← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

و (أرأيتَ) لفظةُ استفهامٍ على معنى: أخبِرْني عنك، والكاف خطاب، وقد كشفنا عن حقيقته في سورة الأنعام. وقيل هاهنا: فعلُ الإراءة واقع على شيئين: الكاف و ﴿هَذَا﴾. وقيل: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ كلمة تامة منفصلةٌ عما بعدها لِمَا وُضعَتْ له، و ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مبتدأ، وما بعده خبرُه (١). وقيل: طريق هذا طريقُ الرجل يقول لآخر: أترى هذا لأفعلن به كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: لأستأصلنَّ؛ يقال: احتَنَك الجراد الزرعَ (٢): إذا أكله كلَّه واستأصله، واحتنكت السَّنةُ أموال الناس: إذا (٣) أذهبتْها كلَّها؛ قال الشاعر: نشكو إليك سنةً قد أَجْحَفَتْ... جَهْدًا إلى جهدٍ بنا فأَضْعَفتْ (٤) واحتَنَكتْ أموالَنا وجلَّفت (٥)

стр. 4692

وقيل: لأقودنهم إلى المعاصي كما تُقاد الدابة بما جُعل في حنكها من حَبْلٍ. ومعنى الأول: لأُفسدنهم بالإغواء فلا يبقَى معهم من دينهم شيء، كالشيء الذي يُقلع من أصله. * * * (٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾: أي: قال اللَّه له (١) على لسان ملَك: اذهب. ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ نصبٌ على المصدر، والموفور: المكمَّل، ووَفَر وُفورًا لازم، ووَفَر وَفْرًا متعدٍّ، وقال زهير: ومَن يجعل المعروف من دون عِرضه... يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشتَمِ (٢) و ﴿اذْهَبْ﴾ دلالة الاستهانة به والوعيدِ له. ومعنى الموفور: أنه لا نقصان فيه عن قَدْر الاستحقاق، وقيل: هو الذي لا يزول ولا ينقطع. * * *

стр. 4693

(٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾: أي: واستَخْفِفْ وأَزعِجْ إلى (١) المعاصي، وقد استفزَّه الغضب أو الفرح؛ أي: استخَفَّه. ﴿بِصَوْتِكَ﴾؛ أي: بدعائك، يقول: صوِّتْ بمن استطعتَ منهم حتى تزيلَهم عن رزانة العقلاء إلى خفَّة الجهلاء، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقال ابن عباس ﵄: هو الصوت الذي يدعو به إلى المعصية. وقال مجاهد: هو الغناء واللهو (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: اجمع عليهم ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٣). وقيل: الإجلاب هو السوق بجلَبة من السائق؛ أي: بصياح. والرَّجْل: جمع راجل، كالرَّكْب جمع راكب. ولإبليس لعنه اللَّه جندٌ وأتباع من جنسه (٤)، فمنهم فرسان ومنهم رجَّالةٌ.

стр. 4694

ويجوز أن يكون لهم من جوهرهم (١) مراكبُ يركبونها، فيجد ذلك بعضهم فيكون فارسًا (٢)، ولا يجده بعضهم فيكون راجلًا. ويجوز أن يكون ذلك على ضرب المثل للتكثير من الأتباع. ويجوز أن يكون خيلُه ورَجِله من بني آدم؛ قال قتادة: كلُّ راكبٍ في معصيةِ اللَّه فهو من خيلِ إبليس، وكل ماشٍ في معصيةٍ فهو من رجله (٣). وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أما الأموال: فالحرثُ والأنعام والبَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما حلَّلوا وما حرَّموا، وأما الأولاد: فأولاد الزنا (٤). وقال عطاء: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: على جمع الحرام ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بمعنى الأدعياء (٥). وقال الحسن: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ يعني: على جمع الحرام حتى يكسبوها من غير وجهها وينفقوها في غير حقِّها (٦) ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾؛ أي: أولاد الحرام.

стр. 4695

وعن بعض السلف قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾؛ أي: كُلْ مِن أَطْعِمَتِهم ما لم يذكروا اسم اللَّه عليه عند الأكل (وفي الأولاد) خالِطْ أهاليهم عند وطئهم إذا لم يذكروا اسم اللَّه عند ذلك الفعل. وقيل: يدخل في الأموال الربا وما ذبحوه لآلهتهم، وفي الأولاد ما نَشَؤوه على الكفر والمعاصي، كصنيع أهل الكفر من النصارى والمجوس وغيرهم بأولادهم، ويدخل فيه ما كانوا يسمُّون به (١) أولادهم من الأسماء المضافة إلى الشياطين والأصنام، كعبد ودٍّ وعبدِ العُزَّى وعبد اللاتِ وعبد مَناةَ. وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: هو ما يمنِّيهم من الأماني الكاذبة: من النصر على مخالِفيهم في الدنيا، وأنه لا بعثَ ولا نشورَ، وإن كان فهو للحُسنى لهم؛ كما قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وهو كلامٌ معترِضٌ، ثم عاد إلى خطابه، وهو قوله تعالى: * * * (٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: قال سفيان بن عُيينةَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، أنْ تلقيَهم في ذنبٍ يَضيق عنه عفوي (٢).

стр. 4696

وقيل: إن خواصِّي ليس لك عليهم سلطانُ الوسوسة؛ لالتجائهم (١) إليَّ ودوامِ استعاذتهم بي؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠١]. وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إنما يكون عبدُه مَن لا يكون في أسرِ غيره، فأما مَن استعبده هواه، واستَمْكَن من قلبه الأطماع، واسترقَّته كلُّ خسيسةٍ ونقيصة (٢)، فلا يكون من جملتِهم، قال النبي ﷺ : "تَعِسَ عبدُ الدِّينار، تَعِسَ عبدُ الدِّرهم" الخبرَ (٣). وقيل: عباده هم المتفيِّئون بظلِّ عنايته لتبرُّئهم عن الحول والقوة، وانفرادِهم باللَّه بحُسن التوكُّل ودوامِ التفويض (٤). ثم قوله: ﴿اذْهَبْ. . . وَاسْتَفْزِزْ. . . وَأَجْلِبْ﴾ هذه الألفاظُ الخارجة على صيغةِ الأمر على معنى تعجيز إبليس، وتعريفِه أن ذلك لا يضرُّ اللَّه شيئًا ولا يَنقص من ملكه، وأن سلطان إبليس إنما يجري على الجهَّال الذين قد أخرجهم اللَّه تعالى عن جملة مَن شرَّفهم بعبوديته. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: أي: كافيًا لك، ومعتمَدًا لك (٥) في أمورك. وفي الخبر: أن اللَّه تعالى لمَّا لعن إبليس وطرده قال: ربِّ أسألك أن تُعينني

стр. 4697

على آدم، قال: يا إبليس، لا يُولد له ولدٌ إلا وُلد لك عشرةٌ، قال: يا ربِّ زِدْني، قال: تجري فيه وفي ذريته مجرى الدم، قال: يا ربِّ زِدْني، قال: أَجْلِبْ عليهم بخيلك ورَجِلك وشاركْهم في الأموال والأولاد وعِدهم، فاستغاث آدم باللَّه وقال: إنك جعلتَ بيني وبين إبليس عداوةً وقوَّيْتَه عليَّ فأعنِّي عليه يا ربِّ، فقال: إذا عملْتَ حسنةً فلك بها عشرةٌ، وإنْ عملتَ سيئةً فواحدةٌ، قال: يا رب زدني، قال: لا أغلق بابَ التوبة على أحدٍ من ذريَّتك حتى يُغرغر، قال: يا رب زدني، قال: أغفرُ ولا أبالي، فقال آدم: حسبي يا رب (١). * * * (٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾: قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: يُجري (٢). والإزجاء في اللغة. السَّوق؛ قال تعالى: ﴿يُزْجِي لَكُمُ﴾ [الإسراء: ٦٦]. وانتظامها بما قبلها: أن هذا في تفسير قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ووجهٌ آخر: أنه بيانُ وحدانية اللَّه تعالى، وبيان إنعامه على خلقه، وفيه إظهارُ قبحِ شركهم وأكثر السورة فيه، يقول: هو ربُّكم المتفضِّل عليكم بما يَتِمُّ به معاشكم (٣)، الذي يَسوق لكم السفن في البحر سَوقًا ليِّنًا رقيقًا بريحٍ طيبةٍ تقطَعُ بكم المسافة البعيدة في المدة القريبة.

стр. 4698

وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: من رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ أي: لم يزل بارًّا بكم يوصل إليكم المنافعَ والمرافق الدِّينية والدنيوية. * * * (٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: أي: إذا اشتدَّ بكم البلاء في البحر حتى تُشرفوا على الهلكة ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ أي: بطَل وتلاشى عنكم آلهتُكم التي تدعون من دون اللَّه فلا تستعينون إلا باللَّه. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: أي: خلَّصكم من هول البحر فأخرجكم إلى البر ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن إخلاص العبادة للَّه وأقبلتُم على عبادة غيره. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾: أي: عادةُ الإنسان كفرانُ النِّعم، والمراد به الناس لأنه اسم جنس ويصلح للجمع. ثم أَخبر أن قدرته عليهم في البر كقدرته عليهم في البحر، وهو قولُه تعالى: * * * (٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ، يقول: عجبًا منكم كيف أمنتُم أن يَغور بكم في الأرض في جانبٍ (١) من جوانبها.

стр. 4699

﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا ترميكم بالحصباء (١)، وهي صغار الحجارة ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾؛ أي: مَن يكفيكم ما يَحِلُّ بكم. * * * (٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾: أي: يسبِّبَ لكم سببًا يَضْطَرُّكم إلى العَود وإلى ركوب البحر مرة أخرى. ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾: عند ذلك ﴿قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ يكسرُ السفن ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: فيهلكَكم عقوبةً لكم على كفران نعمةِ تخليصكم (٢) في المرة الأولى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ﴾: أي: لأنفسكم ﴿عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾؛ أي: مَن يَتبعُنا بدمائكم ويخاصمُنا عنكم بهلاككم. والتبيع: المُطالِب، والتَّبِعة والتِّباع المطالبة بالجناية، والاتِّباع: الطلب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. * * * (٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ

стр. 4700

وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾: ذكَر في الآيات (١) المتقدِّمة كفرانَ النِّعم من الكفار، وبيَّن في هذه الآية إنعامَه على بني آدم، فحثَّهم بذلك على الشكر، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾؛ أي: فضَّلناهم على كثيرٍ من أصناف الحيوانات، وجعلناهم أحقَّ بالكرامات منها، ويدخل فيها خلقُه إياهم على هذه الهيئة التي يَصلحون بها للتكليف والتمييز بين الأشياء، والاهتداءِ إلى أسباب المعاش، وما جعَل لهم من القامات المنتصِبة، وحرَّم دماءهم ولحومهم، وسخَّر لهم ما في الأرض، وجعلهم المقصودين بالخلق والامتحان، واستعمالِ السماء والأرضِ، والشمس والقمر، والنجوم والبحار، والبراري (٢) والجبال، وجميع الصعاب والشِّداد (٣) في حوائجهم بما لا يَتهيَّأ لغيرهم ذلك، وأَسجَدَ لأبيهم الملائكة. وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في البر على الدواب وفي البحر على الفُلك، في الرَّطْب على اليابس وفي اليابس على الرَّطْب. وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: اللذائذِ من الحبوب والثمار، ولحومِ الحيوانات النافعة المقوِّيَة، والأشربة العذبة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾؛ أي: فضَّلناهم بهذه الأشياء على سائر الحيوانات، وجعلنا سائر الحيوانات مسخَّرة لهم، وخلقنا لهم آلةَ المناولة والتناوُلِ. و ﴿كَرَّمْنَا﴾ أبلغ منْ: أكرمْنا؛ لأنَّه يقتضي التكرير والتكثير.

стр. 4701

وقال ابن عباس ﵄: كرَّمناهم بالعقل. وقال الضحَّاك: بالنُّطق والتمييز. وقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها. وقال يمان بن رئابٍ: بحسن الصورة. وقال محمد بن كعب القرظي: بأن جعل محمدًا ﷺ منهم (١). وقال مقاتل: ﴿كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالأكل بالأيدي (٢). ورُوي هذا عن ابن عباس ﵄ أيضًا (٣). وقال الأصمعي: دخلت على الرشيد وبين يديه جامُ خبيصٍ وبيده ملعقةُ ذهبٍ يأكل بها، فقال: يا أصمعي، تعال فساعِدْ، فقلت: حدَّثني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ، عن جدِّك عبد اللَّه بن عباس في قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالأكل بالأيدي، فرمى الملعقة. وقال القشيري ﵀: هذا ظاهرٌ على العموم، والمراد به المؤمنون على الخصوص؛ لأنَّه قال في وصف الكفار: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، التكريم: التكثير من الإكرام (٤)، فإذا حُرم الكافر أصلَ الإكرام فمتى (٥) يكون له التكريم (٦)؛

стр. 4702

ثم إنما قال: ﴿بَنِي آدَمَ﴾، ولم يقل: المؤمنين، ولا: العابدين، ولا: المجتهدين، تقديسًا للتكريم من أن يكون مقابَلًا بفعلٍ، أو معلَّلًا بوفاق، أو مسبَّبًا باستحقاق. وذلك التكريم: أنهم متى شاؤوا وقفوا على بساط المناجاة. ومن التكريم: أنك على أيِّ وصفٍ كنتَ من الطهارة وغيرها إذا أردتَ أن تخاطبه خاطَبْتَه، وإذا أردتَ أن تسأله سألتَه. ومنه: أن العبد إذا تاب ثم نَقَض توبته ثم تاب قُبلت توبتُه، ولو تكرَّر منه جُرمه [ثم توبته] يضاعف له قبول التوبة وعفوه. ومنه: إذا عثَر أخذ بيده، وإذا قال: لا أعود، قَبِله بقوله (١) وإنْ عَلِم أنه سيعود. ومنه: أنه زيَّن ظاهرهم بالمجاهَدة، وحسَّن باطنهم بالمشاهدة. ومنه: أنه أعطاهم قبلَ سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذلك ورد في الخبر (٢): ["أعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرتُ لكم قبل أن تستغفروني" (٣)]. ومنه: أنه قال لهم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن. وكذا قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩].

стр. 4703

ومنه: قوله في حقهم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: محمولُ الكرام لا يقع، ولو وقع أُخذ بيده (١). ولما حمل بنو آدم الأمانة جازاهم بأن قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وشتَّان ما بينهما (٢). وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الرزقُ الطيِّب: ما كان على شهود الرازق، فمَن لم يكن غائبًا بقلبه، ولا غافلًا عن ربِّه، استطاب كلَّ رزق، وأنشدوا: إنِّي لِمَا قد سُمْتَ ركَّابُ... وللَّذي تسقيه شرَّابُ لا عائفًا شيئًا ولو شِيبَ لي... من كفِّك العلقمُ والصَّابُ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ فضَّلهم جميعًا بالخَلْق الحسَن، ثم فضَّل بعضهم على بعضٍ بالخُلُق الحسَن. وقيل: فضَّلهم بأنْ لاحظوا أنفسهم بعين الاستحقاق، وأعمالَهم بعين الاستصغار (٤). * * *

стр. 4704

(٧١) - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾: قيل: هو على الإغراء؛ أي: احذروا يومَ ندعو، أو هو على الابتداء؛ أي: اذكروا ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ الآية. وقال الزجَّاج: أي: ويعيدكم ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ (١). وقيل: يتصل بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ الآيةَ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾. وقيل: يتصل بقوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾. وقيل: يتصل بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾. وقيل: بقوله: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾. وقيل: يتصل (٢) بقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. روَى عليٌّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في تفسيره: "بكتاب ربِّهم وسنَّةِ نبيِّهم" (٣). والإمام هو المقتدَى، وكتاب اللَّه هو الذي يجب أن يُقتدَى به، فعلى هذا يُدْعى: يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل.

стр. 4705

وقيل: أي: بإمامهم المبعوثِ إليهم: يا أمة محمد (١)، يا أمة موسى، يا أمة عيسى. وقيل: أي: تُدعى كلُّ أمةٍ مع نبيِّها ليَشهد عليها. وقال علي بن أبي طلحة: بأئمَّتهم في الخير والشر؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] (٢). وقال محمد بن كعب: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾؛ أي: بأمَّهاتهم (٣). وقال بعضهم: بمذاهبهم؛ لأنَّهم كانوا يَؤمُّونها (٤). وقيل: بحِرَفهم. وقيل: بأحوالهم وبمقاماتهم، قال النبيُّ ﷺ : "أولُ مَن يُدْعَى إلى الجنة الحامدون اللَّهَ على كلِّ حال" (٥). وقال ابن عباس ﵄ في حديث عَقْدِ الألوية: ثم يُعقد لواء آخر وينادي منادٍ: أين الساعون للمشكور (٦)؛ فيقومون، ثم يعقد لواء آخر وينادي منادٍ (٧): أين الراضُون بالمقدور؟ فيقومون، ثم يعقد لواء آخر وينادي منادٍ

стр. 4706

آخر (١): أين الصابرون على المحذور؟ فيقومون، فهذه هي المقامات، إلى أن يَتمَّ أربعٌ وسبعون من الألوية (٢). وقيل -وهو الأظهرُ والأوفق للنظم-: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾؛ أي: إلى كتابهم الذي كتب فيه أعمالهم، وسمِّي إمامًا لأن المرجع إليه في تعرُّف أعمالهم، كما يسمَّى مصحفُ عثمان إمامًا لأن المرجعَ إليه، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: وهو كتاب أهل السعادة ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ مشتمِلًا على ما كان منهم. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: أي: ولا يُنقصون شيئًا من ثواب أعمالهم وإن كان شيئًا حقيرًا يسيرًا بمقدارِ ما يفتله الرجلُ بين أصابعه من الوسخ، فهو الفتيل. وقيل: الفتيل: الذي يكون في شقِّ النواة. وقال القشيري ﵀: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ لكمالِ صَحْوِهم ووُفور عقلهم، والذين يُؤتَون كتابهم بشمالهم فهم لتحيُّرهم وتردُّدهم لا يقرؤون كتابهم، وأشار إليه في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] الآيات، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ولم يذكر القراءة (٣). * * * (٧٢) - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

стр. 4707

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: قرأ أبو عمرو (١): (أعمى) الأول بالإمالة والثاني بالتفخيم، وقال: هو للتفضيل بدليل قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومعناه: أشدُّ عمًى مِن عمَى القلب، فيكون أفعل للفعل لا للإفعال فيصح، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. وقرأ بالتفخيم فيهما ابن كثير ونافعٌ وابن عامر وعاصم في رواية حفص، وبالإمالة فيهما حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (٢). ومعناه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في الدنيا والنظرِ إلى أعيانها (٣) والاستدلالِ بها على ما جُعلت الدلائلُ عليها ﴿أَعْمَى فَهُوَ﴾ في التفكُّر في أمور ﴿الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لأنها غيبٌ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ أي: أعدلُ عن الحق. وقال ابن عباس ﵄: ذكر النعمةَ قبله فقال (٤): ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ وكذا وكذا، ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾؛ أي: ومَن كان عن هذه النِّعم التي يعايِن ويشاهِد ﴿أَعْمَى﴾ فهو عمَّا لم يُعايِن ولم يشاهِد من أمور الآخرة أعمى (٥).

стр. 4708

ومَن عمي عن آيات اللَّه في الدنيا (١) فعن الذي غُيِّب عنه من أمور الآخرة أشدُّ عمًى (٢). ومَن كان في الدنيا عن سلوك سبيل النجاة بالتوبة أعمى فهو في الآخرة أشدُّ عمًى (٣) من طريق النجاة من عذاب اللَّه. وقال أبو العباس بن العطاء: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفته، فهو في الآخرة أعمى عن رؤيته. وقيل: مَن كان في الدنيا لا يُبصر (٤) رشدَه مع ما مُدَّ له في المهلة، فهو في الآخرة بهذه الحالة أيضًا لا سبيل له إلى التوبة. وقيل: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج اللَّه بُعث يوم القيامة أعمى؛ كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] الآيات، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو على العمى (٥) الحقيقيِّ بالبصر عقوبةً لهم. وقال ابن عباس ﵄: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن شكر النعيم كان في الآخرة أعمى عن نيل الثواب العظيم.

стр. 4709

وقال أبو بكر الورَّاقُ: مَن كان في هذه أعمى عن حجَّته فهو في الآخرة أعمى عن جَنَّته (١). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ عن مشاهدته ببصيرته فهو في الآخرة أعمى عن رؤيته ببصره (٢). وقيل: لمَّا نزلت هذه الآيةُ جاء عبد اللَّه بن أمِّ مكتومٍ -وكان ضريرًا- إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (٣). * * * (٧٣) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: وهذا من عمَاهم في الدنيا. قال ابن عباس ﵄: جاء وفد ثَقيفٍ إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: نحن أخوالك (٤) وأصهارُك وجيرانك فأعطِنا ما نريد نُعْطِكَ ما تريد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما تريدون؟ " فقالوا: نريد أن لا نُعشَرَ ولا نُحشَرَ ولا نجبِّيَ (٥)، وكلُّ ربًا لنا

стр. 4710

على الناس فهو عليهم، وكلُّ ربًا للناس علينا فهو موضوعٌ عنا، ومَن قصَد واديَنا وجًّا فعضَد (١) شجرها واصطاد صيدها منَعْناه وضربناه، وأن تمتِّعنا باللات سنةً (٢) لتَظهر كرامتُنا وفضْلُنا، وألا نكسرها (٣) بأيدينا! فقال النبي ﷺ : "لا نَعْشر ولا نَحْشر، وكلُّ ربًا فهو لكم، وأما قولكم: لا نجبِّي (٤)، فلا خير في دِين لا يكون فيه ركوعٌ ولا سجود، وأما قولكم: لا نكسر اللات بأيدينا، فلْنأمر بكسرها (٥)، وأما قولكم: متِّعنا بها سنةً (٦)، فأنا أنتظرُ أمر اللَّه تعالى فيها"، فقالوا: إن لامك العرب فقل: أمرني اللَّه بذلك، فقال لهم عمر: ما لكم أحرقتُم رسول اللَّه ﷺ أحرقَ اللَّه أكبادكم؟ لا ولا نَعِمَتْ عينٌ، لا يدعُ رسول اللَّه ﷺ صنمًا بأرض العرب يُعبد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (٧)؛ أي: ما كادوا إلا أنْ يصرفوك عن الذي أوحينا إليك

стр. 4711

لتفتريَ علينا غيره، وهو قولهم: قل: أمرني اللَّه به ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ يعني: لو فعلتَ ذلك لصادقوك وطاوَعوك. وقيل: وقالوا: يا رسول اللَّه، امسح وجوهَ أصنامنا بيدك حتى نمكِّنكَ أن تستلم الحجر الأسود (١). وقيل: هو في الْتِماس المشركين أن يُخْلِي لهم المجلس وأن يطرد الفقراء عنه. * * * (٧٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: وفيه إثبات العصمة له حتى لم يهمَّ بذلك أصلًا، ولم يكَدْ يفعل ذلك؛ لأنَّه علَّق ذلك بالشرط وهو قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾؛ أي: على الحق والصواب لكان منك ذلك، وهو

стр. 4712

كما قلنا في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]: أنه لمَّا ذكره معلَّقًا بالشرط كان نفيًا له أصلًا، وقوله: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ بيانُ قصدهم لا فِعلُه. وقال الإمام القشيري ﵀: معناه: لو تركناك ونفسَك ورفعنا عنك ظلَّ العصمة لأَلْمَمْتَ بشيءٍ مما لا يجوزُ من مخالفةِ أمرنا، ولكنَّا ضربنا عليك سُرادقاتِ العصمة، وآويناك في كَنَف الرعاية، وحفظناك عن الأخطار باتِّباع هواك، فالزلة منك مع هذا محال، والافتراء في نفسك غير موهوم (١). وقال قتادة: لمَّا نزلت هذه الآية قال ﷺ : "اللهمَّ لا تَكِلْني إلى نفسي طَرفةَ عين" (٢). * * * (٧٥) - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾: أي: لو ركَنْتَ إليهم لأذقناك ضعفَ عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، فمَن كانت درجتُه أرفعَ ونِعمُ اللَّه عليه أسبغَ كان وعيدُ اللَّه في حقه أبلغَ، ولذلك قال في حق نساء رسول اللَّه ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾: أي: مانعًا عذابَنا عنك معينًا لك. وإنما جاز إضمار العذاب في الضِّعف في هذه الآية لأن اللَّه تعالى وصف العذاب بالضعف في آية أخرى، فعُرف هاهنا أنه هو المراد به، قال تعالى: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١]، وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨].

стр. 4713

(٧٦) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾: أي: ليستخِفُّونك ويستعجلونك. قيل: نزلت في حييِّ بن أخطبَ وجديِّ بن أخطب (١) ورؤساءِ اليهود، قالوا للنبي ﷺ : إنك لَتعلمُ أن الحجاز ليست بأرض الأنبياء، وإنما مُقام الأنبياء أرضُ المحشر بالشام، فإن كنتَ نبيًّا فاخرج إلى الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتُك قتلَ الروم إياك، فتوجَّه رسول اللَّه ﷺ نحو الشام إلى ذي الحُليفةِ، فأتى جبريل بهذه الآية، فانصرف رسول اللَّه ﷺ (٢). وقيل: المراد منه الإخراج المذكور في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وهو ما ائتَمروا به في دار الندوة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو جعفرٍ وأبو عمرٍو وعاصم في رواية أبي بكر وحماد: ﴿خلْفَكَ﴾ والباقون: ﴿خِلَافَكَ﴾ (٣)،

стр. 4714

ومعناهما واحد؛ أي: لو فعلوا ذلك لم يكن لهم بقاءٌ بعدك إلا قليلًا قَدْرَ ما ينزل بهم العذاب، لأنه ما فارق نبيٌّ قومَه إلا عذِّبوا ونزل بهم الاستئصال. * * * (٧٧) - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾: أي: كسنَّتِنا (١) فيمَن قد أرسلنا قَبْلَك من رُسُلِنا: أنه ما فارق نبيٌّ قومَه إلا عذِّبوا ونزل بهم الاستئصال (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾: أي: لا يجد أحدٌ (٣) سبيلًا، إلى تبديل ما سنَّه اللَّه وكتب (٤) على عباده، وقال تعالى (٥): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣]، وقد جرى على أهل مكة بعد خروج النبي ﷺ عنها إلى المدينة بسبب مكرهم قتلُ صناديدهم ببدرٍ بعد سنتين، ثم فتحُ مكة وإخراجُ مَن بها من المشركين. * * * (٧٨) - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

стр. 4715

وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: فإنْ ثقُل عليك أذاهم فافْزَعْ إلى الصلاة ففيها الفرجُ والمخرج، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]. وقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: قال ابن مسعود، وابن عباس ﵄ في روايةٍ، وابنُ زيد: لغروبها؛ أي: بعد غروبها وهي صلاةُ المغرب. وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ والحسنُ ومجاهد وقتادة: هو زوالها (١). وأصله (٢): الميل، وهو يَنتظِم الأمرين. وقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: هو أولُ ظلمة الليل، وقيل: هو ظهور ظَلامه. وقد غَسَقَت القَرحة: إذا انفجرت وظهر ما فيها. يقول: أقِمِ الصلاة لزوال الشمس إلى ظلام الليل، وهو يَنتظِم صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: أي: صلاةَ الفجر، سماها قرآنًا لأن القراءة من أركانها، كما سميت الصلاة ركوعًا وسجودًا، وكذلك قال ﵇: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" (٣)، وفي بعض الروايات:

стр. 4716

"حتى يسجدَ سجدتين" (١)، وقد سمى اللَّه تعالى المصلِّين ركَّعًا وسجَّدًا. وقيل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: قراءةَ الفجر؛ أي: أقمْ قراءةَ الفجر؛ أي: القراءةَ المفروضة فيها، فعلى هذا تكون الآية جامعةً للصلوات الخمس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: أي: صلاةَ الفجر وما يُقرأ فيها، يشهدها ملائكةُ الليل والنهار، لفضيلة هذه الصلاة في نفسها. * * * (٧٩) - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾: أي: اسهَرْ بالقرآن تقرؤه في صلاة الليل ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ زائدةً على تلك الفرائض المذكورة في الآية الأولى، فتلك فرائضُ وهذه نوافل. وقيل: غنيمةً لك. وقال الحسن: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾؛ أي: خالصةً لك، وخلوصُه له: أنه لا يَغفل عن شيء منه في حالٍ، وغيرُه من الناس قد يغفلون فيه عن أشياء (٢). وقيل: إنما قال: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ لأنه كان مغفورًا له فيما يعمل فيكون نافلة له، وأما غيره من الناس فإن ما (٣) يعمل من الخيرات يكون كفارةً لذنوبه فلا يكون نافلةً له، وإذا ثبت أنه نفلٌ في حقه ثبت أنه نفلٌ في حق أمَّته؛ لأن المشروع في حقه مشروعٌ في حق أمته حتى يقوم دليلُ التخصيص، وكان قيام الليل فرضًا في الابتداء ثم نسخت فَرْضيَّته.

стр. 4717

وقيل: كان فرضًا على النبي ﷺ ، ومعنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾؛ أي: زائدةً على عدد الخمس فرضًا عليك دون غيرك. وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: أي: يُقِيمكَ مقام الشفاعة فيَحمدك عليه الخَلق، والمحمود: المرْضيُّ أيضًا، والمقام: هو الموضع الذي يقوم فيه الإنسان بجلائل الأمور؛ كالمقامات بين يدي الملوك، وفي مجالس العشائر لتسكين النائرة (١)، وقال لبيد: ومقامٍ ضيِّقٍ فرَّجتُه... بلساني وبناني وجَدَلْ (٢) وقال آخر (٣): وإنِّي لقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم يكنْ... جريرٌ ولا مولَى جريرٍ يقومُها (٤) وفي هذه المقامات يتبيَّن بها فضلُ السادة، وتُكتسب بها أسبابُ السيادة، ويطير بها الذِّكر في الناس. وقال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: المقام المحمود هو مقام الشفاعة (٥). وقيل: هو إعطاءُ لواءِ الحمد. * * *

стр. 4718

(٨٠) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: المَدخل والمَخرج بفتح الميم: موضع الدخول وموضع الخروج، وبالضم: موضع الإدخال ومو ضع الإخراج، ويكون مصدرًا أيضًا وهو نفسُ الإدخال ونفس الإخراج. والصدق أريد به: صدقُ الوعد؛ أي: تُصَدِّقُ (١) به ما وعدتَني، كما قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. ويحتمِل أن يكون معناه: الحسَن الجميل، كما يقال: فلانٌ خليلُ صدقٍ ورجلُ صدق؛ أي: مرضيُّ الخلُق، ومنه قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]. وقال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: هو إدخال المدينة بعد الإخراج من مكة (٢). وقيل: معناه: أدخلني فيما أمَرْتني به وأخرجني عما نهَيْتني عنه. وقال القفَّال: علَّمه ما يدعو به في صلاته من إخراجه من بين ظهراني المشركين على الحالة المحمودة من السلامة والكفاية والعز والعافية: وأخرجني من مكة إخراج صدق. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: أي: وإذا أدخلْتَني مكة بالحرب

стр. 4719

فسلِّطني على المشركين وأعنِّي عليهم وانصُر سلطاني؛ أي: اجعل سلطاني عليهم منصورًا، والنصير بمعنى المنصور، ويقال (١): راية منصورة، يراد بها أن صاحبها منصور على أعدائه، والنصر: التمكين من الانتصار من العدو، وقد استجاب اللَّه تعالى ذلك يوم الفتح. * * * (٨١) - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾: أي: بشِّر أصحابك بدنوِّ دولتهم وبُطلان دولة (٢) أعدائهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: أي: لم يزل (٣) مضمحلًّا؛ أي: لا بقاء له يتراءى (٤) ثم يتلاشى، وإنما الثباتُ والدوامُ للحق، وهذا مستقبلٌ بصيغة الماضي كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]. وقال ابن عباس ﵄: (زَهَق الباطل): ذهب (٥)، وهو من زَهَقت نفسه: إذا خرجت وهلَكتْ. وروي (٦) أن النبي ﷺ لمَّا دخل الكعبة يومَ فتح مكة وجد فيها ثلاثَ مئة وستين صنمًا، فجعل يطعُنها [بعودٍ كان] بيده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٧).

стр. 4720

فيحتمِل أن تكون هذه الآيةُ أمرًا له أن يقول هذا إذا دخل مكة، وفيه تحقيقٌ للبشارة بالفتح، وهذا التأويل أقربُ للنظم والاتِّصال بقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾. وفيه أقاويلُ أُخَرُ: قيل: معناه: أَمِتْني إماتةَ صدق وابعثْني يومَ القيامة مَبعثَ صدق، فيتصل بقوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ويكون الإدخالُ في القبر والإخراج منه. وقيل: أي: أدخلني في الأمر الذي أكرمْتَني به من النبوة ما دمتُ حيًّا مدخل صدق، وأخرجني منه إذا أمتَّني مُخرج صدق، وهذا معنى قول مجاهد (١). وقال القشيري ﵀: ﴿أَدْخِلْنِي﴾ في طاعتك ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ على رؤية المنَّة ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ منها ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ على رؤية التبرِّي من الحول والقوة. وقيل: إدخال الصدق أن يكون دخوله في الأشياء باللَّه للَّه لا لغيره، وإخراجُ الصدق أن يكون خروجه عن الأشياء باللَّه للَّه لا لغيره. ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حتى لا ألاحظ دخولي ولا خروجي. والحقُّ ما كان للَّه تعالى والباطلُ ما كان لغيره. والحق من الخواطر ما دعا إلى اللَّه والباطلُ ما دعا إلى غير اللَّه (٢). * * * (٨٢) - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.

стр. 4721

وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متَّصلٌ بقوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، وبقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ليس للتبعيض، بل هو كقوله: لي من هذا الرجل أخو صدق؛ أي: هذا الرجل أخو صدق. والقرآن كلُّه شفاءٌ من وجوه: أحدها: ما فيه من البيان الذي يزيل عمَى الجهلِ وحيرةَ الشكِّ ومرضَ العلم. ومنها: أنه برهان من جهة النَّظم والتأليف على أنه معجزٌ يدلُّ على صدقِ مَن أتى به. ومنها: أنه يُتبرك به فيدفع اللَّه به كثيرًا من المكارِه والمضارِّ والأمراض، وقد روي أن اللَّديغ برئ حين قُرئ عليه فاتحة الكتاب (١). ومنها: ما في تلاوته من التعبُّد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: أي: المشركين المعرِضين عن التدبُّر (٢) والتفكُّر فيه إلا هلاكًا وغبنًا (٣) بفَوْت الثواب واستحقاقِ العقاب، وإضافةُ الزيادة إلى القرآن بطريق التسبُّب على ما مرَّ مراتٍ. * * * (٨٣) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾: وسبب الخسران بتنزيل القرآن:

стр. 4722

أنَّا (١) إذا أنعمنا على الإنسان -أي: المشرك- بإعطاء المال والصحة والأمان وكثرةِ الولد (٢) لنمتحنَه بشكر نعمتنا وأداءِ طاعتنا أعرض عن تدبُّر آياتنا. وقوله تعالى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: تباعَدَ بجانبه عن المؤمنين، فلم يَلِنْ لهم، وهو عبارةٌ عن التكبُّر (٣)، يقال: فلان ليِّنُ الجانب: إذا كان متواضعًا سَمْحَ الأخلاق، وصعبُ الجانب: إذا كان متكبِّرًا عَسِرَ الأخلاق، ولا يوصَل إليه بسهولةٍ كالشيء البعيد. ويحتمِل: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾؛ أي: تباعَدَ في إعراضه؛ كما قال: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ [يونس: ١٢]، وهو كما يقال إذا نأى وخالف (٤): ركب فلان رأسه، وشمَخ بأنفه، وصعَّر خدَّه، ولوَى شِدْقه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾: أي: فإذا أصاب هذا الكافرَ سوءٌ يَئس من رحمة اللَّه فلم يصبر على المحنة، وفي الحالة الأولى لم يشكر على النعمة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]. * * * (٨٤) - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾؛ أي: كلُّ إنسان يعمل في دينه على ما يشاكِل عقله، فمَن تدبَّر القرآن واستشفَى به عمِل في دينه بالحجة، ومَن أعرض عنه عمِل على ما يُوجبه تقليد الآباء في الضلالة.

стр. 4723

وقوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: من الفريقين، ويجازي كلَّ فريقٍ على عمله وعلى وَفْق اعتقاده. والشاكلة: الخليقة، وقيل: الطريقة، وقيل: الطبيعة. وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾؛ أي: على ناحيته (١). وقال ابن عباس ﵄: على طريقته (٢). وقال مقاتل: على طبعه (٣). وقال الحسن وقتادة: على نيَّته (٤). وقال المبرِّد: على ضريبته (٥). * * *

стр. 4724

(٨٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾: أي: هؤلاء المشركون المعرِضون عن التدبُّر في كتابك يتعنَّتونك في سؤالك وجوابك. وقيل في نزول هذه الآية: إن النَّضْر بنَ كلَدةَ بنِ عبدِ مناف بنِ عبد الدار قال: يا معشر قريش، قد نزل بكم أمر ما تَقْدِرون قَدْرَه فانظروا في أمركم، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا النضرَ بن الحارث (١) وعُقبةَ بنَ أبي معيطٍ وأبيَّ بن خلف إلى أحبار يهود بيثربَ: فأْتُوهم وسلُوهم عن محمد وأمره، فخرجوا حتى أتوا يهود بني قريظةَ والنضيرِ وقينقاع، ثم سألوهم عن النبي ﷺ فوجدوهم قومًا حُسَّدًا، فقالوا: اسألوا الرجل عن ثلاثة أشياء، فإن أخبركم عنهنَّ فإن الرجل مرسَل، وأن لم يفعل فالرجلُ (٢) متقوِّل، وقد أظلَّ زمانُ نبيٍّ، فاسألوه عن طوَّافٍ قد بلغ المشرق والمغرب قد كان له خبرٌ ونبأ وقَصَص، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم عنه فإنه كاذب، وإن لم يخبركم عن الروح فهو كما قال، واسألوه عن أصحاب الكهف، فإن عجز عنها فهو متقوِّل، فخرجوا حتى انتهَوا إلى فدك فقالوا لهم مثلَ هذا سواءً، إلا أنهم قالوا: هذه صفتُه، ونجدُ مخرجه من بلادكم، ونجدُ مُهاجَرَه بيثرب، فرجع النفر إلى مكة، فلما قدموا على قريش قالوا: جئناكم نَفْصِل ما بينكم وبين محمد، قد أمرَنا أهلُ الكتاب الأوَّل أن نسأله عن أمور، فإن أخبرنا عنها فهو كما قال، وإنْ عجز عنها (٣) فهو متقوِّل، فمشت قريشٌ مع هؤلاء الرسل حتى وقفوا على رسول اللَّه ﷺ وهو جالسٌ

стр. 4725

عند الكعبة قد فرغ من صلاته، فقالوا: إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء، وتقدم النَّفَر الذين كانوا قدِموا فسألوه عن تلك الخصال الثلاث، فقال: أخبرُكم غدًا، ولم يقل: إن شاء اللَّه؛ أي: لم يستثنِ، فمكث الوحيُ عن النبيِّ ﷺ خمسَ عشرةَ ليلةً لا يأتيه جبريل ﵇ بشيء (١)، فكبُر ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، وأَرجَف أهل مكة، فقال (٢) بعضُهم لبعض: الرجل متقوِّل، وبطَل ما كان يقوله، وعدَنا أن يخبرَنا عما سألناه عنه فقال: غدًا أخبركم، واليوم خمس عشرة ليلة (٣) ولم يأتنا بخبرِ ما سألناه عنه، ثم عادوا فسألوه عن حديث أصحاب الكهف، فقصَّ عليهم قصَّتهم، ثم جاءهم بحديث الطوَّاف وهو ذو القرنين، فأخبرهم بذلك كلِّه وقص عليهم، ثم سألوه عن الروح فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ فانصرفوا (٤). وقد جاءت هذه الأمور كلُّها وهم لا يؤمنون. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾؛ أي: عن الروح التي يَحْيَى بها الحيوان: ما هي؟ كما يَسأل عنها مَن يدَّعي الفلسفة ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: هو المتفرِّد بعلم كيفيتها، كمَن يُسأل عن شيء لا يقف على حقيقته، فيقول: هذا من أمر أستاذي؛ أي هو الواقف على حقيقته. وقيل: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: وجودُها بتكوين ربي؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ

стр. 4726

إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهذا جوابٌ مُقنعٌ كافٍ لمن أَنصف، وإنما بُعث رسول اللَّه ﷺ لبيان ما يُحتاج إليه من أمر الدين. قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ولقلَّةِ علمكم بمواقع حُجج اللَّه ومراتبِ دلائله تلتمسون دلائلَ صحةِ دعوَى النبوةِ من جهةِ العلم بالروح ونحوِ ذلك، وليس كذلك. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الروح الذي سألوه عنه هو جبريل، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (١). وقيل: هو ملك من الملائكة له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألفَ لسانٍ، يسبح اللَّه تعالى بجميع ذلك، وهذا عن عليٍّ ﵁ (٢)، وقال: وهو حافظٌ على الملائكة، كالملائكة حفَّاظٌ على بني آدم، وهو في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] (٣). وقال الحسن: سألوه عن الروح الذي هو القرآن، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٤)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، ويدلُّ عليه

стр. 4727

ما قبله وما بعده: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية؛ أي: قالوا: ما هذا الروح؟ أي: القرآنُ الذي سمِّي (١) روحًا، ومَن آتاك هذا وأنزله عليك؟ فإنَّا نراه مبايِنًا لضروب الكلام من الشعر والأساجيع والخطب، فقال: هو من أمر ربي أنزله إليَّ، ولو تدبَّرتُموه لحَيِيْتم به من موت الجهل، ولكنْ لقلةِ علمكم تركتُم ذلك وقلتُم مِن أين جاء؟ ومَن جاء به؟ وهو قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقيل: لمَّا قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ولم يفسِّر قالوا: إنه لم يعلم، فنزل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقيل: سمع النبيُّ ﷺ اليهودَ يقولون: علمُ كلِّ شيء في التوراة، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقالت اليهودُ: نحن مخصوصون (٢) بهذا الخطاب أو أنتم معنا فيه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل نحن وأنتم، ولم نُؤت من العلم إلا قليلًا"، قالوا: ما أعجَب شأنك! تارةً تقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتارةً تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فأنزل اللَّه تعالى قوله ردًّا عليهم: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] (٣)، فبيَّن لهم أن علوم الخلائق تتلاشى في علم اللَّه تعالى. * * *

стр. 4728

(٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: عدَّد نعمَه عليه ﷺ بما آتاه من القرآن، ثم قال: ونحن قادرون على أن نَذهب به بأنْ نُنْسيَكه والناسَ جميعًا ونرفعَه من صدوركم. قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾: أي: لا تجد مَن يردُّنا عنه وكيلًا لك بذلك؛ أي: قائمًا به معتمِدًا عليه. * * * (٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: وهذا استثناء منقطع، يعني: لكنْ ما أراده اللَّه من الرحمة (١) بعباده على يديك وما في سعة فضله هو الذي يبقيه عليكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: أي: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ﴾ في سابق علمه بما أراده من إرسالك إلى الناس نبيًا (٢) ﴿كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (٣). * * * (٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾: لفظًا ومعنًى وإعجازًا ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾؛ أي: لم يقدروا على ذلك ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ

стр. 4729

ظَهِيرًا﴾؛ أي: مُعينًا؛ أي: وإن تظاهروا وتعاونوا وتقوَّى بعضُهم ببعض لم يقدروا على ذلك، هو جواب قول النضر بن الحارث الذي قال: لو نشاء لقُلنا (١) مثلَ هذا. قال السدِّي: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لأنه غيرُ مخلوق، ولو كان مخلوقًا لأتَوا بمثله (٢). وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ﴾ إنما رُفع ولم يُجزم بجزاء الشرط لأنه غلَب جوابُ القسم على جواب الشرط، لوقوعه في صدر الكلام، ويجوز أن يُجزم على الجواب للشرط، قال الأعشى: لئنْ مُنِيْتَ بنا عن غِبِّ معركةٍ... لاتُلْفِنا (٣) عن دماء القوم نَنتقلُ (٤) والأصحُّ الأفصحُ الرفعُ. * * * (٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: صرَّفنا في هذا القرآن المعجِز القولَ بكلِّ نوعٍ من الترغيب والترهيب ليتدبَّروا وليتفكَّروا. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: وهم قريشٌ والعرب ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إصرارًا على الكفر وتماديًا على الطغيان وكفرانِ النِّعم (٥). * * *

стр. 4730

(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: أي: لن نصدِّقك وإنْ أتيتَنا بهذا القرآن المعجِز. ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾: قرأ عاصم (١) وابن غالب وحمزة والكسائي وخلفٌ ويعقوب: ﴿تَفْجُرَ﴾ بالتخفيف (٢)؛ لأن المحل واحدٌ وهو قوله: ﴿يَنْبُوعًا﴾ والثلاثي منه متعدٍّ، وقد فَجَر؛ أي: شقَّ العين وأسال الماء، وقرأ الباقون بالتشديد (٣)؛ لأنه للتكثير والتكرير. والينبوع: العين التي ينبع منه الماء؛ أي: يفور، وأرادوا باليَنبوع طلبَ عيون ببلدهم، قاله قتادة ومجاهد (٤)، وما بعده وهو قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ هذا بالتشديد بالإجماع؛ لمكان الأنهار. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكةَ ﴿يَنْبُوعًا﴾؛ أي: عيونًا فيتهيَّأَ لنا بها الزراعة وغرسُ الأشجار. * * * (٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: أي: يكونَ
следующие страницы →