← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وقد قال السدِّي: لا يعلمهم إلا قليلٌ؛ أي: ليس أحدٌ يعلمهم، وهو (١) كقولهم: هذه الأرض قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي: لا تجادلْ في أصحاب الكهف أهلَ الكتاب إلا جدالًا ظاهرًا؛ أي: قل لهم: إنكم تقولون هذا بغير حجة (٢) ولا خبرٍ من عند اللَّه، ونحوَ هذا. ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾: أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل الكتاب ﴿أَحَدًا﴾؛ فإنهم (٣) لا يعلمون ذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وليس بنا إلى معرفة عددهم وأسمائهم حاجة، لو كان لتولَّى اللَّه تعالى ذلك في كتابه (٤). وقال كعب: أسماؤهم مكسملينا وهو كبيرهم، ثم تمليخا وهو الذي بعثوه لشراء الطعام، ونواس وصدار وبلينوس ومرطيوس وإسبسيانوس. وقيل في السادس والسابع: كيشرطط ومرطيوس (٥).

стр. 4797

قال عبد (١) اللَّه بن عمر: وإذا وقع الحريق في موضع فكَتَبْتَ هذه الأسماءَ على قطعةِ رِقٍّ وطرحتَه في النار في الحريق طَفِئَ بإذن اللَّه تعالى (٢). وقد روينا عن وهب في أول القصة طريقًا آخر في أسمائهم. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: قال

стр. 4798

الأخفش والكسائي والفراء: أي: إلا أن تقول: إن شاء اللَّه (١)، وحذف القول ثانيًا تخفيفًا لذكره في صدر الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾: قال سعيد بن جبير: إذا قلتَ لشيء: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ فنسيتَ أن تقول: إن شاء اللَّه، ثم تذكَّرْتَ فقل: إن شاء اللَّه، وإن كان بعد هذا بيومٍ أو بشهرٍ أو بسنةٍ (٢). ومثلُه عن السدي، وقال: ليس هذا في اليمين. أي: إذا أَطلق الكلام في الوعد بغير يمينٍ، ونسي الاستثناء ثم تذكَّر فاستثنى صار في حقِّ تدارُك النسيان كالوصل، فأما في اليمين فالاستثناء المنفصِل لا يلحقُها ولا يعطلها. وكان ابن عباس ﵄ يقول: يُحمل هذا على الاستثناء في اليمين، وكان يقول: إذا استثنى ولو بعد حينٍ صحَّ (٣). وقال عطاء: هو على الاستثناء في اليمين، ولكن هذا للنبيِّ ﵇ خاصة (٤).

стр. 4799

وأكثر العلماء على أنه في غير اليمين. وقال إبراهيم: معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾؛ أي: صلِّ لربِّك إذا (١) نسيت الصلاة حتى فاتت (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: قال مجاهد: أي: عسى أن يخبرني ربِّي عما سألتُموني قبل غد، فيكون ذلك رشادًا وهذا أرشد منه. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإنك لا تدري ما أنا صانع ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ بخبرِ ما (٣) سألتُموني عنه (٤)، ويبين لكم ولي (٥) أفضلَ مما سألتموه (٦). وقيل: كان مأمورًا أن يقول هذا الكلام أيضًا حين وعدهم بما يفعل غدًا؛ أي: قل: وعدتُكم أن أفعل كذا غدًا، أو أخبرَكم عن كذا إذا أخبرني اللَّه تعالى بذلك، ولو كان الأقربَ إلى الرشاد أن لا أُخبِرَ بذلك هداني إلى ذلك، فليس كلُّ ما أسألُه يجيبُني إلى ذلك، بل يفعل ما يريد، وإذا قال ذلك خرج من الحلف إذا لم يفعل.

стр. 4800

وقد بينَّا في أول هذه القصة سبب نزول هذه الآية، واختلفت الروايات في مدة إبطاء الوحي عليه؛ ففي بعضها: خمس عشرة ليلة (١)، وفي بعضها أربعون ليلة (٢)، وفي بعضها أيامٌ قليلة، وقال له جبريل ﵇ حين سأله عن إبطاء الوحي (٣): ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٤)، وفي رواية: (قال (٥): إنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة، وكان في البيت جروُ كلبٍ) (٦). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ نفسَك، فإنَّ ذِكْركَ نفسَك يمنعُك عن استغراقك في شهود مذكورك. وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فإن العبد إذا كان ملاحِظًا لذكره كان كغير الذاكر لمذكوره (٧).

стр. 4801

وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ حظَّك منه. وقيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ غيرَ ربِّك (١). وقال ذو النُّون: مَن ذكر اللَّه حقيقةً نسي كلَّ شيء، فحَفِظَه اللَّه بكلِّ شيء، وكان له عِوَضًا عن كل شيء. * * * (٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ثلاثمئةِ﴾ مضافةً غيرَ منوَّنةٍ على طريق قولهم: (ثلاثمئةِ سنة) على الإفراد، والجمعُ أصل، والإفراد اختصارٌ لدلالته على الجمع بما سبق من ذكر العدد، وقرأ الباقون: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ منوَّنةً (٢) على تقدير التقديم: ولبثوا في كهفهم سنينَ ثلاثَ مئةٍ، فالأول ظرف والثاني ترجمةٌ وبدل، وهو كقول زهير: وقد كنتُ من سلمى سنينَ ثمانيًا... على صِيرِ أمرٍ ما يمرُّ وما يَحلو (٣)

стр. 4802

أي: على إشرافٍ من قضائه. وقيل: هذا إخبار عن قول أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ فرُدُّوا علمَ ذلك إلى اللَّه تعالى (١). قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: تسعَ سنين. وقيل: هي مبهمةٌ لا ندري أنها سنونَ أو شهورٌ أو أيامٌ أو ساعاتٌ. وقيل: كانت ثلاثَ مئة سنين شمسية، وازدادت عليها تسعُ سنين قمرية (٢). * * * (٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو (٣) مالك غيبهما والعالم به، وهو ما غاب عن حواسِّ الخلق. وقوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: أي: ما أسمعَه وما أبصَره بخلقه وبما يكون منهم، وهو مبالغةٌ في وصفه بالسمع والبصر.

стр. 4803

وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: أي: ما للخلق غيرَه مَن يتولى كفايتَهم. قوله تعالى ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: ومِن حُكمه الانفرادُ بعلم الغيب، والعلمُ بمدتهم (١) عنده، فليس لأحد أن يَحكم فيه بشيء، وبه قال محمد بن إسحاق (٢). وقيل -وهو قول مجاهد-: هذا ابتداءُ إخبارٍ من اللَّه تعالى أن لبثهم كان كذلك (٣)، وهو معنى (٤) قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾؛ أي: أعلمُ به مِن خلقه الذين يدَّعون علمَ ذلك (٥) من أهل الكتاب؛ أي: هذا الإخبارُ (٦) هو الحقُّ الصوابُ، لأن اللَّه تعالى أخبر به، وهو أعلم بذلك وله غيب السماوات والأرض. وقيل: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يرجع إلى أصحاب الكهف؛ أي: لم يكن لهم على تلك الحالة حافظٌ إلا اللَّه تعالى. وقيل: يرجع إلى أهل الكتاب؛ أي: ليس لهم مَن يَردُّ عنهم عذاب اللَّه لهم على خلافهم واختلافهم. وقرأ ابن عامر: ﴿ولا تُشْرِكْ﴾ بتاء المخاطبة والجزم على النهي (٧)، وهو عطفٌ على قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ ﴿وَقُلْ عَسَى﴾ ﴿ولا تُشركْ في حكمه أحدًا﴾؛

стр. 4804

أي: لا تسأل أحدًا عما أخبرك اللَّه تعالى به عن عدد أصحاب الكهف ومدتهم، فأتى لك (١) حكم اللَّه فاقتصر عليه. * * * (٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أي: اقرأ واتَّبع القرآن الذي أوحاه اللَّه إليك. وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مغيِّرَ لِمَا ذَكر (٢) فيه، ويدخل في هذه الجملة ما أَخبر به عن أصحاب الكهف مما يختلف فيه أهل الكتاب، وغير ذلك مما أخبر اللَّه تعالى به. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملجأً تَعدِلُ عنه إليه؛ أي: الزَمْ كتابه واعمل به فإنك إن خالفْتَه لم يعصمك من عذابه ملجأٌ. وقال القشيري: لا تغيير لحُكمه، فمَن أقصاه فلا قبولَ له، ومَن أبعده فلا وصول له، ومَن قبله فلا ردَّ له، ومَن قرَّبه فلا صدَّ له (٣). * * * (٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

стр. 4805

وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: ولمَّا أخبر اللَّه بقصة أصحاب الكهف، وكانوا قالوا له: إن أخبرتنا بما سألْنا عنه (١) صدَّقناك واتَّبعناك، فلما أخبرهم به قالوا: اطرد عنك (٢) الفقراء والسفلة الذين اجتمعوا عندك نتَّبعْك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية في نهيه عن ذلك. وروي عن سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلَّفة قلوبهم إلى رسول اللَّه ﷺ -عيينةُ بن بدر والأقرعُ بن حابس وذووهم- فقالوا: يا رسول اللَّه، لو جلستَ في صدر المسجد ونفيتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جِبَابهم - [يعنون] سلمانَ وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبَابُ الصوف، ولم يكن عليهم غيرُها- لجلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ حتى بلغ (٣): ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ يهدِّدهم (٤) بالنار، فقام النبي ﷺ يلتمِسهم حتى أصابهم في مؤخَّر المسجد يذكرون اللَّه تعالى، فقال: "الحمد للَّه الذي لم يُمِتْني حتى أمرني أن أَصبِرَ نفسي مع رجالٍ من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات" (٥). وعن الحسن: أن مشركي العرب كانوا يقولون للنبي ﷺ : إن أردتَ أن نجالسك فاطردْ عنا هؤلاء فإنَّا قوم لنا أخطار وأحساب، فأنزل اللَّه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾.

стр. 4806

وقد ذكرنا طرقًا أخرى في هذا (١) في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾؛ أي: احْبِس نفسك معهم ولا تطردهم بقول المشركين، فهم أحقُّ بمجالستك إذ هم يَدْعون ربهم بالغداة والعشي ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: قاصدينَ التوجُّه (٢) إليه طالبين رضاه، وقد فسَّرنا الدعاء ومعنى الغداةِ والعشيِّ في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: أي: ولا تُجاوِزْ عيناك عنهم إلى أولئك. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هو على الحال، وتقديره: تريد التزيُّن والتجمُّل بأولئك الأغنياء الأشراف. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾: أي: جعلناه غافلًا عن ذكرنا، ودلَّ هذا على خلقِ اللَّه تعالى أفعال العباد. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي: عبَد ما استحسَنه من الأصنام بهوَى نفسِه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: قال أهل اللغة: أي: مجاوِزًا فيه الحدَّ، بمعنى المفعول، وهو من الإفراط، وكذلك قال الكلبي: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: إفراطًا كما أَفرط عيينةُ وأصحابه، قالوا: إنَّا رؤوسُ مضرَ إنْ نُسْلِمْ يُسْلِمِ الناس (٣). قال أبو عوسجة: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: تفريطًا (٤)؛ أي: تقصيرًا.

стр. 4807

قال القُتَبيُّ: ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: سَرَفًا، وأصله: العجلة والسَّبق، يقال: فَرَطَ منه قولٌ قبيح؛ أي: سبَق، وفرسٌ فُرُطٌ؛ أي: متقدِّم (١). وقال مجاهد: ضَياعًا (٢). وقال قتادة: حَفِظَ ماله وأضاع دِينه (٣). وقال خبَّابٌ: ﴿فُرُطًا﴾: هلاكًا (٤). وقيل: ندامةً. وقال أبو مسلم: أي: عجلة (٥). وقال محمد بن جرير: وكان أمره في الكِبْر (٦) واحتقارِ أهل الإيمان سَرَفًا قد جاوز حدَّه (٧).

стр. 4808

وقال الصنعاني: أفرط في مسألته، وأحبَّ أن يرتفع عند اللَّه تعالى بغيرِ تقوى (١). وقال الإمام القشيري ﵀ في الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ولم يقل: قلبك؛ لأن قلبه كان مع الحقِّ، فأمره بصحبة الفقراء جهرًا بجهرٍ، واستخلص قلبه لنفسه سرًّا بسرٍّ. وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا دنياهم بكرائمها ولا عقباهم بعظائمها (٢). وقال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لمَّا نظروا بقلوبهم إلى اللَّه أمر رسوله بأن لا يرفع بصره عنهم، وهذا جزاؤهم في العاجل، كأنه قال: جعلنا نظرَك إليهم اليوم ذريعة لهم إلينا، وخلفًا عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تقطع عنهم اليوم نظرك إليهم فإنَّا لا نمنع غدًا نظرهم إلينا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؛ أي: شغلناهم فيما لا يعنيهم. وقيل: أنسيناهم ما فاتهم منَّا حتى لم (٣) يتحسَّروا على ذلك. وقالوا: من أمارات الغفلة: طولُ الأمل، وسوءُ العمل، والتعريجُ في أوطان الكسل. وقيل: هي تزجيةُ الوقت في (٤) غير قضاء فرضٍ وأداء نفلٍ (٥). * * *

стр. 4809

(٢٩) - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: وقلْ لهؤلاء: الحقُّ من ربكم جاء (١)، وهو الإيمان به، فلا ينبغي أن يُنظَر ضعفُ أهله وفقرُهم، بل يُعرَف هو بنفسه لا بأهله. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾: أي: فقد بان الحقُّ فليَختَرِ امرؤٌ (٢) لنفسه ما يشاء من الإيمان به والكفر به، على علمٍ بأن مَن كفر فجزاؤه ما ذكرناه في هذه الآية، ومَن آمن فجزاؤه ما ذكرناه في الآية التي بعدها، وهذا صيغتُه صيغةُ أمرٍ وفي الحقيقة هو أشدُّ تهديدًا وأبلغ زجرًا. وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو الأمر بالصبر مع هؤلاء. وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو الوعد والوعيد المذكوران في هذه الآية والتي بعدها. وعن ابن عباس ﵄ قال: معناه: مَن شاء اللَّه له الإيمانَ آمن، ومَن شاء اللَّه له الكفرَ كفَر، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] (٣). وقولُه: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ على هذا صيغةُ أمرٍ بمعنى الخبر؛ كما روي: "إذا لم تستَحْيِ فاصنعْ ما شئتَ" (٤)؛ أي: صنعتَ ما شئتَ.

стр. 4810

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾: أي: هيَّأنا لمن ظلم نفسَه فكفَر نارًا، وهي الجحيم. ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: هو ما أحاط بالبناء من الستر والحائط ونحوِ ذلك، أَخبر أن للنار شبَهًا بذلك يحيط بهم من كلِّ وجهٍ؛ أي: لا مخلص لهم منها ولا مخرج، ولا فُرجة يتفرَّجون بالنظر إلى ما وراءها. وقال ابن عباس ﵄: هو حائط من نار (١). وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بهم كالحظيرة (٢). وروى معمر عن الكلبي: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾: أي: من العطش ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال ابن مسعود ﵁: هو كلُّ شيء أُذيب حتى ماع. وقال مجاهد: هو القيح والدمُ الأسود. وقال ابن عباس: هو ماء غليظ كدُرْديِّ الزيت. وقال سعيد بن جبير: هو الذي انتهى حرُّه (٤).

стр. 4811

وقال أبو أمامة الباهليُّ عن النبيِّ ﵇ قال: "يُقرَّب إليه فيكرهه، فإذا أُدني منه شَوَى وجهه ووقعت فروةُ رأسه، فإذا شرب قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول اللَّه تعالى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ " (١). وقوله تعالى: ﴿يُغَاثُوا﴾؛ أي: يؤتَوا بماءٍ كالمهل مكانَ ما يغاث به المستغيث (٢) من العطش، وهو مجازٌ كقول الشاعر: تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ (٣) وكقول آخر: ليس بيني وبين قيسٍ عتابٌ... غيرَ طعنِ الكُلَى وضربِ الرِّقابِ (٤) وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾: أي: هذا المهلُ بئس الشرابُ (٥). ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: أي: ساءت النارُ مجتمَعًا للرُّفقة، لأن قرناءهم الشياطينُ والكفار الملاعين.

стр. 4812

قال مجاهد: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: مجتمَعًا (١). وقال أبو عبيدةَ: متكَأً، من الرفق؛ قال أبو ذؤيب: بات الخليُّ وبتُّ الليلَ مرتفِقًا... كأن عينيَ فيها الصَّابُ مذبوحُ (٢) وهو مجازٌ، كأنه قال: بئس موضعُ طلبِ الراحة؛ كما قال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]. وقيل: هو من الاررتفاق الذي (٣) هو الانتفاعُ، والمرتفَق: موضع الانتفاع، وهو مجازٌ أيضًا؛ كأنهم طلبوا الشراب لينتفعوا به ويُبرِّدوا ظمأهم فسُقوا هذا مكانَ ما طَلبوا. * * * (٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: جوابه ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ بالهاء العائدة، واعتَرض بينهما: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. وقيل: جوابه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: لكن يُضْمر فيه: منهم؛ أي: مَن أَحسنَ منهم، فتعود الهاء إلى المبتدأ. وقيل: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ بدلٌ عن المبتدأ الأول، والجواب له، فيكون جوابًا للأول تقديرًا (٤)، وهو كقول الشاعر:

стр. 4813

إنَّ الخليفة إنَّ اللَّه سَرْبَلَه... سربالَ مُلْكٍ به تُرجَى الخواتيمُ (٥) يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: بالحقِّ الذي جاءهم من ربهم. * * * (٣١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: إقامةٍ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: تحت قصورهم وأشجارهم وسُرُرهم، وقيل: بأمرهم. وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾: أي: في الجنان. ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: جمع سوارٍ؛ يقال: سِوَار، ويجمع: أَسْوِرة، ويجمع الأسورة: الأساور، وهي حليةٌ تلبس في اليد. وقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: السُّندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غَلُظَ منه، وأصله فارسيٌّ معرَّبُ استَبْرَه، قال المرقِّش: ترَاهُنَّ يَلْبَسْنَ المشاعرَ مرَّةً... وإستبرَقُ الدِّيباجِ طورًا لباسُها (٦) وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصبٌ على الحال ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في جنات عدن. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السرير في الحَجَلة (٧)،

стр. 4814

لا يسمَّى أريكةً إلا أن يكون كذلك، والحجلة: السِّتر والكِلَّة (١). وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾: أي: الجزاء ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: وحسُنت الجنة مجتمَعًا للرفقاء، كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وقيل: وحسُنتِ الأرائك متكأً، كما مر (٢). وقال القشيري ﵀: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: مَن خَطَا خطوةً إلينا وجَد حظوةً لدينا، مَن نقل إلينا قَدَمه غفرنا له ما قدَّمه، مَن التجأ إلى سُدَّة (٣) كرمنا آويناه إلى ظلِّ نِعمنا، مَن شكا فينا قليلًا (٤) مهَدنا له في دارِ (٥) فضلنا مَقيلًا. وقال (٦): ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾؛ أي: غاب عن رؤية إحسانه. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: هم أصحاب الجنان في رغدِ العيش، وسعادةِ الجَدِّ، وكمالِ الرِّفد، يلبسون حُلل الوُصلة، ويتوَّجون بتاج القُربة، ويحلَّون بحُليِّ المباسَطة، يتَّكئون (٧) على الأرائك الرَّوح (٨)، ويشمُّون رياحين الأُنس، يقيمون في حِجال الزُّلفة (٩)، يُسقون شراب المحبة، يأخذون بيد الزُّلفة ما يُتحفهم الحق [به]

стр. 4815

من غير واسطة، يسقيهم (١) شرابًا طهورًا يطهِّر قلوبهم عن محبة كلِّ مخلوق، نِعْمَ الثوابُ ثوابُهم، ونِعْمَ الربُّ ربُّهم، ونِعْمَ الدارُ دارُهم، ونِعْمَ الجارُ جارُهم، ونِعْمَ الحالُ حالُهم (٢). * * * (٣٢) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾: هذا (٣) تأكيدُ ما سبق من النهي عن تركِ الإقبال على ضعفاء المؤمنين، والتجاوُزِ عنهم إلى أقوياء المشركين، وتعليمٌ للناس صحبةَ أهل الخير والدِّين. وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾؛ أي: صِفْ يا محمد شَبَهًا ﴿رَجُلَيْنِ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَثَلًا﴾، وكانا أخوين أحدهما مسلم والآخر كافر. ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾: وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾؛ أي: بستانَين فيهما أعناب ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ أي: كان يحيط بهما نخل. وقال أبو عبيدة: أي: أَطَفناهما من جوانبهما (٤)، وهو من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ أي: محيطين به، والحِفَاف: جانب الشيء، وحفَّ به القوم؛ أي: صاروا في أَحْفِيَة جمع حِفَافٍ، ودل على فضل العِنب

стр. 4816

على الرُّطَب، حيث جعل النخل محيطةً بها، والمحاطُ به هو المقصود والأصل (١) وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: أي: بين الجنتين أرضًا مزروعة. * * * (٣٣) - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾: أي: كلُّ واحدة منهما ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾: أي: أعطت ثمرها، ويجوز في الكلام: آتتا أكلهما، وهو ككلمة (كلّ) تضاف إلى الجمع فيُفرد فعلُها ويجمع، قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: لم تنقص من الأكُل شيئًا؛ أي: الثمر. وقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾: أي: سيَّلنا ﴿خِلَالَهُمَا﴾: بينهما ﴿نَهَرًا﴾؛ أي: نهرًا كبيرًا، ويجوز أن يكون بمعنى الأنهار ووُحِّد لأن السواقيَ تتشعَّب من نهرٍ كبيرٍ واحد. وقرأ يعقوب: ﴿وفجَرنا﴾ بالتخفيف (٢)؛ لأن النهر واحد، والباقون بالتشديد لِمَا قلنا. * * * (٣٤) - ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾: قرأ أبو عمرٍو بضم الثاء وتسكين الميم، وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وقرأ الباقون بضم الثاء والميم (٣).

стр. 4817

فمَن فتحهما: فهو الثمر المعروف الذي يكون على الشجر، ويجوز أن يكون جمعَ ثمرة كالشجر جمع شجرة ﴿وَكَانَ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الكافر في جنته كلُّ ثَمَرٍ. وأما الضم: فقد قال الكسائي: هو جمعُ جمعٍ، يقال: ثمرةٌ وثمارٌ وثُمُرٌ، وهو كالحمار والحمُر، ثم يخفَّف ويثقَّل كما في الكتب (١). وقال غيره: ويجوز أن يكون بالضم جمعًا للثَّمَر بالفتح؛ كالخَشَب والخُشُب، وبالسكون كالأَسَد والأُسْد. وقيل: (الثُّمُر) بالضم هو المال المثمَّر. وقال مجاهد والسديُّ وقتادة: أي: كان له الذهب والفضة وكلُّ مالٍ، وكذا كان ابن عباس ﵄ يقرأ بالضم ويقول: هذا (٢) أنواع المال (٣). وقال أبو عمرٍو: الثُّمْر: المال والولد، وأنشد للحارث بن حلِّزة: ولقد رأيتُ معاشرًا... قد ثمَّروا مالًا ووُلْدًا (٤) وقال النابغة: مهلًا فداءٍ لك الأقوامُ كلُّهم... وما أثمِّرُ من مالٍ ومن ولدِ (٥)

стр. 4818

فحملتْه كثرةُ المال على الطغيان وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾: أي: لأخيه المسلم ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجعه الكلامَ، والحَورُ: الرجوع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٤ - ١٥]. وقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: أي: أمنعُ أصحابًا، والنَّفَر: عشيرةُ الرجل وأصحابُه الذين يقومون بالذبِّ عنه، ويَنفِرون إلى عدوِّه الذي يقصده. * * * (٣٥) - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. ﴿وَدَخَلَ﴾: أي: هذا الكافر ﴿جَنَّتَهُ﴾؛ أي: بستانَه ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ استعان بنِعم اللَّه على الكفر به وجحودِ قدرته على البعث. قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾: أي: ما أحسبُ أن هذه الجنة تهلكُ قطُّ. وقيل: ﴿هَذِهِ﴾ إشارةٌ إلى الدنيا ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾؛ أي: تفنَى هذه الدنيا ﴿أَبَدًا﴾. * * * (٣٦) - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: أي: ولا أحسب البعث وما تَذكُر من الحساب والثواب والعقاب مما يكون.

стр. 4819

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾: ولئن كان الأمر كما تصف أنه كائن ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾؛ أي: منصَرَفًا، يعني: يعطيني اللَّه تعالى في الآخرة أفضلَ من هاتين الجنتين. قيل (١): ظنَّ أنه أُوتي الدنيا بمحلٍّ له عند اللَّه، فكذلك يؤتى في الآخرة كذلك (٢). وقيل: ظنَّ أنه كما تهيَّأ له أن يكتسب ما اتَّخذ به هذه الجنة في الدنيا، يتهيَّأ له ذلك في الآخرة. والأول أوجهُ. دلَّ هذا على أنه كان شاكًّا في البعث، والشاكُّ في البعث كافرٌ كالقاطع بنفيه، وكذلك في كلِّ ما يعتقد، وفي مصاحف أهل الحرمين: ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ (٣) رجوعًا إلى الجنتين، وقراءة العامة: ﴿مِنْهَا﴾ مهو رجوعًا إلى قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، ويحتمِل أنهما كانتا جنتين متَّصلتين، فيصح أن تسمَّى جنةً وتسمَّى جنتين. * * * (٣٧) - ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾؛ أي: أخوه المؤمن (٤) ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ أي: خلق آدم الذي هو أصلُك من تراب.

стр. 4820

﴿ثُمَّ﴾ خلقك (١) ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: أبيك ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؛ أي: جعَلَك (٢) من النطفة مع مهانتها وضعفها رجلًا سويًّا بنقله إياك من النطفة إلى العلَقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظم، ثم كساك (٣) لحمًا، ونفخ فيك الروح فأخرجك من المواتيَّة إلى الحيوانيَّة (٤)، ثم من الطفولية إلى أن صرتَ رجلًا. فاحتج المؤمن على الكافر بهذا، وأراد به أن ما أقرَّ به من قدرة اللَّه تعالى هو أعجبُ وأبدع مما أنكره من البعث والإعادة. قال الكلبيُّ: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يجادلُه؛ كما قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]. وقال الصَّنعاني: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾: يسأله عن ماله وفيما أنفقه، وهو يقول: أنفقتُه في طاعة اللَّه رجاءَ ثوابه (٥). * * * (٣٨) - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾: قرأ نافع في رواية المسيَّبيِّ وابنُ عامر: ﴿لَكِنَّا﴾ (٦).

стр. 4821

وروى ورشٌ عن نافعٍ بغير ألف في الوصل كقراءة سائر القراء السبعة، ولم يختلفوا في الوقف أنه بالألف، وأصله: لكنْ أنا، تُركت همزةُ (أنا) فالتقت نونان، فأدغمت إحداهما -وهي الأولى- في الأخرى وحذفت الألف الأخيرة كما حذفت في التكلُّم، فإنك تقول: أنا، فلا تتكلم بالأخيرة (١). وقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾: أي: الذي خلقني من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم سوَّاني رجلًا هو اللَّه ربي يصرِّفني كيف يشاء، إن شاء أغناني وإن شاء أفقرني. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾: أي: لا أرى الفقرَ والغنى إلا منه، ولا أراه من نفسي ولا من غيري من خلقه، ويحتمِل أن أخاه الكافرَ كان عابدَ صنمٍ، فنفَى عن نفسه ذلك. * * * (٣٩) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا﴾: أي: هلا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ إذ دخلت بستانك (٢): ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: وله إضمار في أوله وآخره، أما في آخره: ما شاء اللَّه كان، وأما في أوله: هذا ما شاء اللَّه؛ أي: حصل هذا بمشيئة اللَّه، و ﴿مَا﴾ هاهنا بمعنى الذي. وقوله تعالى: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أي: ما قدرتَ على تحصيله إلا بعون اللَّه.

стр. 4822

وروى أنس عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن رأى شيئًا يعجبُه فقال: ما شاء اللَّه لا قوةَ إلا باللَّه، لم يضرَّه" (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾: ﴿أَنَا﴾ عمادٌ للنون في (تَرَن) (٢)، ومحلُّه نصبٌ لأنه مفعولٌ، و ﴿أَقَلَّ﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقوله تعالى: ﴿وَوَلَدًا﴾ دليلٌ على أن المراد من قولِ أخيه: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾؛ أي: أعوانًا من الأولاد وغيرهم. * * * (٤٠) - ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. يقول: إن كنتَ تراني الآن أقلَّ ما لًا وولدًا وأنصارًا منك في الدنيا الفانية ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الآخرة الباقية، ويحتمِل: في الدنيا؛ أي: يعطيني كما أعطاك. وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾: أي: على جنتك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: عذابًا. وأصل الحسبان: المرامي (٣) والنَّبلُ الصِّغار، وكأنه قال: سهامًا من السماء، سُمِّيت حُسبانًا لأنها نَبلٌ معدودةٌ محسوبة تجمع فتُرمَى بمرَّة.

стр. 4823

قال ابن عباس وقتادة: ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: عذابًا (١). وقيل: نارًا تُحرقها. وقال السدِّي: بردًا. وقال الزجَّاج: ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: عذابًا هو حسبانُ ما كسبتْ يداك؛ لأن الحسبان هو الحساب (٢). وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾: أملسَ لا نبت عليها، والصعيد: وجه الأرض، والزَّلَق: الذي تَزِلُّ عليه القدم لملوسته، و (تُصبح) دليلٌ على أن الحسبان يأتي ليلًا (٣)، وهو كقوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠]. * * * (٤١) - ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾: أي: غائرًا في الأرض فتيبسَ (٤) ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾: أي: لا تقدر أن تطلبه فتردَّه إلى موضعه. * * * (٤٢) - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾: تحقَّق ما ظنه الأخ المسلم، واجتيحت ثمار

стр. 4824

جنَّته (١) ليلًا؛ أي: استؤصلت بآفة، وقيل: أُهلك ماله كلُّه: الجنانُ وغيرُ ذلك من أمواله (٢). قال مجاهد: بثمره من ذهبٍ وفضةٍ وكلِّ شيء يملكه (٣). وقال الضحاك: أحاط به أمر اللَّه فهلك. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾: أي: إحداهما على الأخرى، يعني: الكافر. وقال قتادةُ: يَصْفقُ كفيه ندَمًا (٤). ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: قال الكلبيُّ: أي: ساقطةٌ على سقوفها، وذلك أنه يقع الحيطان أولًا قبل السقف، ثم يقع السقف على الحيطان، والخَواء: السقوط؛ قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. وقال السدِّي: ساقطةٌ على سقوفها (٥)؛ أي: سقطت الأشجار على السُّقُف (٦). وقال أبو عبيدةَ: أي: خاليةٌ على بيوتها (٧)، فالخواء (٨): الخلاء، والعُروش البيت.

стр. 4825

وقال الخليل: خَوَتِ الدار: أي: باد (١) أهلها وهي قائمةٌ بلا عامرٍ (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾: أي: لمَّا رأى قدرة اللَّه تعالى ندم على شركه. وقيل: معناه: ليتني رأيت هذه النعمَ من اللَّه، وبقوَّته لا بقوتي. * * * (٤٣) - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾: أي: لهذا الكافر فرقةٌ يرجع إليهم ويلتجئُ بهم. ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾: أي: يمنعون عنه عذاب اللَّه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من المخلوقين، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غيرِ اللَّه؛ أي: لا نصرة إلا منه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: أي: لم ينصره غيرُه، ولا انتصَر بنفسه (٣). وقيل: لم يكن له ناصرٌ فينتصِرَ بنُصرته. وفي قراءة حمزة والكسائي: ﴿ولم يكن له فئة﴾ بياء التذكير؛ لتقدُّم الفعل ولوجود الحائل، وفي قراءة الباقين بتاء التأنيث لأنه فعل الفئة (٤). * * *

стр. 4826

(٤٤) - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: قرأ حمزة: ﴿الوِلاية﴾ بكسر الواو والباقون بفتحها (١)، وهما (٢) لغتان كالرَّضاعة والرِّضاعة؛ قاله الفراء (٣). وقيل: بالكسر: السَّلطنة، وهي مصدرُ الوالي، وبالفتح: مصدرُ الوليِّ. ومعنى الفتح؛ أي: في مثلِ ذلك الوقت والمقام، فإن هنالك لهما جميعًا تكون الموالاةُ للَّه (٤)، يوالي أولياءه ويُعليهِم على أعدائه. وقيل: أي: يتولَّى إعزازَهم ونصرهم، ويَكِلُ الكفارَ إلى أنفسهم وأعوانهم. وقيل: أي: هنالك يتولَّى العبدُ اللَّهَ (٥)، فيرجعُ إليه ويعتصِم به دون خلقه. ومعنى الكسر: هنالك المُلك والسلطان والقهر والغلبة ونفاذ الأمر له وحده. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿الحقُّ﴾ رفعًا صفةٌ للولاية، وقرأ الباقون خفضًا صفةٌ للَّه (٦)، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾: أي: في الآخرة لمن آمَن به والتجأ إليه. وقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾: أي: عاقبةً لمن رجاه وعَمِل لوجهه.

стр. 4827

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي: ﴿عُقْبًا﴾ مثقَّلةً، وقرأ عاصم وحمزة: ﴿عُقْبًا﴾ مخفَّفةً (١)، وهما لغتان كالشُّغْل والشُّغُل. وقيل: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامة وجزاءِ الأخوين فيه. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: بلغَنا أنهما كانا أخوين ورِثا مالًا، فأصاب كلّ واحد منهما أربعةَ آلاف دينار، فأما أحدهما فاتَّخذ بها الأرضِينَ والدُّورَ والبساتين، وأما الآخر فأعطَى ماله في (٢) اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلما نفدَ ماله واحتاج إلى أخيه تعرَّض له يسألُه، فقال له أخوه: وأين مالك؟ فقال: أقرَضْتُه ربي وقدَّمْتُه لنفسي، قال: ولكنِّي اتخذتُ به لولدي ونفسي، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ و ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ وولدًا ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، فكان بينهما ما قصَّه اللَّه تعالى في كتابه، وهما الرجلان اللذان ذكرهما اللَّه تعالى في الصافات: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٢] (٣). وروي أنهما كانا في بني إسرائيل (٤). وقيل: كانا ابني ملك في بني إسرائيل.

стр. 4828

وقيل: ضرب اللَّه مثلًا لرجلين أخوين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمنٌ (١) وهو أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد ياليل، واسمه: عبد اللَّه، وكان (٢) زوجَ أم سلمة قبل النبيِّ ﷺ ، والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل، برجلين من بني إسرائيل أخوين (٣) أحدهما مؤمن والآخر كافر. قال ابن عباس ﵄: المؤمن منهما يهوذا والكافر قطروس (٤)، وسياق القصة على ما مر. * * * (٤٥) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يتَّصل بما تقدم من قصة المشركينَ المتكبرين على فقراء المؤمنين. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: وبيِّن لهم يا محمد ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ شَبَهَ الحياة الدنيا التي يفتخرون بها ويترفَّعون بها على فقراء المؤمنين ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: أي: هي كمطرٍ أنزلناه من السحاب (٥) ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ

стр. 4829

الْأَرْضِ﴾؛ أي: سقَى المطرُ النبات فالتزَق به فربَا (١) النباتُ واهتزَّ وحَسُنَ منظرُه، ثم انقطعت المادةُ من ذلك المطر عنه فيبس ثم تفتَّت. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾: أي: صار مهشومًا مكسورًا مفتَّتًا. وقوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تقلِّبه وتطيِّره (٢) وترميه، وقد ذَرَتْه الريحُ تَذْروه ذَرْوًا، وذَرَّتْه تَذْريَةً، وأَذْرَتْه تُذْرِيهِ إذْراءً. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾: يُنشئه ويُنميه إذا شاء، ثم يفتِّته ويكسره إذا شاء، يعني: ما ينال الإنسانُ من هذه الدنيا من عزِّها وغَنائها زائلٌ عن قريبٍ؛ كهذا (٣) النباتِ الحسن الذي يَرُوق ثم يَفنى ويزول، فما ينبغي للعاقل أن يثق ويفتخرَ بها ويتكبَّر بنَيلها (٤). وفي قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ وجهٌ آخر: وهو أن اختلاط النبات التفافُه وكثافتُه؛ أي: الْتفَّ النبات وكثُف ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسببه. ووجهٌ آخرُ: وهو أن الاختلاط اختلافُ الألوان من أبيضَ وأحمرَ وأصفرَ وأخضر، وهو كقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]. وتتصل هذه الآية بما قبلها من وجه آخر: وهو أن ذلك الأخ الكافر قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ فبيَّن أنها تصير هشيمًا، فكذا سائر الدنيا.

стр. 4830

(٤٦) - ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: تَتزيَّن بها وتَتجمَّل مدةً قليلة، ثم تزول وتنقضي. وقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: أي: أعمالُ الخير هي باقياتٌ لبقاء أجرها ونفعها، وصالحاتٌ لانتفاء الفساد عنها. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾: أي: ثوابُها وما يؤمَّل بها خير من المال والبنين. وعن ابن عباس ﵄ وابن مسعود ومحمد بن كعب وسعيد بن جبير ومسروق وعمرو بن شرحبيل: هن الصلوات الخمس، وهن الحسنات يذهبن السيئات (١). وقال سعيد بن جبير: الباقيات الصالحات هن: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والحج إلى الحج. وقال ابن عباس في رواية -وهو قولُ عثمان بن عفَّان وابنِ عمر ومجاهدٍ وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيِّب ﵃: هن سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (٢).

стр. 4831

وعن النبيِّ ﷺ في طرق كثيرة أنه فسرها بذلك، فمنها ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "استكثِروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هن يا رسول اللَّه؟ قال: "التسبيحُ والتحميدُ والتهليلُ والتكبيرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّه" (١). ومنها: ما روى (٢) أنس ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال لأصحابه يومًا: "خذوا جنَّتكم من النار وقولوا: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، هن المعقِّبات، وهن المنجِيات، وهنَّ سراج (٣) في الخيرات، وهنَّ الباقياتُ الصالحات" (٤). وفي حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ زيادة وهي: "هنَّ يَحْطُطْنَ الخطايا كما تَحطُّ الشجرةُ ورقَها، وهنَّ الباقياتُ الصالحات، وهنَّ من كنوز الجنة" (٥). وقال الضحاك ﵀: الباقيات الصالحات هي (٦) الفرائض.

стр. 4832

وقال ابن عباس ﵄ في رواية: هن الكلام الطيب (١). وفي رواية عنه: هن جميع الأعمال الحسنة (٢). * * * (٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾: قرأ أهل الكوفة: ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنون و ﴿الْجِبَالَ﴾ بالنصب إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه أنه يفعل كذا، وقرأ الباقون: ﴿تُسيَّرُ﴾ بالتاء وفتحِ الياء وضمِّ ﴿الجبالُ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعله (٣). ثم ذكر القيامة وما فيها من الأهوال والأفزاع، ومجيءِ الناس يومئذ منفردينَ عن الأموال، مَجزيِّين على الأعمال، نهيًا لهم عن التكبُّر والترفُّع على الفقراء والضعفاء بالثروة وحُسن الأحوال، فقال: (يومَ تسيَّر الجبال)؛ أي: واذكر لهم يا محمد يوم ننسفُ الجبال عن مواضعها ونسيِّرُها في الهواء؛ كما قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذه أحوالٌ متعاقبةٌ تظهر في الجبال يومئذ: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترُها من جبلٍ أو شجرٍ أو حجر. وقيل: أبرزنا (٤) ما في بطنها من الموتى.

стр. 4833

وقيل: لا مستَتَر فيها. وقيل (١): لا متفيَّأ فيها. وقيل: أي: ترى أهل الأرض بارزين. وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾: أي: جمعناهم بعد الموت (٢) للحساب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: أي: لم نَترك أحدًا من الأوَّلين والآخِرين لم نُحضره، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل. * * * (٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا﴾: أي: يُعرضون ﴿عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ قيل: صفًّا واحدًا. وقيل: صفوفًا، ويؤدي الواحد عن الجمع؛ كما قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: أطفالًا. وقيل: صفٌّ بعد صفٍّ مستديرين كصفوف المصلِّين (٣) حول الكعبة. وقال الكلبيُّ والصنعانيُّ: صفًّا بعد صفٍّ؛ أي: جميعًا (٤). وقيل: ﴿صَفًّا﴾؛ أي: قيامًا، كما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: قيامًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ (٥): أي: يقال للمشركين المفتخرين بالأموال على

стр. 4834

الفقراء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في بطون أمهاتكم حفاةً عراةً بلا أموالٍ ولا أولادٍ ولا أعوانٍ. ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: قال أبو عبيدة: إن العرب إذا كانوا في كلامٍ فأرادوا الأخذَ في غيره بدؤوه بـ (بل)، تقديره: ولقد جئتُمونا كما خلقناكم أولَ مرةٍ بعد تعزُّزكم (١) بالأموال والأولاد، وتكبُّركم على الفقراء، فأين تلك الأموالُ والأولاد، دعوا هذا فقد كنتُم تقولون شرًّا من هذا: لا بعثَ ولا نشورَ ولا موعدَ، وهو ميقاتٌ يبعث (٢) فيه. * * * (٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: أي: ويوضع كتاب كلِّ إنسان في يده، وهو واحد أريد به الجمع لأنه جنس. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المذنِبينَ، وقيل -هو قول السديِّ-: أي: المشركين (٣). وقوله تعالى: ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: أي: خائفين مما في الكتاب. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾: لمَّا رأوا أعمالهم محصاةً عليهم فيه، وعلموا

стр. 4835

أنهم مجازَون بها (١)، نادَوا بالويل والثُّبور ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ وهي (٢) لفظة تعجُّب. وقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: أي: لا يتركُ فعلةً دقيقةً ولا فعلةً جليلةً (٣) إلا أثبتها بقَدْرها (٤). قال السدِّي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك (٥). وعن ابن عباس ﵄: الصغيرة التبسُّم، والكبيرة القهقهة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾؛ أي: في الكتاب ذكرُه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: أي: لا يعاقب بغيرِ ذنبٍ، ولا ينقص ثوابَ طاعةٍ * * * (٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: أي: واذكر يا محمد قصةَ آدم وإبليس إذ أمرناه بالسجود لآدم في جملةِ مَن أمرناهم بالسجود له من الملائكة، فسجدوا إلا إبليس فإنه فسق عن أمر اللَّه تعالى؛ أي: خرج بتكبُّره
следующие страницы →