← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

قال: وقيل: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أشدُّهم استقباحًا لفعله، وأكثرهم استحقارًا لطاعته، لنظره إلى تلاشي أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقِّ أمره (١). * * * (٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: قال السُّدِّي ﵀: الصَّعيد الأملس، والجرُز: الميت. وقال ابن زيد: الصعيد: المستوي، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، والجرُز: الذي ليس فيه زرعٌ. وقال مجاهد: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: بَلْقعًا لا شيء فيه. وقال ابن جُريجٍ عن مجاهد: قاعًا بَلْقعًا (٢). وقال أبو عبيدةَ: ﴿جُرُزًا﴾: غليظًا لا يُنبت شيئًا (٣). وقيل: ﴿جُرُزًا﴾: يابسًا لا نبت فيه ولا زرع، يقال: جُرِزت الأرضُ فهي مجروزةٌ، وجرَزها الجراد، وأرضون أجرازٌ: إذا كانت يابسةً لا شيء فيها، وسنَةٌ جرزٌ (٤)، وسِنونَ أجرازٌ ليُبسها وجَدْبها، قال الراجز: قد جَرَفتْهنَّ السِّنونَ الأَجْراز (٥)

стр. 4762

وأَجْرَزَ القوم: إذا صارت أرضُهم جُرُزًا (١)، وجَرَزوا أرضَهم: إذا أكلوا نباتها كلِّها، ويقال: رجلٌ جَرُوز: إذا كان كثيرَ الأكل لا يُبقي شيئًا من الطعام، وسيفٌ جُرَاز: قَطوعٌ يأتي على كلِّ شيء، ومعناه: وإنَّا لمُفْنون الدنيا بعد حصول الامتحان وتمييزِ المحسن من المسيء، وناقلون أهلَها إلى دار البقاء والجزاء، فنَجزي كلَّ واحد منهم بما يستحقُّه، فلا تهتمَّنَّ أنت لذلك، وليس ذلك عليك (٢)، ويشتفي صدرك بما ينالهم. * * * (٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: أي: أحَسِبْتَ أن أصحاب الغار الذي في الجبل واللوح المكتوب عليه أسماؤهم كانوا من بين (٣) آياتنا عجَبًا، فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عَجَبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك. روَى العوفيُّ عن ابن عباس ﵄ قال: معناه: الذي آتيتُك من العلم والكتاب والسنَّة أفضلُ من شأن أصحاب الكهف والرقيم (٤). وروَى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ يقول (٥): هم

стр. 4763

عجَبٌ وغيرُهم ممن خلقتُ أعجَبُ منهم: الشمسُ والقمرُ والجبالُ والسماءُ والأرضُ والنهارُ والليل (١). وقال الحسن: لا تحسَبْ أنهم أعجبُ آياتنا، فقد خلقنا ما هو أعجبُ من هؤلاء. وروَى كُريبٌ عن ابن عباس ﵄ قال: يقول: ما قصَصْنا عليك من غير أمرهم (٢) أعجبُ منهم. وقيل: الحسبان بمعنى العلم، ومعناه: أعَلمتَ أن هؤلاء كانوا عجبًا؛ أي: فاعلم أنهم عجبٌ، كقولك: أشعرتَ أن زيدًا فعل كذا؛ أي: فاشعُر والحسبان في الأصل ظنٌّ، والظن في القرآن بمعنى العلم كثير. وقال الإمام القشيري ﵀: يقول: لا تتعجَّبْ من قصتهم (٣)، فلَشَأْنُك أعجبُ من قصَّتهم (٤) في ذهابك إلى قاب قوسَين في بعض الليل. وقال: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، وتقليبُ العادة من اللَّه تعالى ليس بمستبدَعٍ (٥). وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] سبب النزول. وطريق آخر هاهنا: ما روى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: بلغَنا أن قريشًا بعثوا ثمانيةَ رَهْطٍ إلى المدينة فقالوا: سلُوا اليهود عن

стр. 4764

محمد واصْدُقوهم نعتَه وقولَه ثم ائتونا فأخبرونا (١)، فانطلقوا حتى إذا قدموا المدينة وجدوا فيها اليهود من كلِّ أرض اجتمعوا لعيدهم، ونعَتوا لهم نَعْته، فقال لهم حبرٌ من أحبار اليهود: إن هذا لنعتُ النبيِّ (٢) الذي نحدَّث عنه أنه باعثه في هذه الأرض، قالت رسل قريش: إنه عائلٌ يتيم لم يتبعه من قومه إلا حُفالة (٣)، ولم يتبعه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان (٤)، فضحك الحبر وقال: كذلك نجده، قالت له رسل قريش: إنه يقول قولًا عظيمًا يدعو إلى (٥) الرحمن الذي باليمامة، قالت لهم علماء اليهود: اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلالٍ ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهنَّ، فأما الاثنان من الثلاث فإنه لا يعلمُهما إلا نبيٌّ، فإن أخبركم بها فقد صدَق، وأما الثالثة فلا يجترئُ عليها أحد، قالت رسل قريش: أخبِرونا بهن، قالوا: سلوه عن أصحاب الكهف -وقَصُّوا عليهم وصفَهم-، وسلوه عن ذي القرنين -وحَدَّثوهم بأمره-، وسلوه عن الروح، فإنْ أخبركم فيها بشيءٍ فهو كاذب، فرجعت رسل قريشٍ فأخبروهم بذلك، ففرحوا بذلك، وأرسلوا إلى نبي اللَّه فلقيهم، فقالوا: يا محمد، إنَّا سائلوك عن خلالٍ ثلاثٍ، فإنْ أخبرتَنا بهن فأنت صادق وإلا فلا تذكُرْ آلهتنا بسوء، قال: "ما هنَّ؟ " قالوا: أخبِرْنا عن أصحاب الكهف فإنَّا قد أُنبئنا (٦) فيهم بآية، وأخبرنا عن ذي القرنين فإنَّا قد أتينا فيه بأمرٍ بيِّن، وأخبرنا عن الروح، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنظِروني حتى أنظرَ ما يُحدِث إليَّ فيه ربي"، قالوا: إنَّا ناظِروك ثلاثًا.

стр. 4765

فمكث رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا لا يأتيه جبريل، ثم أتاه فقال: يا جبريل، قد رأيتَني وما سألَني عنه قريشٌ ثم لم تأتني بعدُ، فقال جبريل ﵇: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية [مريم: ٦٤]، ثم قال: إن اللَّه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآيات، فلقيَهم نبيُّ اللَّه ﷺ بعد ثلاثٍ فقص عليهم ذلك، فعجِبوا وغلَب عليهم الشيطان أن يصدِّقوه (١). وقوله تعالى: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، روي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنه سأل كعبًا عن هذا فقال: هو اسم القرية التي خرجوا منها (٢). وعن عمر مولى غُفْرةَ (٣) قال: الكهف: الذي كان فيه القوم، والرقيم: المدينة. وقال قتادة والضحاك: هو الوادي الذي كان فيه الكهف (٤). وقيل: هو الجبل الذي فيه الكهف (٥).

стр. 4766

وقال عطية: هو وادٍ بين أَيْلةَ وعُسْفان (١). وروى سعيد بن جبير ﵁ عن ابن عباس ﵄ قال: هو لوحٌ من رصاصٍ (٢) فيه أسامي أصحاب الكهف (٣). والتَّرقيم: الكتابة (٤)، والرَّقيم: المرقوم؛ أي: المكتوب. وقال سعيد بن جبير: هو لوح من حجارة فيه أسامي الفتية (٥). وقال السدِّي: كتبت أسماؤهم على صخرة على باب المدينة (٦). وروي عن أنس بن مالك ﵁: الرقيم كلب أصحاب الكهف (٧). وحكى مالك بن سليمان صاحبُ "التفسير" (٨) عن سعيد بن جبير أنه قال: أصحاب (٩) الرقيم قوم بالسَّراة مثل أصحاب الكهف.

стр. 4767

وقال ابن زيد: حدَّث اللَّه تعالى عن أصحاب الكهف وترَك أصحاب الرقيم لم يحدِّث عنهم شيئًا (١). وقيل: هم أصحاب الغار الذي انطبق على ثلاثةِ نفر، فذكر كلُّ واحدٍ منهم أصلح عمله، وسأل اللَّه تعالى أن يكشف بذلك عنهم، فأجابهم اللَّه تعالى وكشف عنهم وفتح لهم الغار فخرجوا منه، وهو عن النبي ﷺ في حديث فيه طول (٢). فأما قصة أصحاب الكهف (٣): فقد قال وهب بن منبِّهٍ ﵀: إنهم كانوا فتيةً من الروم آمنوا بربهم، وكان ذلك عبرةً وتفكُّرًا منهم في عظمة اللَّه ﷻ وملكِه وقدرته، لم يأتهم بذلك وحيٌ، ولم يقرؤوا به كتابًا، ولم يدركوا زمان نبوَّةٍ، وكانوا في زمنِ فترةٍ قبل أن يَبعث اللَّه عيسى ﵇، وكانوا شبَّانًا متقارِبين في الأسنان من قبيلةٍ واحدة، وكانوا في حسَبٍ عظيم من أولاد عظماء الروم، وكان للروم فيهم هوًى وميل، وكان مُلك الروم في أيامهم ينتقلُ في فصيلتهم أكثر من أربع مئة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة، وكان الروم يتمنَّون ملك هؤلاء لما قد (٤) بلغهم في زمانِ مُلكِ سلفِهم من الخفض والدَّعَة، والعافية والأمن والسَّعة، وكان ملوك العصر قد ثقُل عليهم مكانهم فجفَوهم (٥) وحرَموهم وأضرُّوا بهم مخافةً على أنفسهم، فلم تزَل تلك حالهم حتى أراد اللَّه تعالى بهم ما أراد مِن هُداهم، ونوَّر اللَّه تعالى الإيمان في قلوبهم، فقال قائل

стр. 4768

منهم: إني قد رأيت رأيًا (١) في قلبي فلستُ أُبصر غيره، فاسمعوا أَعْرِضْ عليكم: إني نظرتُ في خلق السماوات والأرض، واختلافِ الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم (٢) والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والأشجارِ والنبات، والصغارِ والكبار، والعناءِ والشدة، والرخاءِ والنعمة، وتقلُّبِ الدنيا بأهلها، والأحوالِ المختلفة من الموت والحياة، والنقصِ والزيادة (٣)، والغنى والفقر، وموت (٤) الصغير وهرم الكبير، وأشباهٍ لهذه كثيرةٍ لا يُشبه بعضها بعضًا، فلما نظرت فيها أجمعَ رأيي على أن لها خالقًا بديعًا أبدعها، وربًّا يملكها ويدبِّرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنِيها ويُفقرها، ويرفعها ويخفِضها، ويحييها ويميتها، تتقلَّب في قبضته وتعيش برزقه، فلما تمَّ لي الأمر نظرتُ في عظمته وقدرته (٥) فإذا ليس من هذا الخلق شيءٌ ملا يفوته، وإذا قدرتُه محيطةٌ بكل شيء، فما (٦) تقولون؟ فقالوا: قد قلتَ قولًا عظيمًا، ووصفتَ أمرًا عجيبًا، ولا نحسبك إلا وقد أَصبتَ فيه النظر، وقد صدَّقناك وتابعناك (٧)، ورأينا رأيك، وإنْ كنا لنَرى مثلما رأيتَ، ويَخطر على قلوبنا مثلما خطر على قلبك، لكنَّا لم نشرح منه (٨) ما شرحتَ؛ لِمَا أن اللَّه هداك

стр. 4769

وأكرمك وعلَّمك ذلك (١)، حدِّثنا عما نسألك عنه: هل ينبغي لهذا الربِّ أن يكون له شريكٌ في ملكه، أو حاجةٌ إلى شيء من خلقه؟ وهل (٢) يغلبه شيء يستعين عليه بغيره؟ فقال: لو كان له شريك في شيء لضبَط ما يَضبط، ولو كان به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلَهم، ولو كان يستعين على شيء يغلبه بغيره ما بَلَغتْ قدرته حيث بَلَغتْ. قالوا له: صدَقْتَ وعرفنا ما تقول (٣)، وثبت في قلوبنا ذلك، ولكن (٤) حدِّثنا ما بالُ خلقه يُشركون به وهم يعرفونه؟ قال: لأنه خلق فيهم الأهواء، وطبَع قلوبهم على الشهوات، وجبَلهم على الضعف، وثبَّت معهم الشيطان، فمِن قِبَل هذا عدَلوا به، وهم يعرفون أن الذين يدعون من دونه لا يُحيونهم ولا يميتونهم (٥)، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضرُّونهم (٦) ولا ينفعونهم. فعند ذلك أَجمعَ رأيُهم على أن يَأْووا إلى الكهف (٧)، وأن يعتزلوا قومَهم وما يعبدون من دون اللَّه، فعند ذلك قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ يقولون: فما يمنعُ هذه الآلهةَ التي تُعبد من دون اللَّه إن كانت كما

стр. 4770

يزعم أصحابها لا يأتون بسلطان بيِّنٍ مِثْلَ الذي وصَفْنا به ربَّنا، ومثلَ الذي يقدر عليه ربُّنا، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فلما اعتزلوهم آوَوْا إلى الكهف رجاءَ أن يَنشر لهم ربُّهم من رحمته ويهيِّئَ لهم من أمرهم مرفقًا، ثم إن اللَّه تعالى ألقى عليهم السُّبات فنوَّمهم، وهم في مدينةٍ من مدائن الروم يقال لها: أفسوس، وملكهم يومئذ دقيانوس (١)، وهم سبعةُ نفر. وكان ابن عباس يسميهم ويقول: لا يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل: مرطالوس، ويوبوس، وداسوس، وسرافنون وأسطاطانوس، ومسطاييس، وتمليخا (٢) وهو الذي بعثوه بورِقهم ليأتيَهم بالطعام (٣). وكانوا قومًا يطلبون الصيد ومعهم كلابهم (٤) لِمَا مسَّهم من الضر، ليس لهم معيشةٌ غيرها، وهم يومئذ في الجبل الذي فيه الكهف (٥) يطلبون الصيد ومعهم كلابُهم وبزَّاتهم وقسيُّهم ونَبْلُهم، قد (٦) أجمع رأيُهم على أن يَأووا إلى الكهف

стр. 4771

يأتمرون فيه: أيُقيمون (١) مع قومهم على شركهم أو يفارقونهم فيختارون (٢) ناحية من الأرض يَخْلون فيها ويوحِّدون اللَّه ربهم فيها. فبينما هم على ذلك ألقى اللَّه تعالى عليهم السُّبات، وأخفى اللَّه على جميع خلقه مكانهم، فليس يبصرهم (٣) أحد ولا يفطن بمكانهم، ولبثوا في كهفهم ثلاثَ مئةٍ سنين وازدادوا تسعًا، حتى انقرضت الأمَّة التي كانوا فيها والملِكُ الذي كان عليهم (٤)، وخرج من بعدهم المسيحُ عيسى بن مريم ﵇، فآمَن به الناس واتَّبعوا ملَّته، ورفعه اللَّه إليه، وذهب زمانُه وزمان أهل ملَّته وهم في كهفهم، وكان عيسى قبل أن يُرفع حدَّث عنهم وعن إيمانهم وزمانهم، وكيف ناموا في كهفهم، وكيف أخفى اللَّه تعالى مكانهم، ولا ينبغي لأحد أن يهتديَ إليهم، وكان يُخبر أنه ستُردُّ إليهم أرواحُهم ويُدَلُّ على كهفهم ليكونوا عبرةً لمن خلْفَهم، فردَّ اللَّه تعالى إليهم أرواحَهم بعدما رَفع عيسى بعد هذه السنين، ولزمهم كلبٌ من كلاب صيدهم فلبث سنينَهم كلَّها (٥) معهم باسطًا ذراعيه بفِناء الكهف، ولم يَطعم ذلك الكلب ولم يشرب ليكون آية. فلما ردَّ اللَّه تعالى إليهم أرواحهم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِذًا أَبَدًا﴾ وهم حينئذٍ يظنون أن

стр. 4772

قومهم أحياءٌ، وأنهم على ما يَعهدون من حالهم وشركهم، فانطلق تمليخا وكان أشدَّهم وأقواهم في أنفسهم (١)، حتى إذا خالط ربض (٢) المدينة أنكرها وأنكر كلَّ شيء خلقه اللَّه تعالى من إنسانٍ ودابةٍ أو دارٍ أو بناء (٣)، ووجد الناسَ على حالٍ لم يكن يعهدُها، ووجدهم يتبايعون بورِقٍ لا يشبه الورِق الذي معه، فتحيَّر وأنكر، وأقبل وأدبر، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه وظنُّوا أنه قد فُطن به وقُدِر عليه. فلما طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحيةٍ أخرى خُفْيَةً، فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الرَّبَض (٤) في كلِّ شيء، فلما الْتبَس عليه عَمد إلى مشيخةٍ من أهل المدينة توسَّم فيهم الخير ليتجسَّس ويستمع من قولهم، فوجد (٥) معهم الإنجيل يقرؤونه، فسمع ما فيه من توحيد اللَّه وشرائعه وحلاله وحرامه، فعرَف ذلك وأذعن له، وأَنصت يستمع حتى إذا فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم، فقالوا: هذا كتاب اللَّه الذي أَنزلَه على نبيِّه (٦) عيسى ﵇، قال: وأين عيسى؟ قالوا: قد رفعه اللَّه إليه، قال: وكم لبث فيكم؟ قالوا: ثلاثًا وثلاثين سنة، قال: هل رأيتموه أو أدركتُم (٧) زمانه؟ قالوا: لا، كان زمانه قبل أن نُولد، ووجدنا كتابه في أيدي آبائنا، قال: فكلُّ أهل هذه المدينة يؤمِن بهذا الكتاب وهذا (٨) النبيِّ ويعمل بما فيه؟ قالوا:

стр. 4773

نعم، إلا مستخفِيًا بذنبٍ أو ظالمًا لنفسه، قال: فهل سمعتُم بالملك الذي يقال له: دقيانوس (١)؟ قالوا: نعم، قال: فكم له منذ هلك؟ قالوا: أكثر من ثلاث مئة سنة، قال: فهل بقيت له ذريةٌ أو أحد من أهل ملَّته يعمل عملَه (٢) وعملَ قومه؟ قالوا: لا، قال: فلو أراد أحد أن يعمل مثل عمله؟ قالوا: نقتله أو نُخرجه من بين أظهُرنا، فلما أمِنَهم واطمأنَّ إليهم ورأى سِمة الإسلام عليهم بما وفَّقهم اللَّه تعالى بمسائلتهم عنها قال: أخبِروني؛ هل كان نبيُّكم عيسى ﵇ يخبركم عن سبعةِ رَهْطٍ (٣) خرجوا من هذه المدينة في زمن دقيانوس وقومه هربًا إلى اللَّه تعالى بأنفسهم ودينهم، وفرارًا من دقيانوس وقومه (٤) حتى أووا إلى كهفٍ من هذه الجبال؟ قالوا: نعم كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنا أنكرنا حالكَ كلَّه! قال: فهل كان عيسى يسمي فيما بلَغكم أسماء (٥) أصحابِ الكهف؟ قالوا: نعم، وسمَّوهم، فلما ذكروا تمليخا قال: فأنا تمليخا، وأنا أحدهم، فخرُّوا له سجَّدًا كما صنع إخوةُ يوسف بيوسف يومَ دخلوا عليه كانت تحيتُهم ذلك، ثم أدخَلوه مسجدهم وعظَّموه وأكرموه ورفَعوه، وجمعوا له أهلَ مدينتهم وعلماءَهم فتمسَّحوا به كلُّهم، وجعلوا له عيدًا عظيمًا، وأقام أيامًا بين أظهُرهم، ثم إنه قال لهم: إن أصحابي لا أُراهم إلا قد خافوا عليَّ وساء ظنُّهم وهم يظنون أن دقيانوس حيٌّ، وأن الزمان زمانُه والدِّينَ دينُه، فانطلِقوا نُعْلمُهم كيف أهلكهم اللَّه تعالى وطهَّر الأرض منهم، وكيف استبدل تعالى بهم أمةً يوحِّدونه ويَهدون بالحق وبه يعدلون.

стр. 4774

فانطلَقوا حتى انتهوا إلى الكهف، فوجدوا كلبهم باسطًا ذراعيه بالوصيد، قالوا: هذا الكلب أيضًا من علاماتكم التي كان يحدِّثنا عنها عيسى ﵇، وقد كان يحدِّث أنه لا يَنظر إليهم أحد مِن خلق اللَّه من يومِ يدخلون الكهف إلى أن ينزل عيسى، إلا إلى رجل منهم وهو الذي يدل على مكانهم وأنت هو، فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وسمع ثم كان آخِرَ العهد منهم. وائتمر الناسُ فيهم وتنازَعوا، حتى اجتمعوا أن يتَّخذوا عليهم مسجدًا يَبنونه حول الكهف، ويجعلون الكهف وسطه، ويكتبون قصتهم في حيطانه، فذلك قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. قال وهب: وبلغني أن النبيَّ ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى يُنشِر أصحاب الكهف عند نزول عيسى ﵇ ويُخرجهم من كهفهم" (١). * * * (١٠) - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: أي: كانوا عجبًا حين التَجؤوا إلى الكهف فرارًا بدينهم. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: أي: أعطِنا من عندك رحمة ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الرَّشَد: إصابةُ الطريق المؤدِّي إلى البُغية، وكذا الرُّشْد والرَّشاد، وصَرْفه من باب دخل وعلم جميعًا. * * *

стр. 4775

(١١) - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾. فاستجاب اللَّه تعالى دعاءهم، وذلك قولُه : ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾: أي: أَنَمْناهم ومنعناهم السماعَ، ومجازُه: ضربنا السور (١) على آذانهم. وقال القتبيُّ: هذا من فَصاحات القرآن التي أقرَّت العرب بالقصور فيها عن الإتيان بمثلها؛ لأن هذا لو نُقل بلفظه إلى لفظٍ آخر لم يُفهم منه ذلك، وإن قيل: أَنَمْناهم فهو ترجمةٌ للمعنى دون اللفظ (٢). وقوله تعالى: ﴿عَدَدًا﴾ قال الفرَّاء: أي: معدودةً (٣)، فالعَدُّ المصدر (٤)، والعدد اسمٌ للمعدود، كالنَّقص بمعنى المنقوص، والرَّفض بمعنى المرفوض، ويَصلح للواحد والجمع. وقال الزجَّاج: ﴿عَدَدًا﴾؛ أي: تُعدُّ عددًا لكثرتها؛ لأن القليل يُعلم (٥) مقدارُه من غير عدٍّ، فإذا كثر عُدَّ (٦). فأما قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] فهي على القلة؛ لأنَّهم كانوا يعدُّون القليل ويَزِنون (٧) الكثير.

стр. 4776

(١٢) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾: أي: أيقظناهم من نومهم لم تغيِّرهم السِّنون. ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾: أي: لنَعلم اختلافَهما موجودًا واقعًا كما علِمناه قبل وجوده أنه يوجد، وقد شرحناه مرات. وقيل: أي: لنبيِّنَ لهم ولغيرهم أنَّ الحزبَين لا يُحصِيان مبلغَ مدة لبثهم في الكهف، كقولك: سأُمهِلُك تتفكَّر في هذا الأمر لأنظرَ كيف استخراجُك له، أو: لأعلم كيف بصرُك به، وهو يريد: إني أفعل ليَظهر أنك لا تعرفه. وقيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: ليَعلم أوليائي. و ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ قال مجاهد: أي: أيُّ الفريقين من قوم الفتية (١): أهل الهدى أو أهل الضلالة. وقال السدِّي: أي: اليهود والنصارى (٢). وقيل: هم من الفتية أنفسِهم حيث قالوا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. وقيل: أحدهما أصحاب الكهف والآخر أصحاب الرقيم، وهم الذين كتبوا أسماء أصحاب الكهف بعدهم. وقيل: هما طائفتان من المسلمين اختلفوا في ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا﴾: أي: عَلِم وتحقَّق، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].

стр. 4777

وقوله تعالى: ﴿أَمَدًا﴾: أي: غايةً، مفعولُ ﴿أَحْصَى﴾، وتقديره: أحصَى أمدًا لِمَا لبثوا؛ أي: أمد ما لبثوا، وهو نظير قولك: ضربتُ لزيدٍ غلامًا؛ أي: غلامًا لزيدٍ، وحاصله: غلامَ زيد، وهو قول المحقِّقين. وقال الفراء: ﴿أَحْصَى﴾ أفعل للتفضيل؛ أي: أعلمُ بمقدار لبثهم، و ﴿أَمَدًا﴾ نصب على التفسير (١). وقالوا: هذا غير خارجٍ على ظاهر اللغة؛ لأن ما كان فعلُه من (أَفْعَلَ) لا يقال فيه: هو أفعلُ من فلان، إنما يقال: أشدُّ إفعالًا منه، فكان ينبغي أن يقال: أشدُّ إحصاء. وقال الزجَّاج: ﴿أَمَدًا﴾ نصب بـ ﴿لَبِثُوا﴾ (٢)؛ أي: هو نصبٌ على الظرف. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصِّدق ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾؛ أي: شبَّانٌ. وقال مجاهد: لقد حدِّثتُ أنه كان على بعضهم أوضاحُ الوَرِق من حداثته (٣). وقوله تعالى: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾: أي: صدَّقوا بوحدانيته ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾؛ أي: ثباتًا ويقينًا ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: شدَدْناهم ووفَّقْناهم وألهمناهم الصبرَ.

стр. 4778

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا﴾: قال قتادة: أي: قاموا من رقدتهم. وقال السدِّي: قاموا بباب البلدة. وقال مجاهد: قاموا يقصدون الخروج ومفارقةَ القوم. وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ﴾: أي: لن نعبد (١) ﴿مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾؛ أي: لن ندعو غيرَه معبودًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: أي: قلنا جَورًا وعدوانًا لو دعونا غيره إلهًا. * * * (١٥) - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾: أي: اعتقدوا ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ بتقليدٍ من غيرِ حجة. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: أي: هلَّا يقيمون على آلهتهم سلطانًا بيِّنًا؛ أي: حجةً بيِّنةً أن عبادتها جائزةٌ أو واجبة. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: فلا أظلمُ من هؤلاء لأنفسهم ولا أوضعُ للعبادة في غير موضعها، افتروا على اللَّه كذبًا، اختلفوا فقالوا: له شريك. وقال الإمام القشيري ﵀: سمَّاهم فتيةً لأنهم آمنوا على الوهلة بلا مهلة؛ لِمَا أتاهم من دواعي الوُصلة.

стр. 4779

وقيل: سماهم فتيةً لأنهم قاموا باللَّه وما استقرُّوا حتى وصلوا إلى اللَّه. وقال في قوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: لاطفهم بإحضارهم ثم كاشفهم في أسرارهم بما زاد في أنوارهم. وقال في قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي: أغنيناهم عن الأغيار، وأوليناهم من أنوار الاستبصار. وقيل: ربطنا عليها بما استقرَّ فيها من شواهد الغيب، فلم يَهْجس فيها خواطر (١) الريب. وقال في قوله: ﴿إِذْ قَامُوا﴾: أي: قاموا للَّه وباللَّه (٢)، ومَن قام للَّه قعد عمَّا (٣) سوى اللَّه. وقيل: مَن قام باللَّه (٤) لم يقعد حتى يصلَ إلى اللَّه. وقيل: قعدت عنهم الشهوات فصحَّ قيامهم للَّه (٥). * * * (١٦) - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: سوى اللَّه.

стр. 4780

وقيل: معنى الاستثناء أنه كان فيهم مَن يعبد اللَّه، وقالوا: كان فيهم رجلان يكتمان إيمانهما، وهما كتَبا أسماء الفتية وقمت مفارقتهم قومهم. أي: قال بعضهم لبعضٍ: وإذا فارقتُم قومَكم وآلهتهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: يبسطْ لكم ربُّكم ما يُصلح لكم دينَكم ومعاشكم. وقوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿مَرْفِقًا﴾ بفتح الميم وكسرِ الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء (١)، وهما لغتان فيما يُرتفق به؛ أي: يُنتفع به. وقيل: أرادوا به الغداءَ، وكانوا يحتاجون إليه ويخافون الخروج والطَّلب (٢)، فدعوا اللَّه أن يهيِّئ لهم ذلك. وقيل: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطابٌ من اللَّه لهم إلهامًا، أو إخبارًا أنه فعَل بهم ذلك (٣)؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]؛ أي: أسكنَّاهم، فمعناه هاهنا: آويناهم في (٤) الكهف وكفَيناهم أمرَ القُوت كما فعلنا بمريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ويتصل به على الطريقين (٥) قولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ الآية. وقال القشيري ﵀: مَن تبرَّأ من (٦) اختياره في احتياله، وصدَق رجوعَه

стр. 4781

إلى اللَّه في أحواله، ولم يستعِنْ بغير اللَّه من (١) أشكاله، آواه إلى كَنَف أفضاله، وكفَاه جميع أشغاله، وهيَّا له محلًّا يتفيّأ فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (٢). * * * (١٧) - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: قرأ ابن عامر: ﴿تَزْوَرُّ﴾ مثلَ تحمرُّ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿تَزَاوَرُ﴾ خفيفةً، وقرأ الباقون: ﴿تزَّاور﴾ مشدَّدةً (٣)، وأصله: تتزاور، فعلى الإدغام تشدَّد وعلى الحذف تخفَّف، والتزاوُر والازورار: الميلُ والانحراف. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾: أي: تعدِلُ عنهم وتميل يسرةً. وقال أبو عبيدة: تخلِّفُهم وتجاوِزُهم وتقطَعُهم وتتركهم عن شمالها (٤). وفي كتاب الخليل: القرضُ في السير: إذا عدَلْتَ عن شيء في مسيرك قلتَ: قرضتُ يمنةً ويسرةً؛ أي (٥): في السير؛ أي: تركته عن اليمين أو عن الشمال، قال ذو الرُّمَّة: إلى ظُعُنٌ يَقْرِضنَ أقوازَ مُشْرِفٍ... شمالًا وعن أيمانهن الفوارسُ (٦)

стр. 4782

وقال ابن عباس ﵄: كان الكهف مُقابلَ (١) بناتِ نعشٍ (٢)، وكانت الشمس تميل عن كهفهم في طلوعها وغروبها وجريِها؛ لأن مَطلِعها كان على يمينهم ومغرِبها على شمالهم، فلم تكن في حال تَدخل عليهم فتؤذيهم بحرِّها وتُشْحب (٣) ألوانهم وتُبلي ثيابهم (٤). ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾: أي (٥): في متَّسَع ينالهم النسيم فينتفي بذلك عنهم غمَّة الغار وكربُه. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: ما اختاره اللَّه تعالى لهم من هذا الموضع، وهو لطفٌ من اللَّه بأوليائه.

стр. 4783

وقيل: بل كان عدولُ الشمس عنهم في طلوعها وغروبها وحرِّها خارجًا عن العادة تخصيصًا لهم؛ ليكون ذلك من آيات اللَّه كرامةً لهم، وتغييرُ العادة بطريق الكرامة جائزٌ لأولياء اللَّه عند أهل السنَّة والجماعة، وكان هذا في حقهم كإبقائهم أحياءً في طول هذه المدة من غير غذاءٍ، وإبقاءِ ثيابهم على حالها كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ خطابٌ للنبي ﷺ ، ولم يُردْ به حقيقة الرؤية لكن معناه: تحصيلُ العلم له بالإخبار عن أحوالهم. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: كهؤلاء الفتية ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: مَن يواليه ويتولَّاه ويرشدُه إلى (١) مصالحه. وقيل: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: ما أخبرْنا من قصتهم آيةُ صدقِ دعواك النبوةَ، فمَن هداه اللَّه تعالى بها (٢) صدَّقك، ومَن أضلَّه اللَّه تعالى كذَّبك. * * * (١٨) - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾: جمع يَقُظٍ ويَقِظٍ -بضم القاف وكسرها- وهو اليقظان، قيل: أي: لانفتاح أعينهم حال نومهم. وقيل: أي: لكثرةِ تقلُّبِهم كما يتقلَّب اليقظان. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾؛ أي: نيام.

стр. 4784

وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: أي: جعلناهم يتقلَّبون يمينًا وشمالًا، وأضاف التقليب إلى نفسه لأنه بتخليقه. وقيل: كانت الملائكة يقلِّبونهم بأمر اللَّه تعالى، وهذا في رقدتهم قبل أن يشعر بهم قومهم. وقال ابن عباس ﵄: ولو لم يُقلَّبوا لأكلتهم الأرض (١). وقال عبدُ ربِّه: كانوا يقلَّبون في كلِّ عام مرتين (٢)، وكذا عن سعيد. وقال الكلبي وجماعةٌ: في كلِّ سنةٍ على جَنْبٍ (٣). وقال مجاهد: مكثوا ثلاثَ مئة سنةٍ على شقٍّ واحد، وكانوا يقلَّبون (٤) تسعَ سنين (٥).

стр. 4785

وقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾: قيل: كان لهم كلبٌ فتبِعهم. وقيل: لأحدهم فتَبِعه. وقال أبو رَوق: لم يكن الكلب من شأنهم، لكنهم مرُّوا براعي غنم فقال لهم: أين تذهبون؟ فقالوا: نَفِرُّ بديننا من هذا الجبَّار، فقال الراعي: ما أنا أَغْنَى عن ربِّي منكم، فترك غنمه ولحق بهم فتبعه كلبُه. قال ابن جُريجٍ: وكان كلبًا أحمرَ، اسمه قطمور (١). وقوله تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاك: بالفِناء (٢). وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ: بالباب (٣)، ولم يكن له باب ولكنْ أراد به موضعَ الباب، وكذلك قال أبو روق: فم الشِّعب. وقال ابن جريجٍ: كان يمسك عليهم الباب (٤). وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: قرأ ابن كثير: ﴿وَلمُلِّئْتَ﴾ بالتشديد للمبالغة، وقرأ الباقون بالتخفيف على أصل الفعل الثلاثي المتعدِّي (٥).

стр. 4786

﴿رُعْبًا﴾؛ أي: خوفًا. وهذا خطابٌ للنبيِّ ﷺ ، ولم يُردْ به اطِّلاعه حقيقةً، لكنه الإخبارُ عن حالهم على تقدير: أن أحدًا لو اطَّلع عليهم كان كذا، يقول: لو نظرتَ في كهفهم نظرًا من فوقهم لهربتَ منهم ولامتلأتَ خوفًا. وقيل في معناه وجوه (١): أحدها: لو رأيتَهم لظننتَ أنهم يريدونك؛ لأن أعينَهم كانت مفتوحةً (٢). وقيل: هذا وصفُ وحشةِ مكانهم؛ أي: لو نظرتَ إلى موضعهم لهالَتْك وحشةُ مكانهم، وكان اللَّه تعالى لطفَ بهم في هذا الموضع الوحشي ليَنفر الناس عنهم ولا يَقْرَبوهم لطلبهم، أو (٣) يكونُ مدحًا لهم برضاهم بمثل هذا الموضع (٤). وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب لئلا يَصِلوا إليهم. وقال الإمام القشيري ﵀: كما ذكَرهم ذكَر كلبهم، ومَن صدَق في محبة أحدٍ أحبَّ مَن يُنسب إليه وما يُنسب إليه. وقيل: كلبٌ خَطَا مع أحبابه خطواتٍ فذكَره اللَّه تعالى في كتابه، أتَرى أن مسلمًا يَصحب أولياءه من وقتِ شبابه إلى مشيبه يردُّه يوم القيامة خائبًا؟ وقيل: قالوا للراعي: اصْرِف الكلب عنَّا، فقال: لا يمكنني لأني (٥) أنا ربَّيته، ولمَّا ضربوه قال: لا يمكنني أن أنصرف لأنه ربَّاني.

стр. 4787

وقيل: كلبٌ بسط يده على وصيدِ الأولياء فإلى القيامة يقال: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، فيَدٌ رفعها مسلم إلى اللَّه خمسين سنة يردُّها خائبة؟ هذا لا يكون. وقال: يقول اللَّه تعالى في حقهم: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ويقول في حقنا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فشتَّان ما بين المنزلتين. وقال: لمَّا لم يجاوزِ الكلب قَدْره، ووضع على الوصيد يده، بقي مع الأحباب، وكذا مَن حفِظ أدب الخدمة (١). * * * (١٩) - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾: أي: كما أَنمناهم وحفظنا عليهم أبدانهم وثيابهم كذلك أيقظناهم ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: كانت عاقبةُ أمرهم أن يتساءلوا (٢) بينهم عن مدة لبثهم في النوم. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾: أي: رئيسُهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قيل: إنما سألوا (٣) لأنه راعهم (٤) ما فاتهم من العبادة في ذلك النوم عند أنفسهم.

стр. 4788

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا﴾: قال الحسن: دخلوا الكهف أولَ النهار، فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخرُ النهار، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ ثم رأوا من الشمس بقيةً فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كان عندهم (١) كذلك، فلم يوصفوا فيه بالكذب ولم يؤاخَذوا. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾: ورُوي أن ابن عباس ﵄ استدلَّ بهذه الآية على أن الصحيح من الأقوال في عددهم أنهم سبعة؛ لأنَّه قال في الآية: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ وهذا واحد، وقال في جواب قول هذا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ و ﴿قَالُوا﴾ فعلُ الجمع وأقلُّه ثلاثة، ثم قال: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وهذا قولُ جمعٍ آخَرين سواهم؛ لأنَّه قال: ﴿قَالُوا﴾ وهذا جمعٌ، وقال بعده: ﴿رَبُّكُمْ﴾ وهذا خطابُ الجمع فهم ثلاثة آخرون، فصاروا سبعة. وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: قرأ أبو عمرو وحمزةُ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ بسكون الراء، وقرأ الباقون: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ بكسر الراء (٢)، وعن أبي عمرو في روايةٍ إدغامُ القاف في الكاف (٣). وتفسيره: بفضَّتكم هذه، وكانوا أخذوا فضةً للحاجة إليها في طريقهم. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: أي: هذا المبعوث ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ فليشترِه، وفيه دليلٌ على (٤) جواز الوكالة. والزكاةُ في اللغة عبارةٌ عن النماء وعن (٥) الطهارة، واختلف في تفسير هذا:

стр. 4789

قال ابن عباس ﵄: أي: أَحَلُّ ذبيحةً، وكانوا يذبحون للطواغيت (١). وقيل: كانوا يذبحون الخنازير. وقيل: كانوا يأكلون الميتة. وقيل: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: ما لا غصبَ فيه ولا ظلم. وقال سعيد بن جبير (٢): أطيبُ طعامًا وألذُّ (٣). وقيل: أكثرُ رَيعًا. وقيل: أرخصُ وأجود، يقال: طعام زكيٌّ؛ أي: رخيصٌ جيد. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾: عن ابن عباس ﵄ في رواية وهو عن علي ﵁ أيضًا أنه الأَرزُّ (٤)، وعلى هذا قولُه: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾؛ أي: أكثر ريعًا، فإنه يزاد (٥) بالطبخ، وهو من تدبيرِ قليلِ البضاعة. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: أي: وليستعملْ دقائق التدبير في دخول المدينة وشرائه الطعام، ليَخْفَى مكانه فلا يُعلمَ به في ذهابه وإيابه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: أي: ولا يُعلمنَّ بأخباره، ويحتمِل: بترك التلطف فيُشعَر به، فكأنه أشعَرَهم.

стр. 4790

(٢٠) - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: ويستولوا عليكم (١) ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾؛ أي: يقتلوكم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾؛ أي: يردُّوكم إلى الكفر ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾؛ أي: ولن تفوزوا بخيرٍ أبدًا إذا ارتدَدْتم (٢). * * * (٢١) - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: قال ابن عباس وعطاء: أَطْلَعْنا عليهم (٣). وقيل: أظهَرْنا، وهو قول ابن جريجٍ (٤)، وأصله: أنَّ مَن عثر برجله على شيء وهو غافل نظر إليه حتى يعلمَه، فاستُعير العثور للظهور. ومعناه: كذلك؛ أي: كما (٥) كانت قصتهم أطلعنا عليهم الناس. وقيل: كالذي أخفينا آثارهم على أهل عصرهم أشعَرْنا بذلك مَن بعدهم لِمَا كان فيه من الحكمة.

стр. 4791

قال ابن عباس ﵄: فلما بعثوا تمليخا ودخل المدينة أنكر أهلَها ولم يعرف منهم أحدًا، وكان ظهر على البلدة ملكٌ مسلم يقال له: أسحا (١)، وحملهم على الإسلام ومحقِ (٢) الأصنام، فأتى تمليخا إلى حانوت خبَّاز فأخرج وَرِقه، فأنكر الخباز فقال له: إنك وجدتَ كنزًا، وهذه الدراهم من ضرب دقيانوس، فإن أعطيتَني من ذلك الكنز وإلا رفعتُ أمرك إلى الملك، قال تمليخا: إني خرجتُ (٣) مع أصحابٍ لي من البلدة، فرفعه إلى الملك فقال له الملك: من أين جئت بهذا الدرهم؟ قال: خرجت به من هذه البلدة عشيةَ أمس، فقال الملك: إنك تُريني أنك مجنون، لَتُخبرنِّي من أين جئتَ بهذا الدرهم أو (٤) لأقتلنك، فقصَّ عليه القصة، وكان هناك شيوخٌ فقالوا: أيها الملك، حدَّث آباؤنا أن فتيةً سبعةَ نفر (٥) فرُّوا بدينهم من دقيانوس، ولعله صادقٌ، فاركب حتى نخرج معك فننظرَ إلى الكهف وإليهم، فلعل هذا أمر يريد اللَّه أن يُظهرك عليه، فركب الملك وركبوا حتى أتوا باب الكهف، فسبقهم تمليخا وقال لهم: أتاكم الملك، فظنوا أنه دقيانوس الكافر وخافوا على أنفسهم، فدخل عليهم الملك والناس وسألوهم (٦)، فبينما هم يتحدثون إذ سقطوا ميتين، فقال الملك: إن هذا لعجبٌ فما ترون؟ فاختلفوا فقال بعضهم: نبني عليهم بنيانًا. وقال بعضهم (٧): نتخذ عليهم مسجدًا على باب الكهف (٨).

стр. 4792

وقد روينا أنهم لم يدخلوا عليهم وعمِّي عنهم مكانُهم حين دخل تمليخا، وإنما علم أهل المِصر حقِّيَّة البعث استدلالًا بإخبار تمليخا عنهم، وثبت عندهم صدقُه بما شاهدوا من أفعاله وما معه. وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: استدلوا بذلك على أن وعد اللَّه بالبعث حق وأنه قادر عليه ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾؛ أي: لا شك في قيامها. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: أي: يتنازع أهل ذلك العصرِ في أمر الساعة، فيقِرُّ به بعضهم وينكره بعضهم، فعرفوا جميعًا أن البعث حقٌّ بهذه الدلالة، ومعنى ﴿أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: الأمرَ الذي فيه تنازُعُهم، ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ بمعنى: تنازعوا، أو: كانوا يتنازعون. وقيل: كان تنازُعهم في البناء. ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾: يُعرف به مكانهم كما يُبنى على قبر الرجل الجليل المذكور. وقيل: كان باب الكهف قد فتح بعد ما كان مردومًا، فقالوا: ابنوا عليهم ما يسترُهم فلا يدخل عليهم أحد. وقيل: قال الكفار: نبني بناء الكفار؛ لأنَّهم من عشائرنا فلعلهم على ديننا. فقال اللَّه ﷻ : ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾: أي: أنهم آمنوا بربهم كما وصفنا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: عظماؤهم، وقيل (١): مسلموهم. ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: نتعبد فيه؛ لأنَّهم مسلمون فيتبرَّك المسلمون بالصلاة في مسجدهم عندهم (٢).

стр. 4793

(٢٢) - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: سيقول بعض أهل الكتاب: هم ثلاثةٌ رابعهم كلبهم. ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: ويقول بعضٌ (١) ذلك. وقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: قال قتادة: قذفًا بالظنِّ (٢)، وذلك أن الغيب ما غاب عن الإنسان، وما غاب إنما يُدرك (٣) بالاستدلال، ولا يكون كالعِيان في إفادة الإيقان. والرجم (٤) بالكلام: هو التكلُّم من غير تدبُّر. وقال نفطويه: تقول: هو يرجم بكذا؛ أي: يقول فيه بالظن. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أي: ويقول بعضُهم ذلك، يعني: إذا كانوا يختلفون ثبت أنهم لا يتيقَّنون به، فكيف يمتحنونك به؟ وقال الكلبي: قدم العاقب والسيد على رسول اللَّه ﷺ ، فسألهما عن عدد أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وأصحابه: خمسة سادسهم كلبهم (٥)،. . . . . . . .

стр. 4794

رجمًا بالغيب، وقال بعضهم: سبعة وثامنهم كلبهم، فنزلت الآية (١). وذهب ذاهبون إلى أن اللَّه تعالى بيَّن للنبي ﷺ عددهم بقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لأنه ذكر القولين الأوَّلين وأَلحق بهما ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، ثم ذكر القول الثالث وحقَّقه بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾؛ لأن الواو عطفٌ على قولهم، وهو إخبارٌ من اللَّه تعالى (٢)، وليس بعده: رجمًا بالغيب. وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾: قال هؤلاء: ليس بإجمال، بل هو تحقيق للقول الثابت، فإنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا إخبار من اللَّه وهو أعلم بعدتهم (٣)، فهو الصدق دون ما قالوه بالظن، وكذا قوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: هذا (٤) إثباتُ علمِ ذلك لقليلٍ من الخلق، وإذا علِمه أحد

стр. 4795

من خَلْق اللَّه فالنبيُّ ﵇ أولى بأن يكون عَلِم ذلك بإعلام اللَّه، وقد قال ابن عباس ﵁: أنا من ذلك القليل (١). وقال جماعةٌ منهم الإمام أبو منصور ﵀: لم يبين اللَّه تعالى ذلك لأهل الكتاب ولا لنبيِّه ﵇، ولو كان أعلمَه لم يقل: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ لأن علمه به يُغنيه عن السؤال عنهم، ولذلك قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهو قطعُ علمهم عنهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ خبرٌ عن قولهم؛ كقوله (٣): ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، لا فرق بين ذكر الواو وطرحِها (٤)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] أثبت الواو في بعضها دون بعض. وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: لم يبيِّن أن الذي يعلمه من (٥) الملائكة أو غيرِهم، ويجوز أن يكون هذا نفيًا لعلم الكلِّ؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: لا يؤمنون أصلًا.

стр. 4796

وقد قال السدِّي: لا يعلمهم إلا قليلٌ؛ أي: ليس أحدٌ يعلمهم، وهو (١) كقولهم: هذه الأرض قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي: لا تجادلْ في أصحاب الكهف أهلَ الكتاب إلا جدالًا ظاهرًا؛ أي: قل لهم: إنكم تقولون هذا بغير حجة (٢) ولا خبرٍ من عند اللَّه، ونحوَ هذا. ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾: أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل الكتاب ﴿أَحَدًا﴾؛ فإنهم (٣) لا يعلمون ذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وليس بنا إلى معرفة عددهم وأسمائهم حاجة، لو كان لتولَّى اللَّه تعالى ذلك في كتابه (٤). وقال كعب: أسماؤهم مكسملينا وهو كبيرهم، ثم تمليخا وهو الذي بعثوه لشراء الطعام، ونواس وصدار وبلينوس ومرطيوس وإسبسيانوس. وقيل في السادس والسابع: كيشرطط ومرطيوس (٥).

стр. 4797

قال عبد (١) اللَّه بن عمر: وإذا وقع الحريق في موضع فكَتَبْتَ هذه الأسماءَ على قطعةِ رِقٍّ وطرحتَه في النار في الحريق طَفِئَ بإذن اللَّه تعالى (٢). وقد روينا عن وهب في أول القصة طريقًا آخر في أسمائهم. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: قال

стр. 4798

الأخفش والكسائي والفراء: أي: إلا أن تقول: إن شاء اللَّه (١)، وحذف القول ثانيًا تخفيفًا لذكره في صدر الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾: قال سعيد بن جبير: إذا قلتَ لشيء: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ فنسيتَ أن تقول: إن شاء اللَّه، ثم تذكَّرْتَ فقل: إن شاء اللَّه، وإن كان بعد هذا بيومٍ أو بشهرٍ أو بسنةٍ (٢). ومثلُه عن السدي، وقال: ليس هذا في اليمين. أي: إذا أَطلق الكلام في الوعد بغير يمينٍ، ونسي الاستثناء ثم تذكَّر فاستثنى صار في حقِّ تدارُك النسيان كالوصل، فأما في اليمين فالاستثناء المنفصِل لا يلحقُها ولا يعطلها. وكان ابن عباس ﵄ يقول: يُحمل هذا على الاستثناء في اليمين، وكان يقول: إذا استثنى ولو بعد حينٍ صحَّ (٣). وقال عطاء: هو على الاستثناء في اليمين، ولكن هذا للنبيِّ ﵇ خاصة (٤).

стр. 4799

وأكثر العلماء على أنه في غير اليمين. وقال إبراهيم: معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾؛ أي: صلِّ لربِّك إذا (١) نسيت الصلاة حتى فاتت (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: قال مجاهد: أي: عسى أن يخبرني ربِّي عما سألتُموني قبل غد، فيكون ذلك رشادًا وهذا أرشد منه. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإنك لا تدري ما أنا صانع ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ بخبرِ ما (٣) سألتُموني عنه (٤)، ويبين لكم ولي (٥) أفضلَ مما سألتموه (٦). وقيل: كان مأمورًا أن يقول هذا الكلام أيضًا حين وعدهم بما يفعل غدًا؛ أي: قل: وعدتُكم أن أفعل كذا غدًا، أو أخبرَكم عن كذا إذا أخبرني اللَّه تعالى بذلك، ولو كان الأقربَ إلى الرشاد أن لا أُخبِرَ بذلك هداني إلى ذلك، فليس كلُّ ما أسألُه يجيبُني إلى ذلك، بل يفعل ما يريد، وإذا قال ذلك خرج من الحلف إذا لم يفعل.

стр. 4800

وقد بينَّا في أول هذه القصة سبب نزول هذه الآية، واختلفت الروايات في مدة إبطاء الوحي عليه؛ ففي بعضها: خمس عشرة ليلة (١)، وفي بعضها أربعون ليلة (٢)، وفي بعضها أيامٌ قليلة، وقال له جبريل ﵇ حين سأله عن إبطاء الوحي (٣): ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٤)، وفي رواية: (قال (٥): إنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة، وكان في البيت جروُ كلبٍ) (٦). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ نفسَك، فإنَّ ذِكْركَ نفسَك يمنعُك عن استغراقك في شهود مذكورك. وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فإن العبد إذا كان ملاحِظًا لذكره كان كغير الذاكر لمذكوره (٧).
следующие страницы →