← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وعن النبيِّ ﷺ في طرق كثيرة أنه فسرها بذلك، فمنها ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "استكثِروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هن يا رسول اللَّه؟ قال: "التسبيحُ والتحميدُ والتهليلُ والتكبيرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّه" (١). ومنها: ما روى (٢) أنس ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال لأصحابه يومًا: "خذوا جنَّتكم من النار وقولوا: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، هن المعقِّبات، وهن المنجِيات، وهنَّ سراج (٣) في الخيرات، وهنَّ الباقياتُ الصالحات" (٤). وفي حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ زيادة وهي: "هنَّ يَحْطُطْنَ الخطايا كما تَحطُّ الشجرةُ ورقَها، وهنَّ الباقياتُ الصالحات، وهنَّ من كنوز الجنة" (٥). وقال الضحاك ﵀: الباقيات الصالحات هي (٦) الفرائض.

стр. 4832

وقال ابن عباس ﵄ في رواية: هن الكلام الطيب (١). وفي رواية عنه: هن جميع الأعمال الحسنة (٢). * * * (٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾: قرأ أهل الكوفة: ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنون و ﴿الْجِبَالَ﴾ بالنصب إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه أنه يفعل كذا، وقرأ الباقون: ﴿تُسيَّرُ﴾ بالتاء وفتحِ الياء وضمِّ ﴿الجبالُ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعله (٣). ثم ذكر القيامة وما فيها من الأهوال والأفزاع، ومجيءِ الناس يومئذ منفردينَ عن الأموال، مَجزيِّين على الأعمال، نهيًا لهم عن التكبُّر والترفُّع على الفقراء والضعفاء بالثروة وحُسن الأحوال، فقال: (يومَ تسيَّر الجبال)؛ أي: واذكر لهم يا محمد يوم ننسفُ الجبال عن مواضعها ونسيِّرُها في الهواء؛ كما قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذه أحوالٌ متعاقبةٌ تظهر في الجبال يومئذ: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترُها من جبلٍ أو شجرٍ أو حجر. وقيل: أبرزنا (٤) ما في بطنها من الموتى.

стр. 4833

وقيل: لا مستَتَر فيها. وقيل (١): لا متفيَّأ فيها. وقيل: أي: ترى أهل الأرض بارزين. وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾: أي: جمعناهم بعد الموت (٢) للحساب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: أي: لم نَترك أحدًا من الأوَّلين والآخِرين لم نُحضره، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل. * * * (٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا﴾: أي: يُعرضون ﴿عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ قيل: صفًّا واحدًا. وقيل: صفوفًا، ويؤدي الواحد عن الجمع؛ كما قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: أطفالًا. وقيل: صفٌّ بعد صفٍّ مستديرين كصفوف المصلِّين (٣) حول الكعبة. وقال الكلبيُّ والصنعانيُّ: صفًّا بعد صفٍّ؛ أي: جميعًا (٤). وقيل: ﴿صَفًّا﴾؛ أي: قيامًا، كما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]؛ أي: قيامًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ (٥): أي: يقال للمشركين المفتخرين بالأموال على

стр. 4834

الفقراء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في بطون أمهاتكم حفاةً عراةً بلا أموالٍ ولا أولادٍ ولا أعوانٍ. ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: قال أبو عبيدة: إن العرب إذا كانوا في كلامٍ فأرادوا الأخذَ في غيره بدؤوه بـ (بل)، تقديره: ولقد جئتُمونا كما خلقناكم أولَ مرةٍ بعد تعزُّزكم (١) بالأموال والأولاد، وتكبُّركم على الفقراء، فأين تلك الأموالُ والأولاد، دعوا هذا فقد كنتُم تقولون شرًّا من هذا: لا بعثَ ولا نشورَ ولا موعدَ، وهو ميقاتٌ يبعث (٢) فيه. * * * (٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: أي: ويوضع كتاب كلِّ إنسان في يده، وهو واحد أريد به الجمع لأنه جنس. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المذنِبينَ، وقيل -هو قول السديِّ-: أي: المشركين (٣). وقوله تعالى: ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: أي: خائفين مما في الكتاب. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾: لمَّا رأوا أعمالهم محصاةً عليهم فيه، وعلموا

стр. 4835

أنهم مجازَون بها (١)، نادَوا بالويل والثُّبور ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ وهي (٢) لفظة تعجُّب. وقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: أي: لا يتركُ فعلةً دقيقةً ولا فعلةً جليلةً (٣) إلا أثبتها بقَدْرها (٤). قال السدِّي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك (٥). وعن ابن عباس ﵄: الصغيرة التبسُّم، والكبيرة القهقهة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾؛ أي: في الكتاب ذكرُه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: أي: لا يعاقب بغيرِ ذنبٍ، ولا ينقص ثوابَ طاعةٍ * * * (٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: أي: واذكر يا محمد قصةَ آدم وإبليس إذ أمرناه بالسجود لآدم في جملةِ مَن أمرناهم بالسجود له من الملائكة، فسجدوا إلا إبليس فإنه فسق عن أمر اللَّه تعالى؛ أي: خرج بتكبُّره

стр. 4836

ليعتبرَ هؤلاء المشركون بما أدَّاه إليه تكبُّره، ويعلموا أنهم يَفسُقون بتكبُّرهم أيضًا على فقراء المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قيل: هم جنس من الملائكة سُمُّوا به لاجتنانهم عن أعين الناس، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]؛ أي: الملائكةِ بقولهم: الملائكة بناتُ اللَّه، وهذا قول محمد بن إسحاق (١). وقال قوم: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: من خزَّان الجِنَان (٢). وقال سعيد بن جبير ﵁: كان من قبيلة يصوغون الحليَّ لأهل الجنة (٣). وقيل: بل كان من الجن الذين في الدنيا (٤)، وهم المذكورون في قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ونحوها من الآيات. وقد بينَّا الاختلاف بين العلماء في ذلك وحججَ الفريقين في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] أن هذا الاستثناء متصلٌ أم منقطع (٥)، وذكرنا القول المعتمد عليه في تلك السورة بحمد اللَّه تعالى. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار (٦)؛ أي: أتتولَّون إبليس وأولاده بالطاعة لهم والاقتداء بهم.

стр. 4837

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾: أي: أعداءٌ، والعدوُّ بمعنى الجمع، وهو كقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]. ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: أي: بئس إبليسُ وأولادُه الواضعونَ التولِّيَ غيرَ موضعه بدلًا عن اللَّه تعالى. وعن الشعبي ﵀ أنه قال: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك لعرسٌ (١) ما شهدتُه، ثم ذكرتُ (٢) قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ فقلتُ: لا تكون له (٣) ذريةٌ إلا من زوجةٍ (٤). وروى أبو العلاء عن مجاهد في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ قال: هم خمسةٌ: قسوط، ودليبو، وداموس (٥)، وثبر، والأعور، أما دليبو فصاحب الراية في الأسواق، وأما داموس فهو الذي في البيوت يأكل مع الناس إذا لم يسمُّوا، وأما ثبر فصاحبُ شقِّ الجيوب على المصائب؛ كقولهم: واثبوراه، وأما الأعور فصاحب الربا يعمِّي أكله على الناس، وأما قسوط فصاحب الكذب الذي لا أصل له (٦).

стр. 4838

(٥١) - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾: قال قتادة: أي: أعوانًا (١)، من قولك: اعتضَدْتُ به؛ أي: استعنتُ به. و ﴿عَضُدًا﴾ بمعنى الأعضاد (٢)، كما في قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، وفيه وجوه: قيل: ما أحضرتُ إبليسَ وذرِّيته ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لم أَحتجْ في خلقِ ما خلقتُه إلى شيء من عونهم وإشارتهم، فكيف يكونون شركاء لي. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾؛ أي: وما كنتُ لأعتضدَ في شيءٍ من تدبير خلقي بمن أعلمُ أنه لا يريد بهم خيرًا بل يريد إضلالهم. وقيل: هذا ردٌّ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، و: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ أي: إنهم مضلُّون لعبادي (٣)، وهم الجن، قال اللَّه تعالى خبرًا عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: المشركون كانوا يعبدون الشياطين؛ أي: لا أجعلُ لهم شفاعةً فلا يكونون عضدًا لهم، ويكون تقدير الآية: وما كنتُ متَّخذ المضلِّين عضدًا لهم (٤) يعتضدون بشفاعتهم مع أنهم مضلُّون.

стр. 4839

ووجهٌ آخر: ما أشهدتُ هؤلاء المشركين الذين يَنهون النبيَّ ﷺ عن مجالسةِ الفقراء والضعفاء ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لم أستعِنْ بهم في شيءٍ من خلقي ولا تدبيري (١)، بل هم مخلوقون أنا خلقتُهم من ماءٍ مَهين، وما كنتُ لأتَّخذهم وهذه حالُهم عضدًا؛ لأنَّهم مضلُّون فلا أعتضِد بهم في ديني (٢)، فلا تلتفتْ يا محمد إلى قولهم: لو أسلمنا أسلم الناس بإسلامنا، فأنا مستغنٍ وأنت عنهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وإن كان لا يُتصوَّر شهودُ الإنسان خلقَ نفسه للإعانة (٣)، لأنه مبالغة في النفي فلا يقتضي التصوُّر، وكأنه قال: ما خلقوا أنفسهم ولا أعانوا على خلق غيرهم. وقال محمد بن جرير: أي: ما أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعضٍ فأستعينَ به وبرأيه (٤)، بل انفردتُ بخلقِ جميع ذلك بغيرِ مُعين (٥)، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا يَلمِزْ بعضُكم بعضًا، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ أي: فلْيسلِّم بعضكم على بعضٍ. * * * (٥٢) - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.

стр. 4840

وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: قرأ حمزة: ﴿نقولُ﴾ بالنون والباقون بالياء (١). أي: ﴿وَ﴾ اذكر لهم يا محمد أحوالَهم وأحوال آلهتهم ﴿يومَ﴾ القيامة إذ ﴿يَقُولُ﴾ اللَّه لهم: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾؛ أي: ادعو ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركائي وعبدتُموهم دوني؛ أي: ادعوهم لينفعوكم ولينصروكم ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾؛ أي: ففعلوا ذلك ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إلى ما دعوهم إليه. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾: قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد ﵃: أي: مَهلِكًا (٢)، وقد وَبقَ وُبوقًا -من حدِّ ضرب وعلم جميعًا (٣) -: إذا هلك، وأوبَقه غيره: إذا أهلكه، وعلى هذا قول الكلبي: معناه: وجعلنا وصلهم هلاكًا، من قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ أي: وَصْلُكم، وتقديره: وجعَلْنا تواصُلَهم هلاكًا لهم بعد أن قدَّروا نفعَها وشفاعتَها. ويحتمِل أن يكون معناه: وجعلنا بينهم وبين آلهتهم من الشياطين مهالكَ (٤) بالنار والعذاب؛ أي: أدخلْنا كلَّهم (٥) النارَ: العابدين والمعبودين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقال مجاهد وابن جريج: ﴿مَوْبِقًا﴾: هو واد في جهنم (٦).

стр. 4841

وقال عمرٌو البِكالي: هو وادٍ عميقٌ يفصل بين أهل الجنة وأهل النار (١). وقال عكرمة: هو نهرٌ في النار على حافتيه حياتٌ مثلُ البغال (٢). يعني: جعلنا بينهم وبين معبودِيهم من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ ﵉ هذا الواديَ أو النهر، فهؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، يدعونهم فلم يستجيبوا لهم. وقال الحسن: ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي: عداوةً يوم القيامة (٣)؛ أي: يتلاعنون (٤) ويتبرأ بعضهم من بعضٍ، وهو من الهلاك أيضًا، فكأن الموبِقَ عداوةٌ مُهلِكةٌ على هذا. قال نِفطَويه: ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي: محبِسًا، يقا لى: أَوْبَقْتُه؛ أي: حَبَستُه، وقال النبيُّ ﷺ في المارِّين على الصراط: "ومنهم الموبَقُ بذنوبه" (٥)؛ أي: المحبوس. * * * (٥٣) - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾: أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها. وقيل: حين يُجاء بالنار لها تغيُّظٌ وزفيرٌ علموا أنها تأتيهم فتأخذهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: أي: مَعدِلًا.

стр. 4842

(٥٤) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: صرَّفنا القولَ في كلِّ نوع من الأمور، وأتينا فيها بضروب الأمثال، فضربنا مَثَل البعثِ بابتداء الخلق، وبإحياء الأرض بعد موتها، وضربنا مثَل الشرك بالشركاء المتشاكسِينَ ورجلًا سالمًا لرجل، وضربنا الأمثال للحق والباطل، والمثَلَ لمن اغتر بالدنيا وتعزَّز بزينتها من المال والولد. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾: أي: والمشركون مع هذه الأمثال يُكثرون الجدال من غير علم. وعن أبي زيد قال: هو خصومة القوم لأنبيائهم، وردُّهم عليهم ما جاؤوا به، وقرأ: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] الآيات ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] الآيات، وقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات (١). * * * (٥٥) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: أي: وأن يستغفروا، والهدى: القرآن، والاستغفار: التوحيد.

стр. 4843

يقول: لم (١) يمنع هؤلاء الكفارَ حين جاءهم الكتابُ الهادي إلى الرشد أنْ يؤمنوا به ويستغفروا لِمَا سلف من ذنوبهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: إلا التماسُهم أن ينزل عليهم من الآيات ما حُكمي في مثلها أنهم إذا لم يؤمنوا بها أنزلت عليهم عذاب (٢) الاستئصال الذي هو سنَّتي في الأولين، أضاف السُّنَّة إليهم لأنها سنَّة اللَّه فيهم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾: قرأ عاصمٌ بضمِّ القاف والباء وهي قراءةُ حمزة والكسائي أيضًا؛ جمع قَبيلٍ بمعنى: ضروب من العذاب، وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الباء (٣)، بمعنى: مقابَلةً ومعايَنةً. * * * (٥٦) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: أي: بهذا نرسل المرسلين لا بما التمسوه من الآيات التي تَضطرُّ إلى الإيمان، فلا يكون لها (٤) ثوابٌ ولا يقع به تبشير. وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: أي: إنما يقترح الكفار الآياتِ تعنُّتًا ومجادَلة بالباطل، وقصدًا منهم أن يُبطلوا بجدالهم الحقَّ الذي أنزله اللَّه تعالى.

стр. 4844

وقوله: ﴿لِيُدْحِضُوا﴾؛ أي: ليُزيلوا به الحقَّ من موضعه، من قولهم: دَحَضتْ رجله؛ أي: زَلِقتْ وزلَّتْ، ومكان دَحْضٌ؛ أي: زَلِق (١). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: أي: إنذارَهم مما يُهزأ به. * * * (٥٧) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: أي: ومَن أظلم لنفسه وعقله ممن وُعظ بالقرآن المعجز ولم يتَّعظ. وقوله تعالى (٢): ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: أي: عن التدبُّر فيها ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: بترك التدبُّر فيما قدَّم من سوء أعماله (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: أي: أغطيةً مانعةً من ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: يفهموه، وهو (٤) الخذلان لمَّا علم اللَّه اختيار الضلال منهم. وقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي: وجعلنا في آذانهم ثقلًا مانعًا أن يستمعوا الحقَّ ويعقلوه، خذلانًا لهم على سوء اختيارهم وشُؤم إصرارهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾: أي: وإن اجتهدتَ في دعائهم إلى الإيمان.

стр. 4845

﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾: أي: فلن يَرْشُدوا أبدًا، وهذا في قوم بأعيانهم من المتمرِّدين المتعنِّتين (١) الذين عَلِم اللَّه تعالى منهم أنهم لا يؤمنون. * * * (٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾: أي: الساترُ لذنوب العباد، الرحيمُ بترك التعجيل في العقوبة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: لو أراد أخذهم بما فعلوا من الذنوب ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾: الاستئصال في الدنيا. ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾: أي: وقت للعذاب إذا جاء ذلك الوقت لم يتأخَّر عنهم. وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: أي: من دون اللَّه ملجأً يلجؤون (٢) إليه ويمتنِعون به إذا نزل بهم العذاب. وقيل: أي: من دون العذاب؛ أي: لن يجدوا شيئًا يلتجئون إليه سوى العذاب. وقيل: كان هذا العذاب يوم بدر. وقال السدِّي: هو يومَ القيامة (٣). * * * (٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾: أي: أولئك أهلُ البلاد

стр. 4846

أهلكناهم، وهي القرى التي عرَفوها من قرى قوم لوطٍ وشعيبٍ وعادٍ وثمودَ ونحوِها. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾: قرأ عاصم بفتح اللام والميم، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام؛ أي: لهلاكهم، وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام (١)؛ أي: لإهلاكهم. ﴿مَوْعِدًا﴾؛ أي: أجلًا. وقال الحسن: لم يعذِّب اللَّه قومًا إلا بمواعَدةٍ تواعَدَهم، ألا تسمعه يقول: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] ويقول: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] (٢). * * * (٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾: أي: واذكر يا محمدُ لهؤلاء المشركين المتكبِّرين على فقراء المسلمين قصةَ موسى وتواضُعَه للَّذي ذهب إليه يتعلم منه. وفيه: تقريعُهم على تكبُّرهم ومدحٌ للمؤمنين على تواضعهم. وفيه أيضًا: تعريف أهل الكتاب والمشركين أن خفاءَ حال أصحاب الكهف

стр. 4847

وذي القرنين على محمد ﷺ وتأخُّرَ الوحي عنه لا يدلُّ على أنه ليس بنبيٍّ، فإن موسى ﵇ كان نبيًّا اصطفاه اللَّه تعالى بكلامه، ثم ذهب عليه من العلم ما علِمه غيرُه حتى احتاج إلى الارتحال إليه وطلبه منه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾: أي: موسى بنُ عمران، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين وعامةِ المفسرين رضوان اللَّه عليهم أجمعين. وقوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾ وهو يوشع بن نون، وعليه الأكثر، وهو ابنُ أخت موسى. وقال الحسن: ﴿لِفَتَاهُ﴾؛ أي: لعبده. وقال محمد بن إسحاق: هو موسى بن ميشا بن يوسف، وكان نبيًّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، وزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب العلم عند الخضر (١). وقيل لابن عباس ﵄: إن نوفًا البكاليَّ ابنَ امرأةِ كعبِ الأحبار يزعُم عن كعبٍ أن موسى بن ميشا بن يوسف هو الذي طلب العلم؟! فقال ابن عباس: كذَب نوفٌ، حدثني أبيُّ بن كعب عن النبيِّ ﷺ : "أن موسى بن عمران صلوات اللَّه عليه سأل ربَّه فقال: يا رب، إن كان في عبادك أحدٌ أعلمَ مني فادْلُلْني عليه، فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت مكانه وأذِن له في لقائه، فخرج موسى ﵇ ومعه فتاه يوشع بن نون. . . "، وذكر الحديث (٢).

стр. 4848

وقال محمد بن إسحاق: يوشعُ بن نون هو الذي نبأه اللَّه في زمن موسى وبعده، وهو الذي افتتح لموسى (١) أريحا وقتل جبابرتها، وله رُدت الشمس يومئذ. وقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؛ أي: لا أزال أسير. وقيل: أي: لا أزايلُ سيري، وفي قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠]؛ أي: لا أزايل مقامي. ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: قال قتادة: بحر الروم مما يلي المغربَ، وبحر فارسَ مما يلي المشرقَ. وقال محمد بن كعب: طنجة (٢). وعن ابن عباس ﵄: مجمع البحرين الخضر وإلياس، وهما بحران في العلم (٣). وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: دهرًا. وقال قتادة: زمانًا (٤). وقيل: هو سنةٌ بلغة قيس. وقال مجاهد: سبعون سنةً. وقال عبد اللَّه بن عمرو: ثمانون سنةً (٥).

стр. 4849

قيل: لمَّا أعلمه اللَّه حال الخضر ولم يُعْلمه موضعَه بعينه، وإنما جعل له علامةً، أَخبر أنه قد وطَّن نفسه على طلبه وإن احتاج إلى قطع مسافة بعيدةٍ وتَزْجيَةِ مدةٍ طويلة. * * * (٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾: أي: انطلقا حتى بلغا مجمع البحرين. وقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: أي (١): الحوتَ الذي كانا تَزوَّدانه، وشاهَد ذلك يوشعُ، وكان موسى بحيث لم يَرَه، وارتحلا من ذلك الموضع ونسي يوشع أن يذكر ذلك لموسى. ثم (٢) قوله: ﴿نَسِيَا﴾ مع أن الناسي يوشعُ وحده، فعند الفراء طريقُه طريقُ قولهِ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وهو يخرج من المالح دون العذب (٣)، وقولهِ تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وهو من الإنس دون الجن. وقيل: كانا معًا تزوَّدا للحاجة إليه في سفرهما، وفي هذا وإن كان في يد أحدهما تضاف الأفعال إليهما، يقول الرجل: كنا في سفرِ كذا ومعنا (٤) من الزاد كذا، ولما كنَّا بمرحلةِ كذا نسينا الزاد هناك، وإن كان الزاد في يد مَن يقوم بأمر الرفقة؛ لاتفاقهم على ذلك.

стр. 4850

وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾: اختلف في معناه: قال ابن عباس ﵄: أي: جَعل سبيله في البحر كالسرب؛ أي: النفقِ (١) الذي يُدخل فيه فيُسلك منه إلى موضع. وقال أبو عبيدةَ وقطربٌ والأخفش: ﴿سَرَبًا﴾؛ أي: مسلكًا ومذهبًا يُسرب (٢) فيه، كما قال: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] (٣)، وقد سرَب سُروبًا؛ أي: مضى وذهب. وقيل: صار طريقه كالطاق. وقيل: بل جمد طريقه حتى سلك فيه (٤). وقيل: بل صار حجرًا مضى عليه (٥). وقال ابن زيد: حيي الحوت في البطحاء بعد موته، ثم مشى على البطحاء إلى البحر، فذلك هو السرب (٦)؛ أي: الطريق على البطحاء إلى البحر، ثم انغمس فيه. وقيل: كان يغسله على الشط فوثب فانسرب في الماء. وقال أبو مالك: أوحَى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇: إن لي عبدًا هو أعلمُ

стр. 4851

منك فاطلبه، قال: وما علامته؟ قال: تنطلق معك بزاد وتخرج في طلبه فإذا تعبتَ في سفرك. . . (١). وفي حديث سفيان عن عمرو قال: "تأخذ حوتًا فتجعله في مكتلٍ، فحيثما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ" (٢)، فانطلق موسى ويوشعُ وحملا معهما خبزًا ولحمًا (٣)، وأقبلا من الشام حتى أخذا بحر أرمينية. وفي حديث أبي مالك عن ابن عباس ﵄: تزودا أربعةَ أرغفةٍ في مكتلٍ وسمكةً مالحةً (٤). وفي حديث العَوفي عن ابن عباس ﵄: أوحى اللَّه إليه أن ائتِ البحر فإنك تجد على شاطئ البحر حوتًا، فخذه وادفعه إلى فتاك ثم الزَمْ شطَّ البحر، فإذا نسيت الحوت فتجد (٥) العبد الصالح الذي تطلبه، تجده عند الصخرة (٦). فانتهيا إلى الصخرة، ثم وضع موسى رأسه، فقام يوشع وقال: لو أني غسلتُ هذه السمكة من هذا الماء (٧) يأكل منها نبيُّ اللَّه، فغسلها وكانت عينٌ في البحر تدعى:

стр. 4852

عين الحيوان، فلما غسلها اضطرب الحوت فوقع في الماء فذهب، فانجاب (١) الماء فصار مثل السرب. وفي حديث السدي: فصار أثره في الماء جامدًا (٢). وفي حديث سفيان عن عمرو: "فأمسك اللَّه جريةَ الماء عليه مثلَ الطاق" (٣). * * * (٦٢) - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾: أي: تعدَّيا ذلك الموضعَ الذي سربه الحوت في الماء ﴿قَالَ لِفَتَاهُ﴾؛ أي: قال موسى لصاحبه يوشع: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾؛ أي: ائتنا بغدائنا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾: أي: تعبًا، والجوعُ يَقْوَى معه. وفي حديث سفيان عن عمرو: "فانطلقا يمشيان، فلما كان من الغد وجد موسى النَّصَب، ولم يجد النَّصَب حتى جاوز المكان الذي أمره اللَّه تعالى به" (٤). * * * (٦٣) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.

стр. 4853

﴿قَالَ﴾: أي: يوشع: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام بمعنى التقرير، وظاهره: أعلمتَ، ومعناه: أعلم أنه كان كذا. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾: أي: التجأنا إليها للاستراحة ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾؛ أي: نسيت أمر الحوت أن أذكره لك ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بإلقاء الخواطر في القلب. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾: من كلام يوشع في الإخبار عن حال الحوت. وقوله تعالى: ﴿عَجَبًا﴾ له وجوهٌ: قيل: هو تمامُ كلام يوشع؛ أي: اتَّخذ سبيله في البحر اتخاذًا عجبًا، وهذا مما يُتعجَّب منه إذ صار كالطاق. وقيل: قوله: ﴿عَجَبًا﴾ قول موسى؛ أي: يا (١) عجبًا من هذا، وقيل: عجبًا من نسيانك هذا الأمر العجيبَ أن تذكُرَه لي. وقال الحسن: بينهما وقفٌ حسنٌ لهذا (٢). وعن (٣) ابن عباس ﵄: أن قوله: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ من كلام اللَّه تعالى، و (اتَّخذ) فعلُ موسى، معناه: وعَدَّ موسى سلوكَ الحوت في البحر بهذا الطريق عجبًا، وكذا لفظ مجاهد وقال: موسى تَعجَّبَ من أثر الحوت (٤).

стр. 4854

وروى أبيُّ بن كعب عن رسول اللَّه ﷺ : "فكان البحر للحوت سَرَبًا ولموسى وفتاه عجَبًا" (١). وقيل: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ هو فعلُ يوشع؛ أي: وعَجِبَ يوشع وموسى من سَرَبِ (٢) الحوت في البحر. * * * (٦٤) - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾: أي: قال موسى ليوشع: هو الذي كنا نطلبُه؛ لأن ذهاب الحوت كان جُعل علمًا له على وجود الخضر، و ﴿ذَلِكَ﴾ يصلح إشارةً إلى انسراب الحوت فإنه جُعل عَلَمًا، ويصلح إشارة إلى المكان فإن وجود الخضر كان فيه. وقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: أي: فرجع موسى ويوشع ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه، وقوله: ﴿قَصَصًا﴾؛ أي: اتِّباعًا لذلك الأثر لا يزولان عنه. * * * (٦٥) - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي: وجَدا هنالك ذلك المطلوب. وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: قيل: أي: نبوَّةً، كما قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].

стр. 4855

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾؛ أي: عِلمًا من عِلْمنا لم نعلِّمه غيرَه، وهو دليل على نبوته، وكذلك قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. وقيل: العلم اللدُنيُّ: ما حصل للعبد من طريق الإلهام. وقال الإمام القشيري ﵀: هو ما لا يجد صاحبه سبيلًا إلى جَحْده ولا دليلًا على صحته (١). وقال الضحاك: لمَّا رجعا وأتَيَا تلك الصخرةَ التي جلسا عندها، فإذا البحر فيه الحوت، فرجع الحوت مُدْبِرًا في البحر، ثم أقبل ثم انطلق، فاتَّبعه موسى، فلما تحرك في الماء صار له حجرًا وتبعه (٢) موسى حتى انتهى إلى العبد الصالح. وفي حديث ابن عباس ﵄: فإذا رجل على شاطئ البحر ملتفٌّ بكساء (٣). وفي حديث أبي العالية: وجده قائمًا في جزيرة من جزائره (٤). وقال الكلبي: وجده قائمًا يصلِّي. وفي حديث عثمان بن أبي سليمان: "رآه على طِنْفِسةٍ خضراءَ على وجه الماء" (٥).

стр. 4856

وفي حديث أبي مالكٍ: وجده قائمًا يصلِّي في مِدْرعةِ صوفٍ وكساءٍ، يصلِّي عند (١) الصخرة، وإذا العشبُ قد نبت وغطَّى قدميه، وسمي الخضر لذلك؛ لأنَّه حيث كان (٢) تَنبت الخضرة (٣). وقال وهبٌ: قال موسى: يا ربّ، هل آتيتَ عبدًا من عبادك من العلم (٤) ما لم تؤتِني؟ فأوحَى اللَّه إليه: نعم هو (٥) عبدٌ من عبيدي يقال له: إيليا، يعبدني في جزيرةٍ من جزائر البحر -قد سماها له- قال: يا ربّ، فأْذَنْ (٦) لي في لُقيِّه، فأَذِنَ له، وذلك في زمان التِّيه، فانطلق مع يوشع حتى انتهى إلى البحر، ووكَّلَ اللَّه تعالى حوتًا من حيتان البحر يدلُّهما على مكانه، فسايرهما في البحر كأنه كوكبٌ درِّي، وأوحى اللَّه إليه: إنك (٧) إذا فقدتَ الحوت فإن صاحبك حيث يتغيَّب عنك الحوت. .، وذكر القصة إلى أن قال: فدخلا في السَّرب حتى انتهيا إلى موضع الخضر، فإذا هو في روضة خضراء عليه

стр. 4857

ثيابٌ خضر قائمٌ يصلي، فسلم موسى ويوشع عليه فرد ﵉ (١). وفي روايةٍ قال: وعليك السلام يا نبيَّ بني إسرائيل، قال: ومَن أدراك بي؟ قال: أدراني بك مَن أدراك بي ودلَّك عليَّ، قال: فما الذي جاء بك؟ قال: جئتُك لتعلِّمني مما عُلِّمتَ رُشدًا (٢)، وذلك قوله تعالى: * * * (٦٦) - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: وفيه تعليمُ التواضع لمن طلب العلم من غيره، فإنه غايةُ التواضع من موسى، فإنه بدأ بالاستفهام والاستئذان، ووصف نفسه بالاتِّباع، ومدَحه بالعلم، وأظهر الرغبة فيما عنده من العلم. وفي رواية: قال له الخضر في جواب هذا: لك في التوراة علمٌ وفي بني إسرائيل شغلٌ. * * * (٦٧) - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. ثم ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أي: يَثقل عليك الصبرُ على ما تَرى مني؛ لأنك تنظر إلى ظاهر ذلك الأمرِ، وربما يكون فيه سرٌّ لا يكون لك عليه اطِّلاع، وذلك قوله:

стр. 4858

(٦٨) - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾: أي: على ما لم تعلم وجهَه؛ لاتِّصال ما أفعلُه بمعرفة العواقب التي لا يحيط بها علمًا إلا مَن علَّمه اللَّه إياها. * * * (٦٩) - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾: الاستثناء على الأمرين للواو، وهو كقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وهذا تواضعٌ آخرُ بعد تمنُّعٍ كان من الخضر. ثم تحكَّم عليه من وجهٍ آخرَ ثانيًا، وذلك قوله تعالى: * * * (٧٠) - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: أي: عن شيء تراه وتُنكره لظاهره، فلا تُراجِعْني فيه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: بيانًا لوجهه. * * * (٧١) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾: أي: فسارا، قال وهبٌ: فمشيَا على ساحل البحر. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾: مرت بهما سفينةٌ وثيقةٌ جديدةٌ،

стр. 4859

فسألا أهلها أن يحملوهما ففعلوا (١)، فلما اطمأنَّا في السفينة ولجَّجت (٢) بأهلها ﴿خَرَقَهَا﴾؛ أي: الخضرُ. وكانت لمساكين، وكانوا عشرةَ إخوةٍ زَمْنَى لم يكن لهم معيشةٌ غيرها، وكانت مأواهم ورثوها من أبيهم (٣)، وكان خمسةٌ منهم يعملون فيها وخمسةٌ لا يطيقون العمل، فأما العمالُ منهم فكان أحدهم مجذومًا، والثاني أعورَ، والثالث أعرجَ، والرابع آدَرَ، والخامس محمومًا الدهرَ كلَّه وهو أصغرُهم، والخمسة التي لا يطيقون العمل مُقعَدٌ وأعمى وأصمُّ وأخرسُ ومجنونٌ، وكان البحر الذي يعملون فيه (٤) ما بين بحر فارسَ والروم (٥)، وكان جُلَنْدى ملكًا يأخذ كلَّ سفينة غصبًا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿لِيَغرَقَ﴾ بياء التذكير والمغايَبة و ﴿أهلُها﴾ بالرفع إضافةً للفعل إليهم، وقرأ الباقون: ﴿لِتُغْرِقَ﴾ بضم التاء التي هي للخطاب ﴿أَهْلَهَا﴾ بالنصب إضافة الفعل إلى الخضر (٦). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: قال مجاهد وقتادة: منكرًا. وقال أبو عبيدة: أي: داهية عظيمة، وأنشد: قد لقي الأقرانُ منِّي (٧) نكرًا... داهيةً دهياءَ إدًّا إمرًا (٨)

стр. 4860

وقال أبيُّ بن كعب ﵁: أخرج منقارًا له ومطرقةً، ثم عمَد إلى ناحية منها فضرب فيها حتى خرَقها، ثم أخذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلس يَرْقَعُها، فقال له موسى ذلك (١). وقال الكلبي: أخذ فأسًا ومنقارًا وفعل ذلك. وقال مقاتل: خرَق بقَدُوم (٢). وقال شعيب بن الحَبْحاب: خرقها وكان الخضر لا تراه عينٌ إلا مَن أراد اللَّه تعالى أن يُرِيَه إياه، فخرقها ولم يره إلا موسى، ولو رآه القوم حالوا بينه وبين ذلك (٣). ورُويت بوجوهٍ أُخر. * * * (٧٢) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أي: تحقَّقَ ما قلتُ لك. * * * (٧٣) - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: بما تركتُ من شرطِكَ (٤).

стр. 4861

وقال أبي بن كعب: هو النسيان حقيقةً (١)، ولعله نسي ذلك لشدة ما ورد عليه من خرق السفينة. وقيل: هو تعريض؛ فإنه لم يقل: نسيتُ هذا الشرط منك، ولكنْ أَطلق وقال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وهو يحتمِل نسيانَ أمر آخرَ سوى هذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾: أي: لا تُعسِّر عليَّ، وقد رَهِقه الشيء؛ أي: غشيَه وأدركه، وأَرهقه غيره. * * * (٧٤) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾: قال وهبٌ: انتهوا إلى الملك الذي كان (٢) يأخذ كلَّ سفينة صحيحة (٣) غصبًا، فنظر إلى سفينتهم مخروقةً قد عابوها فخَلَّى عنها، فلما جاوزهم سدَّ الخضر السفينةَ وسلَّمها إليهم، وخرجا من السفينة يمشيان، فانطلقا على وجوههما حتى أتيا أيلةَ، وهي قرية (٤) من قرى الروم، فإذا هما بغلمان عشرةٍ يلعبون وفيهم غلامٌ هو أصغرهم، وليس فيهم أظرفُ ولا أضوأُ منه، فأخذ الخضر بيد الغلام وأخذ حجرًا فرضخ به رأسه وقتله. وفي رواية سعيد بن جبير: فاقتلع رأسه بيده.

стр. 4862

وفي رواية كعب: فوكزه فقتله. فرأى موسى أمرًا عظيمًا لا صبر له (١) على مثله، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿زَكِيَّةً﴾، وقرأ الباقون: ﴿زاكِيَةً﴾ (٢)؛ أي: طاهرةً بريئةً من الذنوب. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: من غيرِ أن قتلتْ نفسًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا، قال قتادة: النكر أشد من الإمر (٣)، والأول كان فيه وهمُ الهلاك وفي هذا حقيقةُ الإهلاك (٤). وقيل: بل الإمر أشدُّ؛ لأنَّه الأمر العظيم، وكان ذلك إتلافَ نفوس كثيرة غالبًا، وهذا إتلاف نفسٍ واحدة. * * * (٧٥ - ٧٦) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: أَذكَرَه (٥) ما كان ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾؛ أي: بعد هذه المرة، أو هذه المسألة ونحوها. وقيل: أي: بعد النَّفْس التي قتلتَها. ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾: أي: صرتَ معذورًا بمفارقتي.

стр. 4863

قال الحسن: كان ذلك الغلام رجلًا كافرًا (١)؛ أي: بالغًا، وسمي غلامًا لاغتلامه؛ أي: شدَّةِ شَبَقه، فكان اسمًا للشاب وكذلك الرجل (٢)، يقال: رأي الشيخ خير من مشهد (٣) الغلام، فيقابَلُ الشيخ به، ومقابلُه الشابُّ دون الصبي. وروى أبيُّ بن كعب عن النبي ﷺ أنه كان كافرًا (٤). وقال الكلبي: كان فتًى بين قريتين أبوه من عظماء أهلِ إحداهما، وأمُّه من عظماء أهل القرية الأخرى، وكان يقطع الطريق بينهما ويأخذ المتاع (٥)، فعلى هذا كان قتلُه بقطع الطريق. قال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رُحْمى (٦). وعن أبي (٧) إسحاق: أنه كان غيرَ بالغ، وكان طُبع كافرًا، ولو أدرك أَرهق (٨) أبويه طغيانًا وكفرًا (٩).

стр. 4864

وقتلُ الصغير إنما لا يجوز لعدم إذن الشرع به، وكان اللَّه تعالى أذن للخضر بذلك، ولذلك قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وليس الأمر بقتله أكبرَ من إماتته، واللَّه تعالى يميت الصغار، وله أن يحكُم في عباده بما يشاء. وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنه كان غيرَ بالغ (١). * * * (٧٧) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾: قال وهب: كانت قريةً من قرى الروم حين غربت الشمس، وكانت ليلةً شاتيَةً شديدةَ البرد، فانطلقا (٢) فطلبا إلى أهل القرية أن يضيِّفوهما ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾؛ أي: امتنعوا أن يُنزلوهما ضيفين ويطعموهما. وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: أي: فوجدَا فيها حائطًا على ظهر الطريق مائلًا يمرُّ تحته أهل تلك القرية وغيرُهم لا طريق لهم غيرُه، وكان بناه رجل صالح، فلم يزل يرثُ ذلك الحائط قرنٌ بعد قرنٍ حتى ورثه أبو الصغيرين، وكان سمك الحائط في السماء مئتي ذراع بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضُه خمسون ذراعًا، فمال الحائط من أسفله حتى كاد

стр. 4865

يسقطُ، وذلك قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾؛ أي: يقارِبُ أن ينكسر ويسقطَ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ بحالِ المريد للفعل في الثاني (١)، قال الشاعر: يريد الرمحُ صدرَ أبي براءٍ... ويرغبُ عن دماءِ بني عَقيلِ (٢) والانقضاض: السقوط، وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾؛ أي: قوَّمه. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لتَخِذْتَ﴾ بالكسر من باب عَلِم، والتاءُ فاء فَعِلَ (٣). فلما رأى الخضر الجدار رفعه (٤) بمنكبيه ويديه حتى أقامه، فقال له موسى ﵇: استطعمناهم فأبوا أن يطعمونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ في عمله حتى يكون قُوتًا على سفرنا هذا، وتتصدَّق ببعضه. * * * (٧٨) - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾: قيل: القرية أرمينية، وقيل: أنطاكية، وقيل: بَرْقة، وقيل: أرض بربر، وقيل: جروان، وقيل: باجروان (٥)، وقيل: هي بناحية الأندلس.

стр. 4866

وقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قيل: ولم يدَعوهما ينزلان في القرية. وقال كعب: وجاءت امرأة إليهما بطعام وقالت: إن رجالنا في أخلاقهم شدةٌ فلم أستطع أن أضيِّفكما، فهذا طعامي فكُلَا منه، فدعا الخضر لنسائهم بالبركة ولعن رجالهم. ثم قال الخضر لموسى: أمَا إذا لم تستطع أن تصبرَ فسأخبرُك ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: سببُ فراقِ وَصْلي ووَصْلِك. وقوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: وفي رواية: أخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني (١)، فقال: * * * (٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾: وهم ممن ذكرنا من الإخوة العشرة. ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾: أي: أجعلَها ذاتَ عيبٍ لئلا يأخذَها الملك الغاصب، وهو قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ قال ابن عباس والسدي وقتادة والفرَّاء وأبو عبيدةَ ﵏: أي: أمامهم (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، وقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]، وقال لبيد:

стр. 4867

أليس ورائي إن تراخَتْ مَنِيَّتي... لزومُ العصا تُحنَى عليها الأصابع (١) وقيل: هو ما توارى عنك؛ خلفَك كان (٢) أو قدامك. والملك قيل: كان ملكَ عمان، وقال الكلبي: هو جُلندَى (٣). وقيل: هو جُلَنْدُ بن كركرة (٤). وقيل: الجلند بن المستكبر بن الأرقم بن الأزد. وقال ابن جريج: هو مدد بن يزد (٥). وقيل: هدد بن برد (٦). ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفي قراءة أبيِّ بن كعب وابن عباس ﵃، وهو مرويٌّ عن النبي ﷺ : (يأخذ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا) (٧) وهو محمولٌ على التفسير دون التنزيل. ورُوي أن الملك مر بها فرآها مَعيبةً فتركها ومرَّ، فقال الخضر لموسى: كيف

стр. 4868

رأيتَ عاقبةَ (١) صنعِ اللَّه بها؟ أخبرني عن خرق السفينة أحسنتُ أم أسأتُ، فقال: بل أحسنتَ وأَصبتَ وأُجرتَ. * * * (٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يدخُلا معه في دِينه (٢). وقال ابن جُريجٍ كذلك. وقال الكلبي: كان غلامًا (٣) لصًّا عاديًا يَقتل ويسرق ثم يجيءُ بسرقته إلى أبويه، فإذا جاء مَن يَطلب حلف أبواه أنه لم يفعل، وكانا في عز وشرف (٤). وقال مقاتل نحوًا من ذلك (٥)، وهذا تمادٍ يُخشى منه الوقوع في الكفر. وقيل: كان (٦) يحتمل أن يكون يُدخل عليهما شبهةً في دينهما، ويزيِّنَ الكفر والطغيان إليهما. * * *

стр. 4869

(٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ﴿يُبْدِلَهُمَا﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف (١)؛ أي: يعطيَهما ولدًا آخر بدلًا عنه. وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ دينًا وصلاحًا وطهارة، وهو في مقابلةِ قول موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: قال قتادة: أي: أبرَّ بوالديه (٢). والرُّحم مصدرٌ كالرحمة والمَرحمة. وعن سعيد بن جبير قال: هو أرحم به منهما بالأول (٣). وقيل: أي: أقرب إلى أن يُرحما به (٤)؛ أي: يطيع ولا يعصي ولا يحمل أبويه على الكفر والطغيان. قال ابن عباس ﵄: أبدلهما اللَّه تعالى جارية فولدت نبيًّا وهو شمعون المذكور في قوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] (٥). وروى ابن جريج (٦) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: أبدلهما اللَّه تعالى به جارية ولدت سبعين نبيًا (٧).

стр. 4870

(٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾: وهي القرية المذكورة قبلها، ودل أنها كانت كبيرة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾؛ أي: تحت الجدار ﴿كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. قيل: اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح، وكان صالحًا تقيًّا. وأما الكنز فقد روي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كان لوحًا من ذهب عليه مكتوبٌ: عجبتُ لمن أيقنَ بالموت كيف يفرحُ، وعجبتُ لمن أيقنَ بالقَدَر كيف يحزن، وعجبتُ لمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا كيف يَغفل، وعجبتُ لمن أيقن بالدنيا وتقلُّبِها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه" (١).
следующие страницы →