ولا مطالبة، وكم بينَ مَن له مرادٌ فيرتفعُ، وبين مَن لا إرادة له، الأوَّلون قائمون بشرط العبوديَّة، والآخرون معتَقون بشرط الحريَّة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: جَمَع بعد التَّوحيد صرفًا إلى المعنى؛ لأنه جنس.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: قد فسَّرناه الآن، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسولَ اللَّه فحفظوا عهودهم، وهذا في كلِّ مؤمنٍ عمل صالحًا.
* * *
(٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: وانتظامها بالأولى أنَّه قال: ﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو العملُ بما في أحسنِ الحديث، وهو القرآن.
وقيل: هو متَّصل بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: فإذا أردْتَ قراءة القرآن، كما في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: إذا أردتم القيام إليها، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: إذا أردتم تطليق النِّساء.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: أي: فامتنِعْ به واعتصِمْ، وقد فسَّرنا العياذ ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ هو في أوَّل الكتاب.
* * *
стр. 4587
(٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدقوا اللَّهَ في وعدِه ووعيدِه.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: في دفعِ وساوسِ الشَّيطان، وتفويض الأمور كلِّها إلى اللَّه، والتَّبرُّؤ عن الشِّرك.
* * *
(١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: إنَّما تعملُ وسوستُه وتنفذُ دعوتُه إلى الضَّلال على الذين يتولَّون الشَّيطان، فيجعلونه عمدةً لهم، ويرجون نصره وعونه، ويتوقَّعون كفايته، وينقطعون إليه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أي: بسبب الشَّيطان مشركون باللَّه، والهاء على هذا راجعٌ إلى الشَّيطان. وهو قول الرَّبيع بن أنس (١).
وقال الضَّحَّاك: ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: باللَّه مشركون (٢).
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ. . . وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وفي جملتها: أنَّه يتسلَّطَ على كلِّ مَن أقبل إليه، لا على مَن أدبرَ عنه.
وقال القشيريُّ: شيطانُ كلِّ أحدٍ ما شغلَه عن ربِّه، فمَن تسلَّط عليه نفسه حتى
стр. 4588
شغلَتْه عن ربِّه، ولو بشهود طاعته، أو استحلاء طاعته، أو ملاحظةِ حاله، فذلك شيطانه، والواجب عليه أن يستعيذَ باللَّهِ من شرِّ نفسِه، وشرِّ كلِّ ذي شرٍّ (١).
* * *
(١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: ناسخةً بآيةٍ منسوخة.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: هو اعتراض الكلامِ قبلَ التَّمام، وهو من محاسن الكلام؛ أي: واللَّه أعلم بمصالح العباد، وبما ينزلُ من النَّاسخ والمنسوخ.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: أي: متقوِّلٌ من نفسك، تكذبُ على اللَّه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنَّ النَّاسخ والمنسوخَ كلاهما من اللَّه.
وقيل: لا يعلمون حسنَ النَّسخ وجوازَه، بما فيه من الحكمة والمصلحة.
* * *
(١٠٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي: قلْ لهم يا محمَّد: إنَّما أنزلَ القرآنَ كلَّه ناسخَه ومنسوخه ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾، وهو جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: من عند اللَّه ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصَّواب ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليتدبَّره الذين آمنوا باللَّه،
стр. 4589
فيصدِّقوا بالنَّاسخ كتصديقهم بالمنسوخ، ويعتقدوا أنَّ الكلَّ حقٌّ في وقته، فيوفِّقَهم اللَّهُ للثَّبات على الإيمان، وليكونَ ما ينزِّله هدًى للمؤمنين إلى طريق الحقِّ، وبشارةً بالجنَّة إذ عملوا بالطَّاعة في الحالين.
* * *
(١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: يقول اللَّه تعالى: لا يخفى علينا قولهم: إنَّما يعلِّم محمَّدًا هذا المتلوَّ بشرٌ.
قيل: أرادوا به جَبْرًا، وقيل: يسارًا (١)، وكانا غلامين لابن الحضرميِّ يهوديَّين.
قال أبو رَوْق عن الضَّحاك: نزلَتْ في عبيدٍ لأهل مكَّة، منهم يعيش وسلمان وجبر ويسار. (٢)
وقال السُّدِّيُّ: كان بمكَّة رجلٌ نصرانيٌّ يقال له: أبو ميسرة، يتكلَّم بالروميَّة، فربَّما يقعد إليه رسولُ اللَّه ﷺ (٣).
وقيل: هو نصرانيٌّ حدَّاد بمكَّة يُسمَّى: بلعام؛ روى مجاهدٌ عن ابن عبَّاس
стр. 4590
قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعلِّم قينًا بمكَّة يُسمَّى بلعام، وكان أعجمي اللِّسان، فكان المشركون يرون رسول اللَّه ﷺ حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ أي (١): بلعام، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).
وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: أي: يُميلون إليه القرآنَ ليس بعربيٍّ.
﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: وهذا القرآن منظومٌ بالعربيَّة.
* * *
(١٠٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: بالقرآن ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ ما داموا مختارين للكفر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على شركهم في الآخرة.
* * *
(١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾: أي: على اللَّه ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الكافرين؛ يعني (٣): أنَّ المستَحقَّ لاسم المفتري هم لا أنت.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ كذلك.
* * *
стр. 4591
(١٠٦) - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾: قيل: هو متَّصل بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، والصَّحيح أنَّه مبتدأ، ومعناه: الذين كفروا باللَّه بعد إيمانهم.
و ﴿مَنْ﴾ هاهنا للجمع؛ لأنَّه جنسٌ، فيصلح للجمع.
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: هو استثناء منهم؛ يعني: إلَّا مَن أُجبِرَ على الكفر ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: ساكن به، معتقِد له، فإنَّه ليس في حكمِهم.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وتقدير الآية على التَّقديم والتَّأخير: الكافرون باللَّه بعد إيمانهم به الشَّارحون لقَبول الكفر واعتقاده صدورًا فعليهم غضب من اللَّه ولهم عذاب عظيم إلَّا مَن أُكِرَه على الكفر؛ فإنَّه لا يستحقُّ غضبَ اللَّه والعذابَ العظيم.
وقيل: هذان ابتداءان ولهما جواب واحد:
أحدهما: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾.
والثَّاني: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾.
وجوابُهما: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، وهو كقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ. . . لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] جوابهما (١).
وقيل: نزلت الآية في عمَّار بن ياسر، خرج مهاجرًا إلى رسول اللَّه ﷺ مع جماعة، فأخذهم كفَّار مكَّة، وقالوا: إنكم تريدون محمَّدًا، وعذَّبوهم، وأكرهوهم
стр. 4592
على الكفر، فصبر بعضهم حتى قُتِلَ، وتكلَّم عمَّار بما أكرهوه عليه وقلبُه مطمئن بالإيمان، فخلَّوا عنه، فلمَّا قدم على رسول اللَّه ﷺ أخبره بذلك، فنزلت الآية، وقال له النَّبيُّ ﷺ : "إن عادوا فعد" (١).
وقيل: في قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]: هو أن يُكرَه عليه، فهو عذرُه وبرهانُه.
وقيل: نزلَتْ في عيَّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرَّضاعة، وأبي جندل بن سهيل بن عَمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد اللَّه بن أسيد الثَّقفي، وهم المستضعَفون بمكَّة، وهم الذين كان النَّبيُّ ﷺ يقنُتُ لأجلهم في الفجر: "اللَّهم اشددْ وطأتَك على مضر، واجعلها عليهم سنينَ كَسِنِي يوسفَ" (٢)، وفيهم نزل بعد هذا: ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فتَنهم (٣) الكفَّار عن دينهم، فأبوا وصبروا، فأثنى اللَّه عليهم (٤).
* * *
стр. 4593
(١٠٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾: أي: ذلك الغضب والعذاب بأنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: آثروا الحياة الدنيا ﴿عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ما داموا مختارين للكفر.
* * *
(١٠٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: فلا يتدبَّرون ولا يتفكَّرون، وهذا عقوبةٌ لهم على إصرارهم، وخذلانٌ لهم لميلِهم إلى الكفر واختيارهم.
﴿وَسَمْعِهِمْ﴾: فلا تصغي إلى المواعظ.
﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾: فلا تبصر طريق الرَّشاد، ولا تَعتبر بما تشاهد من عجائب الخليقة.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أي: المتغافلون عن آيات اللَّه، كأنَّهم لم يأتهم شيءٌ من هذا.
* * *
(١٠٩) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: حقًّا، أو كلمةُ ﴿لَا﴾ نفيٌ لقولهم، و ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسَبَ فعلُهم لهم خسرانَ الآخرة، ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]؛ أي: أهلكوها وباعوها بعرض الدُّنيا فغبَنوها.
* * *
стр. 4594
(١١٠) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: من مكَّة إلى المدينة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عُذِّبوا بمكَّة وأُكرِهوا على الكفر ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ المشركين بعد الهجرة ﴿وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: أعاد كلمة ﴿إِنَّ﴾ بعد ما ذكرها مرَّة لطول الكلام.
﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: أي: من بعد هذه الفعلة، أو بعدِ هذه الأفعال.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفرَ لهم ما كان منهم في حالة الفتنة (١) من التَّكلُّم بكلمة الكفر، ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يعذِّبُهم على ما قالوه حالةَ الإكراه.
* * *
(١١١) - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: قيل: معناه: اذكروا (٢) يوم تأتي.
وقيل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾.
﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾: أي: تحتجُّ وتخاصِمُ عن نفسِها فيما كانت تعتقده من دين، كما قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ الآية [الأحزاب: ٦٧]، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] يقول: تجادل، ولا ينفع الكافرَ جدالُه.
стр. 4595
وقوله تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: بل يتمُّ (١) لها جزاء ما كسبَتْ، وهم لا يُعاقَبون بغير ذنبٍ.
وقيل: معنى قوله: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: لا تتفرَّغ للجدال عن غيرها، ولا للشَّفاعة له، ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] من خيرٍ وشرٍّ، وهم لا ينقصون من جزائِهم شيئًا.
وفي "تفسير أبي القاسم بن حبيب": أنَّ إحدى النَّفسَين في هذه الآية الرُّوح، قال: إنَّ النَّفس والرُّوح يجيئان يوم القيامة بين يدي اللَّه تعالى فيختصمان، فتقول النَّفسُ للرُّوح: كنْتُ كالثَّوب المُلْقَى ما لم تدخل فيَّ، لم اقترف ذنبًا. وتقول الرُّوح للنَّفس: كنْتُ مخلوقةً قبلَكِ بدهورٍ، لم أدرِ ما الذَّنب إلى أن دخلْتُ فيك.
فتورَّكُ كلُّ واحدةٍ منهما على صاحبتها (٢)، فيمثِّلُ اللَّهُ لهما أعمى ومقعدًا، وكَرْمًا على جداره عنب، والنَّاس ينظرون، فيقولون لهما: مُرَّا فاقتطفا من هذا العنب، فيقول الأعمى: أنا لا أبصره، ويقول المقعد: لا رِجلَ لي فأمشيَ إليه، فيقال للمقعد: اركبْ على عاتق الأعمى، فيحملُه الأعمى حتى يقتطفَ المقعدُ العنبَ.
فيقول اللَّه لهما: هذا مَثَلكما جميعًا (٣)، فكما صار العنب مقطوفًا بهما جميعًا، فكذلك الذَّنب صار موجودًا منكما جميعًا. وقد روي معنى هذا الخبر (٤).
* * *
стр. 4596
(١١٢) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾: لَمَّا عذَّبَ أهلُ مكَّة المسلمين، وأكرهوهم على الكفر على ما ذكرنا، دعا النَّبيُّ ﷺ في قنوت الفجر عليهم فقال: "اللَّهمَّ اشدُدْ وطأتك على مضر، وخذهم بسنين كسني يوسف" (١).
فابتلاهم اللَّه بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِز، وهو الوبرُ يُخلَط بالدَّم والقُرَاد ثمَّ يُؤكَل، فذكر اللَّه تعالى ذلك فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾؛ أي: بيَّنَ اللَّهُ شبَهًا لمكَّةَ وأهلِها ﴿قَرْيَةً﴾ بدلًا عن ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: وصفَ وبيَّن قريةً، وهي مكَّة.
﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾: لا يخافُ أهلُها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾: ساكنة، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: تُحمَل إليها الأطعمةُ والثِّمار من كلِّ مكان بالبلاد (٢).
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: أي: كفرَ أهلُها نعمَ اللَّه.
قيل: الأنْعُمُ: جمع نُعْمى بالضَّم، كالبُؤْسى والأبؤس.
وقيل: جمع نِعمة، كالأَشُدِّ جمع الشِّدة.
وقيل: جمع النَّعماء، كالأَبْؤُس جمع البأساء.
стр. 4597
فأزال اللَّهُ عنهم النِّعم بالكفر (١).
قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أي: ابتلاهم اللَّهُ بالجوع والخوف بصنيعهم.
والذَّوقُ: مجازٌ عن الإصابة كالنَّيل، قال اللَّه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]، وقال: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢)، وقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨].
وقال الشَّاعر:
وإنَّ اللَّهَ ذاقَ حُلُومَ قيسٍ... فلمَّا راءَ خفَّتها قلاها (٣)
وهو في معنى: وَجَدَ.
ويقال: قد ذُقْتُ حُلوًا، وذُقْتُ مُرًّا.
وكان الحسنُ يذهب بالإذاقة إلى تقديم بعض العذاب قبل الاستئصال، كما قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١].
وكذلك ذوق المطاعم (٤)، وأمَّا اللِّباس فعلى مجازِ قولهم: ألبسَكَ اللَّهُ العافية، وقد تُستعمَل في الاختلاط، كما قال النَّابغةُ الجَعْديُّ:
стр. 4598
لبسْتُ أناسًا فأفنيْتُهُمْ... وأفنيْتُ بعدَ أناسٍ أناسًا (١)
وعلى هذا قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل: معنى اللِّباس في الجوع: أنَّه ظهر عليهم من الهزال وتغيُّر الَّلون وسوء الحال ما هو كاللِّباس، وفي حقِّ الخوف كذلك.
ويحتمل أن يكون اللِّباس هاهنا مصدرًا في معنى الملابسة؛ أي: أذاقَها اللَّه ملابسةَ الجوع والخوف.
* * *
(١١٣) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ وهو مِن أجلِّ النِّعم؛ لأنَّهم قد عرفوا مَولِدَهُ ومنشأَه وهديَه وأمانتَه، فيكون أقربَ لهم إلى تصديقِه والاهتداءِ به، فلم يعرفوا حقَّ هذه النعمة ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدُّنيا ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسَهم، جائرون عليها.
وقيل: في ضرب المثل بمكَّة عبرةٌ لغيرها من البلاد التي يسلكُ أهلُها طريقَهم في الكفر وتكذيب النَّبيِّ ﷺ .
يقول: لَمَّا تلقَّى أهلُ مكَّةَ نعمَ اللَّه تعالى بالكفر امتُحِنوا بالجوع والخوف، مع محلِّهم من المجاورة ببيت اللَّه وعمارة مسجده وغير ذلك، فغيرُهم ممَّن لا حرمةَ لهم كحرمة أهلِ مكَّة أولى بذلك.
* * *
стр. 4599
(١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: قيل: ﴿فَكُلُوا﴾ معاشر المشركين من غير أهل مكَّة ممَّا رزقكم اللَّه حلالًا طيبًا ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وذلك أنَّهم مع عبادة الأصنام كانوا يدَّعون أنَّهم يعبدون اللَّه تعالى، فقيل: إن كان هذا (١) كما تدَّعون فلا تحرِّموا طيِّبات ما أحلَّ اللَّهُ لكم؛ أي: بجعلِ بعضِ زروعِكم وأنعامِكم لأصنامكم؛ لأنَّه ممَّا (٢) لم يَشْرعْه اللَّه تعالى، والتزِموا ما شرعَه اللَّه تعالى دون ما شرعَه الشَّيطان.
وقيل: أي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ على ما يؤديه محمَّدٌ ﷺ إليكم عن اللَّه ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فلا تكذِّبوه.
وقيل: كان رسولُ اللَّه ﷺ وجَّهَ إلى أهل مكَّةَ في سِنِي القَحطِ بطعامٍ، ففُرِّقَ فيهم، فقال اللَّهُ لهم بعدَ أن وصفَ أنَّه أذاقَهم الجوع: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ على يدي محمَّد ﷺ ، ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ بدلًا عمَّا كنْتُم تأكلونه محرَّمًا خبيثًا من الأموال الخبيثة (٣) المأخوذة بالغارات والغصوب (٤) وخبائث الكسوب.
* * *
(١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: هو ما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، وقد فسَّرناها هنالك.
وكان ذلك التَّحريمُ تغليظًا عليهم لظلمِهم وبغيهم، كما قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقال هاهنا:
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بكفران النِّعم.
* * *
(١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: أعرِّفك يا محمَّد بعدَ بيان حكم المشركين أنِّي لكلِّ مَن عمل ذنبًا بكونه جاهلًا، ثمَّ تاب عنه، وندمَ عليه، وعزم على (١) ألَّا يعود إليه، وأصلح العمل في المستأنف، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد العمل -وما قال في الآية المتقدمة (٢): ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾؛ أي: بعد الجهالة، وقيل: بعد
стр. 4602
الغفلة- فإنِّي غفورٌ له أسترُ ما مضى من معاصيه، ورحيمٌ أرحمُه (١) فلا أعذِّبه؛ أي: فتوبوا أيَّها المشركون؛ أي: المفترون، فتُقبَلَ توبتكُم ويُغفَرَ لكم.
و ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أُعِيدَ لطولِ الكلام ووقع الفصل.
وقال مقاتل بن سليمان: نزلَتْ الآية في جبر مولى عامر بن الحضرميِّ، أكرهَه سيِّدُه على الكفر بعد الإسلام (٢)، ثمَّ ندم وتاب (٣).
وقال مجاهدٌ: نزلَتْ في أناسٍ ارتدُّوا عن الإسلام، ثمَّ تابوا وآمنوا، فقبلَ اللَّهُ توبتَهم وإيمانَهم (٤).
* * *
(١٢٠) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾: أمرَ بالشُّكر في الآية الأولى، ومدح إبراهيم بالشُّكر في هذه الآية.
ونظمٌ آخر: أنَّ اللَّه رغَّب المشركين في اتِّباع أبيهم إبراهيم، الذي به فخرُهم، وببيت (٥) اللَّه الذي بناه عندهم، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾؛ أي: إمامًا يُقتدَى به.
وقيل: أي: كان بنفسه وحده يأتي بالخيرات التي تكون من أمَّة تامَّة.
стр. 4603
﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾؛ أي: مطيعًا مواظبًا على طاعته.
﴿حَنِيفًا﴾: عادلًا عن الباطل، مستقيمًا على منهاج الحقِّ.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: لم يكن دينه ما تَدينون به أيُّها المشركون.
* * *
(١٢١) - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾: بإخلاصِ العبادة له.
﴿اجْتَبَاهُ﴾: أي: اختارَه واختصَّة لنفسه واصطفاه.
﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أرشدَه إلى طريق الحقِّ المفضي إلى الجنَّة.
* * *
(١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: قال الحسنُ: أي: النُّبوَّة (١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: أي: الصَّلاة عليه على لسان هذه الأمَّة في صلواتهم (٢).
وقيل: الخُلَّة.
وقيل: هو أنْ جعلَ محمَّدًا ﷺ من ذرِّيَّته وعلى ملَّته.
وقال قتادة: ليس من أهل دين إلَّا وهو يتولَّاه ويرضاه مقتديًا به (٣).
وقيل: هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ حالة جميلة، فيتناول كلَّ خصائصه المذكورة في النُّصوص.
стр. 4604
وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ حتى كان لنا بالكليَّة، ولم يكن فيه لغيرنا بقيَّة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: في عداد مَن يأتي وقد انتفى عنه وعن أعماله الفساد، فاستحقَّ كلَّ منزلة رفيعة ودرجة عالية، وقد فسَّرناه في (سورة البقرة) بأتمَّ من هذا.
وقيل: سمَّاه أمَّةً تسليةً للنَّبيِّ ﷺ في كثرة المكذِّبين به من قومِه؛ إذ كان إبراهيمُ أمَّة وحده (٢) في الإيمان، لم يكن معه غيره، ثم كثَّرَ اللَّهُ ذرِّيَّتَه، وكان منهم الأنبياء إلى قيام السَّاعة، فكذا يفعل اللَّهُ بك في تكثير أمَّتك ونشر دعوتك.
* * *
(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: مدحَه اللَّه بخمسةِ أشياء: سمَّاه أمَّة، قانتًا للَّه، حنيفًا، غيرَ مشركٍ، شاكرًا.
وأكرمه بخمس كرامات: اجتباه، وهداه، وآتاه حسنة الدُّنيا، وكرامة الآخرة، وأمر محمَّدًا ﷺ باتِّباع ملَّته.
ثم الأمرُ بالاتِّباع لا يدلُّ على أنَّه دون إبراهيم في الفضيلة، بل هو ﷺ أفضلُ الأنبياء، وإنَّما أُمر باتِّباع إبراهيم في هذه الآية، وباتِّباع كلِّ الأنبياء المتقدِّمين في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]؛ لأنَّهم سبقوه، والاتِّباع هو سلوكُ سبيل المتبوع، فكان اتِّباعُه لهم لمجيئِه بعدَهم، لا لكونه دونهم.
стр. 4605
(١٢٤) - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: ونظمُها بالأولى: أنَّ اللَّه تعالى أمر محمَّدًا ﷺ باتِّباع إبراهيم، وأمر أمَّته بذلك أيضًا بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]، وفي متابعة الأنبياء رحمةٌ وراحة، وفي مخالفتهم والاختلافِ عليهم محنةٌ وفتنة، كما كان لأصحاب السَّبت.
وفي الآية وجوهٌ أصحُّها (١) وأوضحها ما حكاه الإمام أبو منصور ﵀ فقال: قال بعضُهم: إنَّ موسى أمرَ بني إسرائيل أن يتفرَّغوا في كلِّ سبعة أكَلام يومًا للعبادة، وهو يوم الجمعة، ويتركوا فيه عمل دنياهم، فقالوا: نتفرَّغ يوم السَّبت؛ فإنَّ اللَّه تعالى لم يخلق يوم السَّبت شيئًا، فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم به نبيُّكم فخذوا به، فذلك اختلافهم فيه، فجُعل لهم يوم السَّبت على ما سألوا، فاستحلُّوا فيه المعاصي (٢).
فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فتنة ومحنة (٣)، ولو اتَّبعوا نبيَّهم ولم يختلفوا عليه لم يُشدَّد عليهم هذا التَّشديد، ولم يقعوا فيما وقعوا فيه.
وقال الحسن وقتادة: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾؛ أي: إنما لُعِنوا في السَّبت
стр. 4606
ومُسِخوا قردة وخنازير ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وكان اختلافُهم أنَّه حرَّمَه بعضُهم واستحلَّه بعضُهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: يميِّزُ المحقَّ من المبطِل بالثَّواب والعقاب.
* * *
(١٢٥) - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: ادع يا محمَّد النَّاس إلى سلوك الطَّريق الذي هو يؤدِّي إلى طاعة ربِّك، وكلُّ ما أضافه اللَّه إلى نفسه فذلك دليلُ تشريفه وتفضيله، كبيت اللَّه، وشهر اللَّه، فكذلك سبيل اللَّه، ومعناه: تفضيلُه والحثُّ على سلوكه.
وقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: باستعمال الصِّدق والصَّواب، وبوضع كلِّ شيءٍ موضعَه، ودعاءِ كلِّ أحدٍ بما يحتملُه حالُه، ويقبلُه عقلُه، وتُرجَى به إجابتُه.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أي: وأحسِنْ وعظَ مَن تدعُوه بالتَّرغيب الجميل والتَّنبيهِ البليغ.
وقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالخصلة التي هي أجمل؛ أي: بالمحاجَّة التي ليس فيها مماراةٌ أو لجاجٌ ومكافأةٌ على قبيحٍ يقولُه الخصم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ في
стр. 4607
المجادلة لا يخفى عليه مقاصدهما فيها، فإذا أَلزَمْتَ (١) فاكتفِ به، واضبط نفسك عن المقابلة بالمخاشنة.
وقيل: نزلَتْ هذه الآية قبل نزول الأمر بالقتال، ونُسخَتْ بآية السَّيف.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: قيل: الأوَّل خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ على الخصوص، وهذا خطاب لأمَّته، وإباحةٌ لهم بالمكافأة على المساواة، والأول أمرٌ بالتَّفضُّل المحضِ.
ومعناه: إذا قال لكم الخصم: دينُكُم باطلٌ، فقولوا: بل دينُكُم باطل.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ فلم تجيبوا ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من المكافأة بالمثل.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: هذا خطاب للنَّبيِّ ﷺ على الإفراد، وهو تأكيدُ الأمر الأوَّل بالمجادلة بالتي هي أحسن.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بتوفيق اللَّه، ويحتمِل أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ خطابًا له ولهم جميعًا، والإفراد في قوله: ﴿ادْعُ﴾ ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ لِمَا أنَّه هو المخصوصُ بالأمر بالدَّعوة إلى الدِّين والجدال عليه.
стр. 4608
ثم قد يجري بين المؤمنين والمشركين كلامٌ يؤذيهم في غير الدَّعوة إلى الدِّين، فأطلق لهم المعاقبة بالمثل، وقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
ثم خصَّ النَّبيَّ ﷺ فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾؛ أي: على الدُّعاء إلى اللَّه ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بتوفيقِه، فاسأل التَّوفيق منه، ولا يكون هذا (١) نهيًا للنَّبي ﷺ عن المعاقبة بالمثل، بل يكون قوله: ﴿وَاصْبِرْ﴾ إرشادًا إلى الأفضل.
وقيل: إنها نزلَتْ في قصَّة حمزة ﵁ حين مُثِّلَ به، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لأمثِّلنَّ بثلاثينَ منهم"، فأُمر بالاقتصار على المُثْلَة بواحد منهم (٢)(٣)، ثم نُسخَت المُثْلَة (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: أي: الصَّبر، ودلَّ عليه قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾.
стр. 4609
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: على المشركين بتركهم الإيمان واستحقاقهم سخط اللَّه وعقوبته بذلك، وكان كذلك لكمال شفقته، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣].
وقيل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: على قتلى أحد، فإنَّهم وصلوا إلى رضوان اللَّه تعالى وجنَّته.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: ضيق صدر، وهو في معنى الضِّيق، كالشَّفِّ والشِّف، والرَّطل والرِّطل، بالفتح والكسر لغتان، وقرأ ابن كثير بالكسر (١).
وقيل: الضِّيق بالكسر مصدر، والضَّيق (٢) بالفتح نعت، كالهَيْنِ واللَّيْنِ، ومعناه: في أمر ضيقٍ من مكرهم؛ أي: لا يضيقنَّ بك الأمرُ لمكرهم.
وعلى الأوَّل: لا يضيقنَّ صدرُك لمكرهم، فإنَّه لا ينفذ عليك.
* * *
(١٢٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: أي: حافظُهم وناصرُهم، وأنت متَّقٍ محسنٌ فيحفظُك وينصرُك.
وقيل: هو على العموم، و ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٣)؛ أي: توقَّوا عن السَّيِّئات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾؛ أي: عاملون بالطَّاعات.
стр. 4610
وقال القشيريُّ ﵀: اتَّقوا رؤية النُّصرة من غيره، وأحسِنوا العبادة كأنَّكم ترونَه (١).
والحمد للَّه ربِّ العالمين
ربِّ أعنْ على التَّمام يا كريم، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين (٢).
* * *
стр. 4611
سورة الإسراء
стр. 4612
سورة الإسراء (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الرحمنِ الذي له الأسماءُ الحسنى، الرحيمِ الذي نزَّل الفرقان شفاءً وهدًى لمن اهتدَى.
روى أبيُّ بن كعب عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ بني إسرائيل فرقَّ قلبُه عند ذكر الوالدَين كان له قنطارٌ في الجنة، والقنطار ألفُ أوقيَّةٍ ومئتا أوقية (٢)، الأوقيةُ خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٣).
وسورةُ بني إسرائيل مكيةٌ، وهي مئةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وقيل: عشرُ آيات، الاختلاف في قوله: ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] (٤).
وهي ألفٌ وخمسُ مئةٍ وستٌّ وخمسون كلمةً، وستةُ آلافٍ وأربعُ مئة وتسعةٌ وعشرون حرفًا (٥).
стр. 4613
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر (١) تلك السورة: أنَّ في آخر تلك السورة الأمرَ بالصبر، وفي أول هذه ثمرةَ الصبر، صَبَر في اللَّه صبرًا جميلًا فأُعطي ليلةَ المعراج عطاءً جزيلًا.
وانتظام تلك السورة بهذه السورة: أن تلك السورة في بيان آيات (٢) وحدانية اللَّه تعالى، وبيانِ نعمه، وفي أكثر (٣) آياتها محاجَّةُ المشركين، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] تضمينُ جميع الأوامر والنواهي، وفي هذه السورة ذُكر في الآية الأولى إراءةُ الآيات، وفيها بيانُ كمال القدرة وتمامِ النعمة، وبعدها آياتٌ جامعةٌ لجميع (٤) الأوامر والنواهي، وفي بقيَّتها (٥) محاجَّةُ المشركين ووعيدُهم ووعدُ المؤمنين.
ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن التوراة كلَّها في خمسَ عشرةَ آيةً من (بني إسرائيل)، ثم قرأ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيات (٦).
* * *
(١) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
стр. 4614
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾: روى طلحةُ بن عبيد اللَّه قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ عن تفسير ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (١) قال: "تنزيهُ اللَّه عن كلِّ سوءٍ" (٢).
قال الفرَّاء: هو نصبٌ على المصدر (٣)، وهو على معنى الأمر؛ أي: نزِّهوا اللَّه وبرِّئوه من قول المشركين.
و ﴿أَسْرَى﴾؛ أي: سار بالليل، وفيه لغتان: سرى (٤) وأسرى، وهو لازمٌ، وها هنا متعدٍّ بالباء التي في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، وهو محمدٌ المصطفى ﷺ .
﴿لَيْلًا﴾: ظرف؛ أي: بالليل.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: هو الذي يحيط بالكعبة، وأراد به هاهنا جميعَ الحرم، فقد رُوي أنه أُسري به من بيتِ أمِّ هانئ (٥)، وهو في مكةَ خارجَ المسجد الحرام عينِه،
стр. 4615
وعلى هذا قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] هو على جميع الحرم، وكذا قوله: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: وهو مسجد بيت المقدس؛ لأنَّه أبعدُ مسجد في الأرض يعظَّم بالزيارة له وشدِّ (١) الرحال إليه، وليس وراءه في تلك الجهة متعبَّدٌ مثلُه، قال ﷺ : "لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدي هذا، والمسجد الأقصى، والمسجد الحرام" (٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: أخبر عن نفسه بعد ما ذكر الفعلَ على وجه المغايَبة بقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وهو أحدُ أقسام التوسُّع (٣) في الكلام.
والبركة: دُرور الخير وثبوتُه؛ لأن ما بَرَك (٤) ثبت، وهو يكون دينيًّا ودنيويًّا، قال تعالى في صفة عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١] وهذا دينيٌّ، وقال
стр. 4616
تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وهذا دنيويٌّ، والبركةُ حول المسجد الأقصى بهما جميعًا، فإنه مستقرُّ الأنبياء والأولياء، وفيه قبورُ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وفيه كثرةُ الماء والأشجار والأطعمة والثمار.
وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾: أي: أَسْرينا به لإراءةِ الآيات، وهي: البُراقُ، وقطعُ المسافة البعيدة في المدة اليسيرة، وسيَرُ الأنبياء، وعجائبُ الملَكوت.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لمقالات المصدِّقين والمكذِّبين بحديث المعراج ﴿الْبَصِيرُ﴾ بجزاء كلٍّ على وَفْق عمله.
وحديثُ الإسراء برسول اللَّه ﷺ إلى المسجد الأقصى في ليلةٍ ثابتٌ بنصِّ الكتاب، والعروجُ به إلى السماء في تلك الليلة إلى حيث شاء اللَّه كذلك، وفيه أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد قبلها أهل السنَّة والجماعة، وردَّها المعتزلةُ خذَلهم اللَّه، وممن رواه (١): أبو بكر الصديق ﵁، وعمر الفاروق ﵁، وعثمان ذو النورين، وعليٌّ المرتضَى، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريُّ، وما لك بن صَعْصَعة، وعِمران بن الحُصين، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو سلمة، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، والعباس بن عبد المطلب، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبو سلمى راعي رسولِ اللَّه ﷺ ، وأمُّ كلثوم بنتُ رسول اللَّه ﷺ ، وبلالٌ الحبشي، وأبو أمامة الباهليُّ، وأسامة بن زيد، وعياض، وعبد الرحمن بن عائش (٢)، وأبو الدرداء، وعائشة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأبو ذر الغفاري،
стр. 4617
وبلال بن سعد، وأبو حَيَّةَ الأنصاري، وأبيُّ بن كعب، وغيرهم، منهم مَن ساق الحديثَ كلَّه، ومنهم مَن روى شيئًا منه (١)، وقد جمعنا أحاديثَهم في كتابٍ أفردناه له وأَمْليناه على أهل العلم، ومَن أنكر هذا فهو منكِرٌ إمَّا (٢) قدرةَ اللَّه تعالى، أو فضلَ النبيِّ ﷺ ، وكلُّ ذلك باطل.
وقال مقاتل: كانت ليلةُ الإسراء قبل الهجرة بسنةٍ، وكان رسول اللَّه ﷺ تلك الليلةَ نائمًا في دارِ أمِّ هانئ بنت أبي طالبٍ وزوجِها هبيرةَ بن أبي المغيرةِ (٣) المخزوميِّ، فلما أصبح قال لها: "ألَا أُخبركِ بالعجَب؟ " قالت: بلى! قال: "صلَّيتُ هاهنا صلاةَ العشاء والفجر وذهبتُ فيما بينهما إلى بيت المقدس، ومَثَل لي النبيون فصلَّيتُ بهم" (٤)، فلما أراد أن يخرج تشبَّثت أمُّ هانئ بثوبه فقالت له: ما وراءك؟ فإني أخشى أن يكذِّبك قومُك، قال: "وإنْ كذَّبوني"، فسألتْه أمُّ هانئ عن كيفية خروجه، فقال: "أتاني جبريل ومعه ميكائيلُ بالبراق، وهي دابةٌ دون البغل وفوق
стр. 4618
الحمار، ووجهُها كوجه الإنسان، وذنَبها كذنب البقرة، وحافرُها كظلفِ البقر، خَطْوُها مدُّ البصر، فركِبْتُها فإنْ همصتُ بها سارت، وإن هممتُ بها طارت، فدخلتُ مسجدَ بيت المقدس فإذا النبيون بها" ثم أتى المسجدَ الحرام وفيه صناديد قريش فقال: "ألَا أخبرُكم بالعجَب؟ " قالوا: بلى! قال: "صلَّيتُ صلاة العشاء والفجرِ هاهنا، وذهبت فيما بينهما إلى بيت المقدس"، وقصَّ عليهم القصةَ، فقال مُطْعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: واحرباه (١) من هذا الكذَّاب، إنَّ عِيرَنا لتخرجُ من مكة إلى بيت المقدس في أربعين يومًا بشقِّ النَّفْس، وقد خرجْتَ إليها في ساعةٍ؟! أشهد أنك كذاب، ثم أَخبر بذلك أبا بكر الصديق ﵁، فأتاه فسأله وقال له: ماذا لقيتَ على يمينك حين دخلتَ بيتَ المقدس وعلى يسارك؟ وسأله عن الصخرة، فأجابه فصدَّقه فسمِّي الصدِّيق (٢).
وفيما كتبناه في الأمالي مسندًا عن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قلتُ: يا جبريل، يكذَّبني (٣) قريش، فقال لي جبريل: فإن أبا بكر الصدِّيقَ هو يصدِّقُك"، فذهبتْ إليه قريش فقالت له: يا أبا بكر! قال صديقُك: إنه أُسري به إلى السماء في ليلةٍ واحدة! قال: صَدَق صَدِيقي، أُصَدِّقه بوحي السماء في (٤) مسيرةِ خمسِ مئة عام يأتيه في ساعة، أفلا أصدِّقه بأنه أُسري به؟! فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ
стр. 4619
ومعه جبريل ﵇ فقال: صَدَق أبو بكر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "سرَّني واللَّه قولُه"، فقال له جبريل ﵇: سمِّه الصدِّيقَ، فلذلك سُمي الصديق (١).
قال نجم الدين (٢): وأنا أقول في ذلك:
لا يَجْحَدُ المعراجَ بعد نُصوصه... إلَّا عنيدٌ (٣) كافرٌ زنديقُ
ومُصدِّقٌ أهلُ الهدى وإمامُهم... بالحقِّ في تصديقه الصِّدِّيق
وتمام القصة نقلناه (٤) بطرقه في كتاب وسميناه بـ: "كتاب ما ورد من الأخبار في ذكر معراج النبي المختار وفوائدِه ولطائفه" في مجالسَ جمعناها وتكلَّمنا بها في مجالس الوعظ في تمام شهر.
وقال القشيري: لمَّا أراد الحقُّ سبحانه أن يعرِّف العبادَ ما خَصَّ به رسولَه (٥) ليلةَ المعراج من علوِّ ما رقَّاه إليه ولقَّاه إياه، أزال الأعجوبة بقوله: (أسرى به) ونفَى عن نبيِّه خطر الإعجاب بقوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ لأن مَن عرف الإلهية -وهي استحقاقُ كمالِ العز- لا يَتعجَّب منه أن يفعلَ ما يفعلُ، ومَن عرف عبوديةَ نفسه وأنه لا يملك شيئًا من أمره لا يُعجب بحاله، فأَوجبت الآية شيئين: نفيَ الإعجاب مِن وصفِ رسول اللَّه ﷺ ، ونفي التعجُّب من فعلِ اللَّه.
وقال: جعل المعراجَ بالليل على غفلةٍ من الراقب وغيبةٍ من الأجانب، ومن غير
стр. 4620
ميعادٍ سبَق ولا استعدادٍ تَقدَّم؛ لكونه مرضيًّا بغير تصنُّعٍ، وهذه غايةُ حال المحبوب، وكان مجيءُ موسى للميقات بعد أربعين ليلة ليتصنَّع لذلك (١).
وقال: ولمَّا خُص بقيام الليل بقوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أُكرم بالمعراج خصوصًا بالليل.
وقال: أرسله بالحق إلى أهل الأرض ليَتعلَّموا منه العبادة، ثم رقَّاه إلى (٢) السماء ليتعلَّم الملائكة منه آداب العبادة، قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] ما طمعَ في مقام، ولا نظرَ إلى إكرام، بل تجرَّد (٣) عن كلِّ طلبٍ وأَرَب.
وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] أراه في تلك الليلة ما عرَف به [صلوات اللَّه عليه] أنه ليس [أحدٌ] من الخلائق مثلَه ﷺ في علوِّ حالته وجلالِ رتبته (٤).
* * *
(٢) - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وجعلنا موسى، ويحتمِل الكتابَ هاديًا؛ أي: دليلًا وداعيًا إلى الحق والصواب؛ أي: أعطينا موسى الكتاب حين جاء لميقاتنا وأسرينا بمحمد وأريناه آياتنا.
стр. 4621
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: قرأ أبو عمرٍو بياء المغايَبة، ويرجع إلى بني إسرائيل، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة (١)؛ أي: قلنا لهم في التوراة ذلك؛ أي: لا (٢) تتَّخذوا من دوني أحدًا وليًّا تتكلون عليه في أنْ يخلِّصكم من العذاب ويقومَ بأموركم ويراعيَ مصالحكم، وهذه صفاتُ الوكيل في معاملات الناس، وهو إبطالٌ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وليشفعوا لنا.
* * *
(٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: أي: يا ذريةَ مَن حملنا وهم الأولاد، و ﴿حَمَلْنَا﴾؛ أي: في السفينة وهم مؤمنو قومه، وبنو إسرائيل من نسلِ سام بن نوح.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: أي: كثيرَ الشكر على نَعمائي مطيعًا لي، يقول: لا تتَّخذوا من دوني وليًّا يا ذرية مؤمني قومِ نوح ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ لي ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾؛ أي (٣): فكونوا لي كذلك ولا تخالفوه.
رُوي: أنه كان لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يلبسُ إلا قال: الحمد للَّه.
والشكر: مقابَلةُ النعمة بالثناء على المنعِم والطاعةِ له في أمره ونهيه، وهو عامٌّ للنِّعَم كلِّها صغيرِها وكبيرِها، قولًا وعملًا وعَقْدًا.
وقال مجاهد: ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: كان يحمدُ ربَّه قائمًا وقاعدًا، ومتَّكئًا ومستلقيًا، وراكبًا وماشيًا (٤).
стр. 4622
(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾: أي: أعلمناهم في التوراة، كما قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وأصله: الإحكام والإتمام؛ أي: أعلمناهم إعلامًا محكَمًا متمَّمًا.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لتُفسدَنَّ أخلافُكم، وفي قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: وإذ قتل أسلافُكم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في البلاد التي تسكنونها من بيت المقدس وما يُضاف إليها من الشام، وفي قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]؛ أي: في البلاد التي يجري سلطانُه عليها وعلى أهلها (١)، وفي قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]؛ أي: البلادَ التي يسكنها المشركون.
وهذا الإفساد هو العصيان، وارتكابُ (٢) المحظورِ من الدماء والأموال.
﴿مَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين في زمانين مختلفين.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: هو غلبةُ المفسدين على المصلِحين إفراطًا مجاوِزًا للقَدْر، عظيمًا في الذِّكر، والعلوُّ لغةً: هو الغلبةُ بحقٍّ كان أو باطلٍ.
* * *
(٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
стр. 4623
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أي: الوقتُ المعلوم (١) الموعود لأُولَى المرتين من الإفساد والعلوِّ وما أَوْعَدْنا عليه من العذاب.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: أي: سلَّطْنا عليكم ﴿عِبَادًا لَنَا﴾: خلقًا (٢) يجري لنا عليهم سلطان (٣) العبودية، ولا يتمكَّنون إلا بتمكيننا.
وقوله تعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: علماءَ بالقتال صابرين عليه، والبأس: هو الحرب والقتال، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨].
قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: أي: أَفسدوا، وقيل: وَطِئوا، وقيل: تخلَّلوا، وقيل: طافوا، وقيل: هو الاستقصاء في الطلب، وقيل: هو التردُّد بالذهاب والمجيء للاستقصاء في طلب الشيء.
ومعناه: يستولون عليكم، وإذا انهزمْتُم اتَّبعوكم ودخلوا بلادكم بالسيوف، ويدخلون البيوت فيقتلون مَن يجدون، ويأخذون ما يجدون، وهو أشدُّ ما يكون من استيلاء الأعداء.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي: كان ذلك موعودًا من اللَّه كائنًا لوقتٍ معلوم عند اللَّه يفعله فيه، وهو (٤) مصدر بمعنى المفعول.
* * *
(٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
стр. 4624
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ثم جعلنا لمن بقي منكم لم يُقتل الدولةَ عليهم.
﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أي: زدناكم أموالًا وأعطيناكم أولادًا.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: أي: أعوانًا وأنصارًا من أهل زمانكم تَنفرون في قتال عدوِّكم، والنفير: جمع نافرٍ، كالغَزِيِّ جمع غازٍ، والحَجيج جمع حاجٍّ (١).
وقيل: جمعُ النافر: النَّفْر بالسكون، ثم النَّفيرُ جمع الجمع، كما يُجمع الراكب: ركبًا، وكما يجمع العبدُ عبيدًا.
وقيل: النَّفير واحدٌ، ولكنه ذُكر في موضع التفسير فصلحَ الواحدُ عبارةً عن الجمع (٢)، كما يقال: عشرون درهمًا، و: هو أكثرُ الناس مالًا ودرهمًا ودينارًا.
* * *
(٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: أن أخلَصْتُم الشكر للَّه على نعمه بالطاعة له في أوامره ونواهيه كان نفعُ ذلك راجعًا إليكم بنَيلكم المزيد.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي: إن أسأتُم بكفران النعمة كان ضررُ ذلك راجعًا إليكم بزوال النعمة ونزولِ العقوبة، وبوقوع الذِّلة والمسكنة، واللامُ للاستحقاق كما قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].
стр. 4625
وقيل: معناه: فإليها؛ أي: فقد أسأتُم إليها، وهو كقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها.
وقيل: هو بمعنى (على)، والحروف تتناوب.
ثم قيل: إن قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ يحتمِل أنه في التوراة خطابًا لهم، ويحتمِل أنه خطابٌ مبتدأ في عصر النبيِّ ﷺ لمن كان من (١) أخلافهم في عصره، ويحتمِل أنه خطاب للمشركين أنهم لو أَحسنوا فلأنفسهم أَحسنوا، وإن أساؤوا فعلى أنفسهم فعلوا.
وقوله (٢) تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: أي: وقتُ المرة الآخرة بالعَود إلى الإفساد بعد زمان، وأضمر هاهنا: بعثنا (٣) عليكم.
ثم قوله تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ليسوء﴾ بياءِ المغايَبة على الواحد؛ أي: ليسوء لقاؤهم وجوهَكم، أو (٤): ليسوء بعثُنا وجوهكم.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على الجمع؛ أي: ليسوء هؤلاء وجوهَكم.
وقرأ الكسائي: ﴿لنسوء﴾ بالنون إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه (٥)؛ أي: نحن نفعلُ ذلك.