وقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: أي: فليس الأغنياء المُفضَّلون في المال على غيرهم رادِّين ما رزقَهم اللَّهُ على مماليكهم؛ أي: جاعلين لهم في أموالهم شركاء حتى يكون المالكون والمملوكون سواءً في التَّبسُّط فيه والإنفاق منه، وحتى يشركوهم في نسائهم وإمائهم (١)؛ أي: وإذا كنْتُم لا ترضون بهذا من أنفسكم في أملاككم فكيف تحكمون به في أملاكي وهم خلقي وعبيدي فتجعلوهم لي شركاء؟!
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: إذا أشركْتُم معي غيري فقد جحدْتُم نعمتي؛ لأنَّ النِّعمَ كلَّها منِّي، والعبادة والشُّكر والطَّاعة لا تحقُّ إلَّا لي.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿تجحدون﴾ بتاء المخاطبة، كما قال في أوَّله: ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، والباقون بياء المغايبة كما قال: ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ (٢).
قال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في نصارى بني نجران حين قالوا: إنَّ عيسى ابنُ اللَّه، فقال: هل أنتم تشركون عبيدكم معكم في أملاككم (٣)، فإذا لم ترضوه لأنفسكم فكيف رضيْتُم به لي (٤)؟!
وقيل: نزلَتْ في قول المشركين في التَّلبية، فإنَّهم كانوا يقولون: لبَّيك لا شريك لك إلَّا شريكًا هو لك، تملكُه وما ملك.
* * *
стр. 4552
(٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: وهذا ذِكْرُ نعمةٍ أخرى؛ أي: أمُّهُنَّ حوَّاء خُلقَتْ مِن آدم.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بشرًا مثلَكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ ليتمَّ لكم من أنفسكم التآلفُ والسُّكون (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: قال عبد اللَّه وأبو الضُّحى (٢) وإبراهيم وسعيد بن جبير: أي: أختانًا (٣).
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وطاوس: أي: خدمًا (٤). وعلى هذا قوله: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ هم (٥) واحدٌ، والخدم (٦) من البنين.
وقيل: هم ولد الولد، وهم (٧) النَّوافل.
وقيل: هم الأعوان، وقال جميل:
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأطعمة الشَّهية، وقيل: الحلال (١).
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: فيما جعل لكم الشَّيطان من تحريم بعض الطَّيِّبات في الزُّروع والأنعام تؤمنون، فتجعلونه دينًا وهو باطل.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: التي أنعم اللَّه عليهم في إحلالها ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ فهذا منكر عجيب.
* * *
(٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: جمادًا لا يملك ﴿لَهُمْ رِزْقًا﴾؛ أي: ترزيقًا ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ مفعول بوقوع فعل الرِّزق عليه؛ أي: لا يقدرون أن يرزقوهم (٢) من السَّماء مطرًا، ولا من الأرض نباتًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: بأنفسِهم، والأوَّل: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يملكون الأمر به (٣)، نفى السُّلطان والقدرة عنهم جميعًا، وقد يملك الإنسان مالًا فلا يعطي، لكنه يستطيع أن يعطي إذا أراد، فيقول: الأصنام لا ملك ولا قدرة لها.
ثم وحَّد ﴿يَمْلِكُ﴾ للَفظ ﴿مَا﴾، وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ لمعنى ﴿مَا﴾؛ لأنه أُريد به الجمع.
* * *
стр. 4555
(٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أي: لا تصفوا للَّه الأشباه (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ صوابَ الأمثال من خطئِها ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
وقيل: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ من الشَّياطين تقبلون (٢) تحريمهم وتحليلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ المصالحَ والحِكَمَ فيما يُحِلُّ ويُحرِّم، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فتُحلُّوا وتحرِّموا.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وعيدٌ؛ أي: يعلم ما تصنعون قولًا وفعلًا وعَقْدًا، فيجازيكم على ذلك كلِّه.
قال القشيريُّ: تعليق القلبِ بشخصٍ أو سببٍ مُضاهٍ لعبادة الأصنام، من حيثُ إنَّه يضيِّع الوقت فيما لا يعنيه، ويمحقُ الزَّمانَ فيما لا يُجدي على صاحبه بشيء ولا يُغنيه، ومَن ضيَّع فيما لا يعنيه وقته، استجلب من اللَّه في التَّحقيق مقته (٣).
* * *
(٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: روى ابن جريج عن عطاء: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾: هو أبو جهل بن هشام ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لا يملك لنفسه في
стр. 4556
الكون تصرفًا (١)، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: هو أبو بكر الصِّديق ﵁ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ (٢).
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ يعني: أبيَّ بن خلف الجمحيَّ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾؛ يعني: حمزة وعثمان بن مظعون (٣).
وقيل: عثمان بن عفان (٤).
وقال مقاتل: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ هو هشام بن عَمرو بن الحارث بن ربيعة القرشيُّ، كان رجلًا قليل الخير، يعادي رسول اللَّه ﷺ ، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ يعني:
стр. 4557
المؤمن، وقوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو أبو العاص بن أميَّة بن عبد شمس (١).
قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ أي: ثقيل على وليِّه وعيال عليه (٢).
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وهذا مثلٌ ضربَه اللَّهُ لنفسِه سبحانَه وللأصنام.
ويقال: هو مثلٌ للمؤمن والكافر:
أمَّا الأوَّل: فقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ يقول: إنَّ مَن يعبدُ الوثن (٣) أو شيئًا مِن دون اللَّه فإنَّما يعبد عبدًا من عباد اللَّهِ وخَلقًا من خلقِه، لا يقدر لعابده (٤) على جزاءٍ ولا ثواب، ومَن يعبد اللَّه فإنَّما يعبدُ مَن يقدر على كلِّ شيءٍ، ومَن بيده كلُّ رزقٍ حسنٍ، فهو يجازي به العابد له. هذا معنى قول الحسن (٥).
والتَّمثيل مطَّردٌ في كلِّ معبود من دون اللَّه من جمادٍ وذي روحٍ؛ لأنَّ الجميعَ خلقُ اللَّه تعالى، كالعبد للآدميين، ولا يملك شيء منه ما يملكه اللَّه تعالى، ولا يقوم بتدبير العالم في أرزاقهم.
стр. 4558
يقول: إن كنتم معاشرَ عبادي لا تسوُّون بين المملوكِ منكم الفقير المعدَم وبين الحرِّ الغنيِّ الموسر، فكيف تسوُّون بيني وبين غيري في العبادة، وأنا الغنيُّ القادرُ ومَن دوني فقير عاجز؟!
وأمَّا الثَّاني: فهو أنَّ المَثل للكافر الذي قد حَرَمَه اللَّهُ التَّوفيق، فهو لا يحصل منه عملٌ صالحٌ، ولا يوفَّقُ لبابٍ من أبواب الطَّاعة، فهو كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيءٍ ينفِقُ (١) منه في باب تكرمةٍ أو قضاءِ حقٍّ، ومَثل المؤمنِ الموفَّق للطَّاعات التي (٢) تحصل منه من الخيرات والأعمال الصَّالحة مِن حيثُ يعلم النَّاس ومن حيث لا يعلمون.
والإنفاقُ (٣) يُعبَّر به عن العمل، وقد ذهب بعضُ المفسِّرين في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ أي: حتى تعملوا الطَّاعات، ويقال لمن أكثر الكلام: أمسكْ عليك نفقتَك.
والسِّرُّ والجهرُ مثلان للأعمال التي يُجهَر بها، كالصَّلوات المفروضة، والإعلانِ بالشَّهادة للَّه في التَّوحيد (٤)، والأذكارِ التي أُمِرَ النَّاس بالجهر بها، ومنها الحجُّ والجهادُ والأعمالُ التي تظهر للنَّاس.
والسِّرُّ: النَّوافل التي يخلو بها المرءُ في بيتِه وحيثُ لا يُعلَم به كدعاءِ السِّرِّ.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: المستَحِقُّ للشُّكر والثَّناء والمدح كلِّه هو اللَّه؛ لأنَّ النِّعم في الدِّين والدُّنيا كلَّها منه.
стр. 4559
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: ردٌّ لِمَا قالوا من استحقاق الأصنامِ العبادةَ والشُّكرَ أنَّها ليس منها إنعام عليهم فتستحقَّ ذلك منهم، وأكثرُهم لا علمَ عندهم إنَّما هم مقلِّدون جُهَّال، استحسنوا عبادةَ غيرِ اللَّه على غير بصيرةٍ اتِّباعًا للآباء.
* * *
(٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
الأبكمُ: الأخرس، والكَلُّ: العيال، ومولاه: ابنُ عمِّه وقريبُه.
وهذا المثل الثَّاني ضربَه اللَّهُ لنفسِه وللأوثان، فالذي كالأبكم الذي لا يقدر على شيء؛ أي: لا يقوم بإمساكِ نفسِه وتدبير أمرِه، فهو كَلٌّ؛ أي: عيالٌ على مولاه؛ أي: على قريبِه وابن عمِّه الذي يدبِّر أمرَه، أو على مَن يتولَّى من الأجانب أمرَه ويقومُ بأسبابه، أينما يوجِّهه مولاه في أمرٍ يَعْرِضُ أو حاجةٍ تقعُ أو رسالةٍ تؤدَّى فإنَّه لا يأتيه بخير؛ لأنَّه لا يُعربُ (١) عن نفسِه، ولا ينطق فيترجِمَ نطقُه عمَّا في ضميره، فالمستعين به خائبٌ من نفعه؛ لأنَّه لا يأمر ولا ينهى، ولا يُفصح عن حقٍّ ولا باطل، فكذا الوثن إنَّما يقوم بأمرِه غيرُه، فيُحمَل ويُنقَل مِن موضعٍ إلى موضعٍ، ويُصلَح ما يتشعَّث (٢)
стр. 4560
منه، ويُماطُ عنه ما يَعلقُ به مِن قذًى أو أذًى، وكلُّ ما يسألُه عابدُه ويدعوه له ويرجوه من عبادته فإنه لا يجدُه عندَه؛ لأنَّه لا يعقِلُ ولا يتكلَّمُ، فهو كَلٌّ على عابدِه، يتكلَّفُ مُؤْنَتَهُ، ولا يرجو معونتَه.
وقال الكلبيُّ: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: مثَلُ الوثنِ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: هو اللَّه تعالى، يأمر بشهادةِ أنْ لا إله إلَّا اللَّه، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ يعني: يدلُّكم (١) على طريق مستقيم (٢).
وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فيه إثباتُ جميعِ ما نفاه عن الأوَّل:
فإنَّ قولَه تعالى: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فيه نفي الكلام، وفي الأمر بالعدل إثبات الكلام.
وقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والآمر بالعدل قادرٌ على كلِّ شيء.
وقوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، ومَن يأمرُ بالعدل فغيرُه يكون كَلًّا عليه، وهو يَمُونهم ويقضي حوائجهم.
وقوله: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، والآمرُ بالعدل يأتي بكلِّ خيرٍ.
* * *
(٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 4561
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يجوز أن (١) يتصل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقيل: إنَّ المشركين كانوا ينكرون البدث، ويقولون: متى السَّاعة؟ فإذا قيل لهم: هو مكتوم، قالوا: لو كان لكان له وقتٌ معلومٌ، فقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: اللَّه مالك ما غابَ عن العباد في السَّماوات والأرض، ويملك إظهار ما غابَ من ذلك كلِّه، فيملك إظهار السَّاعة، كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: أي: كنظرِ البصر؛ أي: إنَّها تأتي بغتة في أسرع وقتٍ، كما قال: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ليس هذا للشَّكِّ، بل معناه: مَثِّلوها بأيِّهما شئْتُم فهو صوابٌ، كما يُقال: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.
وقيل: هو لشكِّ المخاطَب؛ أي: كونوا (٢) في كونها على هذين الوسمين (٣).
وقال ابن عبَّاس: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: بل هو أقربُ (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا ظاهر.
* * *
(٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
стр. 4562
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: ومن النِّعمِ التي عدَّها هذا، وقوله: ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾ إثبات عجزنا في الابتداء؛ يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتُكم.
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾: فأنا علَّمتكم، وقولُه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، قيل: هو الهداية إلى رضاع الثَّديين.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: راجعٌ إلى هذا؛ أي: جعل لكم آلات العلم والفهم.
وفي إثباتِ السَّمع إثباتُ النُّطق؛ لأنَّ مَن لم يسمَع لا يقدر على أن يتكلَّم.
يقول: خلقَكم وأعطاكم هذه الأعضاء السَّليمة، وأودعَها هذه المعانيَ؛ ليكلِّفَكم شكرَه بما أعطاكم، ويتعبَّدكم بشرائِعِه لتشكروا له على صنائعه.
وقال القشيريُّ ﵀: جعلْتُ لكم السَّمع لتسمعوا خطابي، والأبصار لتعتبروا بأفعالي، والأفئدة لتعرفوا حقِّي، ثم تشكروا عظيم إنعامي بما أُنعمُ عليكم مِن هذه الحواسِّ (١).
* * *
(٧٩) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: وهذا تنبيهٌ على الاعتبارِ بما يرونَه من الطَّير، وهو جمع طائرٍ.
стр. 4563
﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾؛ أي: مذلَّلاتٍ في الهواء المرتفعِ من الأرض، وأضاف الجوَّ إلى السَّماء لأنَّ المراد: ما ارتفعَ من الهواء إلى جهة السَّماء.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: ما يمسِكُ هذه الطُّيور في الهواء إلَّا اللَّه بما أنبتَ لها من الأجنحة، وسخَّرها للطَّيران.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: في تسخير الطَّير للطَّيران ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّها تدلُّ على خالقٍ خلقَها لا يشبِهُ خلقَه، وسخَّرها بقدرته، فإنَّها ما صارَتْ كذلك بأنفسِها، بل بمسخِّرٍ سخَّرها، وخصَّ المؤمنين بها لأنهم هم المنتفِعون بالتَّفكُّر فيها.
* * *
(٨٠) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾: أي: من بيوت الحجر والمدَر والخشب موضعَ سُكْنى في الحضر.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: وهي الفساطيطُ والأخبيةُ وقِبابُ الأَدَمِ والأنطاع، يخفُّ عليكم حملُها ونقلُها (١) في الأسفارِ وما دونها خارجَ القُرى والأمصار يومَ ارتحالِكم.
والظَّعنُ بفتح العين وتسكينها: الارتحالُ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: قرارِكم في منازلكم.
стр. 4564
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾: أي: وجعل لكم من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: أمتعة وثيابًا تصلح للحضر والسَّفر، منها ثيابٌ تُلْبَس، ومنها ما يُفرَش (١)، ومنها ما يُنْصبُ (٢) كأخبية الشَّعر واللُّبُود، والأصواف للضَّان، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز.
﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: أي: يجعلون منها أثاثًا ينتفعون (٣) به أيَّام الحياة.
والأثاثُ: متاعُ البيتِ الكبير، من قولهم: شَعْرٌ أثيثٌ؛ أي: كثير، وأثَّ النَّبْتُ يأَثُّ (٤) أثاثًا: إذا كَثُر والتفَّ، وكذلك الشَّعر، ولا واحدَ للأثاث.
* * *
(٨١) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾: كالشَّجر وما يُستَظلُّ به.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: جمع كِنٍّ، وهو السَّتر؛ أي: ستورًا من الأنداء (٥) ونحوها، وهي الكهوف يُتوقَّى بها من المطر والحرِّ والبرد.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: قال قتادة: السِّربالُ: القميصُ من القطنِ والكتَّان والصُّوف (٦).
стр. 4565
وقال الزَّجَّاجُ: كل ما لبسْتَه فهو سِربال (١).
وإنَّما قال: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد، وإن كان ما يقي البرد أعظمَ في المنَّة؛ لأنَّ الذين خُوطبوا بهذا أهل حَرٍّ (٢) في بلادهم، فحاجتُهم إلى ما يقي الحرَّ أشدُّ. قاله عطاء (٣).
ولأنَّ ذِكْرَ أحدهما ذِكْر الآخر بتفاهم النَّاس (٤)، وهو كقول الشَّاعر:
وما أدري إذا يمَّمْتُ أرضًا... أريدُ الخيرَ أيَّهما يليني (٥)
ذكر الخير (٦) وكنَى عن اثنين، وهما الخيرُ والشَّر.
وقوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: أي: ودروعًا من الحديد تردُّ عنكم سلاحَ عدوِّكم في قتالِكم. والبأسُ: شدَّةُ الحرب.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: فلا يدعُ شيئًا ممَّا بكم الحاجةُ إليه في دينِكم ودنياكم إلَّا أعطاكموه تامًّا، تقع به الكفاية.
стр. 4566
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: أي: لتُسْلموا وتُخْلِصوا للَّه، وتجعلوا أنفسكم سالمةً له مُسْلمةً إليه.
* * *
(٨٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي: فإنْ أعرضوا عن تدبُّر ما عدَّدْتُ من النِّعم والآيات، وختمْتُ ذلك بالدُّعاء إلى الإسلام بقولي: تُسلمون (١)، وعن قَبولِه والإيمان بك فيما أتيتَهم به (٢)، فلا تبعةَ عليك في ذلك ولا لوم (٣)؛ ولأنَّ الذي عليك هو التَّبليغ الظَّاهر، وقد فعلْتَ.
* * *
(٨٣) - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أي: يعرفون بقلوبِهم نعمةَ اللَّهِ عليهم بك يا محمَّد، ثم ينكرونها بألسنتهم فيجحدون نبوَّتك، وأكثرُ هؤلاء المشركين هم الكافرون النِّعمةَ التي نالوها (٤) بك.
وهو وصفٌ للمعاندين (٥) منهم، كما قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
стр. 4567
وقال الحسن: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ أي: وجميعُهم (١)، وهو كقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: فلا يؤمنون شيئًا.
وهو كقول العرب: هذه الأرض قلَّما تنبت الكلأ؛ أي: لا تُنبت شيئًا.
وقيل: بل هو على حقيقته؛ لأنَّه كان فيهم مَن لم تَقُم عليه الحجَّة به ممَّن لم يبلغ حدَّ التكليف، أو هو مَؤُوفٌ (٢).
وقال بعض المفسِّرين: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: هي محمَّدٌ ﷺ .
وقيل: هو جميع ما سبق تقريرُه في هذه السُّورة.
وإنكارُهم هذه النِّعمة مثلُ ما حُكِي أنَّ بعضَهم ذكرَ هذه النِّعم فقال: ورَّثنيها آبائي؛ أي: الأنعامَ والأثاثَ والبيوت (٣)، وكان بعضهم يقول: نلناها بشفاعةِ آلهتنا.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: هو قولهم حين سألهم: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [العنكبوت: ٦٣]، قالوا: اللَّه، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بقولهم للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه (٤).
وقال عون بن عبد اللَّه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ هو قول الرَّجل: لولا فلانٌ ما أَصبْتُ كذا (٥).
* * *
стр. 4568
(٨٤) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: واذكرْ يا محمَّد يومَ نبعثُ من كلِّ أمَّة شهيدًا، وهو النَّبيُّ يشهد على أمَّته بما كان (١) مِن إجابةِ مَن أجابَ وردِّ مَن ردَّ.
ومعنى الشَّهادة مع أنَّ اللَّهَ تعالى عالمٌ بجميعِ ذلك: أنَّ هذا أهولُ (٢) في النُّفوس، وأشدُّ في الفضيحة، وأردعُ إذا تأمَّلها المخوَّف بها.
وقيل: اتِّصالها بما قبلها: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ اليومَ ويوم نبعثهم ينكرون ذلك أيضًا.
وقيل: هو موصولٌ بقولِه: ﴿يَعْرِفُونَ﴾؛ أي: يعترفون بذلك (٣) يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: في الاعتذار عمَّا كان منهم في الدُّنيا من الإنكار، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، ومعنى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾؛ أي: لا يُسمَع عذرُهم ولا يُقبَل.
وقيل: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾؛ أي: يُحجبون عن ربِّهم، كما قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، ومجازه قولهم: أذنَ السُّلطانُ لفلانٍ، وخرج له الإذن؛ أي: بالدُّخول عليه ولقائه.
стр. 4569
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: ولا يؤمرون بالكفِّ في معصيةٍ (١) كانوا يرتكبونها؛ لأنَّه ليس بيومِ تكليفٍ.
والاستعتابُ في الدُّنيا كذلك، فإنَّه يُقال: أساء إليَّ فلانٌ فعتبتُ عليه (٢)؛ أي: أظهرْتُ الموجدة فعاتبْتُه بذلك؛ أي: ذاكرْتُه به (٣)، واستعتبْتُه؛ أي: سألتُه وطلبْتُ منه أنْ يمتنِعَ عن ذلك ليرضيَني، فأعتبني؛ أي: أرضاني بترك ذلك، والعودِ إلى ما أحبُّه.
* * *
(٨٥) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ﴿ظَلَمُوا﴾؛ أي: أشركوا، فوضعوا العبادةَ في غير موضعها، وضرُّوا بذلك أنفسَهم، ونقَصوها حظَّها، ورأوا العذابَ الذي أُعِدَّ لهم في الآخرة، وذلك إذا دخلوا إلى جهنَّم، فلا يهوَّن عليهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يُمهَلون للإيمان.
وقيل: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ساعةً فيستريحوا، ولا يمهَلون للدُّخول إذا انتهوا إليها.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
стр. 4570
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: أي: إذا رأوا أصنامَهم التي أشركوها في عبادتهم إيَّاها مع اللَّهِ وقد حُشِرَتْ معهم ليوبَّخوا بها.
﴿قَالُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربَّنا ﴿هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾؛ أي: هم أضلُّونا، فافعل بهم كذا.
﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾: أي: فقال الشُّركاء في جوابهم:
﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولكم: إنَّا آلهةٌ وفي إضافتكم الإضلالَ إلينا.
* * *
(٨٧) - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: أي: واستسلمَ هؤلاء المشركون لحكم اللَّه، وذلُّوا، وسقط تكبُّرهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من قولهم: هم شفعاؤنا، بطلَ ذلك القولُ، فلا شفاعةَ ولا نصرةَ.
* * *
(٨٨) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: هم كبراء المشركين، كفروا نعمةَ اللَّهِ، وصدُّوا النَّاس بالتَّمويه عن دين اللَّه.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: أي: ضاعفنا لهم العذاب ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ النَّاس بالصَّدِّ عن سبيل اللَّه، فلهم عذابُ ضلالهم (١) وعذابُ إضلالهم النَّاسَ.
стр. 4571
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾؛ يعني: خمسةَ أنهار من صُفْرٍ مُذابٍ، تسيل من تحت العرش (١)، يُعذَّبون بثلاثةٍ منها على مقدار اللَّيل في الدُّنيا، وباثنين منها على مقدار النَّهار (٢).
وقال سعيد بن جبير: يزادون حيَّاتٍ أمثالَ البُخْتِ، وعقاربَ أمثالَ البِغال، تلسَعُ أحدَهم اللَّسْعَةَ، فيجدُ صاحبُها حمَّتَها أربعين خريفًا (٣).
وقيل: هو الجرب.
* * *
(٨٩) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: نبيَّهم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: وهو تخصيصٌ بعد التَّعميم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: ممَّا هم فيه الآن، أو ما (٤) يَؤُول إليه أمرهم في الآخرة، وكشفْنا ذلك كلَّه، وأودعْنا كلَّ ما يحتاجون إليه من أمور الدِّين والدُّنيا.
стр. 4572
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي: دلالة إلى الحقِّ، ورحمة لهم حتى لا يهلكوا، وبشارة بالجنَّة لمن أسلم (١).
* * *
(٩٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية: هو متَّصل بقولِه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقد بيَّن ذلك كلَّه في هذه الآية، فإنَّه أمرَ بثلاثةِ أشياءَ هي جامعةٌ جميعَ ما أمر اللَّه به في القرآن، ونهى عن ثلاثة أشياء هي جامعة جميعَ ما نهى اللَّه عنه في القرآن، ولذلك يقرأ كلُّ خطيبٍ على المنبر في آخر كلِّ خطبةٍ هذه الآية لإتيانها على كلِّ مأمور ومنهيٍّ؛ لتكونَ عِظةً جامعةً للنَّاس كلِّهم.
وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: أجمع آية في القرآن هذه الآية (٢).
وعن عليٍّ ﵁ قال: جِماع التَّقوى في قول اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية (٣).
وقال عثمان بن مظعون: كنْتُ أسلمْتُ استحياءً من رسول اللَّه ﷺ لكثرة ما كان يَعْرض عليَّ الإسلام، ولم يَقرَّ الإسلام في قلبي، فكنْتُ ذاتَ يومٍ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ جالسًا أتأمَّله، فشَخَصَ بصرَه نحو السَّماء، ورأيته (٤) كأنَّه يستفهم شيئًا، فلمَّا سُرِّيَ
стр. 4573
عنه سألْتُه عن حالِه، فقال: "نعم، بينا أنا أحدِّثكُم رأيْتُ في الهواء جبريل، فأتاني بهذه الآية"، وقرأها عليَّ، فقرَّ الإسلامُ في قلبي، فأتيْتُ عمَّه أبا طالبٍ فأخبرْتُه، فقال: يا آلَ قريشٍ، اتَّبعِوا محمَّدًا تَرشُدوا، فإنَّه لا يأمركم إلَّا بمكارم الأخلاق، فإنْ كان ابنُ أخي صادقًا أوكاذبًا فإنَّ إلهَه لا يأمرُه إلَّا بخير، فأتيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فأخبرْتُه بقولِه، ففرح بذلك، فقال له: "يا عم، تأمر النَّاسَ باتِّباعي ولا تتَّبعُني"، فأبى، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فأتيْتُ الوليدَ بنَ المغيرة، وقرأْتُ عليه الآية، فقال: إنْ كان محمَّدٌ قاله فنِعْمَ ما قال (١)، وإنْ كان قالَه ربُّه فنِعْمَ ما قال، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ الآيات [النجم: ٣٣] (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾؛ أي: بالتَّسوية في الحقوق فيما بينكم، وتركِ التَّظالم، وإيصالِ كلِّ ذي حقِّ إلى (٣) حقِّه، والإحسانِ إلى مَن أساءَ إليكم.
وقيل: هو التَّفضُّل الزَّائد على العدل.
﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إعطاءِ ذي القربى (٤)، وهو صلةُ الرَّحم وبرُّ الأقارب.
стр. 4574
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: أي: عن الذُّنوب المفرِطة في القُبح.
﴿وَالْمُنْكَرِ﴾: وهو كلُّ ما تنكرِهُ العُقول السَّليمة، ولا يُعرَف في سُنَّةٍ ولا عقلٍ.
وقيل: الفاحشةُ: كلُّ ما يعظُمُ قبحُه فيما يفعلُه الإنسان في نفسِه ولا يظهرُه، والمنكرُ: ما يظهَرُ للنَّاسِ ممَّا يجبُ (١) عليهم إنكارُه.
﴿وَالْبَغْيِ﴾: أي: وينهى عن الاستطالة على النَّاس بفضل القوَّة.
وحقيقتُه: طلبُ ما ليسَ له طلبُه، ولا يكون البغيُ إلَّا من الفاعلِ في غيره، فأمَّا الظُّلم فقد يكون في نفسه.
قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ﴾: أي: يحذِّركم مكروهَ العواقب في مخالفةِ أمرِه ونهيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لتتذكَّروا بعقولِكم فتتَّعظوا بمواعظ اللَّه.
وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فيما بينكم وبينَ ربِّكم أوَّلًا، وليس من العدل أنْ يُعدَل بالشُّكر عن المنعِم إلى غير المنعِم، ولا أنْ يُشركَ في الشُّكر غيرُ المنعِم، وهذا يوجب تركَ عبادة الأوثان، فالتَّوحيد عدلٌ لأنَّ الشِّركَ ظلمٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وقيل: إنَّ الإحسانَ أن يأتيَ بما أُمِرَ به من الأعمال حسنًا على التَّمام.
وقيل: الإحسانُ إشارةٌ إلى الإخلاص فيه (٢).
فأمَّا ما رُوي في تفسيرها عن السَّلف:
стр. 4575
فقد قال ابنُ عبَّاس ﵄: العدلُ: شهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه، والإحسانُ: الإخلاصُ فيه (١).
وعنه في رواية: العدلُ: التَّوحيدُ، والإحسانُ: أداءُ الفرائض (٢).
وقال عليٌّ ﵁: العدلُ: الإنصاف، والإحسانُ: التَّفضُّل (٣). يعني: المروءة.
وقال مقاتل: العدلُ: التَّوحيدُ، والإحسانُ: العفو عن النَّاس (٤).
وقال عطاء عن ابن عبَّاس ﵄: العدلُ: خلعُ الأنداد، والإحسانُ: أن تعبدَ اللَّه كأنَّك تراه (٥).
وقيل: العدلُ: في الأفعال، والإحسانُ: في الأقوال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وقيل: العدلُ: في الأفعال والأقوال (٦)، والإحسانُ: أن تحبَّ للنَّاس ما تحبُّ لنفسك.
وقال أبو بكر الورَّاق: العدلُ: أن ينصِفَ وينتصِفَ، والإحسانُ: أن ينصِفَ ولا ينتصِفَ.
стр. 4576
وقال سفيانُ بن عيينة: الفحشاءُ: مخالفةُ القولِ الفعلَ، والمنكرُ: الشِّركُ، والبغيُ: التَّكبُّر.
وعنه في رواية: العدلُ: استواءُ السَّريرة والعلانية، والإحسانُ: أن تكون السَّريرة أحسن من العلانية، والفحشاء والمنكر: أن تكون العلانية أحسن من السَّريرة (١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أُمِرَ العبدُ بالعدلِ فيما بينَه وبينَ اللَّه، وفيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الخلق.
فالذي بينَه وبين نفسِه: منعُها ممَّا فيه هلاكها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
والعدلُ بينَه وبين ربِّه: إيثارُ حقِّ اللَّهِ على حظِّ نفسِه، وتقديمُ رضاه على هواها، والتَّجرُّد عن جميع الزَّواجر، والتَّفرُّد بملازمة جميع الأوامر.
والعدلُ الذي (٢) بينه وبين الخلق: بذلُ النَّصيحة، وتركُ الخيانة فيما قلَّ وكثر، والإنصاف لهم بكل وجهٍ، وأن لا يسيء إلى أحد لا بالقول ولا بالفعل ولا بالعزم.
وصفةُ العوام منه: بذلُ الإنصاف، وكفُّ الأذى.
وصفةُ الخواصِّ: بذلُ الإنصاف، وترك الانتصاف، وإسداء الإنعام، وترك الانتقام، وكفُّ الأذى عن النَّاس، والصَّبر على ما يصيبك منهم من البلوى.
فأمَّا الإحسان فيكون بمعنى العلم، قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يحسنُه (٣).
стр. 4577
والعلمُ مأمورٌ به في كلِّ المَواطن (١)، وهو علمُ الإنسانِ بحدوث نفسِه، وقِدَمِ محدِثِه، بصفات جلاله، ثم العلومُ الدينيَّة على حسب مراتبها.
وأما الإحسان في الفعل، فالحسنُ من أفعالنا ما أمرَ اللَّهُ به، وأذنَ لنا فيه، وحكم بمدح فاعله، وجعل في كلِّ عقلٍ حُسنَه.
والإحسانُ أيضًا: أن تقومَ بكلِّ حقٍّ وجبَ عليك، حتى لو كان طيرٌ في ملكك لا تقصِّر في تعهُّده (٢).
* * *
(٩١) - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾: أي: اثْبُتوا على ما عاهدْتُم اللَّهَ عليه وبايعْتُم به رسولَه بالأيمان التي تحلفون بها.
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: أي: لا (٣) تنكثوها بالحِنْثِ ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: بعد إحكامِ عقدِها على أنفسكم.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: فإنَّ مَن حلفَ باللَّه ليفعلَنَّ كذا، أو لا يفعلُ كذا؛ فقد منعَ نفسَه عن الخلافِ بذكرِ اسمِ اللَّه تعالى؛ مهابةَ أن يهتكَه، فكأنَّه جعلَ تعليقه ذلك بحقِّه كفيلًا إقامةً على نفسه بإلزامِه البِرَّ فيه (٤)، كالذي أقامَ على نفسِه
стр. 4578
كفيلًا يطالبُه بأداء ما عليه، فإذا لم يؤدِّ ما عليه فقد استخفَّ بكفيله، فكذا مَن ترك البرَّ وحنثَ في يمينه فقد استهان باسم اللَّه تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: من البرِّ والحنْثِ، فيجازيكم به.
* * *
(٩٢) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾: جمع نِكْثٍ بالكسر، وهو ما نُقِضَ من الغزلِ، والنَّكْثُ بالفتح مصدر، وهما كالنَّقض والنِّقض، والقَطف والقِطف، والذَّبح والذِّبح؛ أي: ولا تنقضوا ما عاهدْتُم اللَّهَ عليه، فيكونَ مَثَلُكم كمثلِ امرأةٍ تُبْرِمُ غزلَها، حتى إذا قَوِيَ (١) عادَتْ عليه فنقضته (٢)، وهذا قبيحٌ لا يخفى عليكم قبحُه.
قال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في امرأة حمقاء من قريش، يقال لها: رائطة (٣).
وقال مقاتلٌ: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد بن مناة بن تيم، وكانت تُلقَّب بجعدة (٤).
стр. 4579
وكانت اتَّخذَتْ مغزلًا بمقدار ذراع، وفلكةً على قَدْرها، وكانت لها جوارٍ تأمرهُنَّ من الغداة إلى نصف النَّهار بغزل الصُّوف، فإذا انتصفَ النَّهار أمرتهنَّ بنقض ما غزلْنَ، فهذا كان دأبَها، فضربَ اللَّهُ تعالى بها مَثَل ناقض العهد (١).
وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: الدَّخَلُ: ما أُدخِلَ على الشَّيء للفساد.
والمعنى واللَّه أعلم: تَدخلون في الأيمان للغرور، وهو إفساد، ومن نيَّتكُم الغدرُ بمن حلفتُم لهم.
وقيل: الدَّخَل: الدَّغَلُ والخديعة.
وقيل: الغِلُّ والغِشُّ.
وقيل: هو أن يكون داخلُ القلب على الجفاء، والظَّاهرُ على الوفاء.
وقيل: معناه: أن تحلفوا غيرَ معتقدين للوفاء بما حلفْتُم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: أخبر بالسَّببِ الذي يفعلون هذا لأجلِه، فقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: من أجلِ أنَّ طائفةً من النَّاس يكونون أكثرَ عددًا من طائفةٍ أخرى، ويكونون أكثرَ أموالًا، وأزيدَ أسبابًا في القوَّة والمال، فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسَّعة في الدُّنيا في أعدائكم من المشركين. وهذا لمن دخل في الإسلام ونافقَ أهلَه ليستعين بهم ويتَّسع (٢) في
стр. 4580
أسباب الدُّنيا، ويظفر على أعدائه، وإذا لم يحصل ذلك عاجلًا نقضَ العهدَ وارتدَّ إلى الكفَّار؛ لِمَا يرى من كثرة عددِهم وأموالِهم، فنهاهم أن يكون دخولهم في الإسلام على هذا القصد، فيكونوا قد اتَّخذوا إسلامهم دَخلًا خديعةً للمسلمين، لا إخلاصًا في الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: أي: يُجري أحوالَ المؤمنين في بعض الأوقات على الضَّعف والقِلَّة والنُّقصان ليختبرهم؛ أي: يعاملَهم معاملةَ المختبِر ليظهَرَ صبرُهم فيجازيَهم عليه أحسنَ الجزاء، وهو لا محالة ينصرهم ويُظفِرهم بعدوِّهم ويُطيِّب لهم عيشهم، وله ذلك في عباده (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: أي: ليميزَنَّ المحِقَّ من المبطِل يوم القيامة، فيثيبَ المحقَّ ويعاقب المبطل، وهذا وعدٌ لهم على حفظ العهد واليمين، وعلى الصَّبر على الشِّدة، وعلى الثَّبات على الدِّين.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ لكلِّ قومٍ عهدٌ مخصوصٌ عاهدوا اللَّه عليه، وهم مطالبون بالوفاء بعهدِه؛ فالزَّاهدُ عاهدَه ألَّا يرجعَ إلى الدُّنيا، فإذا رجع إلى ما تركَه منها فقد نقضَ عهدَه ولم يفِ به، والعابدُ عاهدَه في ترك الهوى، والمريدُ عاهدَه في ترك العادة، والعارفُ عاهدَه في التَّجرُّدِ له وإنكارِ ما سواه، والمحبُّ عاهدَه في القول بتركِ نفسِه معه بكلِّ وجهٍ.
فكلٌّ منهم مأمورٌ بالوفاء بعهدِه، منهيٌّ عن نقضِه، ومَن نقضَ عهدَه فقد هدمَ بفعلِه ما أسَّسَه لنفسه (٢)، وقلعَ بيده ما غرسَه، وكان كما قال أوَّلًا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ الآية.
стр. 4581
وإنَّ السالكَ إذا وقعَتْ له فترةٌ، والمريدَ إذا حصلَتْ له في الطَّريق وقفةٌ، والعارفَ إذا حصلَتْ له حجبةٌ، والمحبَّ إذا استقبلَتْه فُرقةٌ = فهي محنٌ عظيمة، ومصائبُ فجيعة (١).
* * *
(٩٣) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملَّة واحدة، وهي الإسلام.
﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن علمَ منه اختيارَ الضَّلال أضلَّه، ومَن علمَ منه اختيارَ الهداية هداه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: يوم القيامة، فتُجزَون به.
وقال القشيريُّ ﵀: لو شاء اللَّه سعادتهم لرحمهم، وعن المعاصي عصمهم، ودوامَ ذكرِه ألهمهم، ولكن سبقَتِ القسمةُ فجاءت القسوة والغيبة (٢).
وما أحسنَ ما قالوا:
شكا إليكَ ما وَجَدْ... مَنْ خانَهُ فيك الجَلَدْ
حيرانُ لو شِئْتَ اهتَدَى... ظمآنُ لو شِئْتَ وَرَدْ (٣)
стр. 4582
(٩٤) - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أي: لا تَعْقِدوا الإيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم، كما قال (١):
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: مجازٌ عن الصيرورة من الأمن إلى الخوف، ومن الرُّشد إلى (٢) الغيِّ، ومن الصَّواب إلى الخطأ، ومن الحقِّ إلى الباطل.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: بما ينالكم في الدُّنيا من السُّوء على أيدي المؤمنين.
﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: أعرضْتُم عنه، من الصُّدود، ومنعْتُم عنه غيركم، من الصَّدِّ.
﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في الآخرة، مع ما ينالكم من السُّوء في الدنيا.
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي: ولا تستبدلوا بنقض العهد واليمين عوضًا يسيرًا، وهو عرَض الدُّنيا، فإنَّه يسيرٌ خسيسٌ فانٍ، والثَّوابُ بحفظ العهود واليمين باقٍ، وهو قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: تنتفعون بالعلم.
стр. 4583
(٩٦) - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾: أي: يفنى ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾: لا يفنى، فلا تنقضوا العهد واليمين طمعًا في المال الذي عندكم وهو ممَّا يفنى، فيفوتَكم الثَّوابُ الذي عند اللَّه تعالى وهو باقٍ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: على حفظ العهد واليمين، وتَحَمُّلِ المشقَّة والفاقة.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: بأحسنِ أعمالِهم التي كانوا يعملونها في الدُّنيا، وهي ما عملوه في حال إسلامِهم، فإذا جزاهم بها (١) الجنَّة، فلا شكَّ أنَّه قد غفر لهم ما كان منهم من الشِّرك، ومن الذُّنوب في الإسلام.
وقيل: نزلَتْ الآيةُ في عَيدان بن الأشوع (٢) الحضرمي، وامرئ القيس الكندي (٣)، وقد ذكرنا ذلك في (سورة آل عمران) (٤).
وقال القشيريُّ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾: ما كان عندكم أو منكم أو بكم فأفعالٌ معلولة، وأحوالٌ مدخولة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فثوابٌ مقيم، ونعيمٌ عظيم، ما منكم من
стр. 4584
معارفكم ومحابِّكم آثار متعاقبة، وصفات متناوبة، أعيانُها غير باقية، وإن كانت أحكامها غير باطلة، والذي هو وصف الحقِّ من رحمته بكم ومحبَّته لكم وثنائه عليكم فصفات أزليَّة، ونعوت سرمديَّة (١).
وقال في قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: جزاء الصَّبر الفوزُ بالطلبة (٢) والظَّفر بالبُغية، والطَّلبات مختلفة (٣).
* * *
(٩٧) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: يتَّصلُ بقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾.
نبَّههم على أنَّ التَّوسُّع في الدُّنيا ليس يحصل به في الحقيقة طيبُ عيشٍ إلَّا للمؤمنين؛ لئلا يدعوهم الطَّمعُ في المال إلى نقض العهد، ثم العملُ الصَّالح لا يكون من غير المؤمن، وإنَّما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: بيانًا أنَّ معناه: مَن عمل صالحًا في الحال وهو مؤمن في المآل؛ لأنَّ اعتبار (٤) صفاء الحال بوفاء المآل، والأمور بخواتيمها.
قال القشيريُّ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّق بأنَّ عملَه الصَّالح بتوفيق اللَّه تعالى (٥).
стр. 4585
وقيل: أي: مصدِّقٌ بأنَّ نجاته بفضل اللَّه لا بفعله.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: فلنُطيِّبنَّ عيشَه، وذلك بوجوهٍ:
قد يكون بالقناعة. وهو معنى قول الحسن (١).
وقد يكون بفتح بلاد الكفر وتوسُّعهم بالغنائم.
وقد يكون بتعريفه وجوه طيب الكسب واكتسابه من ذلك الوجه، خلاف كسب المشركين الحرام. وهذا معنى قول ابن عبَّاس ﵄ (٢).
وقيل: هو أن يَعملَ بطاعةِ اللَّه، فتكون حياتُه طيِّبةً في الحقيقة؛ لأنَّها تُؤَدِّيه إلى رضوان اللَّه، بخلاف عيش الكافر.
وقال القشيريُّ: الطَّيِّبُ لا يُعرَف بالنُّطق بل بالذَّوق، فقومٌ قالوا: هو حلاوة الطَّاعة، وقوم قالوا: هو صدق القناعة، وقال قوم: هو الرِّضى، وقال آخرون: هو لَذاذةُ النَّجوى، وقيل: هو نسيم القُرب، والكلُّ صحيحٌ، ولكلِّ واحدٍ أهلٌ.
وقيل: الحياة الطَّيِّبةُ ما يكون مع المحبوب، وفي معناه أنشدوا:
نحن في أكمل السُّرور ولكن... ليس إلَّا بكم يتمُّ السُّرور
عيبُ ما نحنُ فيه يا أهلَ ودِّي... أنكم غُيَّبٌ ونحنُ حضورُ
وقيل: الحياة الطَّيِّبة للأولياء ألَّا يتركَ لهم سؤالًا إلَّا حقَّقه، ولا مأمولًا إلَّا صدَّقه، وأمَّا الخواصُّ فالحياة الطَّيِّبة لهم ألَّا يكون لهم سؤال ولا حاجة ولا إرب
стр. 4586
ولا مطالبة، وكم بينَ مَن له مرادٌ فيرتفعُ، وبين مَن لا إرادة له، الأوَّلون قائمون بشرط العبوديَّة، والآخرون معتَقون بشرط الحريَّة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: جَمَع بعد التَّوحيد صرفًا إلى المعنى؛ لأنه جنس.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: قد فسَّرناه الآن، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسولَ اللَّه فحفظوا عهودهم، وهذا في كلِّ مؤمنٍ عمل صالحًا.
* * *
(٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: وانتظامها بالأولى أنَّه قال: ﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو العملُ بما في أحسنِ الحديث، وهو القرآن.
وقيل: هو متَّصل بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: فإذا أردْتَ قراءة القرآن، كما في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: إذا أردتم القيام إليها، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: إذا أردتم تطليق النِّساء.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: أي: فامتنِعْ به واعتصِمْ، وقد فسَّرنا العياذ ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ هو في أوَّل الكتاب.
* * *
стр. 4587
(٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدقوا اللَّهَ في وعدِه ووعيدِه.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: في دفعِ وساوسِ الشَّيطان، وتفويض الأمور كلِّها إلى اللَّه، والتَّبرُّؤ عن الشِّرك.
* * *
(١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: إنَّما تعملُ وسوستُه وتنفذُ دعوتُه إلى الضَّلال على الذين يتولَّون الشَّيطان، فيجعلونه عمدةً لهم، ويرجون نصره وعونه، ويتوقَّعون كفايته، وينقطعون إليه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أي: بسبب الشَّيطان مشركون باللَّه، والهاء على هذا راجعٌ إلى الشَّيطان. وهو قول الرَّبيع بن أنس (١).
وقال الضَّحَّاك: ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: باللَّه مشركون (٢).
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ. . . وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وفي جملتها: أنَّه يتسلَّطَ على كلِّ مَن أقبل إليه، لا على مَن أدبرَ عنه.
وقال القشيريُّ: شيطانُ كلِّ أحدٍ ما شغلَه عن ربِّه، فمَن تسلَّط عليه نفسه حتى
стр. 4588
شغلَتْه عن ربِّه، ولو بشهود طاعته، أو استحلاء طاعته، أو ملاحظةِ حاله، فذلك شيطانه، والواجب عليه أن يستعيذَ باللَّهِ من شرِّ نفسِه، وشرِّ كلِّ ذي شرٍّ (١).
* * *
(١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: ناسخةً بآيةٍ منسوخة.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: هو اعتراض الكلامِ قبلَ التَّمام، وهو من محاسن الكلام؛ أي: واللَّه أعلم بمصالح العباد، وبما ينزلُ من النَّاسخ والمنسوخ.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: أي: متقوِّلٌ من نفسك، تكذبُ على اللَّه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنَّ النَّاسخ والمنسوخَ كلاهما من اللَّه.
وقيل: لا يعلمون حسنَ النَّسخ وجوازَه، بما فيه من الحكمة والمصلحة.
* * *
(١٠٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي: قلْ لهم يا محمَّد: إنَّما أنزلَ القرآنَ كلَّه ناسخَه ومنسوخه ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾، وهو جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: من عند اللَّه ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصَّواب ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليتدبَّره الذين آمنوا باللَّه،
стр. 4589
فيصدِّقوا بالنَّاسخ كتصديقهم بالمنسوخ، ويعتقدوا أنَّ الكلَّ حقٌّ في وقته، فيوفِّقَهم اللَّهُ للثَّبات على الإيمان، وليكونَ ما ينزِّله هدًى للمؤمنين إلى طريق الحقِّ، وبشارةً بالجنَّة إذ عملوا بالطَّاعة في الحالين.
* * *
(١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: يقول اللَّه تعالى: لا يخفى علينا قولهم: إنَّما يعلِّم محمَّدًا هذا المتلوَّ بشرٌ.
قيل: أرادوا به جَبْرًا، وقيل: يسارًا (١)، وكانا غلامين لابن الحضرميِّ يهوديَّين.
قال أبو رَوْق عن الضَّحاك: نزلَتْ في عبيدٍ لأهل مكَّة، منهم يعيش وسلمان وجبر ويسار. (٢)
وقال السُّدِّيُّ: كان بمكَّة رجلٌ نصرانيٌّ يقال له: أبو ميسرة، يتكلَّم بالروميَّة، فربَّما يقعد إليه رسولُ اللَّه ﷺ (٣).
وقيل: هو نصرانيٌّ حدَّاد بمكَّة يُسمَّى: بلعام؛ روى مجاهدٌ عن ابن عبَّاس
стр. 4590
قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعلِّم قينًا بمكَّة يُسمَّى بلعام، وكان أعجمي اللِّسان، فكان المشركون يرون رسول اللَّه ﷺ حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ أي (١): بلعام، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).
وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: أي: يُميلون إليه القرآنَ ليس بعربيٍّ.
﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: وهذا القرآن منظومٌ بالعربيَّة.
* * *
(١٠٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بالقرآن ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ ما داموا مختارين للكفر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على شركهم في الآخرة.
* * *
(١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾: أي: على اللَّه ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الكافرين؛ يعني (٣): أنَّ المستَحقَّ لاسم المفتري هم لا أنت.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ كذلك.
* * *