← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال قتادة ﵀: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (١)؛ أي: آثَروها. وقيل: أي: اختاروها. وقيل: أي: استبدَلوها، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. ثم هذا على قول الذين قالوا: إن الآية في اليهود، يرجع إلى قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكان هذا استبدالًا منهم الضَّلالةَ بالهدى. وعلى قولِ مَن جعلها في حقِّ المنافقين -وهم لم يكونوا في الهدى قطُّ- فمعناه: أخذوا النِّفاق وتركوا الإخلاص أصلًا، لا أنِ استبدَلوا الضَّلالةَ بالهدى، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وفي حقِّ الكفار: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ليس هذا بطريق النقل، بل بالإبقاء على الأصل. ثم هذا مجازٌ، وهو مُتعارَفُ أهلِ اللسان، وهو أبلغُ في البيان، وأوقَعُ في القلوب والآذان، وهو كثيرٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقال عزَّ وعلا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال هاهنا: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. وأصله في استبدالِ مالٍ بمالٍ، واستُعير في الهدى والضلال، والجامعُ بينهما

стр. 492

معنى الاختيار والاستبدال، فكلُّ مُشتَرٍ مختارٌ، وكلُّ مشترٍ مُستبدِلٌ، وكذلك (١) هؤلاء اختاروا الكفرَ على الهدى واستبدَلوه به. وقد أشار إلى هذَين المعنيين في آيتين، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قيل: الكفرَ بالإيمان، وقيل: الشَّكَّ بالإيقان، وقيل: الجهلَ بالعلم، وقيل: الفُرقةَ بالجماعة، وقيل: النِّفاقَ بالإخلاص، وقيل: الدنيا بالآخرة، وقيل: النارَ بالجنة، ومعناه: أنَّ اختيارَ الدنيا ضلالٌ، والعملَ بما يُوجب النارَ ضلالٌ، واختيارَ الآخرة هدًى، والعملَ بما ينال به الجنةَ هدًى. ثم (٢) هذا دليلٌ على أنَّ حكمَ البيع يَثبتُ بالتعاطي من غير تكلُّمٍ بالإيجاب والقَبول، فإنَّ هؤلاء سُمُّوا مُشترِين بترك الهدى وأخذِ الضلال من غير تكلُّمٍ بهذه المبادَلة، أشار إليه الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: فالرِّبْح والرَّبَح: الفضل، ونظيرُهما المِثْل والمَثَل، والرَّباحُ كذلك، قال النَّبيُّ ﷺ : "السَّمَاحُ رَباحٌ" (٤).

стр. 493

والتجارةُ: مصدر (تَجَر) من بابِ (دخل)، واتَّجَر افتَعل منه، وجمع التاجر: التَّجْر، كالرَّكْب، والتُّجَّار كالفُجَّار (١)، والتِّجَار كالصِّيَام. ومعناه: فما ربحوا في تجارتهم، وهي اشتراءُ الضلالة بالهدى، وهو مَجازٌ واستعارةٌ، كالشِّراء، ثم هو مع الاستعارة من مقلوب الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عزموا عليه، وقولهِ تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أي: يُسرى فيه، وقولهِ تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ أي: مكرُهم فيهما، ومَن كان على هذا الوجه مُبايعتُه، فقد (٢) خسرتْ صَفْقتُه، وما ربحتْ تجارتُه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد مرَّ في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] أنَّ (كان) يصلح للماضي والحال والاستقبال (٣)، وهاهنا قد قيل بالوجوه الثلاثة: قيل: أي: وما كانوا على الهدى، فلذلك خُذلوا، فاختاروا الضلالةَ على الهدى. وقيل: أي: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ للحال؛ لتَمَسُّكهم بالضلال (٤). وقيل: أي: وما يكونون مهتدين؛ أي: لا يؤمنون من بعدُ. وقيل في انتظام هذا بالأول: وما نالوا الهدى حيث اشتروا الضلالةَ بالهدى. وقيل: إنما يتَّجِر المرءُ للربح والاهتداء (٥)، ولم يكن لهؤلاء رِبْحٌ لا اهتداءٌ.

стр. 494

وقيل: أي: ما اهتدَوا إلى الاتِّجار بالتجارة الرابحة التي اهتدَى إليها المؤمنون؛ فقد قيل لهم -أي: المؤمنون (١) -: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، و: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقيل لهؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أ [البقرة: ٢٧]، و: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٩]. * * * (١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ﴾: المَثَل في القرآن لعشرةِ معانٍ: للصِّفَة: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وللشِّبه (٢): قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ أي: لا تصفوا للَّه الأَشْبَاه. وللنَّوع: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]؛ أي: من كلِّ نوعٍ. وللعِبْرة: قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]؛ أي: عِبْرةً لهم. وللإمام: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]. وللحال: قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ أي: حالُهم كحال المُستوقِد.

стр. 495

وللعاقبة: قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١١٧]. وللمثال: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وللصِّلة والزِّيادة: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ١٥]؛ معناه: كالذين. وللعذاب: قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: عذاب هؤلاء كعذاب الذين من قبلهم. والمَثَل في اللغة: الشَّبَه، والمِثال: ما يُماثلُ الشيءَ (١)، والتِّمْثال: الصورة. وفي القرآن أمثالٌ، وهي للإيضاح والإبلاغ، فإنه أَوجَزُ في الذِّكر، وأَوقَعُ في الفَهْم. وقالوا: إنَّ المَثَل للكلام كالمرآةِ للوجه، يَرى الناظرُ فيها مَثَلَ وجهه، فيقفُ على حقيقة حاله، ويَعرف كمالَ وصفه، وكذا وقوفُ السامع على معنى كلام المُتَمَثِّل، ووصولُه إلى مُراد قوله للمُتأمِّل (٢)، مع ما تذهبُ النَّفْسُ فيه كلَّ مَذْهب، وتستفيد منه (٣) كلَّ معنًى مُعْجِب. ونوضِّحُ ذلك في واحد: أن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]، فتكلَّموا في معنى تمثيله بالماء، فقيل: إنَّ الماءَ إذا قلَّ نَفَع، وإذا كثُرَ ضرَّ، ففي القليل التَّطهُّرُ من الحَدَث والجَنابة والحيض والنِّفاس، واتخاذُ الأطعمة والأشربة، وغَسْلُ الأعيان النجسة، وسقيُ الدَّوابِّ والأراضي والأشجار، وإحياءُ

стр. 496

الفَلاة، فإذا كثُرَ هَدَمَ البُنيان، وأفسدَ الزَّرع، وقَلَعَ الأشجار، وشقَّ الأنهار، وسدَّ الطُّرق، وأغرق الناس. وكذا المالُ القليل: تُكفَى به المُؤَن، وتُقام به المصالح، ويُتَزوَّد به للمَعاد، فإذا كثُرَ أوردَ الطُّغيان، ووَلَّدَ العِصيان، وأورث البغضاء والشَّنَآن، وأكثر الأعداء والحُسَّاد. وقيل: إذا قلَّ الماءُ أجريتَه حيث شئتَ، وفيه الحياة والعمارة، وإذا كثُرَ جرى (١) حيث شاء، وفيه الخرابُ والإماتة، فكذا حالُ المال، وعلى هذا (٢) جميعُ الأمثال. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾: أي: أشعل (٣) نارًا، يقال: وَقَدَتِ النارُ وُقودًا؛ أي: اشتَعَلت، وأَوقَدَها غيرُها واستو قَدَها؛ أي: أشعلَها، والوَقود بالفتح (٤): الحَطَب؛ لأنه به تُشعلُ النار، والوَقَد بفتح الواو والقاف: النار، ووَقْدَةُ الحَرِّ: شدَّتُه (٥). والاستيقادُ هاهنا كالإيقاد (٦)، بمنزلة الاستيقان والإيقان، والاستخراجِ والإخراج، والاسترهابِ والإرهاب، وكذا قال الأخفش: إن معناه: كمثَل الذي أشعل (٧) نارًا بنفسه (٨).

стр. 497

ويقال: استوقد؛ أي: سأل غيرَه أنْ يُوقِد، فإن سينَ الاستفعال للطلب والسؤال. واختلفوا في المُرادِينَ بهذه الآية: قال ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما في روايةٍ، وسعيد بن جُبير، ومحمد بن كعبٍ، وعطاء، ويمان بن رِئابٍ: هم اليهود لعنهم اللَّه، كانوا يُقِرُّون بالنبيِّ ﷺ قبل مبعثه، فكانوا في نورٍ، فلمَّا بُدث جحَدوه، فصاروا في الظُّلمة؛ كمَن أوقدَ نارًا في المفازة (١) للأمن فطَفِئت (٢). وعلى هذا (٣) جاء عنهم في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ أي: أَرسل عليها ريحًا عاصفًا فأطفأتها (٤)، وهو ما جاء في صفة اليهود لعنهم اللَّه في آيةٍ أخرى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾؛ أي: مع محمدٍ، ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال مقاتلٌ (٥) وقتادةُ والضحَّاك والسُّدِّيُّ والقُتبيُّ -وهو قول ابن عباسٍ، وابن مسعودٍ ﵃: الآية في المنافقين، آمنوا بالشهادة كما آمن صاحبُ النار في المفازة (٦)، ثم زال ذلك بالموت (٧).

стр. 498

ثم إنما قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على الوحدان وإن كان معنى (١) قوله: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ على الجمع لوجوهٍ: أحدها: أن معناه: مَثَلُ كلِّ واحدٍ منهم كمَثَل المستوقِد، وهذا (٢) كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] ولم يقل: أطفالًا، وإن خاطب الجمع؛ لأن معناه: يُخرج كلَّ واحدٍ منكم طفلًا. وقيل: هو اسم جنسٍ فيَصلح للواحد والجمع. وقيل: المُوقِدُ للجمع يكون واحدًا والمستضيئون كثيرًا. وقيل: هو تمثيلُ فعلِهم لا أعيانِهم، ومعناه: مَثَلُ فعلِ المنافقين كمَثَل فعلِ المستوقِد، وكِلَا الفعلين واحدٌ، وإضمارُ الفعل في الاسم جائزٌ كما في قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أي: كخَلْقِ نفسٍ واحدةٍ وبَعْثِها. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: أي: أنارت، والضوء: النور، وضاء؛ أي: نارَ، وأضاءَ يكون بمعنى ضاء أيضًا لازمًا، ويكون متعدِّيًا بمعنى نوَّر، وهو في قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] لازمٌ، ويكون ضاء وأضاء بمعنًى واحدٍ، كقولهم (٣): نارَ وأنار، وبان وأبان. وفي هذه الآية: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ متعدٍّ، لأنه ذكَره بالتاء، ومعناه: فلما نوَّرتِ النارُ المواضعَ التي حول هذا المستوقِد، ولو كان لازمًا لكان يقول: فلما أضاء ما حوله؛ لأن (ما) مذكَّرٌ.

стр. 499

فإن قالوا: هل بينَ الضوء والنور مغايرةٌ، أو هما شي ءٌ واحدٌ؟ فإن كانا غَيْرَين (١) فلمَ أثبتَهما جميعًا في شيءٍ واحدٍ هاهنا، فقال (٢): ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؟ وإن كانا واحدًا فلمَ غايَر بين الكلمتين؟ قلنا: هما واحدٌ هاهنا، وإنما ذكرهما جميعًا لأنه أعذَبُ لفظًا، وأحسنُ نظمًا، وأبلغُ في الفصاحة، وألطف في العبارة، من الإعادة بلفظ الأول، ودليلُ اتِّحادهما قولُه تعالى في صفة نور المعرفة: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (٣) [النور: ٣٥] وقال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، وقال في التوراة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقال فيها أيضًا (٤): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: جهات المستوقد، يقال: حَوْلَه وحَوَالَيْه وحَوْلَيه. وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: أي: أَذْهبه اللَّه، والذَّهاب والذُّهوب: الانتقال، والمَذْهب: الطريق، والذَّهاب: الزَّوَال أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ أي: ليزيلَه. و (ذهب) لازمٌ، ويصير متعديًا بالباء، كما يقال: أتى فلانٌ وأتى به غيرُه، وذهب هو وذهب به غيره، وقام هو وقام به غيره. والنور هاهنا: ضوءُ النار التي أوقَدوها، وإنما لم يقُل: بنارهم، وإنْ كانت هي

стр. 500

المذكورةَ قبلَها؟ لأن للنار شيئين: حرارةً ونورًا؟ واللَّهُ تعالى أذهب النورَ، وبقي عليهم الحرُّ المحذور (١). والإمامُ أبو منصورٍ (٢) ﵀ يشير إلى أن معناه: أَذْهبَ اللَّه تعالى نورَ بصرهم (٣)، على ما نبين إن شاء اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾: أي: خلَّاهم في ظُلُماتٍ، هي جمع الظُّلْمة، وتُجمع على الظُّلَم، والظُّلُمات بضم اللام (٤)، والظُّلَمات بفتح اللام، وكذا الحُجرات والغُرفات. وهي الظلمات المحيطة به من كل جهةٍ، ففي كل جهةٍ ظلمةٌ، ومن الجهات ظلماتٌ. وأما تفسيرُه (٥): فقد قال الحسن: هو النورُ الذي أظهَروه للرسول بالإسلام، قطعه اللَّه عنهم بالموت في قبورهم. وقال أبو بكرٍ الأصمُّ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: سوَّد وجوههم في الآخرة عقوبةً لهم (٦). وقيل: معنى ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي: لم يأتهم بضياءٍ يبصرون به.

стр. 501

وقيل: أي: لم يُخرجهم منه، كما يقال: تركَه في الدار؛ أي: لم يُخرجْه منها، وهذا تأويل المعتزلة، فإنهم لا يقولون بخلقِ أفعال البشر من اللَّه تعالى. والصحيح من التأويل عند أهل السنَّة والجماعة: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ أي: جعَلهم في الظلمات، وهو كقوله: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ أي: جعَله صلدًا. وقوله تعالى: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: لا يبصرون ما حولهم (١) لذهابِ النور. ثم إنما قال: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بالجمع، مع أن المذكور في أول الآية: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ وهو واحدٌ، لِمَا مرَّ أن المُوقِد واحدٌ والمصطَلُون (٢) جمعٌ. أو أُريد بالواحد الجمعُ من الوجه الذي مرَّ، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ثم في آخره: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. ومعنى الآية في قول ابن عباسٍ وقتادةَ والضحاكِ ومقاتلٍ والسدِّي: مثلُ المنافقين في كفرهم ونِفاقهم كمثلِ رجلٍ أَوقد نارًا في ليلةٍ مظلمةٍ في مَفازةٍ (٣) واستضاء بها واستَدفأ بها، ورأى ما حوله واتَّقى ما حَذر وخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طَفِئتْ نارُه فبقي في ظلمةٍ خائفًا متحيِّرًا، فكذلك المنافقون إذا أظهروا

стр. 502

كلمة الإيمان واستناروا بنورها (١) واعتزوا (٢) بعزِّها وأمنوا (٣) بسببها، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأَمِنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الخوف والظُّلْمة وبَقُوا في العذاب والنِّقمة (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: في هذه الآية كشفُ قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فإنه فضَحهم في الدنيا والآخرة، لأنهم (٥) طلبوا بنفاقهم الأمنَ فأَعقبهم اللَّه خوفًا دائمًا، كما قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية [محمد: ٢٠]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الآية [التوبة: ٦٤]. ولأنهم طلبوا بالنِّفاق رضى الفريقين والشرفَ والعزَّ فيهم، فعَلم الفريقان جميعًا بذلك فطردوهم، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، وقال اللَّه تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] فزال الشرفُ والعزُّ وجاء الهوانُ والذلُّ. فمثَلُهم كمثَلِ مستوقِدِ النار ليستضيء بها وينتفعَ بحرِّها، فأذهب اللَّه تعالى بصرَه فذهب ما كان يأمل من الاستضاءة بضوئها والانتفاعِ بحرِّها، وأَعقبه خوفَ

стр. 503

الإحراق لو دنا منها، وذهب الانتفاعُ بحرِّها في البرد وإصلاحِ الأغذية بها بذهاب البصر، وأمَّا في الآخرة فما ذكرنا من جواب المؤمنين لهم عند اقتباس النور، وضحك المؤمنين منهم وهم في النار (١). * * * (١٨) - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ﴾: الصَّمَم: انسداد خروقِ المسامع، والأصمُّ: الصخر الأملس، والجَذْرُ الأصمُّ: أصل الحساب الذي لا يَصل إلى معرفته العِباد، والقناة الصَّمَّاء: التي ليست بمجوَّفةٍ، والصَّمَّاء: الداهية، والصِّمَّة: الشجاع، والصِّمَّة: الأسد، وقارورةٌ مصمومةٌ؛ أي: مسدودةٌ، وصِمَامُها: سِدَادُها. وأصلُ كلِّه: السدُّ والشدُّ، والأصمُّ: النعتُ من الصَّمَم، وجمعُه: الصُّمُّ، وكذا كلُّ أَفْعَلَ كان نعتًا ممَّا هو خِلْقة فجَمْعُه: الفُعل، ومِثْلُه: البُكْمُ والعُمْي، فإن كان اسمًا فعَلَى الأفاعل يُجمع، كالأرنب والأرانب، والأعجم والأعاجم، فإن كان نعتًا مما هو آفَةٌ فعلى الفَعلى؛ كالأَعجَف والعَجْفى، والأحمق والحَمْقى. وقوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾: فالبَكَمُ (٢): هو الخَرَس، وهو آفَةٌ في اللسان لا يتمكَّن معها أن يعتمد مواضعَ الحروف. وقيل: الأبكمُ هو الذي يُولد أخرسَ. وقيل: هو الخَرَس مع ذهاب الفؤاد.

стр. 504

وقوله تعالى: ﴿عُمْيٌ﴾: فالعَمَى (١): ذهابُ بصر العين والقلب، والعَمَايَة: الجَهَالة، والعَمَى (٢): الخفاء أيضًا، والتَّعمية: الإخفاء. والنعتُ من البَكَم: الأبكم، وجمعُه: البُكْم، ومِن العمى: الأعمى في العين، وجمعُه: العُمْي، ومن القلب العَمِي، وجمعه: العَمُون، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. ثم رفعُ هذه الكلمات بإضمارِ كلمةِ: هم؛ أي: هم صمٌّ بكمٌ عميٌ. وقرأ عبد اللَّه بن مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه: (صمًّا بُكمًا عُميًا) (٣)، ولنصب ذلك ثلاثة أوجهٍ: أحدها: وتركَهم صمًّا بكمًا عُميًا. والثاني: على الذمِّ. والثالث: على الحال. وأما تفسيره: فقد قال قتادة: أي: صمٌّ عن استماع الحق، بكمٌ عن التكلُّم به، عُميٌ عن إبصاره (٤). وقيل: أي: يتصامُّون ويتباكَمون ويتعامَون مع قيام الآلات، في الإعراض عن الحقِّ الذي قامت على حقيقته الدلالات، وقد قال قائلُهم:

стр. 505

قُلْ ما بدا لك مِن زورٍ ومِن كذبٍ... حِلْمي أصمُّ وأُذْني غيرُ صمَّاءِ (١) وقيل: معناه: كأنهم صمٌّ بكمٌ عميٌ، فإنهم لا ينتفعون بهذه الآلات مع وجودها، فكأنهم عَدِموها، وهذا كما سمِّي (٢) الكافر ميتًا، لأنه لا يَنتفِع بحياته. ثم (٣) لمَّا وُصفوا بهذه الصفات في الدنيا عوقبوا في الآخرة بحسَبها (٤)، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] فلا يسمعون سلامَ اللَّه، ولا يخاطِبون اللَّه ولا يرونه، والمسلمون كانوا سامعينَ الحقَّ قائلين بالحقِّ ناظرينَ إلى الحق، فيُكرمون يوم القيامة بخطابه وسلامه ولقائه. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ الرجوع: الانصراف، والرَّجع: الصَّرف، فيكون رجع سالمًا ومتعدِّيًا، والرِّجَاع: رجوعُ الطير بعد قِطَاعها؛ أي: خروجُها من بلادِ البردِ إلى بلاد الحرِّ، والإرجاعُ: سِمَنُ الإبلِ وحُسنُ حالها بعد هُزالها، ورجعةُ الزَّوج في المطلقة بفتح الراء وكسرها، والرُّجعى: الرجوع، والمرجوع: جواب الرسالة. وتفسيرُه هاهنا: لا يرجعون إلى الحق. وقيل: عن التَّعَامي والتَّصامِّ والتباكُم. وقيل: إلى رؤية الحق وسماعه والتكلم به.

стр. 506

وقيل: إلى ثواب اللَّه تعالى. وأفادت الآية أنهم كانوا يستطيعون الرجوعَ باستطاعةِ سلامةِ الآلات، حيث استحقُّوا الذَّمَّ بتركه، وأن قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ليس بنفي الآلات، بل هو نفيُ تركهم استعمالَها. ثم إن اللَّه تعالى نَدب الخلقَ إلى الرجوع إليه والائتمارِ (١) بأمره والانتهاءِ بنهيه بقوله عز وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٤] فمَن لم يَرجع إليه اختيارًا يرجع بالموت والبعث إجبارًا (٢)، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، ومَن رجع إليه في الدنيا بفعله وحقَّق ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] كان رجوعُه إليه بالكرامة، ويخاطَب بقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية [الفجر: ٢٧]. * * * (١٩) - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ (أو) جاءت (٣) في القرآن لثلاثةَ عشَر معنًى: أحدها: للشك، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].

стр. 507

وللتشكيك: قال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وهذا غيرُ الأول، هذا إخفاء الحال على السامع من غير شكٍّ من القائل. وللتخيير: قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وللإباحة: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، وهذا غير التخيير، ذاك بيانٌ أن الواجب أحدُها لا كلُّ وله الخِيَارُ، وفي الإباحة: له أن يفعلهما وله أن يفعل أحدهما. وللتفصيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، كلُّ عقوبةٍ منها لجنايةٍ غيرِ الأخرى. وبمعنى الواو: قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وبمعنى: بل، قال تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]. وبمعنى: ولا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وبمعنى: حتى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ولذكر شيئين يتعلق الحكمُ بأيهما وجد أو (١) بهما إنْ وُجدا: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] قَتَل المسلمُ الكافرَ أو قَتَل الكافرُ المسلمَ، أو اجتماع الأمرين كلُّ واحدٍ منها بسبب استحقاق الآخر (٢).

стр. 508

وللدخولِ بين مذكورَينِ ومُلحقٌ (١) بهما مذكوران بينهما كلمة (أو) أيضًا: والمراد تعيينُ أحدهما لأحدهما وتعيينُ الآخَرِ للآخَر، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]؛ أي: إنَّا لعَلَى هدًى وإنكم لفي ضلالٍ مبين. وللذِّكر بين أمرين، وتوهَّم أنه مخيّر بينهما ويباحُ له كلاهما: والمراد به أنه لو فعلهما لم ينفعاه، ولو فعل أحدهما لم ينفعه، قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾. ولاحتمالِ وجهين أو وجوهٍ مما يُستعمل فيه: كما في هذه الآية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ يحتمِل أن يكون للتخيير؛ أي: إن شئتُم فاجعلوا مَثَل المنافقين كمَثَل المستوقِد نارًا، وإن شئتُم فاجعلوا مَثَلَهم كمَثَل أصحابِ صَيِّبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى الواو؛ أي: وكصيبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى: بل، ويجوز أن يكون للتفصيل، فالتشبيه الأول لشيءٍ (٢) والثاني لشيءٍ آخر على ما نبيِّن إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ الكافُ للتشبيه، وهو أحدُ أقسام البلاغة، وهو أبلغُ في المعنى، وأوقعُ في القلب، وأعذبُ في الأسماع (٣)، وأوصلُ إلى المراد. وهو في القرآن كثيرٌ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبرا هيم: ٢٤]، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]، ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢]، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾

стр. 509

[البقرة: ٢٦١]، ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ [الحديد: ٢٠]، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]. والصيب: المطر، من قولهم: صاب يَصُوب صَوبًا: نزل، قال الشاعر: فلستَ لإنسيٍّ ولكنْ لملْأَكٍ... تَنَزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (١) والصيِّب: السَّحاب أيضًا، قال أبو ذُؤيب: بقرارِ قِيعانٍ سقَاها صيِّبٌ... واهٍ فأَثْجَمَ بُرهةً ما يُقْلِعُ (٢)

стр. 510

والصيِّب أصله: صَيْوِبٌ، صارت الواو ياءً -لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ- وأُدغمت، كالسيِّد والجيِّد والطيِّب والليِّن، إلا أنَّ السيِّد والجيِّد واويَّان والطيِّبَ والليِّنَ يائيَّان، وأصلهما: طَيْيِبٌ ولَيْيِنٌ، فصارتا واحدةً بالإدغام. وتفسيرُه هاهنا: المطر (١)، في قولِ ابن عباسٍ وابن مسعودٍ ﵃ (٢). وقد قال بعضهم: أي: كسحابٍ، لأنه تعالى قال: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، وذلك في السحاب لا في المطر، وسمِّي السحاب صيِّبًا لأن الصيِّب منه، وهو المطرُ الذي يَصُوبُ؛ أي: يَنزل. وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالسماء (٣) في اللغة: سقفُ الدنيا، والسماء: السحاب أيضًا، والسماء: المطر أيضًا، والسماء: سقف البيت أيضًا، والسماء: ظهر الفرس أيضًا، وهي في القرآن على وجوهٍ ذكرت: للسموات السبع: قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. وللسماء التي تلينا: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦]. وللسحاب: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]. وللمطر: قال تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. وللهواء: قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) [إبراهيم: ٢٤]. ولسقف البيت: قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].

стр. 511

ولسماء الجنة: قال اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨]. ولسماء جهنم: قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]. وتفسيره (١) ها هنا: أي: من السماء الدنيا. وقيل: من السحاب. فمَن جعَل الصيِّب سحابًا لم يُمْكِنه صرف السماء إلى السحاب، فيصرِفُه إلى السماء الدنيا (٢)، ومَن جعَله مطرًا أَمْكنه صرفُه إلى كلِّ واحدٍ منهما. والتوفيقُ بين التفسيرين: أن المطر من السحاب عِيانًا وهو من السماوات أصلًا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]. وروى وهب بن منبِّهٍ في "المبتدأ" -اسم كتاب (٣) - عن ابن عباسٍ ﵄ أنه قال (٤): تحت العرش بحرٌ ينزل منه أرزاقُ الحيوانات بوحي اللَّه إليه (٥)، فيُمطِرُ ما شاء من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، ويُوحي إلى الريح فتحمله فتَبثُّه (٦) في السحاب، والسحابُ بمنزلة الغربال، ثم يوحي إلى السحاب أنْ

стр. 512

غَرْبِلْه فيُغَرْبِلُه، فليس من قطرةٍ تقطر إلا ومعها ملكٌ يضعُها موضعَها، ولا ينزل من السماء قطرةٌ إلا بكيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ، إلا ما كان من يوم الطُّوفان، فإنه نزل ماءٌ منهمرٌ بغيرِ كيلٍ ولا وزنٍ. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: هي ظلمة الليل والسحابِ والمطرِ. وقيل: ما يستره المطرُ والسحاب من نور المطالع (١). وقوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾: أما الرعد فقد سُئل وَهْب بن منبِّهٍ عن الرعد: ما هو؟ فقال: اللَّهُ أعلم (٢). وعن معمرٍ قال: سألتُ الزُّهريَّ عن الرَّعد ما هو؟ فقال: اللَّهُ أعلمُ (٣). وسأل كعبٌ عبدَ اللَّه بن عُمر ﵄ عن الرَّعد، فقال: مَلكٌ وكَّله اللَّه بسياقةِ السحاب، فإذا أراد اللَّه تعالى أن يَسوقه إلى بلدٍ أَمَره فساقه، فإذا تَفرَّق عليه زجَره بصوته حتى يجتمعَ كما يردُّ أحدكم رِكابه، ثم قرأ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] (٤). وعن جماعة من الصحابة ﵃: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحانَ مَن يسبِّحُ الرعدُ بحمده والملائكةُ من خِيفَته (٥).

стр. 513

وعن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ: أن الرعد ملكٌ يحثُّ (١) السحابَ كما يحثُّ الراعي الإبلَ، وكما يَنْعِقُ الراعي بغنمه، فإذا تفرَّقت سحابةٌ ضمَّها، فإذا اشتدَّ غضبه طار من فيه النار، فهي الصواعق (٢). وقال قتادة: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْق اللَّه سامعٌ مطيعٌ (٣). وقال ابن عباسٍ ﵄: ليس شيءٌ أحسنَ مَنْطِقًا ولا أحسنَ ضحكًا من السحاب، قالوا: ما مَنطقُه وما ضحكُه؟ قال: منطقُه الرعدُ وضحكُه البرقُ (٤). وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: الرعدُ ريحٌ تختنقُ تحت السحاب فيتصاعد، فيكون منه ذلك الصوت (٥). وقيل: الرعد صوتُ اصطِكاكِ الأجرام، وهو من الرَّعد، لأنه صوت يَرتعِد، أي: يضطرب. وأُرْعِدت (٦) فرائصُه عند الخوف، من هذا، والرِّعْديد: الجبان، لارتعاده من خوفه، والرِّعديدةُ: المرأةُ الليِّنة الأعضاء من ذلك.

стр. 514

والبرق: هو ما يَنقدِح من اصطكاكِ الأجرام عند هؤلاء. وقال عليٌّ ﵁: هو ضرب الملَك الذي هو الرَّعدُ السحابَ بمخراقٍ من حديدٍ (١). وقال ابن عباسٍ والضحَّاك: هو سوطٌ من نارٍ يَزجر به الملَكُ السحابَ (٢). وقيل: هو تلألؤ الماء. وقال مجاهد ومحمد بن مسلمٍ الطَّائفيُّ: البرقُ ملَكٌ له أربعة أوجهٍ: وجهُ إنسانٍ، ووجه ثورٍ، ووجه نسرٍ، ووجه أسدٍ، فإذا مَصَع بأجنحته فذلك البرق (٣). والمَصَع: التحريكُ والضرب. وقال شعيب بن الحبحاب (٤): وجدتُ في كتاب اللَّه تعالى أن حملة العرش

стр. 515

لكلِّ ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ ووجهُ ثورٍ ووجهُ أسدٍ ووجهُ نسرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتهم فهو البرق. وعلى كلِّ هذه الأقاويل: الرعدُ والبرقُ المذكوران في هذه الآية هو الصوتُ والنار التي تلمع في السَّحاب، فإن كان الرعد والبرق اسمين لملَكٍ أو ملكين، فقد أُريد بما ذكر في هذه الآية صوتُهما وأثرهما، لا عينُهما. وفي قصة المعراج من روايةِ ابن عباسٍ ﵄: قال ﵊: "ثم مررتُ على ملَكٍ يشبهُ الآدميَّ خَلْقًا، نصفُه من الثَّلج ونصفُه من النار، وسمعتُ تسبيحَه وهو يقول: سبحانَ الذي (١) ألَّف بين الثَّلجِ والنار، سبحان الذي يؤلِّفُ بين عباده المؤمنين، فقلت: يا جبريل! مَن هذا الملك؟ فقال: هذا ملكٌ خلقَه اللَّه تعالى بقدرته كما ترى، وكَّله (٢) على السَّحاب يَسُوقه من موضعٍ إلى موضعٍ، واسمُه: رعد، ومنه الرعدُ والبرق" (٣).

стр. 516

يعني: بسياقه السحابَ يَظهر الرعدُ، وبعنفه على السحاب يظهر البرق، ألم تسمع اللَّه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ الآية [النور: ٤٣]. وقال في كتاب "حقائق القرآن": قال ابن الرَّيحانيِّ (١): الرعد صَعقاتُ الملائكة، والبرقُ حُرقاتُهم (٢)، والمطرُ بكاؤهم. فإنْ حُمل هذا الكلامُ على الظاهر (٣) فالملائكةُ موصوفون بالخشية والخِيفة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وبكاؤهم شديدٌ أيضًا، حكاه النبيُّ ﷺ أنه رآهم ليلة المعراج

стр. 517

باكِين، أهلُ كل سماءٍ إلى العلو (١) أشدُّ أثرًا من الذين دونهم، فيجوز أن يكون ما نَرى من الهواء هو (٢) منهم من السماء. وإنْ حُمل على التمثيل فله وجهٌ؛ أي: كما تسمعون صوت الرعد فاعلموا أن صياح الملائكة من الخوف (٣) كذلك، وكما ترون لمَعان البرق فلمعانُ نيران أشواقهم كذلك، وكما تَرون تقاطُر الأمطار فدموعُهم كذلك، وهذا حالُهم مع أنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم عبادٌ مُكرَمون، وهم من خشيته مشفِقون، فكيف ينبغي لنا أن نَغفل مع هَفَواتنا وجَفْواتنا وخُطواتنا وخطيئاتنا؟! وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾: قيل: يضعون، وقيل: يُدخلون. ودلت هذه الكلمة -وهي (٤) فعلُ الجمع- أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾: أو كأصحابِ صيِّبٍ، حتى صار هذا فعلًا لهم (٥). والأصابع جمع إصبعٍ، وفيها خمسُ لغاتٍ: أَصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، وأُصبَع بضمها -أي: الهمزة (٦) - وفتح الباء، وأُصبُع بضمهما، وإِصبع بكسرهما، وإِصبَع بكسر الهمزة وفتح الباء وهي أشهرها. وهي إحدى أصابع اليدين والرجلين، والإصبعُ مؤنثةٌ سماعًا، قال النبيُّ ﷺ في رَجَزٍ له في بعضِ مغازيه:

стр. 518

هل أنت إلا إصبعٌ دَميت... وفي سبيلِ اللَّه ما لَقيت (١) ودلت الآيةُ أن إطلاق اسمِ الشيء على بعضه جائزٌ مجازًا، فإنه ذكر جَعْلَ الأصابع في الآذان، والمقصود جعلُ (٢) بعضِها لا كلِّها، ومعنى هذا: يسدُّون آذانهم بأصابعهم خوفًا من الرعد. وقوله تعالى: ﴿فِي آذَانِهِمْ﴾: هي جمعُ أُذن، وهي الجارحة السامِعة، وقد أَذِنَ يَأْذَنُ؛ أي: سمع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]؛ أي: سمعتْ مُطيعةً، وقال النبيُّ ﷺ : "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأَذَنهِ لنبيٍّ يَتغنَّى بالقرآن" (٣)؛ أي: ما قَبِلَ اللَّهُ ورضي (٤)، والأذان: الإعلام بالإسماع (٥)، وأَذِن؛ أي: عَلِم إذْ (٦) سمع، ورجل أُذُنٌ؛ أي: يسمع كلَّ قولٍ ويَقبله. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: هي جمع الصاعقة، وهي الصوت مع النار. وقيل: هي صوتُ الرعد الشديد الذي يُصْعق منه الإنسان؛ أي: يُغشى عليه أو يموت. وقيل: هي نارٌ لا دخان لها. وقيل: هي عذابٌ ينزل من السماء يموت منه أكثرُ مَن يسمعه.

стр. 519

وقيل: الصاعقةُ والصاقعة واحدةٌ، وهي من الصَّقع (١) أي: الضرب، وهو الصوت أيضًا، والصقيع (٢): البرد المحرق للنبات، والصَّقَع بفتح القاف: الغَشْيُ أيضًا. وقيل في الصاعقة -وهو أجمعُ ما قيل فيه-: هو الشديدُ من صوت الرعد يقع معه قطعةُ نارٍ تُحرق ما أتت عليه، وهو المراد هاهنا. وقد ذُكرت الصاعقة في القرآن (٣) لأشياءٍ: للنار: في قصة بني إسرائيل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]. وللريح: في قصة عادٍ، قال: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ [فصلت: ١٣]. وللصيحة: في قصة ثمودٍ، قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ﴾ [فصلت: ١٧]. ولمطلق العذاب: قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]. وللعذاب النازل من السماء: قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣]. ولصوت الرعد: كما في هذه الآية. وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أي: من قِبَل الصواعق وبسببها (٤)، أو فيه مضمرٌ

стр. 520

وتقديره: يجعلون أصابعهم في آذانهم تحرُّزًا من الصواعق، أو: خوفًا من الصواعق. والألف واللام في ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ بدلُ الإضافة؛ أي: من صواعقِ الرعد وصواعقِ الصَّيِّب، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه. وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: الحذر: الخوفُ الباعثُ على التحفُّظ والتيقُّظ، ورجلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ -بكسر الذال وضمِّها- من ذلك، وطيرٌ حَذِرٌ؛ أي: يتحفَّظ (١) في شربه والتقاطِ حَبِّه. والموت: زوالُ الحياة. ونُصب ﴿حَذَرَ﴾ على أنه مفعولٌ له؛ أي: لأَجْل حذَرهم من الموت يفعلون كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: الإحاطة: إدراك الشيء بكماله من كلِّ جهاته، ويُستعمل في العلم بالشيء من كلِّ وجوهه، قال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ولإهلاكِ الشيء بكلِّيَّته، قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي: تَهلكوا جميعًا. وتفسيرُه هاهنا عند بعضهم: أي: يُميتهم إن شاء فلا فائدةَ لحذَرهم. وقيل: أي: هو عالم بالكفار فيُطْلعُ رسولَه على أفعالهم. وقيل: أي: عالم بهم فيجازيهم يوم القيامة بأعمالهم. وقيل: أي: يجمعهم في جهنم بما فعلوا، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]؛ أي: لا يخرجون عن ملكه وعلمه وقدرته. * * *

стр. 521

(٢٠) - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ كاد يَكاد مَكادَةً؛ أي: قارَبَ، يقال: كاد يفعلُ كذا؛ أي: قَرُبَ أن يَفْعَلَ ولمْ يَفْعَلْ (١)، وإذا قلتَ: ما كاد يَفعلُ، فمعناه: قرُب أنْ لا يَفْعَلَ وفَعَلَ، وهو مِثلُ (عسى)، إلا أن (عسى) يُوْصَل بكلمةِ (أنْ)، و (كاد) يستعمل بغيرِ (أنْ)، وقد يستعمل أيضًا مع (أنْ)، واللغةُ الفاشيَةُ هي الأُولى، وفي القرآن كذلك. وقالوا: إذا وُصل (كادَ) بـ (أنْ) فهو تشبيهٌ بـ (عسى)، وإذا أُسقط عن (عسى) فهو تشبيهٌ بـ (كاد)، قال اللَّه تعالى في (عسى): ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ (٢) [المائدة: ٥٢]، وقال تعالى في (كاد): ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]. وقوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ الخَطْف (٣): الاستِلابُ بسرعةٍ، من حدِّ عَلِم، ورجلٌ خَيْطَف: سريعُ المَرِّ، والشيطانُ يَخْطَفُ السَّمْعَ؛ أي: يَسترِقُه، والبرقُ يَخْطَفُ البَصَر؛ أي: يَستَلِبُه. وقرأ الحسن البصريُّ ﵀: (يَخِطِّفُ) بفتح الياءِ وكسرِ الخاء والطاء (٤).

стр. 522

وقرئ: (يَخَطِّفُ) بفتح الياء والخاء وكسر الطاء (١). وقرئ: (يِخِطِّفُ) بكسر الياء والخاء والطاء (٢). وقرأ بعض أهل المدينة: (يَخْطِّفُ) (٣) بسكون الخاء وتشديد الطاء (٤). وقراءةُ الأكثر: ﴿يَخْطَفُ﴾ (٥) بفتح الياءِ وسكونِ الخاء وفتحِ الطاء وتخفيفِها. فأمَّا وجهُ تشديد الطاء: فعلى أن أصله: يَخْتَطِفُ، فأدغمت التاء في الطاء. وأمَّا كسرُ الخاء: فلاجتماع الساكنَين، فحرِّك الأولُ إلى الكسر كما في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. وأما كسرُ الياء: فإتباعًا للخاء. وأما فتحُ الخاء: فلِنَقْل حركة التاء المدغَمة إليها. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾: يجوز (أضاء) لِلَّازم (٦) والمتعدِّي، ومعنى الأولِ: كلما ضاء (٧) لهم البرقُ، ومعنى الثاني: كلما أضاء البرقُ الطريقَ لهم.

стр. 523

وقوله تعالى: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: المشي: السَّيرُ السَّهل، والمَشِيُّ بالتشديد والمشوُّ: الدواء (١) المسهل. والمشيُ في القرآن لمعانٍ: للسير: كما في قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥]. وللمُضيِّ: كما في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥]. وللاهتداء: كما في قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. وللانجرار: كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]. وللنميمة: كما في قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]. وتفسيرُه هاهنا: كلما نارَ البرقُ فأنارَ الطريقَ مضَوا في طريقه وضوئه، فإذا انقطَع وقفوا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: القيام: الانتصاب، قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. والقيام: الاستواء، قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. والقيام: النهوض، قال تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا﴾ [الكهف: ١٤]. والقيام: البقاء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]. والقيام: الوقوف، قال تعالى: ﴿أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا زال الضوءُ وجاء الظلام وقفوا.

стр. 524

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: (لو) كلمةُ شرطٍ، والمعلَّق به يَمتنِعُ بامتناعِ شرطه، وقد يكون للتمنِّي كما في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]. والمشيئة: الإرادة. وقوله تعالى: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: أي: لأَذْهَبها، فالتَّعدِيَة قد تقع بالباء أيضًا. ثم ذكرُ السمعِ على الوحدان -مع إضافتِه إلى الجمع- وذكرُ الأبصار (١) بالجمع؛ لِمَا مر في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. وتفسيرُ هذه الكلمات: ولو شاء اللَّهُ لذهب بسمعِ رؤوسهم وأبصارِ رؤوسهم كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها. وقيل: ولو شاء اللَّه لجعلهم صمًّا وعميًا في الآخرة كما جعلهم في الدنيا كذلك. وقيل: ولو شاء اللَّه لذهب بأعيانِ الأسماع والأبصار منهم كما ذهب بمنافع الأسماع والأبصار منهم. وبمعرفة هذه الأقاويلِ اندفع (٢) سؤالُ مَن سأل فقال: لمَّا قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فقد نفَى السمعَ والنُّطق والبصر عنهم، فما معنى تعليقِ إذهابها عنهم بالمشيئة؟ لأنَّا نقول: ما نفاه عنهم غيرُ ما علَّق إذهابَه عنهم بالمشيئة، وهو ما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: (كلّ) كلمةُ استيعابٍ يتناول جميع ما دخل فيه، والشيءُ اسمٌ لكل موجودٍ، وهاهنا هو اسمٌ لكلِّ موجودٍ مخلوقٍ، لأنه هو الذي يجوز دخولُه تحت القدرة.

стр. 525

والقدير: هو القادر؛ كالعليم هو العالم، والصفة: القدرة والمقدرة، والإقدارُ: إثبات القدرة، واقْتَدر فهو مُقتدِرٌ، بمعنى: قدَر فهو قادرٌ. وتفسيره هاهنا: إنه على كل شيءٍ قادرٌ (١)، وإنما ذُكر قبلَه إذهابُ السمع والبصر لا غير لأنهما هما المذكوران في القصة، فالرعدُ يؤثِّر في السمع، والبرق يؤثر في البصر، واللَّه تعالى قادرٌ على إزالتهما في هذه الحالة، وقادرٌ على كل شيءٍ في كلِّ حالةٍ (٢). فأما تأويلُ جملةِ هذه الآيات ففيها أقاويل كثيرةٌ (٣): منها: ما روي: أنه كان رجلان من المنافقين من المدينة هربا من رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين، فأصابهما هذا المطرُ الذي ذكر اللَّه ، فيه رعدٌ وبرقٌ وصواعق، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعقُ جَعَلا (٤) أصابعهما في آذانهما من الفَرَق، [وإذا لمع البرقُ مَشَيا في ضوئه]، فإذا (٥) لم يلمع لم يُبصرا فكانا لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا أَصبحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، فضَرب اللَّه تعالى مثلَهما للمنافقين بالمدينة (٦).

стр. 526

وقال ابن عباسٍ وعطاءٌ والضحاكُ وعليُّ بن طلحةَ ومقاتلٌ والكلبيُّ وجعفرُ بن محمد الصادقُ: هذا مَثَلُ القرآن؛ أي: مَثَلُ المنافقين مع القرآن كمَثَل مسافرٍ أصابه مطرٌ، فشبَّه القرآنَ بالمطر؛ لأن في القرآن حياةَ مَن آمَنَ به. ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: ذكرُ الكفرِ والوعيدُ عليه وعلى المعاصي، وهو كالرعد (١)، وفيه الوعدُ على الإيمان والطاعاتِ كالبرق. وقيل: الظلمات: بيانُ الفتن، والرعدُ: الزَّجر والتخويف، والبرق: بيان النُّصرة والظَّفَر.

стр. 527

وقيل: الرعد: المتشابهات، والبرق: المحكَمات. وقيل: الرعد: بيان المحرَّمات والوعيدُ عليها، والبرق: بيان المحلَّلات والوعدُ عليها. وقيل: الرعد: ما في القرآن من ذكر الامتحان والابتلاء، والبرق: ما فيه من الهدى والشفاء. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (١): ينفرون عن (٢) الجهاد وسائرِ الأوامر كأنْ لم يسمعوا. وقيل: يتصامُّون ويتعامَون كيلا يسمعوا ما نزل في شأنهم والأمرِ بقتلهم. وقيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ حقيقةً كيلا يسمعوا القرآن، تكاد حجج القرآن تبهرُ العقول وتجذبها إلى نفسها لوضوحها. وقيل: يكاد القرآن (٣) يدلُّ على عوراتهم. وقيل: يكاد بيانُ القرآن يَذهب بضلالتهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تفكَّروا في المحكَمات قصدوا أن يؤمنوا بالقرآن، وإذا اشتبَهت عليهم المتشابهات (٤) أَعرضوا وكفروا. وقيل: كلَّما تمسَّكوا بالمتشابهات ليحتجُّوا بها على المؤمنين انقطعت حججُهم بالمحكَمات، فبَقُوا في ظلمة كفرهم متحيرين ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ

стр. 528

وَأَبْصَارِهِمْ﴾ عقوبةً لهم، كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها خذلانًا لهم، إنه قديرٌ على ما أراد. وقال (١) الربيعُ بن أنسٍ وابنُ جُريجٍ ومجاهد والضحَّاك، والكلبيُّ عن ابن عباس: هذا مثلٌ لإقرارهم بألسنتهم وإنكارِهم بقلوبهم؛ أي: مَثَلُ المنافق في الإيمان كمسافرٍ في المَفازةِ في ليلةٍ مظلِمةٍ أصابه مطرٌ، شبَّه الإيمانَ بالمطر لأنه به حياةُ الملوب، وفيه ظلماتٌ في قلبه: ظلمةُ الكفر، وعلى لسانه نورُ الأقدار كالبرق، وهو خائف بين ذلك كالخائف من الرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لا يتفكرون بقلوبهم إلى دليلِ الرشد ومعجزاتِ الرسول، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾؛ أي: تلك الدلائل تَذهب بظلمةِ قلبه وغطاءِ بصره وإن لم يتفكَّروا فيها. وقيل: يكاد نورُ إيمانِ المنافق بلسانه يخفَى على المؤمنين حالُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: ما داموا في الحيرة (٢) يتكلَّمون به وينتفعون به، وإذا ماتوا بقُوا في ظلمة القبر وعقوبةِ الحشر، ولو شاء اللَّه لأهلك المنافق للحال ولا يُمهَلوا إلى الموت؛ لأنه قدير على كل شيء. وقيل: هذا مَثَلُ خوف المنافق وتحيُّرِه فإن ليلة المطر والرعد والبرق والظلمات في غايةِ الهول والإيحاش، ومعنى جعلِ الأصابع في الآذان حذَرَ الموت: خوفُ المنافق أن يُطَّلعَ على سرِّه فيُقتلَ أو يُنفى ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: قادرٌ على إنزال نقمته بهم ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يكاد خوفُ المنافق يهلكُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: كلما ظهرت غلبةُ أحد الفريقين تابَعوهم، وإذا انقلب الأمر انقلبوا، ولو

стр. 529

شاء اللَّه لحقَّق ما يخافه صاحبُ الصيِّب لاختطاف (١) السمع والبصر وليس ترك اللَّه المنافق على هذا التذبذُب لعجزه، إنه على كل شيء قدير. وقيل: هذا مثلُ لقاءِ المنافقين المؤمنينَ بالإيمان والكفارَ بالكفر، قال: مَثَلُهم كمَثَلِ الرَّجلِ في ظلمات الليلِ والسحاب والمطر، وفي المطرِ رعدٌ وبرقٌ، فقد اجتمع نورٌ وظلمةٌ وخوفٌ، فالنورُ ما يُظهره من الإيمان، والظلمةُ ما يضمِرُه من الكفر، والخوفُ منهم ظهورُ أمرِهم نفاق المنافقين وينكشف لهم أسرارهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تكلَّموا بالإيمان كانوا سالمين مع المؤمنين، وإذا دخلوا (٢) إلى شياطينهم وقالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، وقعوا في ظلمات الضلال، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأزال أسباب التحرُّز عنهم وواقَعَ بهم المؤمنين، كما لو شاء لذهب بسمع صاحب الصيِّب وبصرِه من غيرِ صاعقةٍ ورعدٍ وبرقٍ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ عالمٌ بهم مالكٌ لهم، وهم في قبضته، فلا مَخْلَصَ ولا مَهْربَ لهم، وهو على كلِّ شيء قدير. وقال قتادةُ وابنُ جُريج: هذا مَثَلٌ لجبن المنافق وخوفهِ من الموت إذا دُعي إلى القتال، وفي الجهاد إحياءُ الدِّين كما أن المطر حياةُ الأرض وأهلِها، فكانوا إذا دُعوا إليه قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ١٣] وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وإذا لم يرغبوا في الجهاد لأنهم كانوا لا يصدِّقون النبيَّ ﵇ في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ولا يصدِّقون بالبعث وما أَعَدَّ اللَّه للشهداء، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ أي: عزُّ الإسلام، فظهورُه مُلجِئةٌ إلى الإيمان ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ﴾

стр. 530

لهم عزُّ المسلمين مشَوا فيه، وإذا كانت الدَّبْرةُ (١) عليهم قاموا متحيِّرين في كفرهم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأهلكهم وأماتهم من غيرِ قتال، إنه على كل شيء قدير، كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٨]، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٦]. وقيل: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لعطَّل أبدانهم ومصالحَها فلم يَصلُحوا لجهادٍ ولا لغرضٍ آخَرَ، إنه على كل شيء قديرٌ. وقيل: أي: كلما دُعوا إلى غنيمةٍ ومنفعةٍ أجابوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: إذا أُمروا بالخروج للغزو تثاقَلوا. وقيل: كلما سمعوا غَلَبة أشياعِهم فرحوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا رأوا غلبة المؤمنين تحيَّروا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأذهب أشياعهم، إنه على كلِّ شيء قديرٌ (٢). وقيل: هذا في الذين آمنوا، ولمَّا (٣) مسَّهم الضرُّ ارتدُّوا، وهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]، فقال (٤) تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ فشبَّه الإسلام بالمطر، والنعمةَ فيه بالبرق، والفتنَ والمحنَ فيه بالرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: لا يحبُّون أن يسمعوا بشيءٍ من الشدائد والبلايا، يكاد ما يَرونه من عزِّ المسلمين وإصابةِ الغنائم يمحو عن قلوبهم الشبهات ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: وإذا زال نفعُ الدنيا وقفوا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لسلب ما في أيديهم وزادهم ذلًّا إلى ذلٍّ، إنه على كلِّ شيءٍ قدير.
следующие страницы →