← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قيل: ولم يدَعوهما ينزلان في القرية. وقال كعب: وجاءت امرأة إليهما بطعام وقالت: إن رجالنا في أخلاقهم شدةٌ فلم أستطع أن أضيِّفكما، فهذا طعامي فكُلَا منه، فدعا الخضر لنسائهم بالبركة ولعن رجالهم. ثم قال الخضر لموسى: أمَا إذا لم تستطع أن تصبرَ فسأخبرُك ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: سببُ فراقِ وَصْلي ووَصْلِك. وقوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: وفي رواية: أخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني (١)، فقال: * * * (٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾: وهم ممن ذكرنا من الإخوة العشرة. ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾: أي: أجعلَها ذاتَ عيبٍ لئلا يأخذَها الملك الغاصب، وهو قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ قال ابن عباس والسدي وقتادة والفرَّاء وأبو عبيدةَ ﵏: أي: أمامهم (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، وقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]، وقال لبيد:

стр. 4867

أليس ورائي إن تراخَتْ مَنِيَّتي... لزومُ العصا تُحنَى عليها الأصابع (١) وقيل: هو ما توارى عنك؛ خلفَك كان (٢) أو قدامك. والملك قيل: كان ملكَ عمان، وقال الكلبي: هو جُلندَى (٣). وقيل: هو جُلَنْدُ بن كركرة (٤). وقيل: الجلند بن المستكبر بن الأرقم بن الأزد. وقال ابن جريج: هو مدد بن يزد (٥). وقيل: هدد بن برد (٦). ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفي قراءة أبيِّ بن كعب وابن عباس ﵃، وهو مرويٌّ عن النبي ﷺ : (يأخذ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا) (٧) وهو محمولٌ على التفسير دون التنزيل. ورُوي أن الملك مر بها فرآها مَعيبةً فتركها ومرَّ، فقال الخضر لموسى: كيف

стр. 4868

رأيتَ عاقبةَ (١) صنعِ اللَّه بها؟ أخبرني عن خرق السفينة أحسنتُ أم أسأتُ، فقال: بل أحسنتَ وأَصبتَ وأُجرتَ. * * * (٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يدخُلا معه في دِينه (٢). وقال ابن جُريجٍ كذلك. وقال الكلبي: كان غلامًا (٣) لصًّا عاديًا يَقتل ويسرق ثم يجيءُ بسرقته إلى أبويه، فإذا جاء مَن يَطلب حلف أبواه أنه لم يفعل، وكانا في عز وشرف (٤). وقال مقاتل نحوًا من ذلك (٥)، وهذا تمادٍ يُخشى منه الوقوع في الكفر. وقيل: كان (٦) يحتمل أن يكون يُدخل عليهما شبهةً في دينهما، ويزيِّنَ الكفر والطغيان إليهما. * * *

стр. 4869

(٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ﴿يُبْدِلَهُمَا﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف (١)؛ أي: يعطيَهما ولدًا آخر بدلًا عنه. وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ دينًا وصلاحًا وطهارة، وهو في مقابلةِ قول موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: قال قتادة: أي: أبرَّ بوالديه (٢). والرُّحم مصدرٌ كالرحمة والمَرحمة. وعن سعيد بن جبير قال: هو أرحم به منهما بالأول (٣). وقيل: أي: أقرب إلى أن يُرحما به (٤)؛ أي: يطيع ولا يعصي ولا يحمل أبويه على الكفر والطغيان. قال ابن عباس ﵄: أبدلهما اللَّه تعالى جارية فولدت نبيًّا وهو شمعون المذكور في قوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] (٥). وروى ابن جريج (٦) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: أبدلهما اللَّه تعالى به جارية ولدت سبعين نبيًا (٧).

стр. 4870

(٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾: وهي القرية المذكورة قبلها، ودل أنها كانت كبيرة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾؛ أي: تحت الجدار ﴿كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. قيل: اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح، وكان صالحًا تقيًّا. وأما الكنز فقد روي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كان لوحًا من ذهب عليه مكتوبٌ: عجبتُ لمن أيقنَ بالموت كيف يفرحُ، وعجبتُ لمن أيقنَ بالقَدَر كيف يحزن، وعجبتُ لمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا كيف يَغفل، وعجبتُ لمن أيقن بالدنيا وتقلُّبِها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه" (١).

стр. 4871

وقال الضحاك: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: صحفٌ فيها علمٌ (١). وقال مجاهد: ذهب وفضة (٢). وقال وهب: قال الخضر: ولو وقع الجدار لظهر الكنز، ولو ظهر الكنز لأخذه الناس دونهما. وقال ابن عباس ﵄: الرجل الصالح يُحفظ في ولده وولدِ ولده، والدوائرُ تدور حولهم وحولَ دارهم ولا يضرُّهم شيئًا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: اسطاعَ لغةٌ في استطاع، وهو تخفيفٌ بحذف التاء. ثم ذَكر في الأول ﴿فَأَرَدْتُ﴾ لأنه ذكر بعده: ﴿أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فأضاف ذلك إلى نفسه، ثم قال في الثاني: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ جمعًا؛ لأنَّه تنبَّه (٤) على أن في إضافة الفعل إلى نفسه على الانفراد رؤيةَ نفسه (٥)، فذكر الجمع إدخالًا لنفسه في الجملة، ثم تنبَّه

стр. 4872

على أن الأشياء كلَّها بإرادة اللَّه تعالى فقال في الثالث: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، ولأنه ذكر الفضل والرحمة فأضافه إلى اللَّه تعالى دون غيره. وقيل: قال الخضر لموسى ﵇ حين قال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قال له: لقد ألقَتْك أمُّك في اليمِّ فلم تغرق، فلِمَ خِفتَ الغرق عليهم مع حفظ اللَّه تعالى لهم. ولمَّا قال له: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال له: إنك قتلْتَ القِبْطيَّ بالوكزة فلمْ يعاتبوك (١)، فلمَ تعاتبُني بهذا؟ فلما قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال له: إنك سقيتَ لابنتَيْ شعيبٍ فلمْ تطلب لذلك أجرًا، فلمَ تأمرني بذلك؟ فكان له وجوهٌ ستة (٢) في هذه القصة. قال وهب: ثم انطلق الخضر وموسى ﵇ حتى قعدا على الصخرة، فأقبل طائر فغمس بمنقاره في (٣) البحر، ثم أخرجه فمسحه على جناحه، فقال له الخضر: إنه يقول: ما علمُ الخلق في علم اللَّه تعالى إلا بقَدْر ما حملتُ بمنقاري (٤). وقال موسى للخضر حين أراد أن يفارقه: أوصني، فقال: يا ابن عمران، إياك واللَّجاجةَ، ولا تمش (٥) في غيرِ حاجة، ولا تضحك من غيرِ عَجَبٍ، ولا تعيِّر الخاطئ بخطيئته، وابكِ على خطيئتِكَ، ولا تؤخِّر عمل اليوم لغد. * * *

стр. 4873

(٨٣) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾: ذكرنا في أول السورة أن المشركين سألوا رسول اللَّه ﷺ بتلقين أهل الكتاب- عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فأنزل اللَّه جلَّ ذكرُه وجلالُه جوابَ ذلك كلِّه (١). واختُلف في معنى تسميته بذي (٢) القرنين، وفي أنه نبيٌّ أو غيرُ نبيٍّ، وفي نسبه. روي أن ابن الكوَّاء سأل عليًّا ﵁ عن ذي القرنين: أملِكٌ أم نبيٌّ؟ فقال ﵁: ليس بملكٍ ولا نبيٍّ، ولكنه كان عبدًا أحبَّ اللَّه تعالى فأحبَّه اللَّه، وناصَحَ اللَّه تعالى فناصَحَه اللَّه، ضُرب على قرنه الأيمن فمات فبعثه اللَّه تعالى، ثم ضُرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه اللَّه تعالى (٣). وقال أبو العالية: سمي ذا القرنين لأنه قرَن ما بين مطلع الشمس ومغرِبها (٤). وقال وهب: اختلف فيه أهل الكتاب؛ فقال بعضهم: كان ملكَ الروم وفارس، وقال بعضهم: كان في رأسه شِبْهُ القرنين (٥). وقال الحسن: سمي به لأنه كان في رأسه غديرتان يطأ عليهما (٦).

стр. 4874

وعن وهب قال: كانت صفحتا رأسه من نحاس (١). وقال وهب: رأى رؤيا أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقَرْنيها شرقِها وغربها، فقصَّ رؤياه على قومه فسمي بذي القرنين (٢). وقيل: عاش عيشَ قَرْنينِ. وفي رواية وَهْبٍ: عاش خمسَ مئة سنة. وروى أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما أدري ذا القرنين كان نبيًّا أم لا" (٣). وقال ابن عباس وعبد اللَّه بن عمر وأبو هريرة ﵃: كان نبيًّا، وكذلك قال مجاهد (٤). وقال علي ﵁: لم يكن نبيًا (٥). وعن الحسن، وعن وهب في رواية كذلك (٦). وقيل: اسمه إسكندروس.

стр. 4875

وقيل: إسكندر بن فيلاسون بن يونان (١). وعن محمد بن إسحاق: اسمه ميرزبان (٢) بن مردبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث بن نوح. وفي تفسير الصنعاني: أنه روميٌّ من ولد العِيص بن إسحاق. وروى عقبة بن عامر الجهني أن قومًا من أهل الكتاب استأذنوا على رسول اللَّه ﷺ فإذن لهم، قدخلوا ومعهم مصاحفُ، فقال النبي ﷺ "إن شئتُم أُخبركم ما أردتُم أن تسألوني عنه، وإن شئتُم فاسألوني"، قالوا: بل أخبِرْنا بما جئنا له قبل أن نتكلم، فقال: "جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وسأخبركم بما تجدونه في كتبكم مكتوبًا: إن أول أمره (٣) أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا، فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى (٤) عندها مدينة يقال لها: الإسكندرية، فلما فرغ من بنائها أتاه ملَك فعرَج به فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرَها! فقال له الملَك: تلك (٥) الأرض كلُّها وهذا السوادُ الذي تراه محيطًا بها البحرُ، وإنما أراد اللَّه تعالى أن يُريَك الأرض، وقد جعل لك (٦) سلطانًا فيها، فسِرْ في الأمم فعلِّم الجاهل وثبِّت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدَّين وهما (٧) جبلان

стр. 4876

ليِّنان يَزلق عنهما كلُّ شيء، فبنى السد ثم سار فوجد يأجوجَ ومأجوجَ يقاتلون قومًا وجوهُهم كوجوه الكلاب، ثم قطَعهم فوجد أمةً [قصارًا] يقاتلون القوم الذين وجوههم كوجوه الكلاب، ثم قطَعهم فوجد قومًا (١) من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم قطعهم فوجد أمةً من الحيات تلتقم الحيةُ منها مثلَ الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المُديرِ بالأرض" فقالوا: نحن نشهد أن أمره كان كذا، وإنَّا نجد هذا مكتوبًا في كتبنا (٢). وقال وهب: إن ذا القرنين نشأ في أدبٍ حسنٍ، وحِلمٍ ومروءة وعفَّةٍ، وكان يتخلَّق بمكارم الأخلاق، ويسمو لمعالي الأمور، وكان حلَم حُلمًا أنه دنا من الشمس وأخذ بقرنيها، وقصَّ رؤياه على قومه فسمَّوه ذا القرنين، وبهذه الرؤيا بعُدَتْ همته، وعلا صوته (٣)، وعزَّ في قومه، فألقى اللَّه تعالى عليه الهيبةَ، وحدَّث (٤) نفسه بالأشياء كلِّها، وكان أولَ ما أجمع عليه رأيه (٥) أنه أمر قومه فبنوا له مسجدًا طولُه أربعُ مئة ذراعٍ، وعرضُه مئتا ذراع، وعرض حائطه اثنان وعشرون ذراعًا، وطوله في السَّماء مئة ذراع، وأمرهم أن لا ينصبوا فيه سواري، فقالوا: كيف لك بخشب يبلغ ما بين

стр. 4877

الحائطين؟! فقال: اكبِسوه بالتراب إلى رؤوس الحوائط ووزعوا (١) على الموسِع قَدَرُه وعلى المقتِرِ قدَره من الذهب والفضة، ثم اقطعوا ذلك مثلَ قُلامة الظُّفر، واخلِطوه بذلك الكبس، واعملوا له جذوعًا من النحاس كلُّ جذعٍ مئتا ذراعٍ للهواء، وعلى الحائط من الجذوع اثنا عشر ذراعًا من جانب، ومثلُه من جانب، فإذا تم فقولوا للمساكين: أخرجوا التراب وما فيه من الذهب والفضة فهو لكم، ففعلوا وتم ذلك على أعجب الوجوه وأحسنِها. وأوحى اللَّه تعالى إليه رسولًا: أني قد أرسلتُك إلى جميع الخلائق من مطلع الشمس إلى مغرِبها، فأثبت (٢) حجَّتي عليهم، وهذا تأويلُ رؤياك، وقد بعثتُك إلى جميع أهل الأرض، وهم سبع أمم: أمتان بينهما طول الأرض، وأمتان بينهما عرض الأرض كلُّه، وثلاثُ أمم في وسط الأرض مختلِطون وهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج، وأما اللتان بينهما طول الأرض فإنه عند مطلع الشمس إحداهما ناسِك، وأخرى بحيالها مَنْسك، وأما اللتان بينهما عرضُ الأرض فإنه في القطر الأيمن وهي هاويل، والأخرى في القطر الأيسر وهي تاويل، فقال: يا إلهي، إنك ندَبْتني لأمر عظيم لا يَقْدِر قَدْرَه غيرُك، فبأيِّ قوةٍ أكابدهم؟ وبأيِّ صبر أقاسيهم؟ وبأيِّ لسان أكلِّمهم؟ وكيف أفقهُ لغاتهم؟ وبأي حجةٍ أخصمُهم (٣)؟ وبأيِّ عقل أعقلُ عنهم؟ وبأيِّ حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي معرفة أفصِل بينهم؟ وبأي علم أُحصيهم؟ وبأيِّ يد أسطو عليهم (٤)؟ فأوحى اللَّه تعالى إليه: أَنِّي سأطوِّقكَ ما حمَّلتُك، وأشرح لك

стр. 4878

صدرك فيسعُ كلَّ شيء، وأشرح لك فهمك فتَفْقهُ كلَّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلَّ شيء، وأكشف لك عن بصرك (١) فينفذُ كلَّ شيء، وأدبِّر في أمورك فتتيقَّن كلَّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدُّ لك ظهرك فلا يَهدُّك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَهُولك شيء، وأَبسط لك يدك فتَسْطوا فوق كلِّ شيء، وأسدِّد رأيك فتصيبُ في كلِّ شيء، وأسخِّر لك النور والظلمة وأجعلهما جندين من جنودك: النور يهديك من أمامك، والظلمةُ تَحوطك وتحرس عليك الأمم من ورائك. فانطلق ذو القرنين، فأيَّده اللَّه تعالى بما وعده، فقصد المغرب فلا يمرُّ بأمة إلا دعاهم إلى اللَّه تعالى، فإن أجابوه قَبِل ذلك منهم، وإن لم يجيبوه أغشاهم الظلمةَ فأُلبست (٢) مدائنَهم وبيوتهم، وأغشت أبصارهم، ودخلت أفواههم وآنُفهم وآذانهم وأجوافهم، فيتحيَّرون ويجيبون. .، وذكر بلوغَ الشمس (٣)، على ما نبيِّن في تفسير تلك الآية إن شاء اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: سأقرأ عليكم منه خبرًا فيه ذكرُ قصته وحاله. * * * (٨٤ - ٨٥) - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ملَّكناه الدنيا وأعطيناه إمكان ضبطها.

стр. 4879

وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾: أي: من كلِّ شيء يحتاج إليه في سياستها ما به يَتوصل إلى المراد، وأصل السبب هو الحبل يُتوصَّل به إلى الماء وغيره. وقال ابن عباس ﵄: ﴿سَبَبًا﴾: علمًا، وهو قول قتادة وعبيد بن يعلى وابن زيد (١). وقال مجاهد: منازلَ وطرقًا (٢). وقال الحسن: بلاغًا إلى حاجته (٣). وسئل ابن عباس ﵄: كيف وصل إلى المشارق والمغارب؟ قال: سخَّر له السحاب، وبسط له النور، وكان الليلُ والنهار عنده سواءً. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتشديد، ومعناه: اقتفى، والباقون بالقطع (٤)، ومعناه: لَحِق، وإنما لم يعرَّف الثاني باللام مع أنه أعاده (٥) بعد المذكور؛ لأن المراد من الأولى الكلُّ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾؛ أي: الأسبابَ كلَّها، والمرادَ من الثاني سببٌ منها، ومعناه: امتثل وجهًا من وجوهِ الأسباب؛ أي (٦): ما مُثِّل له فعمدَ طريق المغرب. وقيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ علمًا ﴿فَأَتْبَعَ﴾ طريقًا.

стр. 4880

وقيل: آتيناه الأسباب؛ أي: الأقطار ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أي: قطرًا منها؛ أي: قَصد أولًا إلى قطر بعينه، وهو المغربُ ليصلحه. * * * (٨٦) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾: أي: انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب. وقوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: أي: رآها في مرأى العين تغيبُ في عين حمئة (١). قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿حَمِئَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ حَمْأةٍ، كذا فسرها ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير (٢) ﵃، والحمأة: الطين الأسود، وقرأ الباقون: ﴿حاميةٍ﴾ (٣)؛ أي: حارَّة. والعين موصوفة بهما جميعًا: هي طينةٌ سوداء، وهي حارةٌ. ومعناه: أنه (٤) انتهى إلى عمارةٍ كان إذا نظر رأى بعينه عينًا حَمِئةً حاميةً، وكانت الشمس تغيب من تلك الحمئة؛ كالواحد منا إذا كان على شطِّ البحر وغربت الشمس رآها تغرب في البحر.

стр. 4881

وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ يجوز: عند الشمس؛ أي: بقرب رؤية غروب الشمس، ويجوز: عند العين الحمئة؛ أي: بقُربها. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾؛ أي: بالقتل ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾؛ أي: بالمنِّ، وقيل: بالأسر والاسترقاق (١)، وكانوا كفارًا فخيَّره فيهم بين الأمرين كما خيَّر نبيَّنا محمدًا ﷺ بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وبقوله في حق أهل الكتاب: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ليجتهد فيختارَ الأصلح في الدين. * * * (٨٧) - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: إذا أصرَّ على الكفر ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾؛ أي: بالقتل في الدنيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: فظيعًا في الآخرة. * * * (٨٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿جَزَاءً﴾ بالنصب والتنوين، وقرأ الباقون: ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ بالرفع والإضافة (٢)، وتقدير القراءة الأولى: فله الحسنى جزاءً، والحسنى: الجنة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، و ﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر، وتقديره: يجزى به جزاءً.

стр. 4882

وقوله تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾: أي: سنأمرُه بما هو يسرٌ. وقال السدي: كانت له آبارٌ يذيب (١) فيها الصُّفْر، فيأمر بالرجل فيُطرح فيها فيعذِّبه فيها (٢)، فذلك قوله ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ (٣). وقال ابن جريجٍ: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينةً لها اثنا عشرَ ألفَ بابٍ، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوبَ الشمس حين تَجب (٤)، واسمها: رومية. وفي رواية: لسمعوا صوتَ مرِّها في السَّماء كصوتِ المنشار في الخشب. قال وهبٌ: فلما بلغ المغربَ وجد عددًا لا يُحصيهم إلا اللَّه تعالى، وناسًا لا تُطاق، وألسنةً مختلفةً، وأهواءً مشتَّتةً، فكابَدهم بالظُّلمة فغشِيَتْهم من كلِّ جانب، فأسلموا كلُّهم، فجنَّد (٥) منهم جندًا عظيمًا، فقادهم والظُّلمةُ تسوقهم حتى ساروا (٦) إلى ناحية الأرض اليمنى إلى هاويل، فقطع البحار حتى أتاهم (٧).

стр. 4883

وقال السديُّ: وبلغ أرض الظلمات من قِبَل المغرب فدخلها بالخيل، ورأى تحت حوافرها ضوءًا كالنار فقال: مَن أخذ منها (١) ندم ومَن لم يأخذ ندم، فأَخَذ مَن أَخَذ وتَرَك مَن تَرَك، فلما خرجوا فإذا هو ياقوتٌ أحمر وأصفر، فندم مَن ترَك على الترك، وندم مَن أخذ على ترك الزيادة، وهو أول ياقوتٍ وقع في أيدي الناس (٢). * * * (٨٩ - ٩٠) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: أي: طريقًا آخر وهو إلى المشرق ﴿إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾: قال الحسن: كانت أرضهم أرضًا لا تحتمِل البناء، فكانت الشمس إذا طلعت عليهم تهوَّروا في البحار (٣)، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعَوا كما تراعَى البهائم (٤). وقال سَمُرةُ بنُ جندبٍ: لم يُبن (٥) فيها بناءٌ قط، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابًا لهم حتى تزول (٦).

стр. 4884

وقالوا: إنما لا تحتمِل (١) البناء لأنه لا جبال فيها، فتميدُ ولا تستقر. وقال مالك بن سليمان: هم قوم صغيرةٌ أجسامهم، وطعامُهم ما جَزَر عنه البحر من السمك، فأصابه حرُّ الشمس واشتوَى (٢)، فيأكلونه. وقيل: لا جبلَ بها ولا شجرَ ولا مأوى، ولا ثوبَ ليَستُرهم (٣). وقال مجاهد: مَن لا يلبس الثياب من السودان عند طلوع (٤) الشمس أكثرُ من جميع أهل الأرض (٥). وقال وهب: هم الزنج، وبها ذهبٌ ينبتُ نباتًا! * * * (٩١ - ٩٢) - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾: قيل: كذلك فعل ذو القرنين أَتبع الأسباب ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾؛ أي: وقد علمنا بما لديه من الصلاح كذلك. وقيل: كذلك جعل اللَّه تعالى أمرَ هؤلاء على ما أَعلم رسولَه. والثالث: أتبع سببًا بلغ به المشرق كما أتبع سببًا بلغ به المغرب، ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا

стр. 4885

بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾: علمنا (١) كلَّ ما فعل من جميع الجيوش والآلات والسياسات كذلك كانت حاله مع أهل المشرق كما كان مع أهل المغرب. وقيل: كذلك علِمنا هؤلاء القوم كما (٢) وجدهم هو، وعلِمنا أيضًا ما كان عنده من التدبير فيهم. وقال الحسن: كذلك كان خبرُه، ثم ابتدأ ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. وعلى هذه الأقاويل كلِّها ﴿لَدَيْهِ﴾ كنايةٌ عن ذي القرنين. وقال محمد بن جرير: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْه﴾؛ أي: بما عند مطلعِ الشمس ﴿عِلْمًا﴾، لا يخفى علينا ما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم (٣). قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: أي: طريقًا آخر. * * * (٩٣) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: قال الضحاك (٤) ومجاهد: السدَّان: جبلان بين أرمينية وأذربيجان (٥). وقوله تعالى: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾: أي: من ورائهما مجاوِزًا عنهما ﴿قَوْمًا﴾؛

стр. 4886

أي: أمةً من الناس ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾؛ أي: لا يعرفون الكلام إلا بلسانهم دون لسان ذي القرنين، ﴿يَكَادُونَ﴾ صلة زائدة. وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿يُفْقِهون﴾ بضم الياء وكسر القاف (١)، ومعناه ما قال السديُّ: لا يَفقه إنسان كلامَهم. قال ابن جريج: هم التُّرك (٢). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ بالفتح، وقرأ الباقون بالضم (٣). وقال عكرمة وأبو عبيدة: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة اللَّه تعالى فهو بالضم (٤). وقال أبو عمرٍو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشيء، وبالضم: الغشاوة في العين. وقيل -وهو قول الكسائي-: هما لغتان؛ كاليَنعْ واليُنعْ؛ والمَكْث والمُكْث (٥). * * * (٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.

стр. 4887

قوله تعالى ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: قرأ عاصم بالهمز والباقون بغير همز (١). فهَّم ذا القرنين وفهَّمَهم قولَه بعد وَصْفهم بأنهم لا يَفْقَهون ولا يُفْقِهون، وهو من الأسباب التي آتاه اللَّه تعالى كما علَّم سليمانَ مَنطِق الطير، أو تَرْجَم عنه آخَرُ (٢). قال وهب: لما كان عند منقطَعِ أرض التُّرك قالت له أمةٌ من الإنس صالحةٌ: إن بين هذين الجبلين خلقًا كثيرًا فيهم مشابهُ الانس، وهم أشباهُ البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش، ويأكلون الحياتِ والعقارب وكلَّ ذي روح، وليس للَّه خلقٌ يَنْمِي نماءَهم، ويوشِك أن يملؤوا الأرض ويُخْلون منها أهلها، وليست تمر بنا (٣) سنةٌ منذ جاورونا ورأيناهم إلا ونحن على خوفٍ أن يَطْلع علينا أوائلهم (٤). قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿خراجًا﴾ والباقون: ﴿خَرْجًا﴾ (٥). قال عطاءٌ وقتادة: أجرًا (٦). وقال السدِّي: جُعْلًا (٧).

стр. 4888

وقال الحكم: مالًا. وقال أهل اللغة: الخَرْج: ما يُخرَج من المال، والخَراج: ما يُخرَج من الأرض. ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾: فسألوه أن يجعل بينهم حاجزًا على أن يُعِينوه بمالهم دفعًا لفسادهم في الأرض. قال السدِّي: كانوا يَخرجون فيأخذون ويَقتلون ثم يَرجعون. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضنا أيامَ الربيع فلا يدَعون شيئًا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسًا إلا احتملوه وأدخلوه أرضَهم. وقيل: كانو ا يُفسدون معايشهم وأموالهم وأزواجَهم. وعن وهب: أنهم يلوطون بالرجال. وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا يأكلون لحوم الناس. * * * (٩٥ - ٩٦) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾: قال السدي: أي: ما أعطاني ربي من الدنيا خيرٌ مما تَعرضون عليَّ من المال (١). وقال ابن عباس ﵄: أي: العلمُ الذي أعطاني ربِّي بالأسباب التي يقع بها التمكينُ خيرٌ من جُعلكم.

стр. 4889

قرأ ابنُ كثير: ﴿مكَّنني﴾ بنونين على الإظهار، والباقون بنونٍ واحدة مشدَّدة على الإدغام (١). وقوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾: أي: برجالٍ وآلةٍ، ولا حاجة بي إلى المال. وقيل: أي: أعينوني بمالٍ أَصْرفه في الآلة، لا جُعلًا لي وأجرًا. وقوله تعالى: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾: أي: سدًّا. وقال ابن عباس ﵄ هو كأشدِّ الحجاب (٢). وقال الكلبي: لمَّا قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ قالوا: ما تريد؟ قال: آلة العمل، قالوا: ما هي؟ قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾؛ أي: ائتوني بزُبَرِ الحديد، يعني (٣): قطعَه. قال ابن عباس ومجاهد والربيع والسدِّي وعطاء: زبر الحديد: قطعُ الحديد (٤). وقال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة، والأَزْبرُ: الضخم (٥). وقيل: الزُّبرةُ: الجملة المجتمِعة، من قولك: زَبَرْتُ الكتاب؛ أي: كتبتُه وجمعتُ حروفه. ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: وهاهنا مضمرٌ تقديره: فأَتَوه بها فساوى بين الصدفين؛ أي: الجبلين، يعني: وضعها بينهما حتى صارت مساويةً لهما كالحشو فيما بينهما.

стр. 4890

وقيل: حتى وارى رؤوسهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الصاد والدال، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتحهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضمِّ الصاد وتسكينِ الدال (١)، وهي ثلاث لغات. قوله تعالى: ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾: أي: وضع المنافخ وأوقد النار في الحديد، ثم أمر بالنفخ فيها. ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾: أي: نفَخوا حتى ذاب الحديد كلُّه وصار كالنار في منظرها. وقوله تعالى: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ائتوني﴾ من الإتيان (٢)، وقرأ الباقون بالمد (٣)؛ أي: آتوني بقِطرٍ أفرغْ عليه، والقِطر: النحاس. وقيل: هو المذاب الذي يَقطُر. قال السدِّي: نضَّد الحديد، ثم وضع عليه الحطب، ثم قال: ﴿انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ ثم أمر بالصُّفْر فأذيب فصُبَّ عليه، فصار طريقةً حديدًا و (٤) طريقةً صُفرًا. وقال وهب: أمرهم بجمع الحديد والصُّفر والنحاس، ودخل هو بين بلادهم، ورأى حالهم وقاس ما بينهما، فكان بُعدُ ما بينهما مئةَ فرسخ، فرجع عنهم وحفر أسًّا (٥) حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوَها الصخورَ،

стр. 4891

وطينَها النحاسَ يذابُ ويُصبُّ عليه، وأعلاه زبر الحديد والنحاس المذاب، وصار كأنه بردٌ محبَّر من صُفرة النحاس وحمرتِه وسوادِ الحديد (١). * * * (٩٧) - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أي: يَعلُوه من فوقه لعلوِّه ومَلاسَته ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ من أسفله فيَخرجوا منه لكثافته وصلابته. * * * (٩٨) - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. ﴿قَالَ هَذَا﴾: أي: ما قوَّاني اللَّه تعالى عليه من هذا الرَّدم ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ على خلقه، وهو يبقى إلى الميقات (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾: وهو الوقت الذي وقَّته لخروجهم في آخر الزمان. ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: على قراءة المد: مستويةً (٣) على الأرض، من قولهم: ناقةٌ دكاءُ؛ أي: لا سنام لها، وهي قراءة ابن كثير ونافعٍ وأبي عمرو وابن عامر (٤)، والتأنيث راجع إلى مؤنَّث مضمَر؛ كأنه قال: جعله أرضًا دكَّاء.

стр. 4892

وقرأ الباقون غيرَ ممدودة بالتنوين، ومعناه: مدكوكًا؛ أي: مدقوقًا ملزوقًا (١) بالأرض، مصدر بمعنى المفعول؛ كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أي: مخلوق اللَّه، و: هذا الدرهم ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: أي: صدقًا، وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ولد لنوح سامٌ وحامٌ ويافث، فولد سام العربَ وفارسَ والروم والخيرُ فيهم، ووَلد يافث يأجوجَ ومأجوجَ والتركَ والصقالب ولا خير فيهم، ووُلد لحامٍ القِبْطُ والبربرُ والسودان" (٢). وفي الحديث المرفوع: "ولا يموتُ أحدهم حتى يُولد لصُلبه ألفُ رجل" (٣). وقال أبو سعيد: هم خمس وعشرون قبيلةً من وراء يأجوج ومأجوج (٤)، طولُ هؤلاء شبرٌ في شبرٍ. وفي حديث ابن عباس: شبر وشبران وثلاثة أشبار (٥).

стр. 4893

وقال كعب: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم [أجسامهم كالأرز، وصنف] أربعة أذرع في أربعةِ أذرع طولًا وعرضًا، وصنف يفترشون إحدى آذانهم ويلتحفون الأخرى (١). وقال حسان: هم أمتان، في كلِّ أمةٍ أربع مئةِ ألفِ أمةٍ، لا تشبه أمةٌ أمةً أخرى (٢). وقال الكلبي: طعامهم التنِّين (٣)، لا يزرعون إنما يقع في أبياتهم (٤) أمثالَ الجبال منها فيأكلونها (٥). وقال وهب: توسَّط ذو القرنين بلادهم فإذا لهم مخاليبُ وأضراسٌ وأنيابٌ

стр. 4894

كأنياب السباع وأضراسِها، وأحناكٌ كأحناك الإبل يسمع لها حركة (١) إذا أكلوا، وعلى أبدانهم شعورٌ يتوارون بها ويتوقَّون الحر والبرد، لكلِّ واحد منهم أذنان عظيمتان، على ظاهر إحداهما وباطنها وبرٌ، وعلى ظاهر الأخرى وباطنها زغبٌ، يتصيَّف في إحداهما ويتشتَّى في الأخرى، يعلم كلُّ ذكر وأنثى وقتَ موته، وهو إذا تم له ألفُ ولد، وإذا مطروا أخصبوا وسمنوا وشبعوا وتوالدوا وإذا لم يمطروا هزلوا وعجزت الذكور وحالت الإناث، يعوون عواء الذئاب، ويتسافدون حيث التَقَوا تسافُد البهائم (٢). وروَى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السدَّ كلَّ يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا، فيُعيده اللَّه تعالى أثبتَ ما كان، حتى إذا بلغت مدتُهم حفروه حتى كادوا يَخرقونه، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا إن شاء اللَّه تعالى، فاستثنى، قال: فيعودون إليه فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه فيخرجون على الناس ويستقون الماء، ويتحصَّن الناس منهم في حصونهم، فيَرمون سهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا أهل السماء، فبعث اللَّه عليهم نَغَفًا في أقفائهم فيهلكهم اللَّه تعالى به، فوالذي نفسي بيده إن دوابَّ الأرض لتسمنُ من لحومهم" (٣). * * *

стр. 4895

(٩٩) - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾: قال الحسن والكلبيُّ والسدي: يعني: يأجوج ومأجوج يوم خروجهم من السدِّ يموج بعضهم في بعضٍ يزدحمون ويتبادرون (١). وقال نفطويه: يختلطُ بعضُهم ببعضٍ مقبِلين مُدْبرين حيارَى. وقال ابن عباس ﵄: هم الجن والإنس يموجون عند خروج يأجوج ومأجوج (٢)؛ إذ هو عَلَمٌ للساعة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] إلى قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: ينفخ إسرافيل فيه. وقال ابن زيد: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾: هو أول يوم القيامة (٣)، وهذا الموجُ هو ازدحامهم (٤) واختصامهم. قوله تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾: للعرض والحساب والجزاء؛ كما قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. * * * (١٠٠) - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.

стр. 4896

وقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾: أي: أبرزنا جهنم لهم يرونها قبل أن يدخلوها بما فيها، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾. * * * (١٠١) - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾: صفةٌ لقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، مجازٌ عن احتجابهم عن النظر في العواقب والتفكُّر فيما ذكَّرهم اللَّه تعالى به. وقال مجاهد: ﴿فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: في غفلةٍ، كما قال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: أي: يَستثقلون سماع (١) ذكر اللَّه تعالى. * * * (١٠٢) - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أفظنَّ هؤلاء الذين كفروا وأشركوا واتَّخذوا (٢) الأنبياء والملائكة آلهةً أنهم إنْ تولَّوهم يصيرون لهم بذلك أولياءَ ينصرونهم ويشفعون لهم ويقرِّبونهم إلى اللَّه زُلفى. وهذا استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار؛ أي: ليس كذلك. و ﴿عِبَادِي﴾ إضافة التخصيص، فدلَّ على ما قلنا، وكذا قال ابن عباس ﵄، قال: هم عيسى والملائكة (٣).

стр. 4897

وقيل ﴿عِبَادِي﴾؛ أي: الشياطين والجن، وهو إضا فة التخليق، ولا يكونون أولياء، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾: للمعاندين والشياطين جميعًا. وقال مقاتل: ﴿يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾؛ أي: الأصنام (١)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: جعلناها مقرًّا (٢) لهم لينزلوها. وقال الزجَّاج: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: منزلًا (٣). وقيل: النُّزل: الطعام المهيَّأ للنازل. * * * (١٠٣ - ١٠٤) - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يجوز

стр. 4898

أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ نعتًا لـ (الأخسرين) ويكونَ جوابُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ جوابًا وتقديره: هم الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أي: تلاشَى عند اللَّه ثوابُ ما عملوا في الدنيا، وهم مع هذا يظنون أن ما يصنعونه من موالاةِ الكفار وتعنُّت النبيِّ ﷺ بهذه السؤالات صنعٌ حسنٌ. * * * (١٠٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: أولئك كفروا بالتوراة بجَحْد ما فيها ﴿وَلِقَائِهِ﴾؛ أي: البعثِ بعد الموت ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بطَلت ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ أي: لا نجعل لها قَدْرًا. * * * (١٠٦) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾: يَهْزؤون بذلك. ثم بعد ذكرِ جزاء الكافرين ذَكَر جزاء المؤمنين، وهو قوله: * * * (١٠٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾: أي: بساتينُ الأعناب وكلُّ شيء من الثمار والأزهار (١) وسائرِ ما يُلِذُّ ويُمتِع، وهو بلسان السُّريانيةِ في الأصل،

стр. 4899

وصارت عربيةً باستعمال العرب (١)، وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: ثوابًا معدًّا للنازلين بها. وقال أبو أمامة: الفردوس سُرَّة الجنة وأفضلُها (٢). * * * (١٠٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾: لا يطلبون عنها تحويلًا. قال الزجَّاج: هو مصدرُ حال يَحولُ حِوَلا كالصِّغَر والكبَر (٣). ومعناه: لا يتمنَّون التحوُّل عنها؛ لأنَّه يكون لكراهته، أو لوجود أفضلَ منه، وليس كذلك، ولأن الإنسان إنما يطلب التحوُّل إذا حُوِّل، وهم لا يحوَّلون. * * * (١٠٩) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: لمَّا سألوا (٤) عن الرُّوح وكذا وكذا ونزل في جواب الروح في آخر الآية ﴿وَمَا

стр. 4900

أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: إنه يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثم يقول هذا، فكيف يجتمعان؟! فنزلت الآية (١). أي: وإن كانت الحكمة -وهي القرآن- خيرًا كثيرًا وقد آتانيه اللَّه تعالى، ولكن (٢) كلمات اللَّه تعالى لا نفاد لها، ومعلوماتُه لا يحاط بها كثرةً، فما أوتيتُ أنا من القرآن ولا أنتم من التوراة في جنب ذلك إلا قليلًا. وقال السدِّي: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ فكُتب به ما وَصف اللَّه تعالى في الجنة للمؤمنين مما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطَر على قلبِ بشر، وما في النار للكافرين، وقد سبق ذكرهما في هذه الآيات، لنَفِدَ البحر قبل أن يَنْفدَ ذلك (٣)، ولو جيء ببحرٍ آخرَ مثلِه لنَفِدَ أيضًا؛ أي: فَنِيَ. وقال عكرمة: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾؛ أي: ثوابُ مَن تكلَّم بكلماتِ ربي، يعني: قال (٤): لا إله إلا اللَّه، قال تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]. * * * (١١٠) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

стр. 4901

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: مِثْلُكم في البشرية، وأُفارقكم في أن يُوحى إليَّ، فلا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد أَوحَى إليَّ أنْ أبلِّغكم. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلا تتخذوا من دونه أولياء (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: أي: يأمل ثواب الطاعة، وقيل: يخاف عقاب المعصية، والرجاء اسم لهما عند لقاء ربه؛ أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: خالصًا عن الشرك والرياء ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قيل: ولا يراءِ بعمله للَّه أحدًا مِن خلقه. وقيل: لا يشركْ باللَّه في العبادة شيئًا من الأصنام وغيرها. والحمد للَّه رب العالمين، ربِّ نجِّنا من القوم الظالمين، واجعلنا من عبادك الصالحين (٢)، بلطفك آمين (٣). * * *

стр. 4902

سورة مريم

стр. 4903

سورة مريم ﵍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي وهبَ لزكريا يحيى على وَهْنِ العظمِ واشتعالِ الرأس من الشيب، الرحمنِ الذي وعد جناتِ عدنٍ عبادَه بالغيب، الرحيمِ الذي أحبَّ عباده (١) الذين آمنوا وعملوا الصالحات وحبَّبهم إلى خِيَارِ خلقه مع ما بهم من العيب. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ مريم أُعطي عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بزكريا وصدَّق به، وبيحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عشرَ حسنات، وبعددِ مَن دعا للَّه ولدًا، وبعددِ مَن لم يَدْعُ للَّه ولدًا" (٢). وهذه السورةُ مكيةٌ، وهي تسعٌ وتسعون آيةً، وقيل: ثمان وتسعون آية، وقيل: سبع وتسعون آية (٣). والاختلافُ في ثلاث آيات: ﴿كهيعص﴾ ﴿فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٤).

стр. 4904

وكلماتُها تسعُ مئةِ كلمة وستون (١)، وحروفُها ثلاثة آلاف وثماني مئةٍ وإحدى وستُّون (٢). وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة (٣): أنه ختم تلك السورةَ بقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ثم بيَّن في أول هذه السورة أنه الكافي على الكمال فلا معنى للإشراك في عبادته وقصدِ غيره لمعونته أو كرامته. وانتظامُ السورتين في المعنى: أن تلك السورة في ذمِّ المشركين ووعد المؤمنين وإلزامِ الحجة عليهم بقصص الأولين، وختم تلك السورة بوعيد المشركين ووعد المؤمنين، وهذه السورة كذلك. * * * (١) - ﴿كهيعص﴾. وقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾: قال قتادة هي اسم للقرآن (٤). وقال جماعة: هي اسمٌ لهذه السورة. وقال السدي: هي اسم اللَّه الأعظم (٥).

стр. 4905

وقال محمد بن كعب: أقسم اللَّه تعالى بكفايته وهدايته ويُمنه وعلوِّه وصدقه (١). وقال ابن عباس ﵄ والكلبي ومقاتل والضحاك: هي أسماء اللَّه تعالى: كافٍ هادٍ عالمٌ صادق. وقال سعيد بن جبير: كريمٌ هادٍ، يده مبسوطةٌ بالعدل والفضل، عليمٌ صَمَدٌ (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: في هذه الحروف تعريفُ الأحباب أسرارَ معاني الخطاب، بحروفٍ خصَّ الحقُّ سبحانه المخاطَبَ بها بفَهْم معانيها، فللأغيار سماعُها وذكرُها، وللرسول فهمُها وسرُّها. قال: وقيل: في الكاف إشارةٌ إلى كتابته الرحمةَ على نفسه قبل كتابة الملائكة الزلَّةَ على عباده. والهاء تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريفِ هويَّته لاستحقاقِ جلال سلطانه، وتعريف هيبته للمؤمن (٣) وما له عليه من الحق بحكم إحسانه. والياءُ إشارة إلى يسر نعمه بعد عُسر محنه، وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده. والعين تشير إلى علمه بأحوال خلقه، سرِّه وجهره، قليلِه وكثيره، حالِه ومآله. والصاد إلى أنه الصادق في وعده (٤).
следующие страницы →