← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: قرأ أبو عمرٍو بياء المغايَبة، ويرجع إلى بني إسرائيل، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة (١)؛ أي: قلنا لهم في التوراة ذلك؛ أي: لا (٢) تتَّخذوا من دوني أحدًا وليًّا تتكلون عليه في أنْ يخلِّصكم من العذاب ويقومَ بأموركم ويراعيَ مصالحكم، وهذه صفاتُ الوكيل في معاملات الناس، وهو إبطالٌ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وليشفعوا لنا. * * * (٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: أي: يا ذريةَ مَن حملنا وهم الأولاد، و ﴿حَمَلْنَا﴾؛ أي: في السفينة وهم مؤمنو قومه، وبنو إسرائيل من نسلِ سام بن نوح. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: أي: كثيرَ الشكر على نَعمائي مطيعًا لي، يقول: لا تتَّخذوا من دوني وليًّا يا ذرية مؤمني قومِ نوح ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ لي ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾؛ أي (٣): فكونوا لي كذلك ولا تخالفوه. رُوي: أنه كان لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يلبسُ إلا قال: الحمد للَّه. والشكر: مقابَلةُ النعمة بالثناء على المنعِم والطاعةِ له في أمره ونهيه، وهو عامٌّ للنِّعَم كلِّها صغيرِها وكبيرِها، قولًا وعملًا وعَقْدًا. وقال مجاهد: ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: كان يحمدُ ربَّه قائمًا وقاعدًا، ومتَّكئًا ومستلقيًا، وراكبًا وماشيًا (٤).

стр. 4622

(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾: أي: أعلمناهم في التوراة، كما قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وأصله: الإحكام والإتمام؛ أي: أعلمناهم إعلامًا محكَمًا متمَّمًا. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لتُفسدَنَّ أخلافُكم، وفي قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: وإذ قتل أسلافُكم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في البلاد التي تسكنونها من بيت المقدس وما يُضاف إليها من الشام، وفي قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]؛ أي: في البلاد التي يجري سلطانُه عليها وعلى أهلها (١)، وفي قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]؛ أي: البلادَ التي يسكنها المشركون. وهذا الإفساد هو العصيان، وارتكابُ (٢) المحظورِ من الدماء والأموال. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين في زمانين مختلفين. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: هو غلبةُ المفسدين على المصلِحين إفراطًا مجاوِزًا للقَدْر، عظيمًا في الذِّكر، والعلوُّ لغةً: هو الغلبةُ بحقٍّ كان أو باطلٍ. * * * (٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.

стр. 4623

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أي: الوقتُ المعلوم (١) الموعود لأُولَى المرتين من الإفساد والعلوِّ وما أَوْعَدْنا عليه من العذاب. ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: أي: سلَّطْنا عليكم ﴿عِبَادًا لَنَا﴾: خلقًا (٢) يجري لنا عليهم سلطان (٣) العبودية، ولا يتمكَّنون إلا بتمكيننا. وقوله تعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: علماءَ بالقتال صابرين عليه، والبأس: هو الحرب والقتال، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: أي: أَفسدوا، وقيل: وَطِئوا، وقيل: تخلَّلوا، وقيل: طافوا، وقيل: هو الاستقصاء في الطلب، وقيل: هو التردُّد بالذهاب والمجيء للاستقصاء في طلب الشيء. ومعناه: يستولون عليكم، وإذا انهزمْتُم اتَّبعوكم ودخلوا بلادكم بالسيوف، ويدخلون البيوت فيقتلون مَن يجدون، ويأخذون ما يجدون، وهو أشدُّ ما يكون من استيلاء الأعداء. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي: كان ذلك موعودًا من اللَّه كائنًا لوقتٍ معلوم عند اللَّه يفعله فيه، وهو (٤) مصدر بمعنى المفعول. * * * (٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.

стр. 4624

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ثم جعلنا لمن بقي منكم لم يُقتل الدولةَ عليهم. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أي: زدناكم أموالًا وأعطيناكم أولادًا. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: أي: أعوانًا وأنصارًا من أهل زمانكم تَنفرون في قتال عدوِّكم، والنفير: جمع نافرٍ، كالغَزِيِّ جمع غازٍ، والحَجيج جمع حاجٍّ (١). وقيل: جمعُ النافر: النَّفْر بالسكون، ثم النَّفيرُ جمع الجمع، كما يُجمع الراكب: ركبًا، وكما يجمع العبدُ عبيدًا. وقيل: النَّفير واحدٌ، ولكنه ذُكر في موضع التفسير فصلحَ الواحدُ عبارةً عن الجمع (٢)، كما يقال: عشرون درهمًا، و: هو أكثرُ الناس مالًا ودرهمًا ودينارًا. * * * (٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: أن أخلَصْتُم الشكر للَّه على نعمه بالطاعة له في أوامره ونواهيه كان نفعُ ذلك راجعًا إليكم بنَيلكم المزيد. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي: إن أسأتُم بكفران النعمة كان ضررُ ذلك راجعًا إليكم بزوال النعمة ونزولِ العقوبة، وبوقوع الذِّلة والمسكنة، واللامُ للاستحقاق كما قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].

стр. 4625

وقيل: معناه: فإليها؛ أي: فقد أسأتُم إليها، وهو كقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها. وقيل: هو بمعنى (على)، والحروف تتناوب. ثم قيل: إن قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ يحتمِل أنه في التوراة خطابًا لهم، ويحتمِل أنه خطابٌ مبتدأ في عصر النبيِّ ﷺ لمن كان من (١) أخلافهم في عصره، ويحتمِل أنه خطاب للمشركين أنهم لو أَحسنوا فلأنفسهم أَحسنوا، وإن أساؤوا فعلى أنفسهم فعلوا. وقوله (٢) تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: أي: وقتُ المرة الآخرة بالعَود إلى الإفساد بعد زمان، وأضمر هاهنا: بعثنا (٣) عليكم. ثم قوله تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ليسوء﴾ بياءِ المغايَبة على الواحد؛ أي: ليسوء لقاؤهم وجوهَكم، أو (٤): ليسوء بعثُنا وجوهكم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على الجمع؛ أي: ليسوء هؤلاء وجوهَكم. وقرأ الكسائي: ﴿لنسوء﴾ بالنون إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه (٥)؛ أي: نحن نفعلُ ذلك.

стр. 4626

ويَسوء بمعنى: يَحْزُن، ومعناه: أن لقاءهم لا يسرُّهم بل يَحزُنهم، وخَصَّ الوجوه لأن أثره يظهر في الوجوه. وقيل: أي: ليقتلوكم، فتسوءَ الوجوه وتقبُحَ بعد زوال الحياة عن الأجسام. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: أي: المسجد الأقصى، ولا يدخلونه إلا بعد دخول البلد، فمعناه: أنهم يستولون على بلدكم. ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا﴾: أي: وليُهلِكوا (١) ﴿مَا عَلَوْا﴾ مفعولٌ (٢)؛ أي: ما عَلَوه وظفروا به. وقيل: ﴿مَا﴾ غايةٌ؛ ومعناه (٣): ما داموا عالين مستولين، ومعنى ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: وليُهْلكوكم. ﴿تَتْبِيرًا﴾: أي: إهلاكًا، والتتار: الهلاك، وذُكر المصدر للتأكيد. * * * (٨) - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾: بإرسال محمد إليكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الإفساد بتكذيب محمد ﵊ ﴿عُدْنَا﴾ إلى تعذيبكم في الدنيا، وهو بأيدي العرب بنحو ما أريناكم في المرتين. ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: لكم ولأمثالكم ﴿حَصِيرًا﴾؛ أي: مَحْبسًا لمن مات منكم مصرًّا على كفره.

стр. 4627

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الحصير: المَحْبس (١)، والحَصْر: الحبس، ويقال للمَلِك: حصير؛ لأنَّه محجوب فكأنه محبوس بالحجاب. وقال الحسن: ﴿حَصِيرًا﴾؛ أي: مهادًا (٢)، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] يَذهب به إلى (٣) الحصيرِ المرمول. واللامات في قوله: ﴿لِيَسُوءُوا. . . وَلِيَدْخُلُوا. . . وَلِيُتَبِّرُوا﴾ لاماتُ العاقبة؛ لأن تخريب المسجد ما لا يجوز إباحتُه. ثم الخطابات في هذه الآية يرجع بعضها إلى الأسلاف وبعضها إلى الأخلاف؛ لأنه قصصُ قرونٍ بعد قرون. وقال ابن عباس وقتادة: سلَّط اللَّه عليهم في الكرَّة الأولى جالوتَ، ثم أرسل اللَّه إليهم حين أحسنوا داودَ ﵇ فقَتَل جالوت، وكان ملكُهم طالوت (٤). وقال سعيد بن المسيب: هو بختنصَّر (٥). وقال سعيد بن جبير: هو سنحاريب (٦). وقال الحسن: هم العمالقة، وكانوا كفارًا (٧).

стр. 4628

فأما حديثُ بختنصر: فقتل علماءهم، وأحرق التوراة، وخرَّب المسجد، وألقى فيه الجيَف، وسبى سبعين ألفًا، وذهب بهم إلى بابل فكانوا بها سبعين سنةً، ثم أنقذهم (١) اللَّه على يدي أنطيانوس (٢) الرومي، ثم عادوا إلى الفساد وقتلوا زكريا ويحيى ﵉، فانتقم اللَّه منهم بألمقياس (٣) أتاهم فقتل منهم مئة وثمانين ألفًا على دم يحيى بن زكريا، وخرَّب بيت المقدس، وقتل العلماء، وأحرق التوراة، وألقى في المسجد الجيَف، وكانت خرابًا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁ فعمَّرها المسلمون. وقيل: اللَّه بعث عليهم في الكرَّة الأولى جالوتَ وفي الثانية بختنصَّرَ. وقيل: كان في المرة الأولى بختنصَّرُ وجنودُه، وفي الثانية كردوسُ المجوسيُّ وجنوده، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، وهو قول محمد بن إسحاق (٤). وفي إنجيل النصارى: أن الملك الذي كان عليهم في بيت المقدس حين بعث عيسى ﵇ كردوس المجوسي. وقيل في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾؛ أي: فلها العقوبةُ، وقيل: فلها الوعيد، وقيل: فلها الجزاء، وقيل: فلها التوبة، وقيل: فلها الرجاء، وقيل: فلها المهلة إلى أن تتوبَ.

стр. 4629

وقال الحسين بن الفضل: أي: فلها ربٌّ يغفر لها، قال النبيُّ ﷺ : "إن العبد إذا أذنبَ فقال: ربِّ اغفر لي، قال اللَّه تعالى: عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرتُ له" (١). وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال: وإنْ عدتُم إلى المعصية عُدنا إلى المغفرة (٢). وقيل على هذا: إن عُدتُم إلى الدعوى عُدنا إلى الإجابة، وإن عُدتُم إلى السؤال عُدنا إلى النَّوال، وإن عُدتُم إلى المعذرة عدنا إلى المغفرة، وإن عُدتُم إلى التنصُّل عُدنا إلى التفضُّل، وإن عُدتُم إلى الاعتراف عدنا إلى غفران الاقتراف. وقال القشيري: إن عدتُم إلى ما يليق بكم عُدْنا إلى ما يليق بكرَمنا (٣): ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. وكأنه خطر على قلب العاصي أنه إذا غُفر للعصاة فمَن يكون في جهنم؟ فقال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ والجنةَ للمؤمنين مصيرًا. * * *

стр. 4630

(٩) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: أي: يُرشد إلى الملة التي هي أقومُ المللِ، وهي (١) القيِّم، وهي (٢) المستقيم، وهي ملةُ الإسلام. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾: أي: تقع به لهم البشارة بالثواب العظيم. * * * (١٠) - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: وينذرَ أن الكفار لهم العذاب الأليم، وقد يُذكر فعلٌ واحد وبعده مفعولان، والثاني يُضمر له فعلٌ آخر، كما قال: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]؛ أي: وادعوا شركاءكم، وكما أنشدوا: علَفْتُها تبنًا وماء باردًا (٣) أي: وسقيتُها ماءً باردًا. وقد (٤) تقع البشارةُ عليها، فقد دكرت البشارة في حق العذاب في قوله:

стр. 4631

﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] على معنى أنه يؤثِّر في البشرة أيضًا بالحزن والخوف كما يؤثِّر الخبرُ السارُّ بالسرور في البشرة، أو لأنه (١) قائمٌ في حقِّ الكفار مقامَ البشارة في حقِّ المؤمنين. وقيل: معناه: وبشر المؤمنين أيضًا بأن أعداءهم الكفار أعَدَّ اللَّه لهم عذابًا أليمًا. * * * (١١) - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: أي: الكفارُ يُعرضون عن قبول هذا القرآن الذي مرَّ ذكرُه ولا يصدِّقون بالعذاب الأليم الذي ينذر به، ويستعجلون هذا العذاب فيقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، و: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). و ﴿الْإِنْسَانُ﴾ جنسٌ، والمراد به الناس، وهم المشركون هاهنا، يَدْعون بالعذاب وهو الشرُّ. ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾؛ أي: كما يدعو بالسلامة والعافية والنعمة. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: أي: عادتُه في أصل تركيبه العجلةُ وتركُ التثبُّتِ والإعراضُ عن التدبُّر. وقال ابن عباس ﵄ وقتادة ومجاهد: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده عند غضبه: اللهم الْعَنْه واغْضَبْ عليه، اللهم أَهْلكني وأَرِحني (٣).

стр. 4632

وقال ابن عباس ﵁: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: هو آدم ﵇ لمَّا نُفخ فيه الروحُ وبلغت إلى رجليه وقبل أن تجري فيهما رام النهوض فسقط (١). * * * (١٢) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: ذَكر بعد ذمِّ المشركين آيةً من آيات وحدانيته حجةً على المشركين، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾؛ أي: خلقنا (٢) الليل والنهار علامتين؛ للتعيُّش والاضطراب لتحصيل الأقوات التي بها قِوامُ الأبدان، والاستراحةِ من التعب الذي يقع بهذا الاضطراب؛ إذ لا قوام للأبدان إلا بلجام (٣)، فخالَفْنا بين الآيتين فجعلنا الآيةَ التي هي الليلُ ممحوَّةً؛ أي: عديمةَ النُّور، فإن القمر لا نور له في نفسه وإنما يأخذه من الشمس، والآيةَ التي هي النهارُ مبصرةً؛ أي: مضيئة. وقيل: أي: أهلَه بُصَراءَ فيه، كما يقال: رجلٌ مُخْبِثٌ (٤)؛ أي: أهلُه (٥) خبثاءُ، و: رجلٌ مُضْعِفٌ؛ أي: دوابُّه ضعفاءُ، وكذا قوله: ﴿وَالنَّهَارِ مُبْصِرًا﴾؛ أي: أصحابَه بصراءَ.

стр. 4633

وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: بالنهار، ولتستريحوا بالليل، ولم يذكره هاهنا وذكره في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ أي: رِزْقِه، وسمَّاه فضلًا لأن ما يُعطيه اللَّه العبدَ فضلٌ، ولا يجب للعبد على اللَّه شيء، وهو حجَّتنا على المعتزلة في مسألة وجوب الأصلح. وقوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: بانفصالِ الليل من النهار، فيُعرف به حساب الساعات والأيام والشهور، وباجتماعها تصير سنةٌ، ثم يجتمع عددُ السنين في التواريخ فيعرف بها أزمنةُ الحوادث، والحسابُ لِمَا دون السنة والعددُ للسنين المجتمعة. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: مما بهم الحاجة إليه. وقوله تعالى: ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي: بينَّاه تبيينًا، والمصدر للتأكيد؛ أي: هو حقٌّ يَلزم العمل به. ثم (١) قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ يدلُّ على أن أنفسهما آيةٌ، ثم قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أضاف الآيةَ (٢) إلى الليل وإلى النهار، وهي إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: نفسُ الشيء، وعينُ الشيء. ومحوُ الليل: إخلاؤه عن النور، وإبصار النهار: ضياؤه. وقيل: بل آيةُ الليل غيرُ الليل، وهي القمرُ (٣)، ومحوُه: أنه لا ثورَ له في نفسه،

стр. 4634

ونورُه من الشمس، وآيةُ النهار غيرُ النهار، وهي الشمس، وإبصارها: نورها الذي (١) يقع به الإبصار، ﴿مُبْصِرَةً﴾ بمعنى: ذاتَ بصرٍ؛ كقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ رضًى. وقال ابن عباس ﵄: ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: مضيئةً (٢). وقال الضحاك: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ يعني: السوادَ الذي في وجه القمر (٣). ثم ذكر في الليل والنهار أنهما آيتان، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] فجعَلهما آيةً واحدة (٤)، فإن الآية كونُ الولد منها بغير أبٍ، وهو معنًى واحدٌ قام بهما (٥)، وهاهنا الليلُ آيةٌ والنهار آية. وقيل: إنهما كان يمكنُ رؤيتُهما معًا والاعتبارُ بهما في وقتٍ واحد فكانا آية، والليل والنهار بخلافِ ذلك. وقيل: معناه: وجعلنا ابن مريم وأمَّه كلَّ واحدٍ منهما آيةً؛ كما قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: كلُّ واحدة منهما. * * * (١٣) - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.

стр. 4635

وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: واتصالُها بالآية الأولى (١): أنه فصَّل الأعمال تفصيلًا في اللوح المحفوظ، وألزم كلَّ إنسان عملَه في عنقه؛ أي: قلَّدهم أعمالهم، فذلك قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾؛ أي: عمله في عنقه، وهو عملُه (٢) في الخير والشر. وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿طَائِرَهُ﴾ يعني: ما كان من خير وشرٍّ لا يفارقه حتى يحاسَب به (٣). وقال الحسن: يعني: يُمْنَه وشُؤمَه، وسعادتَه وشقاوته (٤). وأصله: ما يُتطيَّر منه ويُتفاءل به، من الطائر السانح (٥) البارح، فالذي يجيءُ من ذات اليمين يُتيمن به، والذي يجيء به من ذات الشمال يُتشاءم به. ثم هو يتوجَّه وجهين: إلزام العمل، وإلزام جزاء العمل. وقيل: ﴿طَائِرَهُ﴾؛ أي: قَسْمُه، يقال: طيَّرتُ المالَ بين القوم فطار لفلانٍ كذا ولفلانِ كذا، وهو ظهور قَسْمِه. وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: أي: ونخرج له الطائرَ،

стр. 4636

وهو عمَلُه الذي عمِلَه، ويحتمل: بالطائر الذي عمِله كتابًا مكتوبًا (١)؛ أي: في كتاب ﴿يَلْقَاهُ﴾؛ أي: يراه (٢). وقرأ ابن عامر وأبو جعفر (٣): ﴿يُلقَّاه﴾ بضم الياء وتشديد القاف؛ أي: يُلقِّيه الملَك ذلك منشورًا بعدما كان مطويًّا مختومًا ليقرأه. * * * (١٤) - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: أي: يقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾؛ أي: مُحاسِبًا. وقال الحسن: لقد أنصفكَ مَن جعَلَك حسيبَ نفسِك (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: أَلزمَ كلَّ أحد (٥) ما ليس يجدُ له (٦) من عُهدته خلاصًا، ولا يَنال من لزومه مناصًا، وهو حكمُ السعادة لقومٍ وحكمُ الشقاوة لقومٍ، فالذين هم أهلُ السعادة أسرجَ لهم مراكبَ التوفيق، فتسير بهم إلى ساحات النجاة،

стр. 4637

والذين هم أهل الشقاوة ربطتهم مثقلةُ الخذلان (١) فأقعدتهم عن النهوض إلى نهج الخلاص، وأوقعَتْهم في وَهدة الهلاك. وقيل: مَن حاسبه بكتابه وجد (٢) كلَّ زلَّةٍ ومَهلكةٍ، ومَن حاسبه بكتاب نفسه ففي كتابه (٣) سبحانه: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، فالواجبُ على العبد أن يبتهِل في دعائه فيقول: اللهمَّ حاسبني بكتابك على ما قلتَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لا بكتابي فإنه مشتمِل على القبائح والفضائح (٤). * * * (١٥) - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: هو كلُّه تفسير قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ فعمَلُ كلِّ إنسان يكون (٥) في عنقه، ويكون هو المؤاخَذَ به لا غيرُه، ويؤاخَذُ بعمل نفسه لا بعمل غيره، والوِزر: الحِمْل، ومعناه: لا تحمِلُ كلُّ (٦) نفسٍ حاملةٍ حِمْلَ نفسٍ أخرى، والآثام: أحمال وأثقال، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ١٣] (٧).

стр. 4638

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: وما كنَّا معذِّبين تعذيبَ استئصالٍ في الدنيا إلا بعدَ دفع الشُّبهِ ورفعِها عن الحجج مِن كلِّ وجهٍ وبعد تمامها -وإن كانت الحجةُ لزمتْهم بالعقول بدون بعثِ الرسل- ليدفعَ عنهم عذرَهم من كلِّ وجهٍ. أو يكونُ قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الآخرة ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ في الدنيا فضلًا منَّا ورحمةً، وإن كان العذاب قد لزمهم والحجةُ قد قامت عليهم. والأشبهُ هو الأول، وعذابُ الاستئصال في الدنيا ليس هو بجزاءٍ على الكفر، بل جزاءُ الكفر عذابُ الآخرة الذي لا ينقطع، وإنما هو جزاء المعانَدة والمكابَرة عقوبةً لهم وعبرةً لغيرهم، وذلك يكون في المعاندة بعد لزوم الحجة من كلِّ وجه (١). * * * (١٦) - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾: أي: أهل قرية (٢) ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾؛ أي: أمرنا منعَّميها وجبابرتها بالطاعة. وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: أي: خرجوا عن (٣) الأمر وعصَوا، وقرئ

стр. 4639

بالتشديد: (أمَّرْنا) (١)؛ أي: ولَّينا وسلَّطنا (٢)، من الإمارة. وقرئ: (آمَرْنا) بالمد (٣)؛ أي: أكثرنا، وقد أَمِرَ يَأْمَرُ أَمَرًا من باب عَلِمَ (٤): إذا كَثُر، وآمَرَ غيرَه؛ أي: أَمَره (٥)؛ إذا: أَكْثَره، يُؤْمِرُه إيمارًا، قال الشاعر: إنْ يُغْبَطوا يهبطوا وإنْ أَمِروا... يومًا يصيروا للقُلِّ والنَّفَدِ (٦) وقوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: أي: وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾؛ أي: أهلكناها واستأصلناها. أَخبر أنه لا يعاجل بالعقوبة أمةً ظالمة حتى يُعذِر إليهم غايةَ الإعذار.

стр. 4640

(١٧) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾: أي: وما أكثرَ ما أهلكنا من القرون، وهو جمع قرنٍ. وقال محمد بن القاسم المازني: هو مئة سنةٍ (١). وقال عبد اللَّه بنُ أبي أوفى: هو مئةٌ وعشرون سنةً (٢). وقيل: هو أربعون سنة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: قال القشيري ﵀: هذه تسليةٌ للمظلومين إذا استبطَؤوا هلاك الظَّلَمة، وتمنَّوا قَصْرَ أيديهم عنهم، فاستعجلوا (٣) انقضاءَ دُولهم وأيامهم، فإذا فكَّر (٤) فيمَن مضى منهم كيف بنَوا مَشيدًا، وأمَّلوا بعيدًا، فبادوا جميعًا، يَعلم أن الآخرين سيُخرطون (٥) عن قريب في سِلكهم، ويُمتحَنون بمثل شأنهم، فإذا تغيَّمت سماء أُنسهم بسحابِ الوحشة، فأَوَوا إلى ظلِّ شهودِ التقدير، فتزول عنهم الوحشةُ، وتَطيب لهم الحياةُ، وتتوفَّر أسباب البهجة (٦).

стр. 4641

(١٨) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: مَن كان يريد بعمله الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا﴾: في العاجلة ﴿مَا نَشَاءُ﴾ تعجيلَه ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ تعجيلَه له، لا ما يشاؤه العامل وما يريده العامل (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾: يدخلُها ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مطرودًا. * * * (١٩) - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾: أي: ثواب الآخرة بعمله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾: عَمِلَ عَمَل الآخرة من أداء الفرائض وأجتنابِ المحارم ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّقٌ للَّهِ في وعده ووعيده ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾؛ أي: مقبولًا عند اللَّه، مَرْضيًّا محمودًا، مُثابًا عليه الكثيرَ الخطيرَ على اليسير الحقير من العمل. * * * (٢٠) - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلًّا﴾: من هذين الفريقين ﴿نُمِدُّ﴾: نعطي ونوسِّع ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾: ترجمةٌ عن قوله: ﴿كُلًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾: رجوعٌ عن الإخبار عن نفسه إلى الخطاب، وهو من وجوه الكلام.

стр. 4642

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا عن عباده. * * * (٢١) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: في السعة (١) في الدنيا ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: أشد تفاوتًا، وتفضيلُها أكبرُ قَدْرًا (٢) من التفضيل الواقع في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ نزلت في ثلاثة نفرٍ من ثقيف: مَرْثدِ (٣) بن ثُمامة، وأبي فاطمةَ بنِ البَخْتَريِّ، وجَدْعان، كانوا حراصًا على الدنيا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ نزلت في بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق ﵁، ومِهْجَع بن عبد اللَّه مولى عمر بن الخطاب ﵁ (٥). وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مصدِّقٌ بأن نجاته بفضلِ اللَّه لا بسعي نفسِه.

стр. 4643

وقال في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾: قومٌ تفاضلوا بصدق القدم، وقومٌ تفاضلوا بعلوِّ الهِمم، ومنهم مَن يتفاضل بما لا بيانَ يصفه ولا عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة، ومنهم مَن يراه في الأسبوع مرةً، ومنهم مَن لا يغيب عنه لحظة، وقد يجتمعون عند الرؤية ثم يتفاوتون في النصيب، فليس كلُّ مَن يراه يراه بالعين التي يَرى بها صاحبُه، وأنشدوا: لو يَسمعون كما سمعتُ كلامَها... خرُّوا لعزَّةَ رُكَّعًا وسجودًا (١) * * * (٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أي: جرِّد التوحيد فلا تعتقِدْ مَن يَستحق العبادةَ غيرَه. وقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾: أي: فتبقى وتمكُثَ ﴿مَذْمُومًا﴾ بكلِّ لسان ﴿مَخْذُولًا﴾: هوكولًا إلى مَن اتَّخذْتَه من دون (٢) اللَّه معبودًا لا نصيرَ عنده ولا عون. والخطاب للنبي ﷺ والمراد به (٣) غيره. وهذه الآيات متصلةٌ بعضُها ببعضٍ، وأولها: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾؛ أي: عملَه من الخير والشر، ثم ذكر تفاصيلَ ذلك وتفاوتَ الفرق فيها، وذكر تفاوتَ الناس في الدنيا في الأعمال وتفاوتَهم في الآخرة في المحالّ، وذلك على حسب الأفعال، ثم فصَّل تلك الأعمال وبدأ بالتوحيد وهو في هذه الآية، ثم أتبعها خصال الإسلام الحسنةَ وما يضادُّها من الأعمال السيئة.

стр. 4644

(٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: قال ابن عباس وقتادةُ وابن زيد: وأمر ربُّك (١). وأصل القضاء: فصلُ المعنيِّ بالأمرِ على أحكام (٢). وفي مصحف عبد اللَّه: (ووصَّى ربُّك) (٣). و ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ نصبٌ لوقوع (قضى) عليه، و (لا تعبدوا) نهيٌ. ولمَّا أمر اللَّه تعالى بالتوحيد وقدَّمه لأن به تُقبل الأعمال، أَتْبعه بالإحسان إلى الوالدين وهو أعظمُ حقوق البشر، ثم أمر بعد ذلك بصلةِ الرَّحِم ومواساةِ المحاويج بالمقدار المعقول في الإنفاق المحمود، ثم نهى عن قتل الأولاد وهو من صلة الرَّحِم، ثم أَتْبعه النهيَ عن الزنا وفيه حفظُ الأنساب ليتوصل بذلك إلى صلة الأرحام؛ إذ في الزنا اختلاطُ الأرحام (٤) والجهلُ بوجوه القَرابات، ثم النهيَ عن قتل النفس المحرَّمة بغير حقٍّ إذ لا ذنب بعد ذلك إلا الشركُ أعظمُ منه، ثم النهيَ عن تضييع مال اليتيم وإفسادِه، ثم الوفاء بالعهود، ثم إيفاء الكيل والوزن (٥) بالقسط، ثم حفظ السمع والبصر والفؤاد عن خلاف الحق، ثم الأمر بالتواضع وتركِ التكبُّر والتعظُّم والمرحِ على الناس، كلُّ ذلك مَسُوقٌ على قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، ولا

стр. 4645

شك أن مَن استوفى هذه الخلالَ (١) فقد يَمُنَ طائره وسُعِد جدُّه، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾؛ أي: أَحْكَم ربُّك الأمرَ (٢) لعباده وبتَّ (٣) القولَ عليهم فيما تعبَّدهم به أن يُفْردوه بالعبادة فلا يشركوا به أحدًا غيرَه. قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أي: وأن تُحْسِنوا بالوالدين؛ أي: إلى الوالدين، كما قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ) للشرط (٤) و (ما) للصلة، والنون للتأكيد، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ على التثنية؛ لسبقِ ذكر الوالدين في صدر الآية، وعلى هذا قولُه: ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بدلُ البعض؛ كقولك: جاءني القوم بعضُهم، أو هو تفصيل، فقد قال: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. وقرأ الباقون على الوحدان لأنه فعلُ قولهِ: ﴿أَحَدُهُمَا﴾ في ظاهر النظم، وعُطف عليه ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ (٥). يقول: إنْ بلغ عندك الكبرَ الذي هو أرذلُ العمر وهما حينئذٍ في الحاجة إلى مَن يكفيهِما ويقومُ بمصالحهما كالولد في صِغَره حين حاجتِه إليهما، فلا تَستثقِلْ أن تليَ منهما ما كانا يليانه منك، ولا تُظهر لهما شيئًا من التكرُّه والتضجُّر قولًا ولا فعلًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: وفيها ستُّ لغاتٍ: الحركاتُ الثلاث بتنوينٍ وغيرِ تنوينٍ:

стр. 4646

أمَّا الكسرُ فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين، والفتح طلبًا للخفَّة في المضاعَف، والضمُّ تشبيهًا بـ (حيث) لأنه يوقف عليه من غير وصل بغيره (١)، وهو كقولك: قبلُ وبعدُ. والتنوين للتنكير، وتركُه للتعريف. وفيه ثلاث قراءات: ﴿أُفِّ﴾ بكسر الفاء من غير تنوينٍ، وهي قراءةُ أبي عمرو والكسائيِّ، وعاصم في رواية أبي بكر وحمَّادٍ. والثانية: ﴿أُفَّ﴾ بفتح الفاء من غير تنوين، وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وسهلٍ، ويعقوبَ، وعاصمٍ في رواية المفضَّل (٢). والثالثة: ﴿أُفٍّ﴾ بالكسر والتنوين، وهي قراءةُ نافعٍ وعاصمٍ في روايةِ حفصٍ (٣). وهي كلمةٌ تدلُّ على التضجُّر، والعرب تقول: أُفًّا وتُفًّا. وقيل: الأفُّ: وسخُ الأظفار، والتُّفُّ: ما رفعتَ بيدكَ من حَقيرِ الأرض. وقيل: معنى (أفّ): النَّتْن. وقيل: التَّبرُّم. وقيل: الأفُّ ما يكون في المغابن من العَرَق، والتُّفُّ: ما يكون في الأصابع من الوسخ.

стр. 4647

وقال سعدونٌ المجنون (١): أُفٍّ للدنيا وتُفّ.. كلُّ مَن فيها يَلفّ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: النَّهْر والانْتِهار: الزَّجرُ بإغلاظٍ وصياح. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: شريفًا في نفسه، أَعْرِض فيه عن القُبح واللَّغو، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ أي: معرِضين عنه مكرِمين أنفُسَهم عن الإصغاء إليه. وأصل الكَرَم: الصَّفْح. وقوله: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] قيل: شريف. وقيل: الكريم: الذي يُظهر محاسنَ حبيبه ويُخفي القبائح (٣)، قال الشاعر: إنَّ الكريم إذا حبَاكَ مودَّةً... سَتَر القبيحَ وأَظهر الإحسانا وقال الضحاك: هو ألا يُسمِّيَهما بالاسم (٤)، لكن يقول: يا أبتاه ويا أُمَّاه. وقال الزهريُّ لسعيد بن المسيِّب: قد عرفتُ ما في القرآن إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ فما هو؟ قال: هو قول العبد المذنبِ للسيد الفظِّ (٥).

стр. 4648

(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: حاصلُه: التواضعُ والعطفُ والرعاية. وقال عطاءٌ في تفسيره: لا تَرفع إليهما بصرَك، ولا تشدَّ (١) نظرك (٢). ومجازُه: أن الطائر إذا أراد ضمَّ فرخِه إليه خفَض له جناحيه، فكذا قيل للولد: اكفُل والديك وضمَّهما إلى نفسك كما كانا هما (٣) يفعلان بك في صغرك. وقيل: إذا نزل الطائرُ إلى ولده المتروك في وكره عن طيرانه خفَض جناحيه ولم يُرفرف بهما لئلا يؤذيَ الولدَ ذلك، فكذا الولدُ أُمر أن يتقدَّم إلى والديه على لِينٍ وتواضُعٍ، لا يأخذهما ولا يرفعهما إذا احتاجا إلى رفعه على قلةِ مراعاةٍ وعلى حَملهما كما يحمل الأحمال، كيلا يَشُقَّ عليهما ولا يؤذيَهما. وقيل: خفضُ الجناح: ترك الطيران، وبسطُهما: للطيران والتباعُد، فهذا أمرٌ للولد ألا يَبرحَ عن خدمتهما، ولا يَنفِرَ عنهما ولا يتباعَدَ. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: والرحمة تجمعُ كلَّ الخيرات في الدِّين والدنيا إلى أن يُدخل اللَّه المرحومَ الجنة ويَغفر له خطاياه، يقول: يا ربِّ

стр. 4649

افعَلْ بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسَنَا إليَّ في تربيتهما إياي، والتربيةُ هي التنمية، وهذا من حقوقهما بعد موتهما وهو الدعاءُ لهما (١). وقيل: نزلت الآية في سعد بن أبي وقَّاص حين أسلم، وعلمت بذلك أمُّه فتجرَّدت وألقت نفسها في الرمضاء، فأُخبر سعدٌ بذلك، فقال: فلتَمُت، فلم يرضَ اللَّه بذلك وأنزل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وما ضاهاها من الآيات (٢)، وعلى هذا قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ نسخَها قولُه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. * * * (٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: قيل: لمَّا نزلت الآيةُ خاف بعضُ الناس ما وقع منهم في حقِّ الأبوين من التقصير على غير قصدٍ، فنزلت. أي: اللَّهُ عالمٌ بقصدِ قلوبكم، فإن تكونوا صالحين غيرَ قاصدين للعقوق، بل نادمين على ما يقع من غير قصدٍ، راجعين إلى اللَّه، غفر اللَّه تعالى لكم ما قد سلف.

стр. 4650

وقيل: هو في حق العاقِّين (١) إذا تابوا وتداركوا ذلك بالعذر والبِرّ. وقيل: هو على العموم في حقِّ جميع ما سبق ذكرُه في السورة من الأمر والنهي. وقال سعيد بن المسيب: الأوَّاب: التوَّاب؛ كلما أذنبَ بادر بالتوبة منه (٢). وقال سعيد بن جبير ومجاهد: الأواب: الراجع عن ذنبه بالتوبة (٣). وقال ابن عباس ﵄: الأوَّاب: الرجَّاع إلى اللَّه فيما يَنوبه (٤). وقالت عائشة ﵂: الأوَّاب: الذي يُذنبُ ثم يتوبُ، ثم يذنبُ ثم يتوبُ، ثم يذنبُ ثم يتولى (٥). وقال سعيد بن جبير: الأوَّاب: المسبِّح (٦)، قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي. وقال قتادة: الأوَّاب: المطيع (٧).

стр. 4651

(٢٦) - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾: أي: أعطِ ذا القرابة منك -وهو المتَّصل بك بأبيك أو أمِّك- حقَّه الواجب عليك من الصلة (١) والمواساة. ﴿و﴾ أعطِ ﴿الْمِسْكِينَ﴾ (٢) أيضًا وهو الفقير ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أيضًا وهو الغريب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: أي: ولا تُسرف إسرافًا، وأصله: التفريق، من إلقاء البذر في الأرض وهو تفريق حبَّاته. وقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ﵃: هو إنفاق المال في غير حقِّه (٣). وقال مجاهد: لو أنفق مدًّا في باطل كان تبذيرًا (٤). وذكرُ المصدرِ لتأكيدِ النهي. * * * (٢٧) - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أي: لم يزل فعلُهم قبيحًا في العقل والشرع، فهم لقبح أعمالهم إخوان الشياطين؛ أي: جارُون على مذهبهم لازمون لأفعالهم، والعرب تسمي الملازِمَ أخًا له، فتقول: أخو المكارم، وأخو الجود، وأخو السفر، إذا كان مواظِبًا عليه ملازمًا له.

стр. 4652

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: أي: كثيرَ الكُفران لنعمه جَحودًا لحقوقه، ودخول (كان) فيه إخبار عن عادته ومذهبه في القِدَم (١). وقيل: إخوانُ الشياطين: قرناؤهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] قيل: أي: وقرناءهم (٢) من الشياطين. * * * (٢٨) - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: أي: وإن عَرَضتْ (٣) لك حاجةٌ أحوجَتْك إلى الإعراض عن هؤلاء المحتاجين لضِيقِ يدٍ انتظارَ الرزقِ ترجُوه من اللَّه فلا تَدَعْ تعهُّدهم بالقول الجميل، وهو قوله (٤): ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. وكان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية إذا سُئل ولم يكن عنده ما يعطي سكت انتظارًا للرزق يأتي من اللَّه كراهةَ الردِّ، فنزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: "يرزقُنا اللَّه وإياكم من فضله" (٥)، وذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: لا تسكت فيكونَ ذلك إيحاشًا لهم، ولا تُؤْيسهم فيكونَ ذلك إيلامًا لهم.

стр. 4653

(٢٩) - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي: ولا تمنع العطيةَ بمرةٍ منعَ البخيل (١)، والغَلُّ كنايةٌ عن المنع. ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: أي: ولا تجاوزِ الحدَّ في الإعطاء ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾؛ أي: فتبقى تلومُك الناس على ذلك. وقوله تعالى: ﴿مَحْسُورًا﴾: أي: منقطِعًا عن الطاعة. * * * (٣٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: اللَّه هو الذي يوسِّع الرزق على مَن يشاء من عباده ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيِّق على ما يعلم من صلاح العبد، لا لعجزٍ ولا لبخل (٢)، بل قد يعطي ليَمتحِنَ بالشكر وقد يَمنع ليَمتحِن بالصبر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: عالمًا بعباده ومصالحهم، بصيرًا بأحوالهم وأعمالهم. وقيل: نزل قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ الآيةَ في مهجعٍ وبلالٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفةَ وخبَّابِ بن الأرتِّ وصُهيب بن سنان، كانوا يَسألون رسول اللَّه ﷺ في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد له متَّسعًا فيُعرض (٣) عنهم حياءً منهم، فأنزل اللَّه هذه الآية (٤).

стр. 4654

وروى جابر: أن النبيَّ ﷺ كان قاعدًا بين أصحابه، إذ أتاه صبيٌّ فقال: يا رسول اللَّه! إنَّ أمي تَستكسيك قميصًا، ولم يكن عند رسول اللَّه ﷺ إلا قميصُه، فقال للصبي: "من ساعةٍ إلى ساعةٍ يَظهر"، فعاد الصبي إلى أمه فقالت: قل له: إن أمي تستكسيك القميصَ الذي عليك تتبرَّك به، فدخل النبيُّ ﷺ داره ونزع قميصه وقعد عاريًا، فأذَّن بلال للصلاة وأنتظره فلم يخرج، فشُغل قلب الصحابة، فدخل عليه بعضهم فرآه عاريًا فلامه، فنزلت الآية (١). * * * (٣١) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: يجوز أن يكون هذا مجزومًا على النهي عطفًا على قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾، ويحتمِل أن يكون منصوبًا عطفًا على قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقتلُ الأولاد (٢) من أشدِّ العقوق، وقد أمر اللَّه تعالى ببِرِّ الأولاد كما أمر ببرِّ الوالدين، وفي التفسير: الأبرار هم الذين يَبَرُّون الآباء والأبناء.

стр. 4655

وإذا (١) كان ذلك خوفًا من الفقر فهو أشدُّ؛ لِمَا فيه من سوء الظن باللَّه تعالى. وكان ذلك نهيًا عن وأد (٢) البنات، وكانوا يفعلونه، قال النبيُّ ﵇: "إن اللَّه كَرِه لكم وَأْدَ البنات وعقوقَ الآباء والأمهات" (٣). وذكَر الأولادَ على العموم -مع أن عادتهم كانت في البنات على الخصوص- تعريفًا أن البنات أولادٌ (٤) كالبنين، وكان وأدُهم البناتِ لخوف الفقر، فإن البنات عاجزات عن التكسُّب (٥)، وكانوا يتعيَّشون بالغارات، ويأخذون أموال الناس في المحارَبات، والبناتُ عن ذلك عاجزات، وربما لا يَرْغبُ كفءٌ في البنت فيُضطر إلى تزويجها من غير كفءٍ، فيلحقها العار بذلك، فكانوا يئدون البنات تحرُّزًا عن ذلك، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾؛ أي: علينا أرزاق الكلِّ فلا تهتمُّوا لذلك. وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قرأ ابن كثير: ﴿خِطاءً﴾ بكسر الخاء ممدودةً مهموزة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن مجاهدٍ عن ابن ذكوان: ﴿خَطَأً﴾ بفتح الخاء والطاء والهمزة من غير مدٍّ، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتسكينِ الطاء (٦).

стр. 4656

والخِطْءُ والخَطَأُ مصدر خَطِئَ يَخْطأُ، كالحِذْر والحَذَر، والعِشْق والعَشَق، وقد خَطِئ: أَثِم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد، والخِطْءُ -بالكسر- لا يكون إلا تعمُّدًا، والخطَأُ بالفتح قد يكون عمدًا وقد يكون خطأً. * * * (٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: والفاحشة: الفعلةُ المتناهيةُ في القبح ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: أي: وما أسوأه وأفسده (١)، والنهي عن القُربان مبالغةٌ في المنع عنه. * * * (٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: كلُّ نفس عصَمها وحقَن دمَها بالإسلام أو بالعهد فلا تقتلوها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إلا بحقٍّ يُوجب قتلها؛ كالقصاص، والرجم بعد الإحصان (٢)، ونحوِ ذلك، وبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك فقال: "لا يحلُّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى معانٍ (٣) ثلاثة: زنًا بعد إحصان، وكفرٍ بعد إيمان، وقتلِ نفس بغير حق" (٤).

стр. 4657

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: أي: ولايةَ القصاص، ووليُّه: وارثُه، فإن القصاص موروثٌ بين وارثِيهِ (١) على السهام. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف، وابن مجاهد والنقَّاش عن ابن ذكوان (٢) بتاء المخاطبة جزمًا (٣)، وهو نهي للولي خطابًا، وقرأ الباقون بياء المغايبة جزمًا، وهو نهيُ مغايبةٍ ويرجع إلى الولي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: قال قتادة: أي: إن الوليَّ منصورٌ باستيفاء القصاص، وعلى الأئمة والمسلمين نصره بإيفاء حقِّه (٤). وقال مجاهد: أي: إنَّ المقتول منصورٌ على قاتله، في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة بما يجري على قاتله (٥) من العذاب الشديد (٦).

стр. 4658

ومعنى النهي عن الإسراف فيه: ألا يَقتل وليُّ المقتول غيرَ قاتلِ وليِّه، وكان مِن عادةِ العرب قتلُ غيرِ قاتله، والزيادةُ على ذلك بقتلِ النفوس بنفسٍ واحدة. وقيل: هو مجاوزةُ الحدِّ الذي جُعل في القصاص؛ من المُثْلة، وقطعِ الأطراف، ونحوِ ذلك. وقال النبيُّ ﷺ : "إذا قتلْتُم فأَحْسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتُم فأَحْسِنوا الذِّبحة" (١)، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾؛ أي: القاتل، فإن اللَّه تعالى ينهَى عن قتله بأكثرَ من فعله. وقيل (٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ هو نهي القاصد عن القتل؛ أي: لا يَقتل، فإن نَفْس القتل إسرافٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]. * * * (٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالجهة التي هي أحسنُ؛ أي: أصلحُ وأنفع. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: كمالَ عقله وقوَّته، وهو إذا احتلم أو بلغ بالسنِّ، على ما فسَّرناه في آخر سورة الأنعام.

стр. 4659

وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾: أي: بعهد (١) اللَّه، وهي أوامره ونواهيه، ونذورُ العبد وأيمانُه؛ كما قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ أي: بعهد اللَّه (٢)، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: أي: مطلوبًا؛ كما يقال: سألتُه حقِّي؛ أي: طلبته، ولذلك لم يقل: مسؤولًا عنه. * * * (٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾: أي: سلِّموا ما استُحِقَّ عليكم كيلًا بكيلٍ تامٍّ. وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي: سلِّموا (٣) ما استُحِقَّ عليكم وزنًا على استقامةٍ، والقسطاس: الميزان صغُر أو كبُر؛ قاله الزجَّاج (٤). وقيل: هو القبَّان، وهو قول الحسن (٥). وقال مجاهد: هو العدل بالرُّومية (٦)، وكأنَّ القسط أصل -وهو العدلُ- والباقي مزيدٌ عليه، والمستقيم: المعتدِل. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفصٍ بكسر القاف، والباقون بضمِّها (٧)، وهما لغتان.

стр. 4660

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: قال قتادة: وأحسنُ ثوابًا في العاقبة (١)، وهو مِن آلَ يَؤولُ، وهو كقوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤]. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: في الدنيا، فإنه أمانة، وهو (٢) يوجب الثناءَ والمحمَدةَ ورغبةَ الناس في معاملته، وهو أنفع من كلِّ كسبٍ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ في الآخرة فقد جمع نفع الدارين. * * * (٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: قال قتادة: أي (٣): ولا تقُل: سمعتُ، ولم تسمع، ولا: رأيتُ، ولم تَرَ، ولا: علمتُ، ولم تَعلم (٤). وأصلُ القَفْو: اتِّباع الأثر، وكأنه يتَّبع قفا المتقدِّم، والخطاب للنبيِّ ﷺ والمرادُ جميع أمته. وقيل: هو النهيُ عما كان عليه المشركون على التقليد من غير علمٍ، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ [ق: ١٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وقال: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
следующие страницы →