: قرأ الكسائيُّ بتاء الخطاب بناءً على قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقرأ الباقون بياء المغايبة (١). ومعناه: تباعدَ عن شِرْكِ المشركين، فلا يجوز وصفُه بالشُّركاء والأنداد. * * * (٢) - ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو بياء المغايبة والتَّخفيف ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: يُنْزِلُ اللَّهُ الملائكةَ، وقرأ الباقون بالتَّشديد مِن التَّنزيل (٢)، وهو كالإنزال. وروى أبو بكر عن عاصم: ﴿يُنَزَّلُ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه بالياء والتَّشديد ورفع ﴿الملائكةُ﴾ (٣). ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أي: بالكتاب الَّذي فيه حياةُ القلوب مِن موتِ الضَّلالة.

стр. 4495

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الرُّوحُ: الوحيُ (١). وقال عطاء: النُّبوَّة (٢). وقال قتادة: الرَّحمة (٣). وقيل: جبريلُ ﵇. قال أبو عبيدة: ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أي: مع جبريل، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (٤). ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: شرائعه وأحكامه. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يختاره للرِّسالة. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ قيل: بأنْ أنذروا؛ أي: يُنزِّل بهذا، أو يأمره بهذا. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾: الهاء في ﴿أَنَّهُ﴾ عماد؛ أي: إنَّ اللَّهَ ينزِّل على أنبيائه (٥) ويوحي إليهم ويأمرُهم أنْ خوِّفوا عبادي عذابي وغضبي على شركِهم بي، فإنِّي لا إلهَ إلَّا أنا فاخشَوني ولا تخالفوني، ولا تجعلوا معي إلهًا آخر (٦) غيري.

стр. 4496

وقيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: نزلَ كتابُ اللَّهِ، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: لا تقولوا لمحمَّد: لولا (١) اجتبيتَها، ثمَّ قال على مشاكلته: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾. * * * (٣) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: فسَّرنا (الحق) في قولِه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] قبلَ هذا بأوراق. ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: فسَّرناه الآن، وهو إقامةُ دلالة التَّوحيد، وتقبيحُ الشِّرك والضَّلالِ البعيد. وقال القشيريُّ: خلقَ السَّماوات والأرض بقولِه الحقِّ، وبحُكْمِهِ الحقِّ، وله الحقُّ، وخلَقَهما للأمرِ بالحقِّ (٢)، مِن تكليف الخلق، وما يَعقب التَّكليف مِن الحشرِ والنَّشْرِ، والثَّواب والعقاب، تقديسًا وتنزيهًا له عن أن يكون له شريكٌ، أو معه مليكٌ (٣). * * * (٤) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: مما يخرجُ مِن صُلْبِ الرَّجل وترائبِ المرأة.

стр. 4497

﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: أي: فنقلَه أطوارًا إلى أنْ وُلِدَ ونشأ، فصار بحيث يَدفعُ عن نفسه ويخاصم عنها، وبيَّن ذلك بالنسق الذي أقدره اللَّه (١). وقيل: أرادَ به مخاصمته في أمر السَّاعة ومحاجَّته بقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. نزلَتْ في أميَّة بن خلفٍ الجمحيِّ، حيث (٢) جاءَ بالعظمِ الرَّميم إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا محمَّدُ، أترى أنَّ اللَّه تعالى يحيي هذا بعدَما رَمَّ، ويعيدُه خلقًا جديدًا بعدَ البِلَى؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] الآيات (٣). وقال أبو حاتم: الخَصْمُ: مَن يخاصِمُ بالحقِّ، والخصيم بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وقيل: الخصمُ الاسم، والخصيم النَّعت. * * * (٥) - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾: الأنعامُ: الإبلُ والبقرُ والغنم. وقال الحسنُ: سُمِّيَتْ نَعَمًا للِيْنِ مشيِها. وخرج من ذلك الحافر لصلابة وقعها.

стр. 4498

﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: قال ابن عبَّاس: اللِّباس (١). وقال أيضًا: هو القُطُفُ والأَكْسيَة وبيوت الشَّعر والوبر (٢). وقال الكلبيُّ: الدِّفء: حواشي الإبل؛ يعني: صغارها (٣). وقيل: هو ما يُستدفأ به مِن أوبارها وأصوافها وأشعارها. وعن الحسن: الدِّفء مِن السُّخونة (٤). وقد دَفُوَتْ ليلتُنا مِن باب شرُف؛ أي: سخُنَتْ، ودَفِئ الرَّجلُ بالثَّوب من حد علم، واستدفأ بالثَّوب، وأدفأه الثَّوب. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ﴾؛ أي: من الألبان والسَّمن والرّكوب والولد. وقيل: هو ما ذُكِر في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢١]. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: من لحومِها وشحومِها. وخصَّ الأكلَ بالذِّكْرِ لأنَّه معظم المقصود. * * * (٦) - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾: أي: تَردُّونها (٥) إلى منازلها باللَّيل،

стр. 4499

وقد راحَتْ هي رَواحًا، وأراحَها صاحبُها إراحة، مِن الرَّواح، وهو العشيُّ، وهو نقيضُ الصَّباح. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: أي: ترسلونها إلى (١) المرعى، وقد سرحَتْ سُرُوحًا لازم، وأسرَحَها صاحبُها سَرْحًا متعدٍّ، وهو كالرُّجوع والرَّجْع. يعني (٢): أنَّها إذا راحَتْ إلى المنازل راجعةً من مسارحِها بالعشيِّ، ممتلئةً ضروعُها، منتصبةً أسنمتُها، رافعةً رؤوسَها، ففيها جَمالٌ؛ لأنَّ الإنسانَ يتجمَّل بمالِه؛ قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وفي الخروج إلى المرعى كذلك. ووقع الابتداء بالإراحة لزيادة الجَمال في حينها (٣) على حين السَّرح (٤). وقيل: هو جمالٌ يظهرُ في الوجهِ مِن السُّرور بها. وقيل: هو جمالُ قِرى الأضياف. وقيل: هو جمال غناهم عن النَّاس وحاجتِهم إليهم. * * * (٧) - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾:

стр. 4500

أي: تحمل أحمالكم وما يَثقلُ عليكم حملُه مِن المتاع إلى البلدان البعيدة التي لا تبلغونها إلَّا ﴿بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾؛ أي: الأبدان (١). والشِّقُّ: المشقَّةُ. وقيل: هو النُّكرة الَّتي (٢) تكاد تنشقُّ منه النَّفس. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: خلقَ لكم هذه الأشياء وسخَّرها لكم. وقيل: ذكرَ هذا لتَرحموا هذه الأنعامَ بالإنفاق عليها والإحسانِ إليها. * * * (٨) - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾. ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ هو حُجَّةُ أبي حنيفة ﵀ في حرمةِ أكلِ لحم الخيلِ. وبه استدلَّ عبدُ اللَّه بنُ عبَّاس ﵄ أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ هذه الأشياء بطريق عدِّ النِّعم والامتنان بها، ولو كانَ يحلُّ أكلُها لم يكن مِن الحكمةِ تركُ ذِكْرِه وذكرُ ما دونَه في كونِه نعمةً وغرضًا مقصودًا (٣).

стр. 4501

ودلَّتِ الآيةُ على حِلِّ اتِّخاذِ البِغال؛ إذ لو حرمَ ذلك لم تكن مِن النِّعم الَّتي يُمْتَنُّ (١) بها. وقوله تعالى: ﴿وَزِينَةً﴾: يحتملُ أن يكون تقديره: ولِزِينةٍ؛ أي: لركوبٍ وزينةٍ، أو يكون تقديره: لتركبوها ولتكون زينةً لكم، كما ذكر في الأنعام أنَّها (٢) جَمال لكم، وتُحْمَل إحدى الكلمَتَين على موافقةِ الأخرى. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: يخلقُ سوى هذه البهائم أشياءَ لا تعلمونها، مِن أنواع الحشراتِ في المفاوز، والهوامِّ تحتَ الأرض، وفي البرِّ والبحر ما لم يرَهُ البشر ولم يسمعوا به. وقيل: هو ما يخلُقُ في الجنَّةِ مِن ذلك لأهلِها، وفي النَّارِ لأهلِها، ما لم ترَوْه ولم تسمعوا به. وقال قتادةُ: هو السُّوس في الثِّياب، والدُّود في الفواكه (٣).

стр. 4502

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليسَ لنا أنْ نتكلَّفَ علمَ ذلك (١). * * * (٩) - ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أي: في خَلْقِ ما ذكرنا عبرةٌ ودلالةٌ على الهدى، وعلى اللَّهِ بيانُ قصدِ السَّبيل؛ أي: الطَّريقِ القاصد، وهو المستقيمُ، وهو طريقُ الحقِّ، وهو كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وليس ذلك للوجوب؛ فإنَّه لا يجبُ على اللَّهِ شيءٌ، ولكن يقول: مِن الحكمةِ البيانُ منَّا للصَّواب من الخطأ، والرَّشادِ مِن الضَّلال؛ لتتَّبعوا الرَّشاد، وتجتنبوا الضَّلال، وقد فعلْنا ذلك. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي: ومن الطُّرقِ طريقٌ مائلٌ عن السَّداد، وقد بيَّناه كما بيَّنا الطَّريق المستقيم. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: أعطاكم الاهتداءَ لو علِمَ منكم اختيار ذلك. وقيل: معنى ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وللَّه، كما قال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؛ أي: للنُّصُب. وقيل: أي: إلى رضوانِ اللَّهِ وصولُ قاصدي هذا السَّبيل، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: مِن هذا السَّبيل جائرون مائلون، لا يقصدون رضا اللَّهِ، ولا يتوجَّهون إلى اللَّه، فممرُّهم على الشَّيطان. وقيل: أي: ممرُّ القاصدِ والجائرِ على اللَّهِ، كقولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]؛ أي: لا يخرج أحدٌ عن قبضتِه أيَّ طريقٍ سَلَكَ.

стр. 4503

وقال قتادة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أي: بيان الحلال والحرام (١). وقال السُّدِّيُّ: بيان الهدى، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: طريق الشيطان (٢). وقال مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: طريق الحقِّ، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؛ أي: زائغ (٣). وقال ابنُ المبارك ﵀: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: السُّنَّة، ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: البدعة (٤). وقال سهل بن عبد اللَّه: هو كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥). وقال القشيريُّ: قومٌ هداهُم اللَّهُ السَّبيل، وعرَّفهم الدَّليل، وصرفَ عن قلوبِهم خواطَر الشَّك، وعصمَهم عن الجَحْد والشِّرك، وأطلعَ على قلوبِهم شموسَ العرفان، وأفردهم بنور البيان، وآخرون أضلَّهم وأغواهم، وعن شهود الحقِّ أعماهم، وفي سابق حكمه أذلَّهم وأخزاهم، ولو شاء لعرَّفَهم وهداهم (٦). * * * (١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.

стр. 4504

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: وهذا أيضًا مِن آثارِ قدرته، وأنواعِ نعمته. ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا منه تشربون، ومنه يَنْبُتُ الشَّجرُ والنَّباتُ والغَرْس. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: أي: ترعَون مواشيَكم، وقد سامَتْ هي تسومُ سومًا؛ أي: رعَتْ، وأَسَمْتُها أنا إسامةً. * * * (١١) - ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾: أي: ينبتُ اللَّهُ بالمطر الزَّروعَ المختلفة من الحبوب التي تقتاتونها. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي: إنَّ فيما خلقَ اللَّهُ لعلامَةً على ألوهيَّته وقدرته وإنعامِه ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدَّلائل. * * * (١٢) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾: قال الإمامُ أبو منصور ﵀: ووجهُ تسخيرِها: أنَّ اللَّهَ تعالى خلقَها، وجعلَ فيها منافع للخلْقِ يصلُ إليهم شِئْنَ أو أبيْنَ، أحبَبْنَ أو كرهْنَ (١).

стр. 4505

وقوله تعالى ﴿بِأَمْرِهِ﴾ ليس هو أمرَ تكليفٍ، بل هو أمرُ تكوينٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾؛ أي: دلائل واضحة على قدرته. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم في التَّأمُّل فيها. * * * (١٣) - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾: أي: سخَّرَ لكم ما ذرأ لكم (١). ﴿فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: مِن الملابسِ والمطاعمِ والمشاربِ والمراكبِ والمناكحِ والخدمِ وآلاتِ الارتفاقِ وغيره (٢). ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: نصب على الحال، ووحَّدَ ذلك لتقدُّمه على المنعوت، فصار كتقديم الفعل على الفاعل، وهو في تقدير الفعل أيضًا، ولذلك رفع ﴿أَلْوَانُهُ﴾، وتقديره: تختلف ألوانه، واختلاف ألوانها: أنَّه لا يشبِهُ بعضُها بعضًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: أصلُه: يتذكَّرون؛ أي: يتَّعظون بمواعظ اللَّه. والآياتُ للكلِّ، لكنَّ الانتفاعَ لهؤلاء، فخُصُّوا بالذِّكْرِ. وبدأ بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ثم بقوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، وكذا التَّرتيب في الوجود، فإنَّه يتفكَّر أوَّلًا فيها، فيعقِلُ ويتذكَّر، فيشكر اللَّهَ على نعمِه. * * *

стр. 4506

(١٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: هو للجنس، فيقع على كلِّ البحار. ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾: أي: السَّمكَ بالاصطياد ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ﴾؛ أي: ولتستخرجوا منه بالغَوص ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾؛ أي: اللَّآلئَ والمرجان، تجعلونها في حليِّ الذَّهب والفضَّة، فتتزيَّنون بها. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: أي: السُّفن ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: جمع ماخرة، يقال: مَخَرَ مخرًا، مِن حدِّ دخل وصنع؛ أي: جرى بشقِّ الماء مع صوت. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: تركبونها في الأسفار للتِّجارات. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: ولتشكروا اللَّهَ على هذه النِّعم. وتسخيرُ البحر: تذليلُه على ما هو عليه مِن كثرة الماء المحتمِل للسُّفن الثِّقال التي كأنَّها الجبال، تُشحَن بأنواعِ الأحمال، فتجري فيه بالرِّياح وبالآلات التي ألهمنا اللَّهُ اتخاذَها، وعلمنا وجوه إجرائِها، وفيه قطعُ المسافات البعيدة في المدَّة اليسيرة، فتقطع المسافات، وتحمل الحمولات في الماء بالسُّفن، وفي البرِّ بالدَّواب، ومنَّ بهذه كما منَّ (١) بتلك فيما تقدَّم: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. وفي الآيةِ دلالةُ إباحةِ التِّجارة، وطلبِ الفضل بركوب الأخطار واحتمالِ الشَّدائد. * * *

стр. 4507

(١٥) - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: لئلَّا تضلُّوا. والمَيدُ: الانقلاب، وقيل: الاضطراب، وقيل: الدَّوران، وقيل: التَّحرُّك يمينًا وشمالًا. وقال كعب الأحبار: لمَّا خلق اللَّهُ الأرضَ جعلَتْ تَكَفَّأ، فخلق اللَّهُ ملكًا يقال له: صاعديائيل، فوضع رجله عليها فاستقرَّت، ثم أرساها اللَّه تعالى بالجبال (١). وقال وهبٌ: لمَّا خلق اللَّهُ الأرض جعلَتْ تمور وتضطرب، فقالت الملائكة: إنَّ هذه غير مُقِرَّةٍ أحدًا على ظهرها، فأصبحَتْ وقد أُرسيَتْ بالجبال، لا تدري كيف أُرْسيَتْ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارًا﴾: عطفٌ على الأوَّل؛ أي: وأَلقى أنهارًا؛ أو يُضمَرُ فعلٌ آخر: وجعل فيها أنهارًا، كما يقال: تقلَّد سيفًا ورمحًا؛ أي: واعتقل رمحًا. وقوله تعالى: ﴿وَسُبُلًا﴾: أي: وجعل فيها طُرُقًا تَصِلون بها إلى مقاصدكم، فلكلِّ (٣) مقصدٍ طريقٌ به توصِلُ إليه في الحجِّ والغزو والتِّجارات وسائر الحاجات. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أي: لتهتدوا إلى المقاصد. وقيل: أي: لتهتدوا إلى المراشد بالنَّظر في الأدلَّة والشَّواهد. وقيل: إنَّما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّه لا بدَّ من الاستدلال في بعض المواضع للاهتداء إلى المقاصد.

стр. 4508

(١٦) - ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: أي: وجعل للطُّرقِ علامات، وهي معالم وُضعَتْ لها. وقيل: هي الجبال والرِّياح ونحوُها. وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي: وبالنُّجوم، وهو اسم جنسٍ فصلح (١) للجمع، كما (٢) يقال: فلانٌ كثيرُ الدِّرهم والدِّينار (٣). و ﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: رجوعٌ إلى المغايبة بعدَ الابتداءِ بالمخاطبة، وهو أحدُ أنواع البلاغة والتَّوسُّع في الكلام. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: إلى الطُّرق (٤). وقال السُّديُّ: أي بالثُّريا والفرقدَيْن وبنات النَّعش والجدي يهتدون إلى الطُّرق (٥). وقال محمَّد بن كعب: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾؛ أي: الجبال بالنَّهار، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ باللَّيل (٦).

стр. 4509

وقال قتادة: إنَّما جعل اللَّهُ النُّجوم لثلاثةٍ: لتكون زينةً للسماء، ومعالمَ للطُّرق، ورجومًا للشياطين، فمَن قال غير هذا فقد أخطأ رأيه (١). * * * (١٧) - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار. ومعناه: أيستوي مَن يَخلق ومَن لا يَخلق؟ وأرادَ به الأصنام، وإنَّما قال: ﴿كَمَنْ﴾، ولم يقلْ: (كما) وهي جماد؛ لأنَّه ذكرَ فعْلَ الخلْقِ، وهو ممَّن يَعلَم، ولأنَّ (مَن) بمعنى (ما) موجودٌ في القرآن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بعقولِكم أنَّه لا يجوز أنْ يُسَوَّى بين القادر والعاجز والخالقِ والمخلوق في العبادة. * * * (١٨) - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: أي: لا تُطيقوا عدَّها، وأداءَ حقِّها. ذكر ما مضى من الآيات في بيان قدرته ونعمته، ثم أنكر على الكفَّار إشراكَهم باللَّهِ العاجزَ، وبيَّنَ بهذه الآية عجزَهم عن شكرِ نعمتِه، بل عن عدِّ نعمه. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾: ساترٌ للذُّنوب، يمهلُكم ولا يعاجلكم ﴿رَحِيمٌ﴾ يكتفي منكم من الشُّكر بقَدْر وُسعكم، ويرضى بيسير الشُّكر على كثير النِّعم.

стр. 4510

(١٩ - ٢٠) - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿يسرون﴾ و ﴿يعلنون﴾ ﴿والذين يدعون﴾ كلهنَّ بياء المغايبة، وكذلك الكسائيُّ (١)، وروي عن عاصم: ﴿يَدْعُونَ﴾ خاصَّة بياء المغايبة، والباقون كلُّهم بتاء المخاطبة (٢). أي: لا يخفى على اللَّه شيء من عبادِه، أسرُّوا أو أعلنوا. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: من الأصنام ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يقدرون على خلق شيء ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: وهم مخلوقون للَّه. * * * (٢١) - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿أَمْوَاتٌ﴾: أي: هم أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾؛ أي: هي جمادٌ لا حياةَ لها، جاهلةٌ لا علمَ لها. وهو قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي: وما تدري هذه الأصنام متى يُحشرون.

стр. 4511

ومعناه: أنَّ هذه الآلهة تحضر يوم القيامة، فتُجْعَلُ مع عُبَّادها في نار جهنَّم، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] (١). وقيل: ﴿أَمْوَاتٌ﴾: صفة المشركين؛ أي: أمواتٌ بالكُفْر، ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ بالإسلام، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وهو كقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا يتعرَّفون وقته، ولا يعتقدون قربَه، ولا يستعدُّون له. * * * (٢٢) - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: المستَحِقُّ لعبادتِكم وتعظيمِكم إلهٌ واحدٌ. ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أي: لا يصدِّقون (٢) ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾؛ أي: للتَّوحيد ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: متعظِّمون (٣) عن الإيمانِ. * * * (٢٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. ﴿لَا جَرَمَ﴾: قال الخليل (٤): هي كلمةُ تحقيقٍ، ولا تكون إلَّا جوابًا، يقال: فعلوا

стр. 4512

كذا، فيقال: لا جرمَ أنَّهم سيندمون، فالمعنى على هذا: حقًّا إنَّ لهم النَّار (١). وقيل: ﴿لَا﴾ ردّ لكلامِهم، ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى: حقَّ ووجبَ. وقيل: ﴿جَرَمَ﴾؛ أي: كَسَبَ، كقولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢]؛ أي: كَسَبَ فعلُهم لهم ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: أي: علِمَها منهم، فأعدَّ لهم جزاءَها. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾: أي: المتعظِّمين عن الانقياد للرُّسل. * * * (٢٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: أي: من الوعيد؛ أي: إذا ذكِرَ لهم أنَّ ربَّكم أنزل فيكم الوعيد، فكيف تصنعون إذا حلَّ ذلك (٢) بكم؟ ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هي أساطير الأوَّلين، هم سطروها، لا أنَّ اللَّهَ أنزلها، ولهذا رفع قولَه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأنَّهم لم يقرُّوا بإنزالها، فلم يكن فعلُ الإنزال واقعًا عليها على زعمِهم، بل ابتدؤوا بذلك وصفَه. * * * (٢٥) - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.

стр. 4513

وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هي لام العاقبة؛ أي: فعلوا ذلك ويصيرُ جزاؤهم في العاقبة أنَّهم يعاقبون على ما حملوه من آثامهم كلِّها. ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: أي: وآثام الذين اتَّبعوهم وضلُّوا بإضلالهم، وإنَّما قال: (مِن) لأنَّه للتَّبعيض، وفي حقِّ أنفسِهم يُعاقَبون بكلِّ ذنوبِهم، وفي حقِّ الذين ضلُّوا بإضلالهم يُعاقَبون بالذُّنوب التي أذنبوها بإضلالهم دونَ سائر الذُّنوب. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ليس بعذرٍ، بل هو عيبٌ لهم بالجهل والسَّفاهة، ومعنى نفي العلمِ؛ أي: لم يعلموا أنَّهم يَضلُّون بإضلالهم، أو (١) لم يعلموا ماذا يلحقُهم بهذا الإضلال، أو لم يعلموا أنَّ آثامَ الذين ضلُّوا عليهم. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: أي: بئسَ ما يحملون من الأوزار. وقيل: الآية نزلَتْ في المقتسمين الذين قعدوا على الطُّرق يمنعون النَّاس عن اتِّباع رسول اللَّه ﷺ ، ويقرُّونهم على الشِّرك والضَّلال. وهو عامٌّ في حقِّ كلِّ مُضلٍّ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عملَ بها إلى يوم القيامةِ، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فعليه وِزرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ" (٢). * * * (٢٦) - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

стр. 4514

وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مكرَ الكفَّارُ الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين بأنبيائهم كما مكرَ بك هؤلاء، فلم يضرَّ ذلك بالأنبياء. ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: أي: أبطلَ اللَّهُ مكرَهم، ونقضَ حجَّتَهم، وهو مجازٌ، كقولك لرجل إذا انكسَرَتْ حجَّتُه: قد بطلَ ما بنيْتَ، وانهدمَ ما أسَّسْتَ. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: أي: انقلبَ عليهم مكرُهم. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: مِن الوجه الذين لا يشعرون أنَّه يأتيهم من جهته، وفي الوقت الذي لا يعلمون أنَّه يأتيهم فيه. وقيل: هو على حقيقة البناء، ومعنى قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾؛ أي: الأساس ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: سقط عليهم ﴿السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، فالخرور لا يكون إلَّا من فوق، وذكرَه للتَّأكيد، كما في قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ومعنى التَّأكيد: أنَّه للتَّحقيق، لا للمجاز، فقد يقولُ الرَّجلُ: خَرَّ عليَّ منزلي، ولا يريدُ سقوطَه عليه، فأما إذا (١) أراد ذلك قال: خَرَّ عليَّ مِن فوقي. فهاهنا أراد: أنَّه (٢) سقطَ عليهم وهم تحتَه، فأهلكَهم اللَّهُ. وفي التَّفسير: أنَّ هذا البناء كان لبختنصَّر. وقال ابن عبَّاس ﵄ وزيد بن أسلم: وهو صرح نمرود (٣).

стр. 4515

وقال ابن عباس: كان طول البناء في السَّماء خمسةَ آلاف ذراع (١). وقال كعب: كان طولُه في السَّماء فرسخين. وبه قال مقاتل؛ قال: فهبَّتْ ريحٌ فألقَتْ رأسَه في البحر، وخرَّ عليهم الباقي من فوقِهم (٢). وهذا الإتيان بإجماع أهل القبلة ليس بإتيان انتقال، وكذا في قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] في حقِّ بني قريظة والنَّضير، وهو حجَّتنا على المجسِّمة في تأويل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. * * * (٢٧) - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾: أي: يفضحهم ويُذِلُّهم، بعد (٣) ما أهلكهم في الدُّنيا، وأبطل مكرَهم بالأنبياء، وهو تلبيسُهم في تصوير حقِّهم بالباطل عند الضَّعفة، وسعيُهم في هلاك الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: أي: يوبِّخهم فيقول: أين الآلهة التي كنْتُم تجعلونها شركاء لي (٤)، وتعادُون الأنبياءَ بسببها؟ أين هم فيدفعوا عنكم ما نزل بكم؟

стр. 4516

﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: المؤمنون الذي أُعطوا العلمَ باللَّهِ وبدينِه في الدُّنيا: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾: أي: الفضيحة والمذلَّة ﴿وَالسُّوءَ﴾؛ أي: المكاره التي تسوؤهم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المشركين باللَّه. وهم يومئذ أنزلهم اللَّه منازل الأنبياء والأولياء، فنعَّمهم وسرَّهم، فشكروا ذلك، وذكروا حال الكفَّار. * * * (٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: نعتٌ للكافرين ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: نصبٌ على الحال. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: أي: الاستسلام؛ أي: انقادوا، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، وأُلحقَ بالماضي لأنَّه كائنٌ لا محالة. قوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: أي: يقولون، وهذا مُضمَرٌ لدلالة الحال عليه، وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: كفرٍ، يتبرَّؤون منه. وقيل: معناه: ما كان ذلك عندنا سوءًا. فيُقال لهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: كنتم لا تعملون إلا سوءًا، واللَّه عليم بما كنتم تعملون، فلم ينفعْكم إنكارُكم، ولا جهلُكم بالسُّوء؛ إذ كانت الأدلَّةُ واضحة، والبراهينُ لائحة. * * *

стр. 4517

(٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا خروجَ لكم عنها، ولا خلاصَ منها. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: على أنبياء اللَّه وعلى أوليائه. وقد سبقَ ذكرُ تكبُّرِهِم بقوله: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فإنْ كان هذا القولُ لهم عند الموت فمعناه: فادخلوا أبواب جهنَّم إذا بُعِثْتُم. وأبوابُها: طبقاتُها ودَركاتُها، وهي بعضُها فوقَ بعضٍ، ولعلَّ هؤلاء يستحقُّون العذاب في الدَّرك الأسفل، أو في الدَّرك الرَّابع، فلا يصلون إليه إلَّا بمجاوزةِ الأبواب أجمع. ويجوز أن يكون لكلِّ طبقةٍ بيوتٌ، ولكلِّ بيتٍ بابٌ. ويجوز أن يكون هذا إخبارًا لهم عندَ الموتِ بعذاب القبر؛ لأنَّه بابٌ من أبواب جهنَّم للكافر. * * * (٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾: ثم أخبر -بعد (١) الإخبار عن الكافرين- عن المؤمنين الذين اتَّقوا الشِّرك؛ أنَّهم إذا سُئلوا عن كتاب اللَّه: ماذا أنزل اللَّه فيه؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أنزل خيرًا؛ لأنَّ القرآن خيرٌ وهدًى ونفعٌ وشفاءٌ لِمَا في الصُّدور، يُستَدلُّ به على اللَّه وعلى أنبيائه وشرائعِ دينه، فخيراتُه لا تُحصى.

стр. 4518

وقيل: أي: أنزل (١) الشَّرائع ومكارم الأخلاق. ونُصب ﴿خَيْرًا﴾ لو قوع فعل الإنزال عليه، وفي الأوَّل ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالرَّفع؛ لأنَّهم لم يقرُّوا بالإنزال، بل قالوا: هي أساطيرُ الأوَّلين. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: اختلفوا: أنَّه قول هؤلاء، أو ابتداءُ كلامٍ مِن اللَّه؟ فأجاز الحسنُ فيه الوجهين، وكذلك الزَّجاج (٢). والأظهرُ أنَّه كلامُ اللَّه تعالى؛ لأنَّه أبلغُ في الدُّعاء إلى الإحسان، ولأنَّه إذا لم يقم الدَّليل القاطع أنَّه حكايةٌ عنهم فهو من كلام اللَّه تعالى. ثم معناه: للمحسنين حسنةٌ في الدُّنيا، وهي التَّوفيق والعصمة، والنَّجاة من العذاب المعجَّل النَّازل بالمشركين. قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: ولدار الحياة الآخرة أو النَّشأة الآخرة خيرٌ لهم ممَّا أصابوه في الدُّنيا. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: اللَّام للقسم، و (نِعْمَ) كلمة مدح، فنِعْمَ الدَّارُ الجنَّةُ؛ إذ لا خوفَ فيها ولا حزن، ونعيمُها مقيمٌ، ومُلكها دائمٌ، وصاحبُها فيها خالدٌ. * * * (٣١ - ٣٢) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 4519

قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: هي صفهَ تلك الدَّار ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ثم وصف المتقين فقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: أي: طيبي الأعمالِ والقلوب مِن دنَس الشِّرك. ﴿طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: إذا بُعِثْتم. * * * (٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: ما ينتظر مشركو قريش ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض أرواحِهم، وهم ظالمون لأنفسِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذاب ينزلُ بهم في الدُّنيا مثلَ ما نزل بمَنْ قبلَهم مِن الخسْفِ والقذْفِ ونحو ذلك، أو في الآخرة بما أُوْعدوا به. قال مجاهد وقتادة: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: القيامة (١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استعجلوا العذاب ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما عذَّبهم بغير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يوردون أنفسَهم موارد الهلكة بالشِّرك، وينقصون حظوظها من الجنَّة. * * * (٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: أي: الأجزيَةُ السَّيئة بأعمالهم السَّيئة.

стр. 4520

﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزلَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: العذابُ الذي كانوا لا يصدِّقون به ويجحدونه هزوًا. * * * (٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: إنَّما أنكر اللَّهُ هذا القول على المشركين وهو حقٌّ في نفسه إذ الكائنات كلُّها بمشيئة اللَّه تعالى؛ لأنَّ بعض المشركين من العربِ كانوا يقولون هذا القول وقصدُهم أن ينفوا عن أنفسِهم الملامةَ والمذمَّة بارتكابهم الشِّرك والمعاصي، وكانوا يقولون: لا لومَ على عاصٍ ما لهذا المعنى (١)، فأكذَبهم اللَّهُ تعالى، وبيَّنَ لهم أنْ لا عذرَ لهم، ولا يَسقطُ اللَّوم عنهم؛ لأنَّ مشيئةَ المعاصي من اللَّهِ معناها: أنَّه أرادَ أن تكون معصيةً قبيحة منهيًّا عنها، ملومًا عليها مرتكبُها، معاقَبًا بها، ولا إكراه منه لهم على ذلك (٢)، فلم يسقط عنهم اللَّوم. وقد شرحنا ذلك في (سورة الأنعام) بأتمَّ من هذا. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: ما على الرُّسل إلَّا الَّتبليغ الظَّاهر، وقد بلَّغوا أنَّ مشيئةَ اللَّهِ ليسَتْ بعذرٍ لهم. * * *
следующие страницы →