← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهذا جوابٌ مُقنعٌ كافٍ لمن أَنصف، وإنما بُعث رسول اللَّه ﷺ لبيان ما يُحتاج إليه من أمر الدين. قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: ولقلَّةِ علمكم بمواقع حُجج اللَّه ومراتبِ دلائله تلتمسون دلائلَ صحةِ دعوَى النبوةِ من جهةِ العلم بالروح ونحوِ ذلك، وليس كذلك. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الروح الذي سألوه عنه هو جبريل، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (١). وقيل: هو ملك من الملائكة له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألفَ لسانٍ، يسبح اللَّه تعالى بجميع ذلك، وهذا عن عليٍّ ﵁ (٢)، وقال: وهو حافظٌ على الملائكة، كالملائكة حفَّاظٌ على بني آدم، وهو في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] (٣). وقال الحسن: سألوه عن الروح الذي هو القرآن، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٤)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، ويدلُّ عليه

стр. 4727

ما قبله وما بعده: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية؛ أي: قالوا: ما هذا الروح؟ أي: القرآنُ الذي سمِّي (١) روحًا، ومَن آتاك هذا وأنزله عليك؟ فإنَّا نراه مبايِنًا لضروب الكلام من الشعر والأساجيع والخطب، فقال: هو من أمر ربي أنزله إليَّ، ولو تدبَّرتُموه لحَيِيْتم به من موت الجهل، ولكنْ لقلةِ علمكم تركتُم ذلك وقلتُم مِن أين جاء؟ ومَن جاء به؟ وهو قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقيل: لمَّا قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ولم يفسِّر قالوا: إنه لم يعلم، فنزل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقيل: سمع النبيُّ ﷺ اليهودَ يقولون: علمُ كلِّ شيء في التوراة، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقالت اليهودُ: نحن مخصوصون (٢) بهذا الخطاب أو أنتم معنا فيه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل نحن وأنتم، ولم نُؤت من العلم إلا قليلًا"، قالوا: ما أعجَب شأنك! تارةً تقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتارةً تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فأنزل اللَّه تعالى قوله ردًّا عليهم: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] (٣)، فبيَّن لهم أن علوم الخلائق تتلاشى في علم اللَّه تعالى. * * *

стр. 4728

(٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: عدَّد نعمَه عليه ﷺ بما آتاه من القرآن، ثم قال: ونحن قادرون على أن نَذهب به بأنْ نُنْسيَكه والناسَ جميعًا ونرفعَه من صدوركم. قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾: أي: لا تجد مَن يردُّنا عنه وكيلًا لك بذلك؛ أي: قائمًا به معتمِدًا عليه. * * * (٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: وهذا استثناء منقطع، يعني: لكنْ ما أراده اللَّه من الرحمة (١) بعباده على يديك وما في سعة فضله هو الذي يبقيه عليكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: أي: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ﴾ في سابق علمه بما أراده من إرسالك إلى الناس نبيًا (٢) ﴿كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (٣). * * * (٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾: لفظًا ومعنًى وإعجازًا ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾؛ أي: لم يقدروا على ذلك ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ

стр. 4729

ظَهِيرًا﴾؛ أي: مُعينًا؛ أي: وإن تظاهروا وتعاونوا وتقوَّى بعضُهم ببعض لم يقدروا على ذلك، هو جواب قول النضر بن الحارث الذي قال: لو نشاء لقُلنا (١) مثلَ هذا. قال السدِّي: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لأنه غيرُ مخلوق، ولو كان مخلوقًا لأتَوا بمثله (٢). وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ﴾ إنما رُفع ولم يُجزم بجزاء الشرط لأنه غلَب جوابُ القسم على جواب الشرط، لوقوعه في صدر الكلام، ويجوز أن يُجزم على الجواب للشرط، قال الأعشى: لئنْ مُنِيْتَ بنا عن غِبِّ معركةٍ... لاتُلْفِنا (٣) عن دماء القوم نَنتقلُ (٤) والأصحُّ الأفصحُ الرفعُ. * * * (٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: صرَّفنا في هذا القرآن المعجِز القولَ بكلِّ نوعٍ من الترغيب والترهيب ليتدبَّروا وليتفكَّروا. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: وهم قريشٌ والعرب ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إصرارًا على الكفر وتماديًا على الطغيان وكفرانِ النِّعم (٥). * * *

стр. 4730

(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: أي: لن نصدِّقك وإنْ أتيتَنا بهذا القرآن المعجِز. ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾: قرأ عاصم (١) وابن غالب وحمزة والكسائي وخلفٌ ويعقوب: ﴿تَفْجُرَ﴾ بالتخفيف (٢)؛ لأن المحل واحدٌ وهو قوله: ﴿يَنْبُوعًا﴾ والثلاثي منه متعدٍّ، وقد فَجَر؛ أي: شقَّ العين وأسال الماء، وقرأ الباقون بالتشديد (٣)؛ لأنه للتكثير والتكرير. والينبوع: العين التي ينبع منه الماء؛ أي: يفور، وأرادوا باليَنبوع طلبَ عيون ببلدهم، قاله قتادة ومجاهد (٤)، وما بعده وهو قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ هذا بالتشديد بالإجماع؛ لمكان الأنهار. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكةَ ﴿يَنْبُوعًا﴾؛ أي: عيونًا فيتهيَّأَ لنا بها الزراعة وغرسُ الأشجار. * * * (٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: أي: يكونَ

стр. 4731

لك في (١) خاصةِ نفسك إذ زعمتَ أنك رسول اللَّه مكرمٌ عنده، فيَخصَّك بالجنان التي فيها النخيل والأعناب، فتفجِّرَ (٢) فيها الأنهار المطَّردة. * * * (٩٢) - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي: قِطَعًا (٣). والكَسْف: القَطْع، وهو مصدر بالفتح، وبالكسر: القطعة، وتجوز جمعًا بحذف الهاء كالسِّدر جمع سِدْرة. وقوله: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ يعنون قوله عن اللَّه: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]. وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: أي: مُقابلًا، وهو كالأكيل بمعنى المؤاكل، والجليس بمعنى المجالس، واحدٌ بمعنى الجمع كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجَكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]؛ أي: أطفالًا. وقيل: ﴿قَبِيلًا﴾ جمع قبيلة؛ أي: مجتمعين. وقيل: القبيل: الكفيل؛ أي: تأتي بهم كفلاءَ عنك يضمنون عهدةَ ما تَدْعونا إليه

стр. 4732

وتَعدُنا من نصر إلهكَ لمن آمَن بك على مَن عاداك، واحدٌ بمعنى الجمع، وطريق استعماله: أن يراد به أن يأتي بكلِّ واحدٍ منهم قبيلًا؛ أي: كفيلًا، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾؛ أي: يخرج كلَّ واحد منكم طفلًا. * * * (٩٣) - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. وقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: من ذهب (١)، والزخرفة: التزيين والتحسين، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤]؛ أي: زينتَها. وقال الحسن: الزُّخرف؛ أي: النقوش (٢)؛ أي: أو يجعل اللَّه لك بيتًا مزيَّنًا (٣) بالذهب كما تكون بيوت ملوك الروم وفارس وغيرهما، فإن الناس لا ينقادون لك على ما بك من الفقر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾: أي: تصعدَ ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾؛ أي: لصعودك ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ في قرطاس، كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] (٤). وقيل: أي: على كلِّ واحدٍ منا كتابًا، كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].

стр. 4733

وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾: أي: تنزيهًا لربي أن يعجز عن شيء من هذا ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ والبشريةُ لا تقتضي القدرة على هذه الأشياء من غيرِ إقدارِ اللَّه تعالى عليه، والرسالةُ لا تقتضي الإتيانَ بها لا محالة، فإنه أرسل الرسل وما أَتَى كلُّ رسولٍ بهذه الأشياء. وقيل: أنا رسولٌ ولستُ بملَكٍ لأُزخرفَ (١) البيوت وأغرسَ الجنان، إنما أنا رسول إليكم أبلِّغكم رسالات ربي. قال ابن عباس ﵄: طلبَ هذه الأمورَ من رسول اللَّه ﷺ جماعة من قريش، وهم: عتبةُ بن ربيعةَ، وشيبةُ بن ربيعةَ، وأبو سفيان، والأسوَدُ بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وعبد اللَّه بن [أبي] أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيهٌ ومنبِّهٌ ابنا الحجَّاج السُّلَميان (٢). وقيل: أجابهم عن هذا في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، وإنما لم يُعطهم ذلك لأن ما جاء به الرسول من الآيات كانت أدلةً لا شبهةَ فيها، فلم يكن لهم إنكارُها مع وضوحها، فكان طلبُ غيرها من الآيات تعنُّتًا، فلم يستحقُّوا أن يُجابوا عنها. وقيل: قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؛ أي: أمرُها إلى الذي أرسلني، وهو أعلم بالتدبير وبما ينصبه (٣) من الدليل. * * * (٩٤) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.

стр. 4734

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: لمَّا قال: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ فقالوا (١): وإذا كنتَ بشرًا مثلَنا فكيف يلزمُنا الانقيادُ لك؟ ثم ردَّ عليهم هذه الشبهةَ فقال: * * * (٩٥) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾: أي: يسكنونها مستوطِنين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ليكون من جنسهم فيفهمون كلامه ويسكنون إليه، فأما أنتم فبشر، فبعثني إليكم بشرًا مثلَكم لتكون قلوبكم إليه أسكنَ، وأنتم لكلامه أفهمَ. * * * (٩٦) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين (٢) المكذِّبين لك: قد أوردتُ عليكم الآيات، وبلَّغتُ الرسالات، وأنا أُشهد اللَّه على ذلك، و ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ عالمًا ﴿بَصِيرًا﴾ مشاهِدًا أفعالَكم وأفعالي، فهو يَشهد لي عليكم يوم القيامة بالتبليغ وعليكم بالإعراض والتكذيب، فيجازي كلًّا بعمله (٣)، وهو وعيد شديد.

стр. 4735

(٩٧) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: أي: ومَن يَهده اللَّه فهو المهتد (١)، دلت الآية على خلق أفعال العباد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: أي: ومَن يُضلِلْه اللَّه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: مَن يتولَّى هدايتَهم، وهو بمعنى الجمع لأنه جنسٌ ولذلك جمع ما بعده، وهو قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي: مسحوبِين عليها. قال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل هذا قال المشركون: كيف يمشون على وجوههم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يُمشِيَهم على وجوههم" (٢). ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾: حين يحشرون، ثم يزول ذلك بدليل قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: عُميٌ عمَّا يَسرُّهم (٣)، بكمٌ عن التكلُّم بما ينفعُهم، صمٌّ عمَّا ينفعهم (٤)، كذا قال ابن عباس والحسن (٥). . . . . . . . .

стр. 4736

وهو جزاءٌ على ما (١) كانوا يتعامَون في الدنيا عن رؤيته من الحق، ويتباكَمُون عن التكلم به من الحق، ويتصامُّون عن سماعه من الحق، قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقال مقاتل: ذلك في جهنم حين يقال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٢). وقوله تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي: مَصيرهم ومَقرُّهم ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾؛ أي: كلما سكن لهبُها، وقد خبا يَخْبو خَبْوًا، والتاء للتأنيث. ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: أي: لهيبًا، وقد سَعَر النارَ يَسْعَرُها من حدِّ صَنَع؛ أي: ألهبها (٣). وقيل: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾؛ أي: أرادت أن تخبوَ؛ كما قال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]. * * * (٩٨) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: فسَّرناه في هذه السورة، يقول: لم نعذِّبهم ظلمًا، بل جزاءً على كفرهم وإنكارهم البدثَ وتعجُّبهم منه بعدَ إرمامهم وتفتُّت عظامهم.

стр. 4737

(٩٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: فإذا قدَر على خَلْق مِثْلِهم قدَر (١) على إعادتهم خلقًا جديدًا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ذلك؛ أي: أولم يعلموا ذلك علمًا يقوم (٢) مقام العِيان في حقِّ الإيقان. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾: أي: مدةً طويلةً إنظارًا (٣) لأنفسهم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه؛ أي: في مُضيِّه. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: أي: كفرانًا لهذا الإنعام بعد (٤) الإمهال. وقيل: جعَل لهم أجلًا هو البعثُ لمحاسبتهم على كفرهم، فأبوا في الدنيا إلا كفرًا بهذا (٥) الوعيد في الآخرة. وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخير: خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلًا لا ريب فيه -وهو مدة العمر- قادر على أن يخلق مثلهم. * * * (١٠٠) - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: يخاطب المشركين، و ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾؛ أي: مفاتيحَ رزقه.

стр. 4738

﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ عن الإنفاق على أنفسكم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (١)؛ أي: لخوف الفقر، قاله ابن عباس ﵄ (٢)، واللغة كذلك. وقيل: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾؛ أي: أن يُذهِب إنفاقُكم أموالَكم. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال الحسن: أي: بخيلًا. وقال ابن عباس ﵄: أي: مُمسكًا (٣). وقال الضحاك: ضيِّقًا (٤)، وأصله: يُضيِّق النفقة، وقد قَتَر يَقْترُ قَتْرًا من حدِّ دخل وضرب جميعًا، وقتَّر تقتيرًا بالتشديد؛ أي: ضيَّق النفقة. فإن قيل: فلمَ قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ وفي الناس الجواد؟ قلنا: الأغلب ذلك؛ لأن المقتصِد والبخيل ليسا بجوادٍ، ولأن طبع الكلِّ الضِّنُّ على غيره بما فيه نفعُ نفسه. وقال الحسن: إذا أراد به المشركَ وهو لا يرجو الثواب فلا يجود لذلك (٥). * * * (١٠١) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.

стр. 4739

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واصَلنا له الحججَ فلم يقبلوها ولم ينقادوا لها، كما فعل قومك بآياتنا التي واصلناها لك. و ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾ قال ابن عباس والضحاك: هي العصا، واليد البيضاء (١)، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد والقمَّل، والضفادع والدم (٢). وقال محمد بن كعب القرظيُّ: هي الطُّوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم والبحر والعصا والطمسة والحجر (٣). وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: أي: سَلْ علماءَ بني إسرائيل عن الخبر حين جاءهم -أي: جاء أسلافَهم- موسى. ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: أي: سُحرتَ فأثَّر في عقلك وحسِّك ذلك حتى أفضى بك ذلك إلى أنْ تدَّعيَ أن لك إلهًا فوقي أرسلك إليَّ لأَدخل في طاعتك. وقيل: ﴿مَسْحُورًا﴾؛ أي: مخدوعًا. * * * (١٠٢) - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾:

стр. 4740

قرأ الكسائي: ﴿عَلِمتُ﴾ بضم التاء؛ أي: قال موسى: علمتُ أنا، وقرأ الباقون بفتح التاء (١)؛ أي: علمتَ أنت يا فرعونُ؛ لأنَّه عانَدَ مع علمه، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، يقول: إنك لصحة عقلك وسلامةِ حسِّك تعلم أنَّ ما جئتُ به من الآيات ليس بسِحر، ولا أنا فيها مخدوع، بل هي حجج اللَّه ﷻ التي مَن تأمَّلَها استبصَر فيها؛ أي: تيقَّن أنها من عند اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: أي: أَعلمُك بالاستدلال مهلَكًا، وقيل: ممنوعًا عن كلِّ خير. * * * (١٠٣) - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: هَمَّ أن يستخِفَّهم ويزعجهم (٢) عن أرض مصر. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: مِن أعوانه وأهلِ دينه جميعًا لم يبق منهم أحد (٣). * * * (١٠٤) - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أي: أسكنَّاهم، أمرٌ بمعنى الخبر؛ كما في قوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: أي: أخبرناهم أنكم (٤)

стр. 4741

ممتَّعون في الأرض إلى الموت فتُفارِقوا الدنيا وتُنقلوا إلى الآخرة للحساب والجزاء، فإذا جاء ما (١) وعدنا من البعث حشرناكم مختلِطين من قبائل شتَّى وبلدانٍ مختلفة. وقيل: أراد به: جميعًا لا نغادر منهم أحدًا. وقيل: أراد به اختلاط الناس بعضِهم ببعض لفزعِ القيامة؛ العربِ بالعجم، والجنسِ بخلاف الجنس، بلا نظامٍ لاجتماعهم؛ كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. وروى صفوانُ بن عسَّالٍ المراديُّ: أن يهوديَّين مرَّا بالنبي ﷺ فسألاه عن هذه الآية، فقال: "أوحَى اللَّه تعالى إلى موسى أن قلْ لبني إسرائيل: لا تشركوا بي شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ولا تَزْنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تشربوا الخمر، ولا تسحروا، ولا تسرقوا، ولا تَقذفوا، وعليكم خاصةً يا أيها اليهود ألا تَعْدُوا في السبت، فجاءا إلى النبي ﷺ فقبَّلا رِجلي النبي ﷺ (٢)، فقالا: نشهد أنك نبيٌّ مبعوث، قال: "فما يمنعُكما عن الإيمان بي؟ "، قالا: نخاف أن يقتلنا اليهود (٣). * * * (١٠٥) - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن، وقد سبق ذكره في آيات أنزلناها بالحق لا بالباطل، وبيانًا للحق. وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾: أي: كما أنزلناه لم يبدِّله جبريل ولا حرَّف شيئًا منه.

стр. 4742

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: أي: فامضِ لِمَا (١) أرسلناك له ولا تنظر إلى تكذيب المكذِّبين. * * * (١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: قيل: أضمر فيه: وآتيناك قرآنًا. وقيل: وأنزلناه قرآنًا فرقناه؛ أي: دلَلْنا فيه على أصوب (٢) الطريقين، وميَّزنا به الحق من الباطل. وقيل: بينَّاه؛ كما قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. وقيل: أحكمناه. وقيل: هو بمعنى التفريق؛ أي: أنزلناه متفرِّقًا في سنين. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: أي: على تثبُّت وتوقُّف، لتجمعه في صدورهم. وقيل: أي: من غير عجلٍ، كما قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: أي: شيئًا فشيئًا على حسب الحوادث. وقيل: ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلناه منازلَ ومراتبَ درَّجْنا الناس عليها ولم نأخذهم بجميع الفرائض جملةً لئلا يَشُقَّ عليهم فينفِروا. وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾؛ أي: على تُؤَدَةٍ (٣).

стр. 4743

وقال عطاء: على مَهَلٍ (١). وقال مجاهدُ ومقاتلٌ: على ترسُّلٍ (٢). وقيل: على هِيْنةٍ. * * * (١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقولون لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات: ﴿آمِنُوا بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾، وليس بتخييرٍ، ولا جمعٍ بين الأمر والنهي، لكنه وعيدٌ وإخبارٌ أنهم إن آمنوا فلا نفعَ لنا وإن لم يؤمنوا فلا ضررَ علينا، النفعُ لكم والضَّررُ عليكم، وليس في ترككم الإيمانَ ما يُبطل الحقَّ الذي نزل به، وقد آمَن به مَن هو أعلم بالدِّين (٣) منكم، وهو قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: من قبلِ نزول القرآن وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآنُ (٤) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: جمعَ الذقنَ وهو مجمع اللَّحْيين، وأراد بها الوجوه، وهذا عن ابن عباسٍ وقتادة.

стр. 4744

وقيل: إنما ذكر الأذقان لأن أول ما يقع في الأرض من الوجه ذلك. * * * (١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ تنزيهًا له عن المعايب ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي: ما كان وعدُ ربِّنا إلا كائنًا. * * * (١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾: أي: ثم يخرُّون سجَّدًا لذلك ويبكون فيه خجلًا من تقصيرهم. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾: أي: القرآن حين يتلى عليهم ﴿خُشُوعًا﴾؛ أي: خوفًا وتذلُّلًا. * * * (١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: قال الضحاك: قال أهل الكتاب -وهم الذين مر ذكرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ -: يا رسول اللَّه! إنك لتُقِلُّ ذكرَ الرحمن، وقد أكثر اللَّه هذا الاسم في التوراة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فسُرَّ به أهلُ الكتاب (١). وقال ابن عباس ﵄: سمعوا النبيَّ ﷺ يقول: "اللَّه" مرة و: "الرحمن" مرة، فقالوا: ينهانا عن إلهين اثنين وهو يدعو إلهين؟! فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).

стр. 4745

وقال مقاتل: دعا رجلٌ من الصحابة باسم اللَّه، ودعاه ثانيًا باسم الرحمن، فسمعه أبو جهل لعنه اللَّه: نهيتُمونا عما تتعاطَونه (١). وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: هذا شرطٌ، ولذلك جُزم وحُذف النون. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: أي: التسميات الدالةُ على الصفات، بأيِّ اسم دُعي به فهو واحد، وليس اختلافُ الأسماء لاختلاف المسمَّى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أي: بدعائك، كما قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ليكن دعاؤك (٢) اللَّهَ بين الجهر الشديد والمخافتة الشديدة، وذلك بأن تُسمعَ نفسك ويَفهَمَ عنك مَن يَقرُب منك، فيؤمِّنَ على دعائك أو (٣) يقتديَ بك فيه، وهو تعليم أدب الدعاء (٤)، وهو أوفق للنظم. وقيل: هو عين الصلاة المعهودة، ومعناه: لا تجهر بالقراءة في صلاتك كلَّ الجهر ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة، وهي خفضُ الصوت، وكان هذا بمكة؛ لأن المشركين لعنهم اللَّه كانوا يُؤْذُونه إذا جهر، ولا يُسمعُ مَن خلفه إذا خافَتَ، وهذا عن ابن عباس وقتادة ﵃ (٥). وقال الحسن: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ بإشاعتها عند مَن يؤذيك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عند مَن يَلتمِسها منك (٦).

стр. 4746

وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ كلِّها ﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾ بجميعِها ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: بأنْ تجهر بصلاة الليل وتخافتَ بصلاة النهار، و ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ في معنى: بين ذينِكَ؛ كما مر في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وقال الضحاك: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ رياءَ الناس ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ مخافةَ الناس (١). وقال الحسن: لا تُحسِن صلاتك في العلانية وتُسيئها في السر (٢). وقال عليٌّ وعائشةُ ﵄: هذا في الدعاء (٣)، يقول: لا تجهَرْ باستغفارك وتوبتك فيسمعَه غيرُك فيلومك بذنبك. وقال مقاتلُ بن حيَّان: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جهَر في صلاته سبَّه المشركون ولغَوا (٤)، فنزلت الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمعَ المشركون ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ حتى لا يسمعَ أصحابك (٥). ومرَّ النبيُّ ﷺ بأبي بكر وهو يخافتُ بالقراءة، ومرَّ بعمر ﵁ وهو يجهر بالقراءة، فلما أصبح ذكر لهما ذلك، فقال الصدِّيق ﵁: كنتُ أُسمع مَن أناجيه. وقال الفاروق ﵁: كنتُ أوقظُ الوسنانَ وأطردُ الشيطان، فأمر أبا بكر أن يجهر قليلًا وعمر أن يخفض قليلًا (٦).

стр. 4747

(١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: قال الحسين بن الفضل ﵀: أي: الحمد للَّه الذي عرَّفني أنه لم يتَّخذ ولدًا. وقيل: أي: المستحِقُّ للحمد والثناء على ذلك هو اللَّه تعالى (١) الذي لم يتَّخذ ولدًا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: على الأول؛ أي: عرَّفني ذلك، وعلى الثاني؛ أي: المستحِق للحمد والثناء على ذلك، وعلى هذين قوله (٢): ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: أي: مَن يتولَّى عليه أمرَه ويقومُ بنصرته فيعتزَّ به (٣) من الذل. وقيل: أي: لم يكن له حبيبٌ من أهل الذلِّ وهم اليهود والنصارى، بل أولياؤه المؤمنون. وقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: أي: عظِّمه تعظيمًا حقًّا، والمصدر للتأكيد والتحقيق؛ أي: حتى لا يكون في قلبك شيءٌ أعظمَ منه ولا أهيبَ. وقيل: أي: قلْ بلسانك: اللَّه أكبر، وفي قلبك تحقيق ذلك. وقيل: أي: كبِّره عن (٤) كلِّ ما لا يجوز في وصفه.

стр. 4748

وقيل: أي: صِفْه بأنه أكبرُ من كلِّ شيء، القادرُ الذي لا يُعجزه شيء، العالمُ الذي لا يخفَى عليه شيء، الغنيُّ عن كلِّ شيء، معتقِدًا له بقلبك، عاملًا عليه فيما يلزمك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾؛ أي: لم يتخذ الأولياءَ ليتعزَّزَ بهم من الذل، إنما اتخذ أولياءَ رحمةً منه وفضلًا ليتعزَّزوا هم (١) بذلك. قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ أي: صِفْه بما وَصَف به نفسَه، واعْرِفه بما ذَكَر، فإذا عرَفْتَه كذلك فقد عظَّمتَه وكبَّرتَه (٢). وقال القشيري ﵀: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ أي: بأنْ تَعلم أنك تصلُ إليه به لا بتكبيرك. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 4749

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش المجلد العاشر دار اللباب

стр. 4750

سورة الكهف

стр. 4751

سورة الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلقَ الخلق ليبلوَهم أيُّهم أحسن عملًا، الرحمنِ الذي فطر الإنسان من ترابٍ ثم من نطفة ثم سوَّاه رجلًا، الرحيمِ الذي جعل للَّذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتِ الفردوس نزلًا. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الكهف فهو معصوم ثمانيةَ أيام من كلِّ فتنةٍ تكون، فإن خرج في تلك الثمانية (١) الأيام الدجَّال عصمه اللَّه تعالى من فتنة الدجال" (٢). وقال ﷺ : "مَن قرأ عند مضجعه آخرَ سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى آخر السورة كان له في مضجعه (٣) نورٌ يتلألأ إلى مكة، حشوُ ذلك النورِ ملائكةٌ يصلُّون عليه حتى يقوم من مضجعه، فإن كان مضجعه مكةَ كان له نورٌ يتلألأ إلى البيت المعمور حشوُ ذلك النور ملائكة يصلُّون عليه حتى يصبحَ" (٤).

стр. 4752

وسورة الكهف مكيةٌ، وهي مئةٌ وخمسُ آيات، وقيل: ستٌّ، وقيل: إحدى عشرةَ (١). والاختلاف في اثنتي عشرةَ آيةً (٢): ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ [الكهف: ٢٣]، ﴿بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢]، ﴿أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] ﴿عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. وكلماتُها: ألفٌ وخمسُ مئة وستٌّ وسبعون (٣). وحروفُها: ستةُ آلاف وأربعُ مئة وسبعةٌ وثلاثون (٤). وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْم تلك السورة بالتكبير وافتتاحَ هذه بالتحميد، وهما من الثناء على اللَّه تعالى، ولأنه قال هناك أيضًا: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكانا حمدَين.

стр. 4753

وأما انتظام السورتين: فإنه ذكر في تلك السورة سؤالَهم عن الروح وفي هذه السورة سؤالَهم عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، وكانت هذه السؤالات في دفعةٍ واحدة. * * * (١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: جميعُ أنواع الشكر والأثنية والرضا للَّه ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾؛ أي: محمدٍ المصطفى ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن (١) المعجِزَ المشتمِلَ على مصالح الخلق في دينهم ودنياهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: أي: لم يجعل (٢) فيه تناقضًا واختلافًا. * * * (٢) - ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. ﴿قَيِّمًا﴾؛ أي: أنزله قيِّمًا، قال ابن عباس والضحاك: مستقيمًا (٣). وقيل: قيِّمًا على الكتب التي قبله نَسخَ منها ما نَسخ وأثبت منها ما أثبت. وقيل: قيِّمًا على سائر كتب اللَّه تعالى يصدِّقها وينفي الباطل عنها. وقيل: قائمًا بحُجج اللَّه تعالى إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ﴾: أي: عبدةَ (٤) الكفَّار ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾؛ أي: ببأسٍ شديدٍ

стр. 4754

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾؛ أي: بعذابٍ شديدٍ من عنده ينزلُه بهم في الدنيا والآخرة إن أصرُّوا (١) على كفرهم بالكتاب والرسول. وقوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ﴾: أي: وليبشِّر ﴿الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: أي: ثوابًا جميلًا في الجنة. * * * (٣) - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي: خالدين لا ينتقلون عنه ولا ينقطعُ عنهم. * * * (٤) - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وقو تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: وخصَّ هؤلاء بالإنذار بعدما عم الجميع بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ لغايةِ فحش هذا الصنيعِ، وهو قول المشركين: الملائكةُ بنات اللَّه. * * * (٥) - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾: أي: هو جهلٌ منهم وكذبٌ وباطل، جعَله خارجًا عن العلم لدخوله فيما تُحِيله (٢) العقول.

стр. 4755

وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: قلَّدوا آباءهم وآباؤهم مثلُهم في الجهل؛ إذ لا دليلَ يجوِّزه من حسٍّ أو عقل أو خبر. وقيل: هو قول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾: أي: عظُمت هذه الكلمةُ كلمةً؛ لأنَّها فريةٌ على اللَّه مستحيلةٌ في فِطَر العقول، وفيه معنى التعجُّب، كأنه قال: ما أكبر هذه الكلمة. ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: يقولونها بألسنتهم وهي في أفواههم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: أي: ما يقولون ذلك إلا كذبًا، يقولون على اللَّه ما لم يفعل. قال مقاتل: زعمت اليهود: إن كان ما يقول محمدٌ حقًّا أن اللَّه تعالى أنزل عليه الكتاب فهلَّا كان كالتوراة مفصَّلًا كلُّ فصلٍ على حياله، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ قيِّمًا غيرَ مختلفٍ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ لم يُنزلْه ملتبِسًا. وقال رسول اللَّه ﷺ لليهود: "أدعوكم إلى اللَّه، فمَن تاب منكم عن اليهودية كفِّرت عنه سيئاته وأُعطي أجرَه مرتين"، فقالوا: قل: عزيرٌ ابنُ اللَّه، نؤمِنْ بك، فقال: "أعوذ باللَّه من أن أقول: عزيرٌ ابن اللَّه، إنما هو عبد اللَّه داخرًا صاغرًا"، قالوا: إنَّا نجد ذلك في كتابنا وحدَّث به آباؤنا، وإنما قال هذا كعب بن الأشرف وحييُّ بن أخطب وأخوه جديُّ بن أخطب، فاعتزل النبيُّ ﷺ وحزن (١)، فقال له أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وعثمان بن مظعون وزيد بن حارثة ﵃: لا يَحْزُنك يا رسول اللَّه

стр. 4756

قولُهم (١) فإن اللَّه معنا، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: أبا بكر وعمر والذين سمَّيناهم ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني: كعبَ بن الأشرف وأصحابَه، وقولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ جواب لقولهم: حدَّث بذلك آباؤنا (٢). وقال القشيري ﵀: إن البأس الشديد هو البقاء (٣) عن اللَّه، والابتلاءُ بغير اللَّه، والصالحاتُ من العمل ما يصلُح للقبول، وهو [ما] يؤدَّى على الوجه المأمور. وقيل: العمل الصالح: هو الذي لا يَستعجِل عليه صاحبه حظًّا في الدنيا: من أَخْذِ عِوَضٍ، وقبولِ قوم وانعقادِ (٤) رئاسة. والأجرُ الحسن: ما لا يجري مع صاحبه استقصاءٌ في العمل. وقيل: هو ما يزيد مقدار الأمل (٥). وقيل: هو ما لا يُذكَّر صاحبُه تقصيرَه في العمل (٦)، بل يسترُ عليه عيوب عمله (٧). * * *

стр. 4757

(٦) - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال قتادة: أي: قاتلٌ نفسَك (١). قال ذو الرُّمَّة: ألَا أيهذا الباخعُ الوجدُ نفسَه... لشيءٍ نَحَتْه عن يديه المقادِرُ (٢) هوَّن على النبي ﷺ ما يجد من الحزن بكفرِ المشركين فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: مُهلكٌ نفسك ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: آثارِ الكفار، وهو كنايةٌ عن إعراضهم، كأنهم إذا أعرضوا عن الإيمان نظر إليهم وهم مُعرضون (٣). ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: قال قتادة: أي: القرآنِ (٤)، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]. وقيل: ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: حديثِ أصحاب الكهف؛ أي: سألوك عنه فأخبرتَهم عنه (٥)، فلم يجعلوه دليلَ صدقك ولم يؤمنوا بك. ﴿أَسَفًا﴾: قال قتادة والثوريُّ: غضَبًا (٦)، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].

стр. 4758

وقال الحسن: حزنًا، وكذلك قال السدي والضحاك (١)؛ كما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]. وكلُّ واحد منها صحيحٌ في اللغة مستقيم في المعنى: فإن معنى الأول: فلعلك لشدة غضبك للَّه تعالى تقتل نفسَك؛ لقصورك عن الانتقام منهم. ومعنى الثاني: فلعلك لوفور شفَقتك وحرصِك على إيمانهم تقتل نفسك اغتمامًا بكفرهم، قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يقول: لا تفعل ذلك وهوِّن الأمر عليك. * * * (٧) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾: أي: الدنيا دارُ ابتلاءٍ، وبالابتلاء يَظهر الصلح وغيره، فلا تهتمَّنَّ لذلك، يقول: إنَّا زينَّا الدنيا بأصنافِ ما خلقنا (٢) فيها من المخلوقات؛ من اللباس والنبات وضروب الحيوانات وغيرها، فالأرض مزيَّنةٌ بجملةِ ذلك، وإن كان عند التفصيل قد يكون منه الشيءُ لو أُفرد عن الجملة لم يكن زينةً. ووجه آخر: أن المعنى واقعٌ على ما هو زينةٌ في نفسه دون ما ليس بزينةٍ، والكلام

стр. 4759

قد يُطلق عامًّا والمراد به الخصوص؛ كقول الرجل: ما أحسن نساء هذه البلدة! وإن كان لا يخلو من أن يكون فيهنَّ بخلاف ذلك. وتقديره: إنَّا خلقْنا (١) كثيرًا مما في الأرض زينةً لها، وهو ما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦] إلى أن قال: ﴿وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. ووجهٌ آخر: أنَّا جعلنا ما جعلناه زينةً للابتلاء والامتحان، وجاز هذا الإطلاق إذ (٢) ليس المقصد الإخبارَ بتفصيل ما هو زينةٌ مما ليس بزينةٍ، بل المقصودُ الإخبارُ بأنَّ ما زيِّن منها إنما زيِّن للابتلاء، ولذلك قال أهل الأصول: الخطاب يُحمل في غير المقصود ويفصَل في المقصود (٣). ووجهٌ آخر: أن ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ من الحيات والعقارب وغيرِها، فكلُّ (٤) ذلك عند التأمُّل دليلٌ على صانعٍ قادر فردٍ عالمٍ لا يُشبه الأشياء، وفيها عِبَرٌ وأعاجبُ ومنافع، فكان حسَنًا في نفسه وزينةً، ومزيَّنًا لغيره؛ لدلالته على ما قلنا. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ﴿زِينَةً لَهَا﴾؛ أي: الرجال (٥).

стр. 4760

وقال مجاهد: العلماء (١). وقال الكلبي: النبات (٢). وقال مجاهد في روايةٍ وابنُ جريج: ما عليها من شيء (٣). ومَن حمله على النبات فإنه يقول: ثم يصير هشيمًا فذلك تذكيرٌ وتنبيه. وقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أي: نختبرَهم ونمتحنَهم بالعبادات، وتقديره: لنعاملَهم معاملةَ مَن يَختبر، وحقيقتُه: ليَظهر منهم ما عَلِمنا (٤) أنه يكون منهم، وقد أشبعنا القول (٥) فيه في مواضع. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: أي: أيهم أزهدُ في الدنيا وأترَكُ لها (٦). وقال مقاتل بن حيَّان: أيهم أعفُّ وأصلحُ فيما أوتي من المال. وقال الإمام القشيري رحمة اللَّه عليه: أيهم أصدقُ نيةً وأخلصُ (٧) طَوِيةً.

стр. 4761

قال: وقيل: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أشدُّهم استقباحًا لفعله، وأكثرهم استحقارًا لطاعته، لنظره إلى تلاشي أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقِّ أمره (١). * * * (٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: قال السُّدِّي ﵀: الصَّعيد الأملس، والجرُز: الميت. وقال ابن زيد: الصعيد: المستوي، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، والجرُز: الذي ليس فيه زرعٌ. وقال مجاهد: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: بَلْقعًا لا شيء فيه. وقال ابن جُريجٍ عن مجاهد: قاعًا بَلْقعًا (٢). وقال أبو عبيدةَ: ﴿جُرُزًا﴾: غليظًا لا يُنبت شيئًا (٣). وقيل: ﴿جُرُزًا﴾: يابسًا لا نبت فيه ولا زرع، يقال: جُرِزت الأرضُ فهي مجروزةٌ، وجرَزها الجراد، وأرضون أجرازٌ: إذا كانت يابسةً لا شيء فيها، وسنَةٌ جرزٌ (٤)، وسِنونَ أجرازٌ ليُبسها وجَدْبها، قال الراجز: قد جَرَفتْهنَّ السِّنونَ الأَجْراز (٥)

стр. 4762

وأَجْرَزَ القوم: إذا صارت أرضُهم جُرُزًا (١)، وجَرَزوا أرضَهم: إذا أكلوا نباتها كلِّها، ويقال: رجلٌ جَرُوز: إذا كان كثيرَ الأكل لا يُبقي شيئًا من الطعام، وسيفٌ جُرَاز: قَطوعٌ يأتي على كلِّ شيء، ومعناه: وإنَّا لمُفْنون الدنيا بعد حصول الامتحان وتمييزِ المحسن من المسيء، وناقلون أهلَها إلى دار البقاء والجزاء، فنَجزي كلَّ واحد منهم بما يستحقُّه، فلا تهتمَّنَّ أنت لذلك، وليس ذلك عليك (٢)، ويشتفي صدرك بما ينالهم. * * * (٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: أي: أحَسِبْتَ أن أصحاب الغار الذي في الجبل واللوح المكتوب عليه أسماؤهم كانوا من بين (٣) آياتنا عجَبًا، فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عَجَبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك. روَى العوفيُّ عن ابن عباس ﵄ قال: معناه: الذي آتيتُك من العلم والكتاب والسنَّة أفضلُ من شأن أصحاب الكهف والرقيم (٤). وروَى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ يقول (٥): هم

стр. 4763

عجَبٌ وغيرُهم ممن خلقتُ أعجَبُ منهم: الشمسُ والقمرُ والجبالُ والسماءُ والأرضُ والنهارُ والليل (١). وقال الحسن: لا تحسَبْ أنهم أعجبُ آياتنا، فقد خلقنا ما هو أعجبُ من هؤلاء. وروَى كُريبٌ عن ابن عباس ﵄ قال: يقول: ما قصَصْنا عليك من غير أمرهم (٢) أعجبُ منهم. وقيل: الحسبان بمعنى العلم، ومعناه: أعَلمتَ أن هؤلاء كانوا عجبًا؛ أي: فاعلم أنهم عجبٌ، كقولك: أشعرتَ أن زيدًا فعل كذا؛ أي: فاشعُر والحسبان في الأصل ظنٌّ، والظن في القرآن بمعنى العلم كثير. وقال الإمام القشيري ﵀: يقول: لا تتعجَّبْ من قصتهم (٣)، فلَشَأْنُك أعجبُ من قصَّتهم (٤) في ذهابك إلى قاب قوسَين في بعض الليل. وقال: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، وتقليبُ العادة من اللَّه تعالى ليس بمستبدَعٍ (٥). وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] سبب النزول. وطريق آخر هاهنا: ما روى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: بلغَنا أن قريشًا بعثوا ثمانيةَ رَهْطٍ إلى المدينة فقالوا: سلُوا اليهود عن

стр. 4764

محمد واصْدُقوهم نعتَه وقولَه ثم ائتونا فأخبرونا (١)، فانطلقوا حتى إذا قدموا المدينة وجدوا فيها اليهود من كلِّ أرض اجتمعوا لعيدهم، ونعَتوا لهم نَعْته، فقال لهم حبرٌ من أحبار اليهود: إن هذا لنعتُ النبيِّ (٢) الذي نحدَّث عنه أنه باعثه في هذه الأرض، قالت رسل قريش: إنه عائلٌ يتيم لم يتبعه من قومه إلا حُفالة (٣)، ولم يتبعه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان (٤)، فضحك الحبر وقال: كذلك نجده، قالت له رسل قريش: إنه يقول قولًا عظيمًا يدعو إلى (٥) الرحمن الذي باليمامة، قالت لهم علماء اليهود: اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلالٍ ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهنَّ، فأما الاثنان من الثلاث فإنه لا يعلمُهما إلا نبيٌّ، فإن أخبركم بها فقد صدَق، وأما الثالثة فلا يجترئُ عليها أحد، قالت رسل قريش: أخبِرونا بهن، قالوا: سلوه عن أصحاب الكهف -وقَصُّوا عليهم وصفَهم-، وسلوه عن ذي القرنين -وحَدَّثوهم بأمره-، وسلوه عن الروح، فإنْ أخبركم فيها بشيءٍ فهو كاذب، فرجعت رسل قريشٍ فأخبروهم بذلك، ففرحوا بذلك، وأرسلوا إلى نبي اللَّه فلقيهم، فقالوا: يا محمد، إنَّا سائلوك عن خلالٍ ثلاثٍ، فإنْ أخبرتَنا بهن فأنت صادق وإلا فلا تذكُرْ آلهتنا بسوء، قال: "ما هنَّ؟ " قالوا: أخبِرْنا عن أصحاب الكهف فإنَّا قد أُنبئنا (٦) فيهم بآية، وأخبرنا عن ذي القرنين فإنَّا قد أتينا فيه بأمرٍ بيِّن، وأخبرنا عن الروح، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنظِروني حتى أنظرَ ما يُحدِث إليَّ فيه ربي"، قالوا: إنَّا ناظِروك ثلاثًا.

стр. 4765

فمكث رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا لا يأتيه جبريل، ثم أتاه فقال: يا جبريل، قد رأيتَني وما سألَني عنه قريشٌ ثم لم تأتني بعدُ، فقال جبريل ﵇: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية [مريم: ٦٤]، ثم قال: إن اللَّه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآيات، فلقيَهم نبيُّ اللَّه ﷺ بعد ثلاثٍ فقص عليهم ذلك، فعجِبوا وغلَب عليهم الشيطان أن يصدِّقوه (١). وقوله تعالى: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، روي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنه سأل كعبًا عن هذا فقال: هو اسم القرية التي خرجوا منها (٢). وعن عمر مولى غُفْرةَ (٣) قال: الكهف: الذي كان فيه القوم، والرقيم: المدينة. وقال قتادة والضحاك: هو الوادي الذي كان فيه الكهف (٤). وقيل: هو الجبل الذي فيه الكهف (٥).
следующие страницы →