﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: المؤمنون الذي أُعطوا العلمَ باللَّهِ وبدينِه في الدُّنيا:
﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾: أي: الفضيحة والمذلَّة ﴿وَالسُّوءَ﴾؛ أي: المكاره التي تسوؤهم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المشركين باللَّه.
وهم يومئذ أنزلهم اللَّه منازل الأنبياء والأولياء، فنعَّمهم وسرَّهم، فشكروا ذلك، وذكروا حال الكفَّار.
* * *
(٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: نعتٌ للكافرين ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: نصبٌ على الحال.
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: أي: الاستسلام؛ أي: انقادوا، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، وأُلحقَ بالماضي لأنَّه كائنٌ لا محالة.
قوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: أي: يقولون، وهذا مُضمَرٌ لدلالة الحال عليه، وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: كفرٍ، يتبرَّؤون منه.
وقيل: معناه: ما كان ذلك عندنا سوءًا.
فيُقال لهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: كنتم لا تعملون إلا سوءًا، واللَّه عليم بما كنتم تعملون، فلم ينفعْكم إنكارُكم، ولا جهلُكم بالسُّوء؛ إذ كانت الأدلَّةُ واضحة، والبراهينُ لائحة.
* * *
стр. 4517
(٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا خروجَ لكم عنها، ولا خلاصَ منها.
﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: على أنبياء اللَّه وعلى أوليائه.
وقد سبقَ ذكرُ تكبُّرِهِم بقوله: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ فإنْ كان هذا القولُ لهم عند الموت فمعناه: فادخلوا أبواب جهنَّم إذا بُعِثْتُم.
وأبوابُها: طبقاتُها ودَركاتُها، وهي بعضُها فوقَ بعضٍ، ولعلَّ هؤلاء يستحقُّون العذاب في الدَّرك الأسفل، أو في الدَّرك الرَّابع، فلا يصلون إليه إلَّا بمجاوزةِ الأبواب أجمع.
ويجوز أن يكون لكلِّ طبقةٍ بيوتٌ، ولكلِّ بيتٍ بابٌ.
ويجوز أن يكون هذا إخبارًا لهم عندَ الموتِ بعذاب القبر؛ لأنَّه بابٌ من أبواب جهنَّم للكافر.
* * *
(٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾: ثم أخبر -بعد (١) الإخبار عن الكافرين- عن المؤمنين الذين اتَّقوا الشِّرك؛ أنَّهم إذا سُئلوا عن كتاب اللَّه: ماذا أنزل اللَّه فيه؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أنزل خيرًا؛ لأنَّ القرآن خيرٌ وهدًى ونفعٌ وشفاءٌ لِمَا في الصُّدور، يُستَدلُّ به على اللَّه وعلى أنبيائه وشرائعِ دينه، فخيراتُه لا تُحصى.
стр. 4518
وقيل: أي: أنزل (١) الشَّرائع ومكارم الأخلاق.
ونُصب ﴿خَيْرًا﴾ لو قوع فعل الإنزال عليه، وفي الأوَّل ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالرَّفع؛ لأنَّهم لم يقرُّوا بالإنزال، بل قالوا: هي أساطيرُ الأوَّلين.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: اختلفوا: أنَّه قول هؤلاء، أو ابتداءُ كلامٍ مِن اللَّه؟ فأجاز الحسنُ فيه الوجهين، وكذلك الزَّجاج (٢).
والأظهرُ أنَّه كلامُ اللَّه تعالى؛ لأنَّه أبلغُ في الدُّعاء إلى الإحسان، ولأنَّه إذا لم يقم الدَّليل القاطع أنَّه حكايةٌ عنهم فهو من كلام اللَّه تعالى.
ثم معناه: للمحسنين حسنةٌ في الدُّنيا، وهي التَّوفيق والعصمة، والنَّجاة من العذاب المعجَّل النَّازل بالمشركين.
قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أي: ولدار الحياة الآخرة أو النَّشأة الآخرة خيرٌ لهم ممَّا أصابوه في الدُّنيا.
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: اللَّام للقسم، و (نِعْمَ) كلمة مدح، فنِعْمَ الدَّارُ الجنَّةُ؛ إذ لا خوفَ فيها ولا حزن، ونعيمُها مقيمٌ، ومُلكها دائمٌ، وصاحبُها فيها خالدٌ.
* * *
(٣١ - ٣٢) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 4519
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: هي صفهَ تلك الدَّار ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ثم وصف المتقين فقال:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: أي: طيبي الأعمالِ والقلوب مِن دنَس الشِّرك.
﴿طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: إذا بُعِثْتم.
* * *
(٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: ما ينتظر مشركو قريش ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض أرواحِهم، وهم ظالمون لأنفسِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذاب ينزلُ بهم في الدُّنيا مثلَ ما نزل بمَنْ قبلَهم مِن الخسْفِ والقذْفِ ونحو ذلك، أو في الآخرة بما أُوْعدوا به.
قال مجاهد وقتادة: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: القيامة (١).
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: استعجلوا العذاب ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما عذَّبهم بغير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يوردون أنفسَهم موارد الهلكة بالشِّرك، وينقصون حظوظها من الجنَّة.
* * *
(٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: أي: الأجزيَةُ السَّيئة بأعمالهم السَّيئة.
стр. 4520
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزلَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: العذابُ الذي كانوا لا يصدِّقون به ويجحدونه هزوًا.
* * *
(٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
إنَّما أنكر اللَّهُ هذا القول على المشركين وهو حقٌّ في نفسه إذ الكائنات كلُّها بمشيئة اللَّه تعالى؛ لأنَّ بعض المشركين من العربِ كانوا يقولون هذا القول وقصدُهم أن ينفوا عن أنفسِهم الملامةَ والمذمَّة بارتكابهم الشِّرك والمعاصي، وكانوا يقولون: لا لومَ على عاصٍ ما لهذا المعنى (١)، فأكذَبهم اللَّهُ تعالى، وبيَّنَ لهم أنْ لا عذرَ لهم، ولا يَسقطُ اللَّوم عنهم؛ لأنَّ مشيئةَ المعاصي من اللَّهِ معناها: أنَّه أرادَ أن تكون معصيةً قبيحة منهيًّا عنها، ملومًا عليها مرتكبُها، معاقَبًا بها، ولا إكراه منه لهم على ذلك (٢)، فلم يسقط عنهم اللَّوم. وقد شرحنا ذلك في (سورة الأنعام) بأتمَّ من هذا.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: ما على الرُّسل إلَّا الَّتبليغ الظَّاهر، وقد بلَّغوا أنَّ مشيئةَ اللَّهِ ليسَتْ بعذرٍ لهم.
* * *
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ بفتح الياء؛ أي: إنَّ اللَّه لا يهدي مَن أضلَّه، لعلمه اختيار الضَّلالة منه.
وقرأ الباقون: ﴿لا يُهْدَى﴾ بضمِّ الياء على ما لم يُسمَّ فاعلُه (١)، والهاء العائدة مقدَّرةٌ في آخره؛ أي: مَن يضله؛ أي: مَن أضلَّه اللَّه لا يُهدَى أبدًا؛ أي: لا يهديه أحد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: جُمع لأنَّ (مَن) تصلح للجمع؛ لأنَّه جنس، يعني. (٢): وما للضَّالين ناصرون يمنعونهم من حريان حكم اللَّه عليهم، ويدفعون العذاب عنهم، الذي أعدَّه (٣) لهم وينزلُه بهم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أي: وحلفوا باللَّه مجتهِدِين في أيمانِهم مظهرين من أنفسِهم أنَّهم بارُّون فيها:
﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وهو وصفٌ منهم للَّه بالعجزِ عن بعث الموتى.
﴿بَلَى﴾: وهو ردٌّ عليهم قولَهم ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ هو قادرٌ عليه، وقد أخبر به، وهو يحقِّق هذا الوعد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كمالَ قدرته، وبالغَ (٤) حكمتِه، في بعثِه بعدَ إماتتِه.
стр. 4523
(٣٩) - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.
قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: أي: يبعثُهم ليبيِّن لمنكريه ما يختلفون فيه؛ فمنهم مَن كان يقطع القولَ بكونه، ومنهم مَن كان يشكُّ فيه، ومنهم مَن كان يقطع القول بنفيه.
ويحتمل الاختلاف في أمورٍ أُخَر (١) من أمور الدِّين، فيُبيَّن لهم ليظهرَ الحقُّ من الباطل.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في تكذيب الرُّسل، وجحود البعث، وهذا إثبات الجهل للكلِّ، وليس هذا عذرًا بالجهل؛ لأنَّهم كانوا متمكِّنين من النَّظر في الدَّلائل ليعلموا.
وقيل: معنى الآية: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: الأتباع ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: الرُّؤساءَ المعاندين (٢) بعد العلم ﴿كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ فيما ادَّعوا، والأتباعَ إلى ذلك دعَوا، وفي تنفيذه وإقامته سعَوا.
وقيل: بعد بيان الاختلاف معنًى مضمَر، وهو (٣): ثم يجزي المحقَّ والمبطِلَ في الاختلاف كلًّا على وَفق عملِه وقولِه وعَقْده.
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: بعثُ الموتى
стр. 4524
علينا يسير، لا يَلحقُنا فيه نصبٌ، إنما هو أن نقول له: كن؛ فإذا هو كائنٌ، وهو عبارةٌ عن سرعة الإيجاد.
ثم معنى قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ وتسميتِه شيئًا: أنَّه شيء (١) بعد وجوده، وسُمِّي به لقربِه من حالة الوجود.
* * *
(٤١) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: وهذا مدح للمؤمنين بعدَ ذمِّ الكافرين؛ أي: والذين هجروا أهاليَهم وأوطانهم في إحياء دين اللَّه ونصرةِ رسول اللَّه من بعدما ظلمَهم هؤلاء المشركون وعذَّبوهم وراودوهم بالعود إلى الكفر:
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي: لنمكنَنَّ لهم في الدُّنيا منازل حسنةً يرضونها بدلًا عن دورهم التي هجروها، وقد فعل ذلك حيث آواهم بالمدينة، وجعل لهم أنصارًا وأعوانًا على أعدائهم، وآنَسوهم بالنُّفوس والأموال، وآثروهم على أنفسِهم بكلِّ شيء.
قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: ولأجر الدَّار الآخرة -وهو الثَّواب الذي يؤتيهم (٢) فيها- أكبرُ وأعظم قَدْرًا من الذي عُجِّل لهم في الدُّنيا من حِسَان الأوطان والأمنِ على الدِّين والأبدان.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لو كان هؤلاء الظَّالمون يعلمون ما أعدَّ اللَّهُ للمهاجرين
стр. 4525
في الآخرة من النَّعيم، لكنْ بجهلهم يظلمونهم، فلو علموا لم يفعلوا، بل وافقوهم لينالوا في الآخرة ما يناله هؤلاء.
وقول القائل: هو خيرٌ لك لو علمْتَ، ليس على معنى أنَّه لو لم يَعلم لم يكن خيرًا له، لكنَّه ترغيبٌ؛ أي: لو علمْتَ لاشتدَّتْ رغبتُكَ فيه.
* * *
(٤٢) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: هو نعت المهاجرين؛ أي: صبروا على دينهم، وعلى إيذاء عدوِّهم في اللَّه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: في أمورِهم، ويرجون الظَّفر بعدوِّهم.
وقيل: نزلَتْ الآيةُ في أبي جندلِ بن سهيلِ بن عمرو.
وقيل: نزلَتْ في ستَّة نفرٍ: بلالِ بن رباح، وصهيبِ بن سنانٍ مولى عبد اللَّه بن جدعان، وخبَّابِ بن الأرتِّ مولى [أمِّ] أنمارٍ، وعمَّارِ بن ياسر مولى أبي حذيفة، وعابسٍ، وجبيرٍ، أخذهم المشركون فعذَّبوهم، ثم تخلَّصوا فهاجروا، فنزلَتْ هذه الآية في شأنهم (١).
* * *
(٤٣) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قيل: نزلَتْ في أبي
стр. 4526
جهل والوليد بن المغيرة وعبد اللَّه بن أبي أميَّة المخزوميِّ، قالوا للنَّبيِّ ﷺ : هلَّا بعثَ اللَّه إلينا ملكًا يصدِّقك (١) بما تقول، فنزلَتْ.
ومعناه: ما أرسلنا قبلَك ملائكة، إنَّما أرسلنا رجالًا آدميِّين يُوحَى إليهم على لسان ملَك.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أي: أهل الكتب المتقدِّمة؛ لأنَّهم أهلُ المعرفة بما ذكَرَ اللَّه لهم من فرائضه وشرائعه وأقاصيص أنبيائه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنتم.
* * *
(٤٤) - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: قيل: متَّصل بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾.
وقيل: تقديره: إلَّا رجالًا أرسلناهم بالبيِّنات والزُّبر.
والبيِّناتُ: المعجزات، وقيل: الشَّرائعُ الواضحات.
والزُّبرُ: الكُتبُ، جمع زَبور بمعنى مزبور؛ أي: مكتوب.
وإنَّما أمرَ المشركين بسؤال أهل الكتاب لأنَّهم كانوا يرجعون إليهم ويقبلون قولهم، فأثبتَ الحجَّة عليهم بجنسِ ما يركَنون إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾: أي: الكتاب الذي فيه ذكرُ ما يُحتاج إليه،
стр. 4527
كما أنزلنا على مَن قبلَك ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: لتوضِّح لهم معاني ما شرح لهم.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: وليتفكَّروا فيك وفيما أُنزِل عليك، فيستدلُّوا بذلك على صدقِك، وهو معنى كلمة (لعلَّ) لأنَّها في الأصل للتَّرجي، وهو ممَّا يكون ولا يكون، وكذا ما يقع بالاستدلال.
* * *
(٤٥) - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: استفهامٌ بمعنى إثبات الذَّمِّ لهم بذلك، ويجوز أن يكون استفهامًا بمعنى النَّهي؛ أي: لا تأمَنوا ذلك، فإنَّهم قد استحقُّوه.
و ﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ له معنيان:
أحدهما: أنهم أخفَوا الأعمال السَّيئة عن العباد، واللَّه تعالى مُطَّلِع منهم عليها.
والآخر: مكروا بالنَّبيِّ ﵊ بأشياءَ سيِّئة، وبما يسوء النَّبيَّ ﷺ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: كما خسفَ بقارون.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: من السَّماء بغتةً كما كان لقوم لوطٍ ونحوهم.
* * *
стр. 4528
(٤٦) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: أي: في أسفارِهم وتصرُّفاتهم في أمورهم.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين، وقد أعجزني الشَّيء؛ أي: فاتني فعجزْتُ عن أخذه.
والتَّقلُّب يحتمِل هنا ثلاثةَ معانٍ:
السَّيرَ في البلاد، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦].
والتَّصرُّفَ باللَّيل والنَّهار بالإقبال والإدبار والذَّهاب والمجيء، في الأمور المعهودة، كما قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩].
والتَّدبيرَ في وجوه المكر والكيد، كما قال: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُور﴾ [التوبة: ٤٨].
يخوِّفُهم الأخذ في بعض هذه الأحوال.
* * *
(٤٧) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: قال سعيد بن المسيِّب: بينما عمرُ بن الخطَّاب ﵁ على منبر قال: يا أيُّها النَّاس، ما تقولون في قول اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، فسكتَ النَّاسُ، فقام شيخٌ فقال: يا أمير المؤمنين، هذه لغتُنا بني هذيل، التَّخوُّفُ التَّنقُّصُ، فقال عمرُ: فهل تعرف العرب (١) ذلك في أشعارِها، قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير (٢) الهذليُّ:
стр. 4529
تخوَّفَ الرَّحلُ منها تامِكًا قَرِدًا (١) ... كما تخوَّفَ عودَ النَّبعةِ السَّفَنُ (٢)
أي: تنقَّص (٣).
стр. 4530
فقال عمرُ ﵁: يا أيُّها النَّاس، عليكم بديوانكم لا تضلُّوا، قالوا: وما ديوانُنا؟ قال: شعر الجاهليَّة، فإنَّ فيه تفسيرَ كتابِكم ومعاني كلامِكم (١).
وذكر أبان بن تغلب عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كنْتُ أقرؤها ولا أعرفها، حتَّى شكا أعرابيٌّ أخًا له فقال: إنَّ أباه هلكَ وترك إبلًا، فما زال يتخوَّفها بعيرًا بعيرًا حتَّى أذهبها. فعلمْتُ أنَّه التَّنقُّص (٢).
وهو قولُ مجاهد وقتادة والضَّحاك وابن زيد، أنَّ معناه: على تنقُّصٍ، ومعناه: أنَّه يأخذ الأوَّل فالأوَّل حتَّى لا يبقى منهم أحد، ولأنَّه حالةٌ يُخاف منها الهلاك والفناء (٣).
وقال الحسنُ: يُهلكُ القريةَ، فتخافُ قريةٌ أخرى (٤).
وقيل: هو كقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فمعنى قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾؛ أي: تنقُّصٍ من نواحيهم وأطرافهم حتَّى يعمَّ الهلاكُ جميعَهم بعضَهم على إثرِ بعض، ومعناه: أنَّه لا يعاجلهم، بل يأخذ القُرى التي حولَهم، حَّتى يَخْلصَ الأمرُ إليهم فيهلكَهم.
وقيل: معناه: يأخذهم بتنقُّص (٥) أموالهم وأنفسهم، دونَ العذاب المستأصل.
стр. 4531
وقيل: معناه: يهلك بعضَ ما يجاورهم من البلاد، ويدَعهم على خوفٍ أن يأخذهم، ثمَّ يأخذهم، فيكون أخذًا بعد تنغيصِ العيش عليهم زمانًا بتخوُّفهم كلَّ وقتٍ أن ينزلَ عليهم.
* * *
(٤٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: تتميَّل (١).
والفيءُ: الظِّلُّ الذي بعدَ الزَّوال؛ لأنَّه يفيء؛ أي: يميل عن الجانب الذي كان إلى الجانب الآخر.
ووصَلَ الرُّؤية بكلمة (إلى) لأنَّها بالنَّظر تحصلُ، فصار كذِكْرِ النَّظر، كأنَّه قال: أو لم ينظروا إلى كلِّ ما خلقَه اللَّهُ مِن شيءٌ صغيرٍ أو كبير (٢) تتفيأُ ظلاله؛ أي: يرجع ظلُّ كلِّ شيءٌ من موضعٍ إلى موضعٍ يمينًا وشمالًا على حسب تحوُّل الشَّمس، مشرِّقةً ومُغرِّبة، يختلف ذلك بأوَّل النَّهار وآخره وبالبلدان؛ بتصريف اللَّه إيَّاه.
وقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ على الواحدِ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ لوجوهٍ:
أحدها: أنَّه بدأ بقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾، ولفظُه لفظ واحد فوحَّد (اليمين)، ومعناه جمعٌ فجمَع (الشَّمائل)، كما قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ على الواحد ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] على الجمع.
стр. 4532
وقيل (١): تقديره: عن يمين كلِّ واحدٍ من ذلك، وعن شمائل الجميع.
وقيل: اكتفى في الأوَّل بالواحد لأنَّه جنس يصلح (٢) لإرادة الجمع به، كما قال تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، وجمع في (الشمَّائل) لتحقيق الجمع المراد بالآية.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾: حالُ قوله (٣): ﴿ظِلَالُهُ﴾.
والسُّجودُ: الخضوعُ للَّهِ بالخلقة، والدَّلالة على وحدانيَّة اللَّه تعالى بالصَّنعة، وأنشد أهل اللُّغة:
ترى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا للحوافِرِ (٤)
جعل الأُكم إذا لم يتهيَّأ لها الامتناعُ من وطئ الحوافر إيَّاها سُجَّدًا لها، فكذلك ظلال الأشياء لَمَّا لم يكن فيها الامتناع (٥) من التَّصرُّف على ما يصرِّفُه اللَّه تعالى إليه جُعلَتْ ساجدةً للَّه تعالى.
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: أي: صاغرون.
* * *
стр. 4533
(٤٩) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أمَّا مَن كان منهم عاقلًا مؤمنًا فطاعتُه بالأمر، وما كان لا يعقل فبالتَّسخير بدلالة الخلقة، وأمَّا الكافر العاقل (١): فما كان فيه مِن آثار الصَّنعة ودلائل الحدوث (٢) يشهدُ للَّه باستحقاق العبادةِ له، فكلُّهم يسجدُ للَّه من هذا الوجه، وهو معنى قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: الملائكة.
* * *
(٥٠) - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: أي: الذي هو قاهرٌ لهم على السُّلطان (٣) عليهم إنْ خالفوه.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: خوفًا (٤) له، وعلمًا بعظمته، ونفاذِ سلطانه وقدرته.
وقيل: يخافون عقاب ربِّهم من فوقهم؛ لأنَّه يأتي من فوق.
* * *
стр. 4534
(٥١) - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي: بهذا أمرَ اللَّهُ تعالى؛ لا تتَّخذوا اثنين إلهين.
وقيل: هو على نظمِه (١)، وهو توكيدٌ، لا تتخذوا إلهين اثنين (٢)؛ أي: لا تجعلوا للَّه ثانيًا وهو واحد، وذلك قوله:
﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي: خافوني ولا تخافوا غيري، وهو رجوعٌ عن المغايبة إلى الإخبار عن نفسِه، وهو من التَّوسُّع في الكلام.
* * *
(٥٢) - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خَلْقًا ومُلْكًا.
﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾: قال ابن عبَّاس والحسنُ ومجاهد والضَّحاك وقتادة وابن زيد: أي: دائمًا (٣).
وقد وَصَبَ يَصِبُ وُصوبًا من باب ضرب، قال الدُّؤلي:
لا أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤُه... يومًا بذمِّ الدَّهرِ أجمعَ وَاصِبا (٤)
стр. 4535
والوصَبُ: الألمُ عن الإعياء بدوام العمل، وقد وَصِبَ يَوْصَبُ وَصَبًا (١)، فهو وَصِبٌ، من باب علم.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: ما ينبغي لكم أن تتَّقوا غيرَه وتعبدوا غيرَه وتطيعوا غيرَه وله الدِّين واصبًا، فهو الباقي الدَّائم الذي لا يزول ولا يحول، فلا تنقطعُ الطَّاعة له، فأديموها له.
* * *
(٥٣) - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾: أي: والذي بكم من نعمتِه مِن سعةٍ ورزقٍ (٢)، وصحَّةِ جسمٍ، وانبساطِ حياةٍ (٣)، وكثرةِ مالٍ، ووفورِ أنصارٍ وأعوانٍ، وسائرِ حسناتِ الدُّنيا، فذلك كلُّه من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: أي: السَّقم والضِّيق والبلاء ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾: تَضِجُّون بالدُّعاء والمسألة.
والجؤارُ: رفعُ الصَّوت بالتَّضرُّع، فالنِّعمُ كلُّها منه، والفرحُ كلُّه به، والقدرةُ بكمالها له، فما ينبغي أن يُتَّقى غيره ويُعبدَ غيره.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 4536
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾: أي: الأصنامَ التي لا تنفع ولا تَدفع، فلا ترجون إدرار النِّعمة ولا كشف الضُّرِّ إلَّا منه، ثم تشركون به غيره ممَّا لا يكون منه شيءٌ من ذلك! وهذا كفرانٌ لنعمةِ اللَّه تعالى منهم، وذلك قوله:
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: من النِّعَم، وقيل: أي: ليجحدوا ما آتيناهم من الآيات.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي: عيشوا في دنياكم وتلذَّذوا بها قليلًا، ثم تنقضي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: خطأَ فعلِكم في الكفر والكفران.
وقيل: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزلُ بكم من الخزي والهوان.
* * *
(٥٦) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: ومن جهالاتهم أنَّهم يُسمُّون لأصنامهم أشياءَ من أنعامهم وزروعهم التي جعلناها رزقًا لهم، وهم لا يعلمون لها هذا النَّصيب، وهو ما ذكر في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦].
ويحتمل: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الأصنامِ لا تعلم أنَّه جُعِلَ لها نصيب، وجمَعَ فعلَها بالواو والنُّون وهي جماد لأنَّ الكفَّار أحلُّوها محلَّ مَن يعقل.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾: وصرفَ الكلام عن المغايبة إلى المخاطبة، وهو من وجوهِ الكلام.
وإذا سُئلوا عن ذلك لم يكن لهم حجَّة على ذلك، فعُوقبوا به.
стр. 4537
(٥٧) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾؛ أي: ويضيفون له ذلك، فيقولون: الملائكة بناتُ اللَّه ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا للَّه عن ذلك؛ أي: هو مُنزَّه عنه.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من البنين، يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ رفعًا على أنَّه خبرُ اللَّام، ويجوز أن تكون نصبًا عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾ بوقوع ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ عليها؛ أي: إذا حملَتْ امرأةُ أحدهم تمنَّى واشتهى أن يكون ولدُها ذكرًا، وهو كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩].
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم﴾.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾: الظُّلول بالنَّهار كالبيتوتة باللَّيل.
وقوله: ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أي: متغيِّرًا مِن الغمِّ.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: قال ابن عبَّاسٍ: أي: حزين (١).
وقيل: هو المغموم الَّذي يُطْبِقُ فمَه لا يتكلَّم؛ للغمِّ (٢) الذي به، مأخوذٌ من الكِظامَة.
يقول: إذا أُخبِر أحدُهم بولادةِ بنتٍ له اسودَّ وجهُه وتغيَّر واغبرَّ من الأنَفة والذُّلِّ، وبقي ممتلئ القلب عن الغيظ، ساكت اللِّسان عن الغمِّ، لا فرجَ له ممَّا أصابَه.
* * *
стр. 4538
(٥٩) - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: أي: يستخفي حياءً منهم وكراهةَ أنْ يُهنَّأ بها، ويفكِّرُ في نفسِه:
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾: أي: يمسكُ ما بُشِّرَ به على هوان؛ لسقوطِ قَدْرِه عندَه.
﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾: أي: يخفيه، وهو الوأدُ، وهو دفنُها حيَّة.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: أي: ما أسوأ حكمَهم، يختارون لأنفسهم البنين، ويصفون للَّه البنات، ويرضَون له بما لا يرضَون به لأنفسهم.
* * *
(٦٠) - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾: أي: صفةُ السَّوء، وهو ما ذَكرَ عنهم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: الصِّفةُ العليا في الملك والسُّلطان، والعزَّة والقدرة، والتَّنزُّهِ عن الشُّركاء والأنداد.
وهذا لا يخالف قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] -فنهى عن ذلك مطلقًا، وذكر له المثل الأعلى هاهنا- لأنَّ (١) ذلك نهيٌ عن الوصف بالأشباه، وهذا إثباتٌ للصِّفة العليا.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي: الممتنِعُ على مَن رام مغالبَته في تعذيبِ مَن أراد تعذيبَه.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في إمهال العباد إلى أن يحقَّ بهم القول.
* * *
стр. 4539
(٦١) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾: أي: ولو يعاقبُ اللَّهُ الكفَّار بظلمِهم أنفسَهم وعقولَهم، وعبادَ اللَّه بصدِّهم عن الحقِّ.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: أي: على الأرض، كنايةٌ عن مَكنيٍّ لم يَسبِقْ ذِكرُه، لكنَّه معلومٌ فصحَّ، كما في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهو كقول لَبِيدٍ:
حتَّى إذا ألقَتْ يَدًا في كافرٍ... وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغورِ ظلامُها (١)
يعني: الشَّمس.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي: لأدَّى ذلك إلى أن لا يبقَى على الأرض مَن يدبُّ؛ أي: لخلَت الأرضُ عن سكَّانها.
وهذا يدلُّ على أنَّ للَّه تعالى أن (٢) يعاجلَهم بالعقوبة، وإنْ كان في المعلوم أنَّه لو أخَّرهم لتابوا عن المعاصي، خلافًا للمعتزلة القائلين بالأصلح.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾: أي: برحمتِه، لا يعاجلهم بها، ولكن يمهلُهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندَه، إمَّا في الدُّنيا إذا شاءَ أن يهلكَهم أهلكَهم، وإمَّا في الآخرة، وهو وقت الحساب، وهو الأجل المسمَّى لحساب الخلائق أجمعين، وأيُّ هذين الأجلَيْن حلَّ لم يتأخَّر العذابُ عنهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
* * *
стр. 4540
(٦٢) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ لأنفسِهم من البنات.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾: ﴿أَنَّ﴾ ترجمةٌ عن ﴿الْكَذِبَ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ نصب بـ ﴿أَنَّ﴾.
قال الزَّجَّاجُ: وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى من اللَّه تعالى؛ أي: القضيَّةَ الحسنى (١)، وهي بالبنين (٢)؛ أي: قضى لهم بالبنين، وجعل لنفسه البنات.
وقيل: أراد بـ ﴿الْحُسْنَى﴾: الأحوالَ الحسنة في الآخرة، وهو كقوله خبرًا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
وقرأ ابنُ عبَّاس: (ألسنتُهم الكُذُبُ) بضم الكاف والذَّال والباء (٣)، نعتًا للألسنة، وهي جمع كذوب، كالرُّسُل جمع رسول.
стр. 4541
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾: ﴿لَا﴾ هي ردٌّ لكلامهم، ﴿جَرَمَ﴾؛ أي: كسب قولهم هذا أنَّ لهم النَّار، فإنَّهم كفروا وكذَّبوا.
﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال سعيدُ بن جبير وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك: متروكون في النَّار، منسيُّون فيها (١). من قول العرب: ما أفرطْتُ ورائي أحدًا؛ أي: ما خلَّفْتُ وما تركْتُ.
وقال الحسنُ وقتادةُ في رواية: مقدَّمون إلى النَّار معجَّلون إليها (٢).
وهو من قول العرب: أفرطْنا فلانًا في طلبِ الماء، فهو مُفْرِطٌ؛ أي: قدَّمناه لطلبِه، وفَرَطَ هو فهو فارِطٌ، من حد دخل؛ أي: تقدَّم، وجمعه الفُرَّاط، وقال القَطامِيُّ:
واستعجَلُونا وكانوا مِن صحابَتِنا... كما تعجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ (٣)
ومنه قولُ النِّبيِّ ﷺ : "أنا فَرَطُكُم على الحوضِ" (٤).
وقرأ أبو جعفر: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الرَّاء وتشديدها (٥)؛ أي: مقصِّرون في الواجب.
وقرأ نافع في رواية ورش: ﴿مُفْرِطُونَ﴾ بإسكان الفاء وكسر الرَّاء (٦)؛ أي: المجاوزون حدودَ الشَّرع، المسرفون في الذُّنوب.
стр. 4542
(٦٣) - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: الرُّسل ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّد، وهو تسليةٌ له في تكذيب قومِه إيَّاه.
قوله تعالى: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: الشِّرك والمعاصيَ ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾: فالشَّيطانُ وليُّ المشركين اليومَ، كما كان وليَّ المشركين المتقدِّمين.
وقيل: أي: فهو وليُّ أولئك اليومَ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: ولهؤلاء -وقيل: لأولئك- عذابٌ أليمٌ في الآخرة لا يدفعُه عنهم هو بولايته، وكيف وهو لا يمكنه الدَّفع عن نفسِه، فكيف عن غيره؟!
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي: من أمر الآخرة والبعث، ومن أمور الدِّين.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: نصب بالنَّسق على موضع اللَّام من قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾؛ لأنَّ معناه: لإرادةِ تبيينِه.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: هم الذين ينتفعون به، وينالون الهدى والرَّحمة.
* * *
(٦٥) - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
стр. 4543
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: وهو من النِّعم التي عدَّها عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ القولَ فيتدَّبرونه بقلوبهم، وهو كما قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
* * *
(٦٦) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: تعتبِرون بها في قدرة اللَّه تعالى على إحياء الموتى.
والعِبرةُ: تمثيلُ الشَّيء بالشَّيء لتُعرفَ حقيقته من طريق المشاكلة، ثم بيَّن هذه العبرة بقوله:
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: نعطيكم شرابًا من بطونِ ذوات الألبان من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.
﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾: يخرجُ مِن بين فرثٍ ودمٍ، فلا يتعلَّق به منها شيءٌ يؤثِّرُ في لونِه وطعمِه، بل يكون سائغًا هنيئًا، سهلَ الجري لمن شربَه، لا يغصُّ به، فكذلك يقدر على إخراجِ ما تبدَّد من أبدان الموتى مِن حيثُ تبدَّد وممَّا اختلط به، حتَّى يخلِّصه من جميع ذلك بدنًا كما كان في الدُّنيا، لا يختلط به من غيره شيءٌ.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَسْقِيْكُمْ﴾ بفتح النُّون، وقرأ الباقون بضمِّها (١).
стр. 4544
وبالفتح من سَقَى، وبالضَّم من أَسْقَى، وهما لغتان في معنًى واحد، قال لَبِيْدٌ:
سَقَى قومِي بني مجدٍ وأَسْقَى... نُمَيْرًا والقبائِلَ مِنْ هِلالِ (١)
وقيل: سقاه؛ أي: أشربَه، وأسقاه؛ أي: جعل له سِقْيًا؛ أي: شرابًا دائمًا مِن نهرٍ أو لبنٍ أو غيرهما.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِه﴾ ولم يقل: (من بطونها)، وهي جمعٌ؛ لأنَّ الأنعام والنَّعم في المعنى واحد، فصار ذكرُها ذكرَه، فجاز توحيده، وهو كقول الشَّاعر:
وطابَ ألبانُ اللِّقاحِ وبَرَدْ (٢)
ردًّا إلى اللَّبن؛ لأنَّه بمعناه.
أو يجعل كنايةً عن (ما)؛ يعني: بطونِ ما ذكرنا، أو عن (أيّ)، تقديرُه: من بطون أيِّها كان فيه اللَّبن.
والفَرْثُ: الثُّفْلُ الذي ينزل إلى الكرش.
* * *
(٦٧) - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾: عطف على قوله: (ما في بطونه)؛ أي: ونسقيكم من ثمرات النَّخيل والأعناب سكرًا ونحوَ ذلك.
стр. 4545
وقيل: تتَّصل (مِن) بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، ثمَّ أعاد (مِن) مع الهاء حين قُدِّمَتِ الأولى؛ إشعارًا بأنَّها اتَّصلَتْ بهذا الفعل.
وقيل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ عبرة.
وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: ﴿مِنْهُ﴾ توحيده كتوحيد ﴿بُطُونِهِ﴾ بوجوهِه.
والسَّكَرُ: هو خمرُ التَّمر.
وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ وسعيد بن جبير وإبراهيم والشَّعبي وأبو رزين والحسن ومجاهد وقتادة: السَّكَرُ: ما حُرِّمَ من الشَّراب، والرِّزق الحسنُ: ما أُحِلَّ منه (١).
وقيل: السَّكَر: الطُّعم؛ قال الشَّاعر:
جعلْتُ عيْبَ الأكرمِيْنَ سَكَرَا (٢)
أي: طُعمًا.
وقيل: هو العصير الذي لو تُرِكَ أيَّامًا يُسْكِرُ، فأُبيْحَ شربُه قبل أنْ يبلغَ حدَّ السُّكْر، ومَنَّ اللَّهُ تعالى به، والرِّزقُ الحسنُ هو الزَّبيبُ والرُّبُّ (٣) والخلُّ، وما يُتَّخذُ من العنب والتَّمر وراء هذا.
стр. 4546
وقيل: هو خلُّ التَّمر (١)، كما قلنا، وكان هذا قبل قرار تحريم الخمر، وهو أوَّل الآيات نزولًا فيها.
ولَمَّا ميّزَ السَّكَرَ مِن الرِّزقِ الحسَنِ قال كبراء الصَّحابة: لو كان فيها خيرٌ لم تُميَّز عن الرِّزق الحسن. فامتنعوا عن شربِها.
ثم نزلَ سائر الآيات فيها على التَّرتيب الذي ذكرناه في (سورة البقرة).
ثم اتِّصال هذا بالأوَّل (٢) أنَّه قال: ومن ثمرات النخيل والأعناب تستخرجون منه عصيرًا يخرجُ مِن قشرٍ قد اختلط به، وكذلك استخلاصُ ما يتبدَّد من الميت ممَّا هو مختلطٌ به، فإنَّكم إذا استخلصتُم العصير من العنب والرُّطبِ بتعليم اللَّه إيَّاكم لم ينبغِ أنْ تُنكروا مثلَه من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: يستعملون عقولهم في التَّدبُّر فيها.
* * *
(٦٨) - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾: أي: ألهمَها ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: قيل: يبنون.
وقيل: يتَّخذون عرائش الكروم، ألهمَها اللَّهُ أنْ تتَّخذ بيوتًا في هذه المواضع.
* * *
стр. 4547
(٦٩) - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: قيل: هي للتَّكثير، كما في قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: أي: السُّبلَ (١) التي ذلَّلها اللَّهُ لك، والطَّريق الذَّلولُ: التي لا تتوعَّر على سالِكها، وهذا عن مجاهد (٢). والذُّلُل عليّ هذا صفةُ السُّبل.
وقال قتادة: ﴿ذُلُلًا﴾؛ أي: مُطيعة (٣). جمع ذَلُول، وهي على هذا صفة النَّحل.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾: هو رجوع من (٤) المخاطبة إلى المغايبة توسُّعًا في الكلام؛ أي: من بطون النَّحل، وهي جمع نحلة.
﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾: أي: عسل يُشرَبُ وتختلفُ ألوانُه، فمنها أبيض وأصفر وأحمر.
﴿فِيهِ﴾: أي: في الشَّراب، وهو العسل ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾؛ أي: مِن أدوائِهم.
وعامَّة الأدوية المعجونةِ لا تخلو منه، وإنْ زعم زاعمٌ أنَّه قد (٥) يَهيج الصَّفراء، فليس مِن شيءٌ إلَّا وقد يضرُّ وينفعُ، وإنَّما المقصد ما فيه من غالب الشِّفاء.
وروي أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أخي قد اشتكى بطنَه، فقال: "اسقهِ
стр. 4548
عسلًا"، فسقاه عسلًا، فما زاده إلَّا استطلاقًا، فعاد إلى النَّبيِّ ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال: "اسقهِ عسلًا"، فسقاه ثانيًا، فما زادَه إلَّا استطلاقًا، إلى أن سقاه ثالثًا فاستمسَك، فذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "صدقَ اللَّهُ وكذَبَ بطنُ أخيْكَ" (١).
وقال الحارثُ بن [عبد اللَّه] (٢) الأعور: جاء رجلٌ إلى عليِّ بن أبي طالب ﵁، فشكا إليه سوءَ الحفظ، فقال: أترجع إلى أهلٍ؟ قال: نعم، فقال: قل لها تعطيك من مهرِها درهمين عن طيب نفسٍ، فاشترِ بهما لبنًا وعسلًا، واشربهما مع شربةٍ من ماء المطر على الرِّيق = تُرْزَقْ حفظًا (٣).
فسُئِلَ الحسين بن الفضل عن هذا، فقال: أخذه من قول اللَّه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وفي اللَّبن: ﴿خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، وفي العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وفي المهر: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]،
стр. 4549
فإذا اجتمعَتِ البركة والشِّفاء والهنيء والمريء والخالص والسَّائغ فلا عجبَ أنْ ينفعَ (١).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: للذين تفكَّروا، فعلموا أنَّ النَّحلة على صغر جسمها وضعف خِلْقتِها لا تهتدي لصنعة العسل بنفسها، وأنَّ ذلك بصانع (٢) صنعَها، وخالف لينها ولين غيرها من الحشرات الطَّائرة، فاستُدِلَّ لذلك على خالق واحد قادر لا شريك له ولا شبيه.
وقال القشيريُّ: إنَّ اللَّه تعالى عرَّفَ عبادَه في هذه الآية أنَّ التَّفضيل ليس من جهة القياس، فإنَّ النَّحل مع خساستِه وقلَّة قيمته وصِغَر جثَّته جعل ما وراءَه عسلًا هو شفاءٌ للنَّاس، والإنسان في كمال صورته وتمام عقله وفطنته وعلوِّ رتبته وأنَّ منهم الأنبياء والأولياء في خصائص كثيرة سواها، ثم جعل فيما وراءهم من الوحشة ما لا يخفى، فأيُّ علَّةٍ أوجبَتْ للنَّحل هذه الفضيلة؟ وأيُّ ذنبٍ للإنسان أوجبَ هذه الوحشة؟ ليس ذلك إلَّا مَحْضَ الاختيار.
وقال: إنَّ اللَّه تعالى أجرى سنَّته أنْ يُخفي كلَّ شيءٍ عزيزٍ في شيءٍ حقيرٍ، جعل الإبريسم في الدُّود وهو أصغر الحيوانات وأضعفها، والعسلَ في النَّحل وهو أضعف الطُّيور، وجعل الدُّرَّ في الصَّدفِ وهو أوحش حيوانٍ من حيوانات البحر، وأوح الذَّهب والفضَّة والفيروزج في الحجر، كذلك أودع المعرفة والمحبَّة له في قلوب المؤمنين، وفيهم مَن يخطئ، وفيهم مَن يَعصي (٣).
* * *
стр. 4550
(٧٠) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي: أردئِه، وقد رَذُلَ رَذَالَةً، من حدِّ (شرُف).
وقال عليٌّ ﵁: هو إذا بلغ خمسًا وسبعين سنة (١).
وقال قتادة: إذا بلغ تسعين سنة (٢).
فيتعطَّل عن العمل والتَّصرف والاكتساب والحجِّ والغزو ونحوها، فيخرف، فينكر عقله، وذلك قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ممَّا كان يعلمه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بالعباد ﴿قَدِيرٌ﴾ على إبقائهم وإفنائهم ونقلهم (٣) من حالٍ إلى حالٍ، من الصِّبا إلى الشَّباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشَّيب، ثم إلى الخرف.
* * *
(٧١) - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾: فجعل منهم الغنيَّ والفقير، والمستكثِر والمقِلَّ.
стр. 4551
وقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: أي: فليس الأغنياء المُفضَّلون في المال على غيرهم رادِّين ما رزقَهم اللَّهُ على مماليكهم؛ أي: جاعلين لهم في أموالهم شركاء حتى يكون المالكون والمملوكون سواءً في التَّبسُّط فيه والإنفاق منه، وحتى يشركوهم في نسائهم وإمائهم (١)؛ أي: وإذا كنْتُم لا ترضون بهذا من أنفسكم في أملاككم فكيف تحكمون به في أملاكي وهم خلقي وعبيدي فتجعلوهم لي شركاء؟!
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: إذا أشركْتُم معي غيري فقد جحدْتُم نعمتي؛ لأنَّ النِّعمَ كلَّها منِّي، والعبادة والشُّكر والطَّاعة لا تحقُّ إلَّا لي.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿تجحدون﴾ بتاء المخاطبة، كما قال في أوَّله: ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، والباقون بياء المغايبة كما قال: ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ (٢).
قال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في نصارى بني نجران حين قالوا: إنَّ عيسى ابنُ اللَّه، فقال: هل أنتم تشركون عبيدكم معكم في أملاككم (٣)، فإذا لم ترضوه لأنفسكم فكيف رضيْتُم به لي (٤)؟!
وقيل: نزلَتْ في قول المشركين في التَّلبية، فإنَّهم كانوا يقولون: لبَّيك لا شريك لك إلَّا شريكًا هو لك، تملكُه وما ملك.
* * *
стр. 4552
(٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: وهذا ذِكْرُ نعمةٍ أخرى؛ أي: أمُّهُنَّ حوَّاء خُلقَتْ مِن آدم.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بشرًا مثلَكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ ليتمَّ لكم من أنفسكم التآلفُ والسُّكون (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: قال عبد اللَّه وأبو الضُّحى (٢) وإبراهيم وسعيد بن جبير: أي: أختانًا (٣).
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وطاوس: أي: خدمًا (٤). وعلى هذا قوله: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ هم (٥) واحدٌ، والخدم (٦) من البنين.
وقيل: هم ولد الولد، وهم (٧) النَّوافل.
وقيل: هم الأعوان، وقال جميل:
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأطعمة الشَّهية، وقيل: الحلال (١).
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: فيما جعل لكم الشَّيطان من تحريم بعض الطَّيِّبات في الزُّروع والأنعام تؤمنون، فتجعلونه دينًا وهو باطل.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: التي أنعم اللَّه عليهم في إحلالها ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ فهذا منكر عجيب.
* * *
(٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: جمادًا لا يملك ﴿لَهُمْ رِزْقًا﴾؛ أي: ترزيقًا ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ مفعول بوقوع فعل الرِّزق عليه؛ أي: لا يقدرون أن يرزقوهم (٢) من السَّماء مطرًا، ولا من الأرض نباتًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: بأنفسِهم، والأوَّل: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يملكون الأمر به (٣)، نفى السُّلطان والقدرة عنهم جميعًا، وقد يملك الإنسان مالًا فلا يعطي، لكنه يستطيع أن يعطي إذا أراد، فيقول: الأصنام لا ملك ولا قدرة لها.
ثم وحَّد ﴿يَمْلِكُ﴾ للَفظ ﴿مَا﴾، وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ لمعنى ﴿مَا﴾؛ لأنه أُريد به الجمع.
* * *
стр. 4555
(٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أي: لا تصفوا للَّه الأشباه (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ صوابَ الأمثال من خطئِها ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
وقيل: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ من الشَّياطين تقبلون (٢) تحريمهم وتحليلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ المصالحَ والحِكَمَ فيما يُحِلُّ ويُحرِّم، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فتُحلُّوا وتحرِّموا.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وعيدٌ؛ أي: يعلم ما تصنعون قولًا وفعلًا وعَقْدًا، فيجازيكم على ذلك كلِّه.
قال القشيريُّ: تعليق القلبِ بشخصٍ أو سببٍ مُضاهٍ لعبادة الأصنام، من حيثُ إنَّه يضيِّع الوقت فيما لا يعنيه، ويمحقُ الزَّمانَ فيما لا يُجدي على صاحبه بشيء ولا يُغنيه، ومَن ضيَّع فيما لا يعنيه وقته، استجلب من اللَّه في التَّحقيق مقته (٣).
* * *
(٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: روى ابن جريج عن عطاء: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: هو أبو جهل بن هشام ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لا يملك لنفسه في