والخِطْءُ والخَطَأُ مصدر خَطِئَ يَخْطأُ، كالحِذْر والحَذَر، والعِشْق والعَشَق، وقد خَطِئ: أَثِم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد، والخِطْءُ -بالكسر- لا يكون إلا تعمُّدًا، والخطَأُ بالفتح قد يكون عمدًا وقد يكون خطأً.
* * *
(٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: والفاحشة: الفعلةُ المتناهيةُ في القبح ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: أي: وما أسوأه وأفسده (١)، والنهي عن القُربان مبالغةٌ في المنع عنه.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أي: كلُّ نفس عصَمها وحقَن دمَها بالإسلام أو بالعهد فلا تقتلوها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إلا بحقٍّ يُوجب قتلها؛ كالقصاص، والرجم بعد الإحصان (٢)، ونحوِ ذلك، وبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك فقال: "لا يحلُّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى معانٍ (٣) ثلاثة: زنًا بعد إحصان، وكفرٍ بعد إيمان، وقتلِ نفس بغير حق" (٤).
стр. 4657
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: أي: ولايةَ القصاص، ووليُّه: وارثُه، فإن القصاص موروثٌ بين وارثِيهِ (١) على السهام.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف، وابن مجاهد والنقَّاش عن ابن ذكوان (٢) بتاء المخاطبة جزمًا (٣)، وهو نهي للولي خطابًا، وقرأ الباقون بياء المغايبة جزمًا، وهو نهيُ مغايبةٍ ويرجع إلى الولي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: قال قتادة: أي: إن الوليَّ منصورٌ باستيفاء القصاص، وعلى الأئمة والمسلمين نصره بإيفاء حقِّه (٤).
وقال مجاهد: أي: إنَّ المقتول منصورٌ على قاتله، في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة بما يجري على قاتله (٥) من العذاب الشديد (٦).
стр. 4658
ومعنى النهي عن الإسراف فيه: ألا يَقتل وليُّ المقتول غيرَ قاتلِ وليِّه، وكان مِن عادةِ العرب قتلُ غيرِ قاتله، والزيادةُ على ذلك بقتلِ النفوس بنفسٍ واحدة.
وقيل: هو مجاوزةُ الحدِّ الذي جُعل في القصاص؛ من المُثْلة، وقطعِ الأطراف، ونحوِ ذلك.
وقال النبيُّ ﷺ : "إذا قتلْتُم فأَحْسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتُم فأَحْسِنوا الذِّبحة" (١)، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾؛ أي: القاتل، فإن اللَّه تعالى ينهَى عن قتله بأكثرَ من فعله.
وقيل (٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ هو نهي القاصد عن القتل؛ أي: لا يَقتل، فإن نَفْس القتل إسرافٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١].
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالجهة التي هي أحسنُ؛ أي: أصلحُ وأنفع.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: كمالَ عقله وقوَّته، وهو إذا احتلم أو بلغ بالسنِّ، على ما فسَّرناه في آخر سورة الأنعام.
стр. 4659
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾: أي: بعهد (١) اللَّه، وهي أوامره ونواهيه، ونذورُ العبد وأيمانُه؛ كما قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ أي: بعهد اللَّه (٢)، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: أي: مطلوبًا؛ كما يقال: سألتُه حقِّي؛ أي: طلبته، ولذلك لم يقل: مسؤولًا عنه.
* * *
(٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾: أي: سلِّموا ما استُحِقَّ عليكم كيلًا بكيلٍ تامٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي: سلِّموا (٣) ما استُحِقَّ عليكم وزنًا على استقامةٍ، والقسطاس: الميزان صغُر أو كبُر؛ قاله الزجَّاج (٤).
وقيل: هو القبَّان، وهو قول الحسن (٥).
وقال مجاهد: هو العدل بالرُّومية (٦)، وكأنَّ القسط أصل -وهو العدلُ- والباقي مزيدٌ عليه، والمستقيم: المعتدِل.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفصٍ بكسر القاف، والباقون بضمِّها (٧)، وهما لغتان.
стр. 4660
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: قال قتادة: وأحسنُ ثوابًا في العاقبة (١)، وهو مِن آلَ يَؤولُ، وهو كقوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤].
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: في الدنيا، فإنه أمانة، وهو (٢) يوجب الثناءَ والمحمَدةَ ورغبةَ الناس في معاملته، وهو أنفع من كلِّ كسبٍ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ في الآخرة فقد جمع نفع الدارين.
* * *
(٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: قال قتادة: أي (٣): ولا تقُل: سمعتُ، ولم تسمع، ولا: رأيتُ، ولم تَرَ، ولا: علمتُ، ولم تَعلم (٤).
وأصلُ القَفْو: اتِّباع الأثر، وكأنه يتَّبع قفا المتقدِّم، والخطاب للنبيِّ ﷺ والمرادُ جميع أمته.
وقيل: هو النهيُ عما كان عليه المشركون على التقليد من غير علمٍ، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ [ق: ١٥]، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وقال: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
стр. 4661
[القصص: ٥٠]، وقال: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فعلى هذا قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: لا تتبع في الاعتقاد وتقليدِ مَن لا يَلزمُ تقليدُه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: قيل: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾؛ أي: كلُّ العباد ﴿كَانَ عَنْهُ﴾؛ أي: عن قَفْو ما ليس له به علم، وعن استعمال هذه الجوارح فيما استعملها فيه.
وقيل: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾؛ أي: كلُّ هذه الأشياء وهي السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ﴾؛ أي: كان كلُّ واحد منها ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾؛ أي: عمَّا عمِل صاحبه؛ أي: يُسأل الشهادةَ على ذلك، كما قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥]، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٠]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيات [النور: ٢٤].
وقيل: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: عن شكر هذه الأشياء (١).
وقيل: إن العبد مسؤولٌ عما يَكسبه بسمعه وبصره وقلبه من الأمور؛ إذ للَّه في جميع هذه الجوارح عبادات، حتى لا يجوزُ لهم استعمالها في غيرها، فيُسأل عنها؛ أي: يحاسَب عليها ويجازَى بها.
وقيل: اعتقاد الدِّين يقع بالقلب، والمرءُ مسؤولٌ عنه؛ كما لو أصغى إلى باطل، أو نطق بباطل، أو نظر إلى باطل.
وقيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو نهيٌ عن قذف المحصَنين والمحصَنات، وكانوا يتهاجَون في الأشعار بالقول في الآباء والأمهات، فنُهوا عن ذلك، وهذا يُروى عن مجاهد وعكرمة.
стр. 4662
وفي الخبر: "مَن قَفَا مسلمًا بما ليس فيه حبَسه اللَّه تعالى في رَدْغة الخَبَال" (١).
ونفاةُ القياس يتعلَّقون بهذه الآية.
وقلنا: هو طلب العلم بدليله بالأسباب التي جعل اللَّه بها الوصولَ إليه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ تجوز الإشارة بهذه الكلمة إلى جميع ما لا يَعقل، قال الشاعر:
ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللِّوَى... والعيشَ بعد أولئك الأيام (٢)
* * *
(٣٧) - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: قيل: هو شدة الفرح.
وقيل: هو الخُيَلاء والكِبْر؛ قاله قتادة (٣).
وقيل: المَرَح البَطَر والأَشَر.
وقيل: هو تجاوزُ الإنسان قَدْرَه مستخِفًّا بالواجب عليه، وقال (٤) تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وقال بعده: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، فدلَّ على أنه مشيُ المختال المتكبر.
стр. 4663
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: أي: لن تشُقَّ الأرض بشدةِ مشيك؛ أي: لا تقدر على ذلك ولا يتهيَّأ لك ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: أي: برَفْع رأسك ونصبِ عنقك لن تنال الجبال؛ أي: فليس من أحد إلا وهو يقدر على هذا الضرب من المشي فلا معنى للتكبُّر به (١)، فالتواضع والقصد في المشي أولى، وقد مدح اللَّه تعالى به عباده فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقيل: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾؛ أي: لن تقطعها طولًا وعرضًا حتى تستوفيَ قطعَها، إنما تمشي بقَدْر قوتك الضعيفة، ولا ترتفع إلى الجبال بذلك، فلا تسرع إسراع المختال، ولا حاجة لك إلى ذلك كلِّه، بل سر على هِينتك بقَدْر حاجتك.
وقيل: لا تمشِ مرحًا تتوهَّم أنك تَطولُ كلَّ جبلٍ فتكونُ عاليًا عليه، وتخرقُ كلَّ أرض فتكونُ خارجًا عنها، بل كيفما اختَلْتَ فأنت محاطٌ بك (٢) من فوقك وتحتك بشيئين من الجمادات هما خلق اللَّه، وأنت أضعف منهما، والمحاط به مغلوب لأنه كالمحصور، فكأنه قال: تواضَعْ ولا تتكبَّرْ ولا تختَلْ فإنك خلقٌ من خلقِ اللَّه ضعيفٌ محصورٌ بين حجارةٍ وتراب وهؤلاء (٣) فلا تفعل فعل المقتدِر القوي.
* * *
(٣٨) - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾: قرأ ابن كثير ونافعٌ وأبو جعفرٍ
стр. 4664
وأبو عمرٍو ويعقوبُ: ﴿سيئةً﴾ منوَّنًا غيرَ مضاف؛ أي: خصالًا سيئةً، ويرجع إلى المنهيَّات، وقال: ﴿كَانَ﴾ ذهابًا إلى قوله: ﴿كُلُّ﴾ لأنه فرد لفظًا، ولذلك قال: ﴿مَكْرُوهًا﴾ على التوحيد والتذكير.
وقرأ الباقون: ﴿سَيِّئُهُ﴾ بالرفع والإضافة إلى السيِّئ منه (١)؛ لأنَّه سبق ذكر المأمور به والمنهيِّ عنه، فكان القبيح بعضَه لا كلَّه، فكان قوله: ﴿سَيِّئُهُ﴾ اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَكْرُوهًا﴾ خبرًا له.
* * *
(٣٩) - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: أي: جميع ما ذكر فيه من القصص والأمر والنهي وآداب الدين هو مما أوحاه اللَّه تعالى إليك على يدِ جبريلَ لم يأتِ به شيطان، كما قال في سورة الشعراء بعد اقتصاصِ كلِّه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، وبيَّن أنه من الحكمة؛ أي: من الأشياء الموضوعة في مواضعها، الموصوفِ معتقِدُها والعاملُ بها بصوابِ الاعتقاد والقول والعمل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أعاد ما بدأ به -وهو قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] - إعلامًا بعظم محلِّه.
﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾: والملوم: المعنَّفُ على الشيء يفعلُه، والمدحور: المطرود المهان.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: الخيلاءُ والتبختُر والمرح
стр. 4665
والتكبُّر كلُّ ذلك نتائجُ الغَيبة عن الذكر، والحَجْبة عن شهود الحق، فإن اللَّه تعالى إذا تجلَّى لشيء خشع له، بذلك ورد الخبر (١)، فأما في حال حضور القلب واستيلاءِ الذكر وسلطانِ الشهود فالقلبُ مطرِقٌ، وحكمُ الهيبةِ غالبٌ، ونعتُ المدح وصفةُ الزَّهْو وأسبابُ التفرقة كلُّها ساقطة، والناس في الخلاص عن محنةِ (٢) التكبر أصنافٌ، وأصحاب الاعتبار إذا عرفوا أنهم مخلوقون من نطفةٍ أمشاجٍ وحاملون في بطونهم ما يحملون ويصيرون في اللحد إلى ما يصيرون، نزَع ذلك عنهم التجبُّرَ والتكبُّر (٣)، فأما أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناسُ النَّفْس (٤).
* * *
(٤٠) - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.
وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ؛ أي: أفخصَّكم أيها المشركون ربُّكم بالبنين من الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: اتخذ لنفسه البنات.
وقيل: أَصْفاه (٥) بكذا؛ أي: اختار له (٦)، واصطفاه: اختار لنفسه، قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾
стр. 4666
[النجم: ٢١ - ٢٢]؛ أي: جائرة، وقال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾: أي: كذبًا عظيمًا، وهذا كما قال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وعظمتُه ما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].
* * *
(٤١) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾: أي: صرَّفنا في هذا القرآن القولَ في بطلانِ ما يقولونه ويعتقدونه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]، صرَّح بالقول في تلك الآية وأضمره هاهنا.
وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتَّعظوا وليتذكَّروا بعقولهم قبحَ ذلك وبطلانه فينتهوا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: أي: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ القرآن أو تصريفُ هذا القول فيه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: نفرةً وإعراضًا عنه، وإضافة النفور إليه بطريق التسبيب (١)؛ أي: ازدادوا نفورًا عنده كما قال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥].
ودلت الآية على بطلان قول المعتزلة في الأصلح، فإن تصريف القول لمَّا كان زيادةً للنفور لم يكن صلاحًا لهم، ومع ذلك فعَله اللَّه تعالى.
* * *
(٤٢) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.
стр. 4667
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: يتصل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]؛ أي: قل للمشركين: لا تجعلوا مع اللَّه آلهة، فإنه لو كان مع اللَّه آلهةٌ أخرى في الأرض كما تقولون -والإلهيةُ تقتضي نفوذَ القدرة وسعةَ السلطان وانتفاءَ العجز- لما احتَملت آلهتكم وهي في الأرض أن تكون (١) الغلبةُ لملك السماء، ولكانت تُوجب أن تكون هذه الآلهة تُمانع إله السماء وتنازعُه في سلطانه، وأنتم تعترفون بأنها لا تقدر على منازعةٍ في ملك، ولا على دفعِ ما يَرِدُ عليها من قهرٍ، وهذا خارجٌ عن صفة الإله، وهذا معنى قوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾؛ أي: إذًا لطلبوا إلى اللَّه ذي العرش العظيم في السماء سبيلًا لإزالة ملكه ولقهره، وإذا لم تكن آلهتهم هكذا -بل هي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا قدرةَ معها على ردِّ مَن يَروم قهرَها- فقد وجب أنها مربوبة مخلوقة.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: أي: هو منزَّهٌ عن ذلك وبعيدٌ عنه، أمرٌ للعباد (٢) بتنزيهه عما يقول هؤلاء الظالمون.
* * *
(٤٤) - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: أي: تشهدُ له بالإلهية والوحدانية والتعالي عن الأضداد والأنداد السماواتُ السبع والأرضون وما فيهنَّ من حيوان وجماد؛ لِمَا في كلِّ شيءٍ منها من دلائل الحدوث وآثار صنعِ الصانع.
стр. 4668
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: أي: وما من شيء إلا ينزِّه اللَّه تعالى بما قلنا ويحمده على نعمه؛ أي: يُظهر وجوبَ الشكر (١) على خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والثناء عليه بما يستحقُّه بذاته وصفاته وأفعاله.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾: هذا خطابٌ للمشركين؛ أي: أنتم لإصراركم على الكفر وإعراضِكم عن التدبُّر في الآيات لا تفقهون هذه الشهادة، وأنتم تستحقُّون العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: ولكنه لا يعاجلُكم بالعقوبة لحِلْمه، ويستر عليكم الذنوب فلا يَهتكُ أستاركم للحال.
وقيل: ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: يغفر لكم إذا آمنتم فلا يعذِّبكم بما كان منكم.
ومنهم مَن حمل هذا التسبيح على النطق به، وهو عندنا جائز على أن يخلق اللَّه تعالى فيها حياة ونطقًا، وقد سبَّح الحصا في يد رسول اللَّه ﷺ معجزةً له (٢)، وحنَّ
الجذعُ حنين الناقة شوقًا إلى رسول اللَّه ﵇ (٣)، وعلى ذلك تصدُّعُ الجبل من خشية اللَّه تعالى، وهبوط الحجارة من خشية اللَّه تعالى.
وقال أبو الحجاج (٤): حدثني رجل من ولد خبَّاب بن الأرتِّ أن محجنَ رسول اللَّه ﷺ كان في يده فسبَّح، فسمع ذلك القوم فتحجبوا وفزعوا، وقالوا: يا
стр. 4669
رسول اللَّه! كيف يسبح هذا العود اليابس؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية (١).
وقال عطاء: الشجر والنبات تسبِّحن، فإذا قُطعن ترَكْنَ التسبيح؛ لأنَّهن أحياءٌ ما لم يُقطعن، فإذا قُطعن صرنَ في عداد الأموات.
وقال الحسن: التراب يسبِّح، فإذا لُبِّن ترك التسبيح (٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: إن الكفرة كانوا يَمنعون رسولَ اللَّه ﷺ عن تبليغ الرسالة إلى الناس، وقراءةِ ما أَنزل اللَّه عليه من القرآن عليهم، وقد أُمر بتبليغ الرسالة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية فأَخبر أنه جعل بينه وبين أولئك حجابًا مستورًا، ومكَّنه من التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر، ثم اختُلف في ذلك الحجاب:
قال بعضهم: شغلَهم في أنفسهم بأمورٍ وأشغال حتى بلَّغ إليهم.
وقيل: أَلقَى في قلوبهم الرعبَ حتى لم يقدروا على منع ذلك.
стр. 4670
وقيل: صيَّرهم بحيث كانوا لا يرونه، ويستمعون (١) قراءته، ولم يقدروا على إيذائه والإضرار به، فبلَّغهم.
قال: ويجوز أن يكون ما ذُكر من الحجاب هو حجابُ الفَهْم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إليه بالاستخفاف له والاستهزاء به فحُجبوا عن الفهم، وهو كقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ويدلُّ عليه ما بعده، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قيل: معناه: ساترًا؛ كقوله ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]؛ أي: آتيًا.
وقيل: أي: مستورًا به، كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مسئولًا عنه، فحذف الصلة عنه هاهنا وهو (عن)، وفي الأول حُذفت الصلة وهي الباء.
وقيل: معناه: مستورًا عن أعين الخلق لا يَرونه، وكذلك مأتيًّا هو على حقيقته؛ لأن ما أتاك فقد أتيتَه.
* * *
(٤٦) - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: أي: أغطيةً، جمع كِنَان؛ أي: غطاءٍ.
стр. 4671
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أي: لئلا يفقهوه (١).
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي: ثقلًا، ودل ذلك أن أفعال العباد مخلوقةٌ للَّه تعالى، وأن الطاعات والمعاصيَ كلَّها بمشيئة اللَّه، وإنما فعل اللَّه ذلك في حقِّ مَن عَلِم منه اختيارَ الكفر كما مرَّ شرحُه مرات.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: أي: وإذا قرأت عليهم (٢) ما فيه ذكرُ التوحيد وذمُّ الشرك أعرضوا نافرِين عنك مفارِقين مجلسَك، والنُّفور: جمع نافر، كالقُعود جمعُ قاعد.
وقيل: هو مصدر، وذُكِر تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَّوْا﴾، وتقديره: ولَّوا توليةً، وقد يؤكَّد الفعل بالمصدر من خلافِ لفظه، قال القَطَامي:
ألم يَحْزُنْكَ أن جبالَ قيس... وتغلبَ قد تبايَنَتِ انْقِطاعًا (٣)
وتقديره: تبايَنَتْ تبايُنًا.
* * *
(٤٧) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
стр. 4672
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: قيل: أي: يستمعون إليه، وحروف الأدوات تتناوب.
وقيل: الباء بيانُ السبب؛ أي: نحن أعلم بالسَّبب الداعي لهم إلى الاستماع.
﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: أي: حين يستمعون إليك ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾؛ أي: وهم متناجون بالطعن في القرآن، مصدر يراد به نعمتُ الجمع قد اشتغلوا بتناجيهم عن الإنصات والتدبُّر.
ثم بيَّن تناجيَهُم، وهو قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: المشركون الواضعون الشيءَ في (١) غير موضعه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: أي: ما تُظهرون الاستماع، فسمِّي إظهارهم الإصغاءَ إليه اتِّباعًا.
﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: مخدوعًا مغلوبًا على عقله يأتيه الشيطان فيخدعه فيظنُّه ملَكًا.
قال قتادة: نجواهم: أنْ زعموا أنه مجنونٌ وأنه ساحرٌ وأنه آتٍ بأساطير الأولين (٢)، وكان منهم الوليدُ بن المغيرة.
والمسحور قيل: هو المخدوع.
وقيل: هو الذي عُمل به السحرُ واختَلط عليه أمرُه.
وقيل: أرادوا أن له سَحْرًا -بفتح السين؛ أي: الرئة- يعنون أنه لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشرٌ مثلكم ليس بملك.
* * *
стр. 4673
(٤٨) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾: أي: العجبُ منهم كيف وضعوا لك الأشباه والأوصاف يُسمُّونك بكلِّ اسم سوء.
﴿فَضَلُّوا﴾ سبيلَ الاحتيال عليك، وتحيَّروا في وجه (١) صدِّ الناس عنك.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: فما يجدون إلى شيءٍ من ذلك سبيلًا.
وقيل في نزوله: إن النبيَّ ﷺ أمر عليَّ بن أبي طالب ﵁ أن يتخذ لأبي جهل، وأبي البَخْتري بن عمرو بن هشام، وزمعةَ بنِ الأسود، وحويطبِ بن عبد العزَّى -لعنهم اللَّه تعالى- طعامًا فيدعوَهم إليه، ففعل، فدخل عليهم رسول اللَّه ﷺ فقال: "قولوا: لا إله إلا اللَّه لتطيعكم العرب وتَدينَ لكم العجم"، فخرجوا، فقال النضر بن الحارث: ما أرى محمدًا يقول شيئًا إلا أنه يحرك شفتيه. فقال أبو جهل لعنه اللَّه: هو مجنون، وقال حُويطبٌ: هو كاهن، وقال زمعةُ: هو شاعر، ثم أتوا الوليد بن المغيرة فشاوَروه في أمره، فقال: هو ساحر، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٢) حين تدعوهم إلى الشهادة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾؛ أي: وإذ هم متناجون إليك.
وقيل: (إذ) للحين، وهما حينان لأمرين مختلفَين: الاستماع إذا حضروا، والتَّناجي إذا تفرَّقوا.
* * *
(٤٩) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
стр. 4674
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: قال مجاهد: ﴿رُفَاتًا﴾: ترابًا (١)، وفي اللغة: هو الحطام، وهو ما يُحْطَم من الشيء؛ أي: يُكسر، وقد رَفَتَ يَرْفِتُ رَفْتًا من باب ضرب؛ أي: كَسَر، وأراد به: رميمًا، وهذا مما تناجوا به، قالوا: أئذا متنا وكنا عظامًا ورفاتًا وترابًا (٢) تحت الأرض نبعث خلقًا جديدًا كما نحن عليه الآن؟! وهذا استفهامٌ بمعنى الاستبعاد؛ أي: إنَّ هذا لا يكون.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾: أي: عرِّفهم أنهم لا يُعْجزونني وإن صاروا عظامًا أو رفاتًا، أو لو كانوا حجارةً أو حديدًا، أو خلقًا أشدَّ من خلق البشر وأصلبَ، وأبعدَ من أن يمكنَ تفرُّقُه على (٣) الأحوال المختلفة من الإعدام والإيجاد والإبقاء والإفناء مثل الحديدِ والحجارةِ (٤) أو غيرِهما مما يَكبر في صدوركم تغييرُه عن هيأته (٥)؛ أي: يَعْظم ويَسْتكبِر مثلَ السماوات والأرض والجبال ونحوها؛ أي: لو كنتُم في نهاية القوة والامتناع من نيل العباد لكم لم تعجزوني.
стр. 4675
وطريق هذا الكلام طريقُ قولِ الرجل إذا عزم على قهر إنسان فقيل له: كيف تقهره على قوته وصلابته؟ فيقول: قل له كن حديدًا أو حجرًا؛ أي: فإني لا أبالي به بل أقهرُه وأصل إلى غرضي فيه.
وقال مقاتل: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ في القوة ﴿أَوْ حَدِيدًا﴾ في الشدة ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (١).
وقال مجاهد: الجبال (٢).
وقال ابن عباس ومقاتل والضحاك والحسن ﵃: الموت (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾: أي: مَن الذي يفعل بنا هذا؟ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: خلقكم وأنشأكم، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: أي: فسيحرِّكون رؤوسهم (٤) فعلَ المستبعِد (٥) للشيء والمتعجِّب منه، والإنغاض: التحريك، والنَّغَضان: التحرُّك، من حدِّ ضرب، والنَّغْضُ: الظَّليم؛ لتحريكه رأسَه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾: أي: البعث ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾؛ أي: لن تطولَ مدةُ كونه ولا تبعد بلَ هو قريب؛ لأن كلَّ ما هو آتٍ قريبٌ.
стр. 4676
(٥٢) - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: يُعيدكم خلقًا جديدًا يوم (١) يدعوكم.
قيل: يدعو إسرافيلُ بأمره، فيقول في نفخ الصور: أيتها اللحومُ المتفرِّقة (٢)، وأيتها الأوصال البالية، وأيتها العظام النَّخِرة، وأيتها العروق المتمزِّقة، وأيتها الشعور المتبدِّدة، قوموا إلى محاسبةِ ربِّ العالمين؛ قاله قتادة (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: أي: تُبعثون قائلين: سبحان اللَّه وبحمده.
وقيل: يدعوكم للمحاسبة فتسعَون إليه قائلين ذلك.
وقيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾؛ أي: يبعثكم ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؛ أي: لا تمتنِعون على اللَّه بل تحيَوْن (٤) بإحيائه معترِفين بما كنتُم عليه من الباطل، حامدِينَ للَّه بالثناء عليه بالقدرة على ما يشاء، وبإنعامه عليكم بخلقكم وتركيبِ العقول فيكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ما لبثتُم، وهو كقولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تَزَل (٥).
стр. 4677
وقيل: لِمَا يرون من سرعة الرجوع يظنُّون قلة اللَّبْث في القبور.
وقال قتادة: هو احتقار أمر الدنيا حين عايَنوا يوم القيامة (١).
وقال الحسن: إن لبثتم إلا قليلًا في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة (٢).
* * *
(٥٣) - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي (٣): قل يا محمد لعبادي -أي: المؤمنين- يقولوا للكفار إذا حاجوهم في إثبات التوحيد وإثبات البعثِ التي هي أحسنُ؛ أي: الكلمةَ التي هي أحسنُ، أو المقالةَ التي هي أحسن، وهو كقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: لا تخرجوا في المجادلة إلى السفاهة، بل قولوا كما قلتُ في ردهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وقلتُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يُغري بين المؤمنين وبين المشركين، فيعارض المشركون المؤمنين بالكلام السيِّئ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: أي: مُعاديًا قديمَ العداوة (٤) للناس مؤمنِهم وكافرِهم، فهو يُغري بعضَهم ببعضٍ ثم يتبرأ منهم؛ كما قال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦].
стр. 4678
(٥٤) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: أي: لا يخفَى عليه شيءٌ من ظواهركم وبواطنكم ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: إن تبتُم رَحِمَكم ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: إنْ أصرَرْتُم على كفركم عذَّبكم في النار أبدًا.
وقوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: عاد الكلام إلى خطاب رسول اللَّه ﷺ ، فقد بدأ بقوله: ﴿وَقُلْ﴾ وهو خطابٌ له، يقول: عليك بتبليغ هذا، وليس عليك هداهم، ولا أنت قادر على أن تحمِلهم على الإيمان والإجابة.
وقيل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ هم عبادُ الخِلقة، وهم الكفار ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: كلمةَ التوحيد ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يحملُهم على الشرك ويُغري بينهم وبين المؤمنين بالعداوة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ فإنْ علم منكم توبةً باستماعكم مواعظَ اللَّه وعملِكم بها (١) رَحِمَكم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مسلَّطًا مكرِهًا على الإيمان، إنما عليك الإنذار.
وقيل: هو خطابُ المؤمنين، وقولُ الأحسن: هو الكلام الحسن إذا أُوذوا؛ كما قال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ورُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ شتمه رجل من العرب فنزلت هذه الآية، وأمره اللَّه تعالى فيها بالعفو والصفح (٢).
* * *
стр. 4679
(٥٥) - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: يعني (١): ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة والبشر، لا يختار منهم أحدًا إلا على علمٍ به وأهليَّتِه لِمَا اختيرَ له، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: إنْ أنكر هؤلاء المشركون اختصاصَ اللَّه إياك بالنبوة فعرِّفهم أن اللَّه فضَّل بعضَ الأنبياء على بعضٍ فيما آتاهم من الآيات، وأجرى على أيديهم من المعجزات، وعرَّفهم أنه فضَّلك على جميع الأنبياء بما آتاك من الآية الباقية إلى قيام الساعة وهي القرآنُ المعجِزُ، وإن حاجَّك اليهود بأنْ لا كتاب بعد التوراة فعرِّفهم أن اللَّه تعالى قد آتى داودَ زبورًا بعد موسى فبطَلت دعواهم.
* * *
(٥٦) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾: أي: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: دعاء المسألة والاستعانة ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ أي: الآلهةَ الذين قلتُم ظنًّا وكذبًا إنهم آلهةٌ وهم الملائكة، وسَلُوهم كشفَ الضر عنكم، ﴿فـ﴾ إنهم ﴿فَلَا يَمْلِكُون﴾ إجابةَ دعائكم ولا ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ وهو إزالتُه لا إلى أحد، ولا تحويله؛ أي: نقله عنكم إلى غيركم من مستحقِّيه، وكانوا لا يَدْعون لكشف الضرِّ عنهم غيرَ اللَّه، قال تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] فكان قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أمرَ تقريع وتوبيخ.
стр. 4680
(٥٧) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: أي: الملائكةُ (١) الذين يسمُّونهم هؤلاء آلهةً، وهذا دعاءُ تسمية.
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: أي: هؤلاء الملائكةُ يتبادرون إلى طلب القُربة إلى اللَّه تعالى، ويجتهدون في العبادة له طلبًا لفضل الدرجة على غيرهم ينظرون ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ درجةً (٢) إلى اللَّه ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: طاعته ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾؛ أي: إنْ عَصَوه.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: يعلمون (٣) أن عذاب اللَّه مما ينبغي أن يحذَره كلُّ مكلَّف نبيًّا كان أو ملَكًا أو غيرَ ذلك، وإذا كان الملائكة كذلك فكيف تكون (٤) آلهةً؟ وأنتم معاشرَ المشركين أحقُّ بأن تحذَروا عذابي بمخالفتي وتكذيبِ رسولي.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: يعني عيسى وأمَّه وعُزيرًا (٥).
وقال الضحاك وعطاء: يعني: الملائكةَ (٦).
стр. 4681
وقيل: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ يعني: ما أصابكم من القحط سبعَ سنين.
وقال القشيري ﵀: يعني: إذا كانوا هم يرجُون ويخافون فكيف يَدفعون عنكم؟
قال: ويقال في المثل: تعلُّقُ الخَلْق بالخَلْق كتعلُّقِ المسجون بالمسجون، والفقيرُ إذا انضم إلى الفقير ازدادت الفاقة، والضريرُ إذا قاد الضرير سقطا جميعًا في البئر، وفي معناه أنشدوا:
إذا الْتَقى في حَدَبٍ واحدٍ... سبعون أعمى بمقاديرِ
وصيَّروا بعضَهم قائدًا... فكلُّهم يسقط في البير (١)
* * *
(٥٨) - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: من أهل بلدةٍ ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بكفرها وإصرارها ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بما دون الاستئصال ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: أي: في اللوح المحفوظ.
يجوز أن يكون انتظامُها بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ فلْيَحذَرْه المشركون، فليست من قريةٍ إلا وأهلُها مستحقُّون -بكفرهم (٢) - استئصالي أو تعذيبي بما دون ذلك من قِبَل أكابرهم، وتسليطِ المؤمنين عليهم يَسْبونهم ويغتنمون أموالهم، أو يعتصمُ
стр. 4682
الكفار بالذمة فيؤدون الجزية. وقد (١) قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] قيل: هو القهر وأخذُ الجزية.
ويجوز أن يكون انتظامها بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
قال ابن عباس ﵄: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾؛ أي: بالسيف والزلازل (٢).
وقال مقاتل: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أمَّا الصالحةُ فبالموت، وأمَّا الطالحةُ فبالعذاب (٣).
وقال الحسن: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: هو الموت الذريع (٤).
وعن مقاتل بن سليمان قال: قرأتُ في كتب الضحاك بن مزاحم بعد موته -وهي الكتب المخزونةُ عنده- في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾ الآية، قال: يقول: ما مِن قرية إلا يحلُّ بها العذاب قبل يوم القيامة، فأما أمُّ القرى فيخرِّبها الحبَش فذلك عذابها، وأما المدينةُ فبالجوع، وأما البصرةُ فبالغرق، وأما الكوفة فبالتُّرك، وأما الجبال فبالصواعق والرواجف، وأما خراسان فتخرَّب بأصناف العذاب، وأما مدينةُ بَلْخَ فتصيبهم هدَّةٌ ثم يغلب عليها
стр. 4683
الماءُ فيُهلك أهلَها، وأما بَذَخْشان (١) فيُبعث عليها أقوام يخربونها ويتركونها كجوف الحمار الميت يتأذى الناس بالنَّتْن من موتهم، وأما مدينةُ خُلم (٢) فإنه يصير عاليها سافلَها، وأما تِرْمِذُ فإن أهلها يموتون بالطاعون، وأما الصَّغَانيان (٣) إلى واشَجَرْدَ (٤) فيمتلون بقتلٍ ذريعٍ ويغلب عليها، وأما سمرقندُ فإنه يَغلب على مدينتهم بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلًا ذريعًا، وكذلك فَرْغانةُ والشَّاش وأَسْبِيجابُ وخَوَارزمُ، فيصير في هذه المدن من النَّتْن شيء كأنها جيفةُ حمار، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة، فيصيبهم من الغرق نحوُ ما يصيب أرض خوارزم يموتون قحطًا وجوعًا، وأما مدينة
стр. 4684
مَرْوَ (١) فإنه يَغلب عليها الرملُ ويُهلِك بها العبَّادَ والعلماء، وأما مدينة هَرَاةَ فإنهم يُمطَرون بالحيات فتأكلهم أكلًا وتقتلهم قتلًا، وأما مدينة نَيْسابورَ فيصيب أهلها رعدٌ وبرقٌ وظُلمةٌ فيَهلِكُ أكثرهم، وأما مدينة الرِّيِّ فيغلب عليها الطَّبريَّةُ والدَّيلمية (٢) مرةً هؤلاء ومرةً هؤلاء فيقتلونهم قتلًا، وأمَّا أرمينيةُ وأذربيجانُ فتهلكهما سنابكُ الخيول والجيوشِ والصواعقُ والرواجفُ، وأما مدينة هَمَذانَ فالدَّيلم يدخلها ويخربها فلا همدان بعد (٣)، وأما حلوانُ فتمرُّ بها ريحٌ ساكنةٌ وهم نيامٌ فيصبح أهلها قردةً وخنازير، وأما الكُوفان (٤) فإنه يقصدها رجل يقال له: عنبسة، من بني أبي سفيان (٥)، فيأخذ جاريةً شابةً من آل فلان (٦) وشابًّا فيقتلهما ويَنصبهما للناس، ويقول: هذا علي بن أبي طالب وهذه فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، ثم يَخرج رجل من جُهينةَ يقال له: ناجية، يدخل إلى مصر، فويل لأهل مصر، وويلٌ لأهل دمشق، وويلٌ لأهل إفريقية، وويلٌ لأهل الرَّمْلة، ولا يدخل بيتَ المقدس يمنعه اللَّه تعالى بحوله وقوَّته، وأما أهلُ سِجِسْتان فتُصيبهم ريحٌ عاصفٌ أيامًا ثم هدَّةٌ تأتيهم تتصدَّع منها الجبال، ويموت فيها علماءُ كثيرٌ، وأما كَرمانُ وأصبهانُ وفارسُ فيأتيهم عدوٌّ إذا قربوا منهم
стр. 4685
صاحوا صيحةً تنخلعُ منها القلوب وتموت الأبدان، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١).
* * *
(٥٩) - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: المنع: وجودُ ما يَتعذَّر به وجودُ الفعل من القادر، ولا يجوز ذلك على التحقيق في صفةِ اللَّه تعالى، ولكنْ إطلاقُه هاهنا للمبالغة في أنه لا يقع منه هذا الفعل كما لا يقع من الممنوع، ومعناه: إنَّا لم نرسلْ الآيات لئلا يكذِّبَ بها هؤلاء كما كذَّب مَن قبلَهم فيستحقُّوا عذاب الاستئصال.
وقيل: لمَّا قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قالوا: إنه أَرسل الرسل وآتاهم الآيات، فآتى صالحًا الناقة، فآتنا أنت بمثْلِ تلك الآية، ومثلِ فَلْقِ البحر لموسى، فقال (٢) اللَّه تعالى: وما منعنا أن نرسل بهذه الآيات المقترَحة إلا أن الأوَّلين من الأمم لمَّا كذَّبوا بالآيات التي سألوها فأُعطُوها كان حُكمي فيهم الاستئصالَ؛ لأنهم صاروا مكابِرين معاندين، وما كانوا بالسؤال مسترشِدين، وهكذا حُكمي في هؤلاء أنِّي أستأصلُهم لو كذَّبوا بها -إذا أتتهم- لعنادهم، وقد علمتُ أنهم
стр. 4686
يكذِّبون (١)، وقد وَعدتُ محمدًا فضلًا ورحمةً ألا أعذِّب هؤلاء عذابَ هؤلاء؛ أي: عذابُ الاستئصال (٢) يكون لقومٍ أعلمُ أنه لا يؤمن منهم أحد كقوم نوح، وهؤلاء يكون مِن نسلهم مَن يؤمن فلن أستأصلهم، وحُكمي الاستئصال فيمَن يكذِّب بالآية المقترحة، فلم أُعطهم ذلك ولم أُخْلِهم عن الآيات الكبيرة التي لا تُوجب الاستنصال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾؛ أي: والآيةُ التي التمَسوها مثلَ آية ثمود قد آتيناها ثمودَ واضحةً بيِّنة يشاهدونها (٣) معجزةً، ثم كفرت ثمودُ بها فاستحَقُّوا الاستئصال، فكيف يتمنَّاها هؤلاء على سبيل الاستقراح؟
وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: جحدوا بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ أي: وكلُّ آيةٍ نُرسل بها نبيًّا -أيِّ آية كانت- فإنما هي منَّا (٤) تخويفٌ بالعذاب لمن يكذِّب بها.
وقيل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بـ﴾ هذه ﴿الْآيَاتِ﴾ التي نُجريها على يديك يا محمد ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ لهم ليؤمنوا.
وقيل: وما نُظهر الآياتِ من كسوف الشمس والقمر ونحوِهما إلا تنبيهًا للناس، وتحذيرًا عن العذاب، وتحريضًا على التوبة.
* * *
стр. 4687
(٦٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: وهو ينتظِم بقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ أي: نرسل معك الآيات، ومنها: أنَّا ﴿قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾؛ أي: وعدناك بالعصمة من الناس وهذا تخويفٌ لهم (١)، وكذا المعراجُ (٢) وما ذكرنا في القرآن من كون شجرة الزقوم في النار كان ذلك فتنةً لهم، وفيها تخويفٌ، وكذلك قال في آخر (٣) هذه الآية: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾، فهذا وجه انتظام بعضها ببعض.
ومعنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ له تأويلان:
أحدهما: علِم بمكر الناس في حقِّك؛ كما قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]؛ أي: عالمًا، وقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].
والثاني: أنه غالب لهم قادرٌ عليهم؛ كما قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فمعناه: أنه يَعصمك من كلِّ همٍّ، ويَقهرُهم ويجعلهم تحت يدك واستيلائك بقتلك بعضَهم ودخولِ بعضهم في الإسلام، لينشِّطه بذلك على تبليغ الوحي والصبرِ على أذاهم حتى يأتيَ وعد اللَّه، فكان هو يُظهر لهم ذلك، وعلى مرور الزمان يتحقَّق لهم (٤) ذلك، فكان تخويفًا لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾: وهذه آيةٌ أخرى: وهي مما افتَتح بها هذه السورةَ، وهي قصة المعراج، وهذه رؤيةُ عينٍ وإن ذكرت
стр. 4688
بلفظةِ ﴿الرُّؤْيَا﴾؛ لأنها كانت بالليل، فسمِّيت رؤيا وإن كانت بالعين؛ كما يقال: بات فلان يفعل بكذا، إذا فعَله ليلًا، فسمِّي ما يفعله ليلًا بيتوتةً وإن لم يكن ذلك نومًا، فكذلك سُمي ما رآه من الآيات بالعين ليلًا رؤيا.
ويدلُّ على أنه كذلك: أن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومسروقًا وأنس بن مالك (١) وإبراهيم النخعي وقتادة ومجاهدًا ورجالًا غيرَهم تأوَّلوا الآية على أنها كانت رؤيةَ عينٍ (٢)، وهم أرباب اللسان.
وقال قائلون: إن الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي الرؤيا المذكورة في قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، وكان أَخبر رسولَه حين أَراه هذه أنها تكون فتنةً على قومه، وكان كذلك حين قصد مكة فصدَّه عنها المشركون، فصالحهم فافتُتن بذلك قوم حتى قالوا: ألسنا على حقٍّ وهم على باطل؟! حتى قال عمر ﵁: أليس قد أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أنَّا نأتي البيتَ فنطوفُ به؟ فقال له أبو بكر ﵁: بلى، ولكن هل وعدك في هذا العام (٣)؟ فقال: لا، فقال: إنك ستأتيه وستطوفُ به، وإنه رسول اللَّه وإنه يفعل ما يُؤمر به (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: أي: جعَل ذلك فتنةً أيضًا، فإنه لمَّا
стр. 4689
نزل قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٤]، قالوا: كيف يكون في النار شجرةٌ والنارُ تأكل الشجر (١)؟
وسماها ملعونةً على تقدير: والشجرةَ الملعونةَ الأُكُل، فحُذف المضاف إليه لوضوح المراد، كما في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصفِ الريح؛ أي: ولأن عادة الناس أنهم إذا نادَوا بشيء سمَّوه ملعونًا على معنى الشتم والذمِّ له وطلبِ البعد منه، فيقولون: لعنك اللَّه؛ أي: بعَّدك اللَّه عنا وأراحنا منك.
وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢]، جمع أبو جهل لعنه اللَّه رجال قريش فقال لهم: ألا ترونَ إلى (٢) محمد يزعم أن النار تُنبت الشجر! وأنتم تعلمون أن النار تحرق الشجر، ويخوِّفنا بالزقوم فما تقولون في الزقوم؟ فقال عبد اللَّه بن الزِّبَعرى: إنها الزُّبد والتمر بلغة بربر، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: يا جارية زقِّمينا، فأتت بالزُّبد والتمر فقال: تزقَّموا فإن محمدًا يخوِّفكم بها، فنزل قوله في صفتها: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦] (٣).
стр. 4690
وقوله تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: أي: عتوًّا عظيمًا ومجاوزةً للحد، وإضافةُ الزيادة في الطغيان إلى التخويف كإضافة النفور إلى القرآن كما مر.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾؛ أي: المذكورةَ في القرآن؛ كقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]؛ أي: هي مذكورةٌ في كتاب.
* * *
(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: هو متصلٌ بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]؛ أي: قد أُمر الملائكة بالسجود فسجدوا إلا هو:
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا أسجد لمن خلقتَ طينًا؛ أي: قدَّرْتَه وهو طين ليكون إنسانًا إذا نفختَ فيه الروح فصيَّرْتَه لحمًا ودمًا وكذا وكذا.
* * *
(٦٢) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي: أخبرني لمَ فضَّلتَ هذا عليَّ؟ ولمَ جعلتَه أكرم عليك (١) مني؟
стр. 4691
و (أرأيتَ) لفظةُ استفهامٍ على معنى: أخبِرْني عنك، والكاف خطاب، وقد كشفنا عن حقيقته في سورة الأنعام.
وقيل هاهنا: فعلُ الإراءة واقع على شيئين: الكاف و ﴿هَذَا﴾.
وقيل: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ كلمة تامة منفصلةٌ عما بعدها لِمَا وُضعَتْ له، و ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مبتدأ، وما بعده خبرُه (١).
وقيل: طريق هذا طريقُ الرجل يقول لآخر: أترى هذا لأفعلن به كذا وكذا.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: لأستأصلنَّ؛ يقال: احتَنَك الجراد الزرعَ (٢): إذا أكله كلَّه واستأصله، واحتنكت السَّنةُ أموال الناس: إذا (٣) أذهبتْها كلَّها؛ قال الشاعر:
نشكو إليك سنةً قد أَجْحَفَتْ... جَهْدًا إلى جهدٍ بنا فأَضْعَفتْ (٤)
واحتَنَكتْ أموالَنا وجلَّفت (٥)
стр. 4692
وقيل: لأقودنهم إلى المعاصي كما تُقاد الدابة بما جُعل في حنكها من حَبْلٍ.
ومعنى الأول: لأُفسدنهم بالإغواء فلا يبقَى معهم من دينهم شيء، كالشيء الذي يُقلع من أصله.
* * *
(٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾: أي: قال اللَّه له (١) على لسان ملَك: اذهب.
﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ نصبٌ على المصدر، والموفور: المكمَّل، ووَفَر وُفورًا لازم، ووَفَر وَفْرًا متعدٍّ، وقال زهير:
ومَن يجعل المعروف من دون عِرضه... يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشتَمِ (٢)
و ﴿اذْهَبْ﴾ دلالة الاستهانة به والوعيدِ له.
ومعنى الموفور: أنه لا نقصان فيه عن قَدْر الاستحقاق، وقيل: هو الذي لا يزول ولا ينقطع.
* * *
стр. 4693
(٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾: أي: واستَخْفِفْ وأَزعِجْ إلى (١) المعاصي، وقد استفزَّه الغضب أو الفرح؛ أي: استخَفَّه.
﴿بِصَوْتِكَ﴾؛ أي: بدعائك، يقول: صوِّتْ بمن استطعتَ منهم حتى تزيلَهم عن رزانة العقلاء إلى خفَّة الجهلاء، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقال ابن عباس ﵄: هو الصوت الذي يدعو به إلى المعصية.
وقال مجاهد: هو الغناء واللهو (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: اجمع عليهم ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٣).
وقيل: الإجلاب هو السوق بجلَبة من السائق؛ أي: بصياح.
والرَّجْل: جمع راجل، كالرَّكْب جمع راكب.
ولإبليس لعنه اللَّه جندٌ وأتباع من جنسه (٤)، فمنهم فرسان ومنهم رجَّالةٌ.
стр. 4694
ويجوز أن يكون لهم من جوهرهم (١) مراكبُ يركبونها، فيجد ذلك بعضهم فيكون فارسًا (٢)، ولا يجده بعضهم فيكون راجلًا.
ويجوز أن يكون ذلك على ضرب المثل للتكثير من الأتباع.
ويجوز أن يكون خيلُه ورَجِله من بني آدم؛ قال قتادة: كلُّ راكبٍ في معصيةِ اللَّه فهو من خيلِ إبليس، وكل ماشٍ في معصيةٍ فهو من رجله (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أما الأموال: فالحرثُ والأنعام والبَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما حلَّلوا وما حرَّموا، وأما الأولاد: فأولاد الزنا (٤).
وقال عطاء: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: على جمع الحرام ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بمعنى الأدعياء (٥).
وقال الحسن: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ يعني: على جمع الحرام حتى يكسبوها من غير وجهها وينفقوها في غير حقِّها (٦) ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾؛ أي: أولاد الحرام.
стр. 4695
وعن بعض السلف قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: كُلْ مِن أَطْعِمَتِهم ما لم يذكروا اسم اللَّه عليه عند الأكل (وفي الأولاد) خالِطْ أهاليهم عند وطئهم إذا لم يذكروا اسم اللَّه عند ذلك الفعل.
وقيل: يدخل في الأموال الربا وما ذبحوه لآلهتهم، وفي الأولاد ما نَشَؤوه على الكفر والمعاصي، كصنيع أهل الكفر من النصارى والمجوس وغيرهم بأولادهم، ويدخل فيه ما كانوا يسمُّون به (١) أولادهم من الأسماء المضافة إلى الشياطين والأصنام، كعبد ودٍّ وعبدِ العُزَّى وعبد اللاتِ وعبد مَناةَ.
وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: هو ما يمنِّيهم من الأماني الكاذبة: من النصر على مخالِفيهم في الدنيا، وأنه لا بعثَ ولا نشورَ، وإن كان فهو للحُسنى لهم؛ كما قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وهو كلامٌ معترِضٌ، ثم عاد إلى خطابه، وهو قوله تعالى:
* * *
(٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: قال سفيان بن عُيينةَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، أنْ تلقيَهم في ذنبٍ يَضيق عنه عفوي (٢).