← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: مِثْلُكم في البشرية، وأُفارقكم في أن يُوحى إليَّ، فلا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد أَوحَى إليَّ أنْ أبلِّغكم. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلا تتخذوا من دونه أولياء (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: أي: يأمل ثواب الطاعة، وقيل: يخاف عقاب المعصية، والرجاء اسم لهما عند لقاء ربه؛ أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: خالصًا عن الشرك والرياء ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قيل: ولا يراءِ بعمله للَّه أحدًا مِن خلقه. وقيل: لا يشركْ باللَّه في العبادة شيئًا من الأصنام وغيرها. والحمد للَّه رب العالمين، ربِّ نجِّنا من القوم الظالمين، واجعلنا من عبادك الصالحين (٢)، بلطفك آمين (٣). * * *

стр. 4902

سورة مريم

стр. 4903

سورة مريم ﵍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي وهبَ لزكريا يحيى على وَهْنِ العظمِ واشتعالِ الرأس من الشيب، الرحمنِ الذي وعد جناتِ عدنٍ عبادَه بالغيب، الرحيمِ الذي أحبَّ عباده (١) الذين آمنوا وعملوا الصالحات وحبَّبهم إلى خِيَارِ خلقه مع ما بهم من العيب. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ مريم أُعطي عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بزكريا وصدَّق به، وبيحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عشرَ حسنات، وبعددِ مَن دعا للَّه ولدًا، وبعددِ مَن لم يَدْعُ للَّه ولدًا" (٢). وهذه السورةُ مكيةٌ، وهي تسعٌ وتسعون آيةً، وقيل: ثمان وتسعون آية، وقيل: سبع وتسعون آية (٣). والاختلافُ في ثلاث آيات: ﴿كهيعص﴾ ﴿فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٤).

стр. 4904

وكلماتُها تسعُ مئةِ كلمة وستون (١)، وحروفُها ثلاثة آلاف وثماني مئةٍ وإحدى وستُّون (٢). وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة (٣): أنه ختم تلك السورةَ بقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ثم بيَّن في أول هذه السورة أنه الكافي على الكمال فلا معنى للإشراك في عبادته وقصدِ غيره لمعونته أو كرامته. وانتظامُ السورتين في المعنى: أن تلك السورة في ذمِّ المشركين ووعد المؤمنين وإلزامِ الحجة عليهم بقصص الأولين، وختم تلك السورة بوعيد المشركين ووعد المؤمنين، وهذه السورة كذلك. * * * (١) - ﴿كهيعص﴾. وقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾: قال قتادة هي اسم للقرآن (٤). وقال جماعة: هي اسمٌ لهذه السورة. وقال السدي: هي اسم اللَّه الأعظم (٥).

стр. 4905

وقال محمد بن كعب: أقسم اللَّه تعالى بكفايته وهدايته ويُمنه وعلوِّه وصدقه (١). وقال ابن عباس ﵄ والكلبي ومقاتل والضحاك: هي أسماء اللَّه تعالى: كافٍ هادٍ عالمٌ صادق. وقال سعيد بن جبير: كريمٌ هادٍ، يده مبسوطةٌ بالعدل والفضل، عليمٌ صَمَدٌ (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: في هذه الحروف تعريفُ الأحباب أسرارَ معاني الخطاب، بحروفٍ خصَّ الحقُّ سبحانه المخاطَبَ بها بفَهْم معانيها، فللأغيار سماعُها وذكرُها، وللرسول فهمُها وسرُّها. قال: وقيل: في الكاف إشارةٌ إلى كتابته الرحمةَ على نفسه قبل كتابة الملائكة الزلَّةَ على عباده. والهاء تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريفِ هويَّته لاستحقاقِ جلال سلطانه، وتعريف هيبته للمؤمن (٣) وما له عليه من الحق بحكم إحسانه. والياءُ إشارة إلى يسر نعمه بعد عُسر محنه، وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده. والعين تشير إلى علمه بأحوال خلقه، سرِّه وجهره، قليلِه وكثيره، حالِه ومآله. والصاد إلى أنه الصادق في وعده (٤).

стр. 4906

(٢) - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾: قيل: ﴿كهيعص﴾ مبتدأ، وهذا خبره. وقيل: ﴿كهيعص﴾ كلام تامٌّ، ثم معناه: هذا ذكر رحمة ربك، كقولك: هذا ذكر سرِّ (١) فلان بن فلان، وهذا بيان ذكر رحمة اللَّه زكريا. وهو نبي اللَّه زكريا بن ماثان، قاله ابن عباس ﵄ (٢)، وزكريا بن يوحنا قاله مقاتل. * * * (٣) - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. ثم بيَّن ذلك بقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا وناجى، وكان ذلك في الصلاة كما قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وهو أبلغُ في التضرع. وقوله تعالى: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ عن الخلق، وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء. وقيل: أخفى ذلك حياءً من الناس وتوقِّيًا أن يلامَ على سؤال (٣) الولد وهو ابنُ خمس وثمانين سنة. * * * (٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.

стр. 4907

وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾: أي: ضعُف، وهو نهاية الضعف فإن العظم أشدُّ ما في البدن، وإذا انتهى الضعفُ إليه فهو غاية الضعف. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: أي: الْتَهبَ، يعني: عمَّ الشيبُ رأسي كالنار تشتعلُ في الحطب فتنتشر فيه، وهو مجاز. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾: أي: قد عوَّدْتَني الإجابة أبدًا، فلم تكن تُشقيني قط بالردِّ إذا دعوتُك، وتقول العرب: سَعِد فلانٌ بحاجته: إذا ظَفِر بها، وشَقِي: إذا خاب ولم ينَلْها، ولأن الشقاء هو التعب؛ قال تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، ومَن سعى لشيء فلم يدركه ظهر له التعبُ، وإذا أدركه زال تعبُه. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾: لقيتُ بضعفي عن خدمتِك ما لا أحبُّه (١)، ولا قوة بعد الشيب، فهب لي ولدًا ينوب عني في عبادتك (٢). * * * (٥) - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾: المولى: ابن العم والعصَبة، وجمعه: الموالي.

стр. 4908

و ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو عبيدة: أي: من جهة الموت الذي هو قدَّامي؛ قال الشاعر: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميمٌ والفَلاةُ ورائيا (١) أي: خِفْتُ عصَبتي الذين هم موجودون الآن ألَّا يقوموا مقامي في الدِّين بعد موتي، كأنه لم ير فيهم من الخِلال ما يَصلحون لذلك، فسأل من اللَّه تعالى ولدًا صالحًا لذلك. وقيل: أي: خفتُ بني عمي على الدِّين (٢) من بعدي، وهم شرارُ بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: قيل: أي: ولدًا. وقيل: أي: من الموالي مَن يصلح لذلك، فإن هؤلاء الموجودين لا يصلحون له. قال هؤلاء: ولم يسأل ولدًا، فقد قال: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾؛ أي: عقيمًا لا تلد، و (كانت) عبارةٌ عن تقادُم العهد وهو مما لا يزول غالبًا، فكان وصفًا منه لها بذلك للحال أيضًا، فكان لا يطمع في الولد منها، وإنما سأل عصَبةً تصلُح له. واستدلوا بقوله لمَّا بُشِّر به: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ وهو تعجُّبٌ منه، ولو كان استوهَبَ الولدَ ثم بشِّر بذلك لم يستعظِمْه. قالوا: فدل على (٣) أن معنى قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾؛ أي: مولًى، فإن المولى والوليَّ واحد.

стр. 4909

والأكثر على أنه سأل الولد، وقوله تعالى: ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: ولدًا هو وليٌّ من أوليائك. * * * (٦) - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: قال ابن عباس والحسن والضحاك: يرث المال (١). وقال أبو صالح: يرث النبوةَ (٢). وقال السدي ومجاهد والشعبي: يرثُني المال ويرثُ من آل يعقوب النبوة. وقد روي: "إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذه فقد أخذ حظًا وافرًا" (٣)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] إلى أن قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ويدلُّ عليه أنه وهب له يحيى وهو لم يرثِ المال وإنما ورث العلم. ومعنى وراثة النبوة: أنه يصلُح لها بأن يوحَى إليه، ولم يُرِدْ أن نفس النبوة تورثُ بغير وحي.

стр. 4910

وقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قيل: هو والد يوسف ﵉، لأن زكريا كان تزوج أخت مريم بنت عمران، وهي ترجع بنسبها إلى يعقوب، لأنها من ولد سليمان بن داود، وداود من ولد يهوذا بن يعقوب، ثم زكريا نفسه من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب. وقيل: هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وكان آل يعقوب أخوالَ يحيى بن زكريا، وهذا قول الكلبي ومقاتل (١). وقال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوسَ بني إسرائيل وملوكَهم، وكان زكريا رأسَ الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولدُه حبورتَه، ويرثَ هو أيضًا من بني ماثان مُلكَهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: قيل: هو بمعنى فاعلٍ؛ أي: راضيًا عنك وراضيًا بتقديرك. وقيل: هو بمعنى مفعول؛ أي: مرضيًّا عندك. وقيل: أي: مرضيًّا في أمَّته لا يُتلقى بتكذيبٍ ولا تسخُّطٍ لِمَا يأتي به. وقيل: مرضيًّا عندهم لا يُعاب بشيء، ولا يُنسَب إلى عيب. وقال القَفَّال: فيه بيانُ أنَّ مَن أراد أن يَسأل اللَّه تعالى حاجةً ما توجَّب (٣) أن يبلغ ما أَمكن بلوغه من إخلاص المسألة والانقطاعِ بالرغبة إليه، وتأكيدِ أسباب التضرع

стр. 4911

بإظهار الفاقة والعجز عن نيل ما يريد إلَّا بفضل اللَّه تعالى، ألا ترى أن اللَّه تعالى أخبر عنه أنه دعاه دعاءً خفيًّا في صلاته، وهي أقربُ أحوال العبد إلى ربه، ثم أظهر العجز عن نيل الوليِّ بكِبَر سنه ووَهْن عظمه وعُقْر امرأته، وما يخاف من ردِّ اللَّه تعالى إياه من مصير ميراث النبوة ورئاسةِ العلم في الأباعد منه، ثم توسَّل إلى اللَّه تعالى بما عوَّده من الإجابة في كلِّ ما كان يدعوه به، وفي ذلك طرف (١) من الشكر؛ لأنه اعترافٌ بتقدم المنَّة، فينبغي لمن أراد الدعاء أن يقدِّم أمام دعائه هذه المعانيَ وأشباهَها. * * * (٧) - ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا﴾: وفيه (٢) إضمار: فقلنا: يا زكريا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾: وكانت البشارة على لسان جبريل ﵇ كما في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾: أي: قد سميناه يحيى. وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾: قال ابن عباس وقتادة والحسن ونوفٌ البِكَاليُّ وابن زيد والسدِّي: لم يسمَّ أحد قبله يحيى (٣).

стр. 4912

وقيل: أي: سميناه يحيى قبل أن نخلقه، وسائر الأنبياء إنما سماهم آباؤهم وأمهاتهم بعد ولادتهم، فخصَصْناه (١) بتسميته إياه وبتسميته قبل خلقه. وقال قطرب: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾؛ أي: نظيرًا ومثْلًا. وقال ابن عباس ﵄: لم تلد قبله العواقرُ ولدًا (٢). وقيل: سمي يحيى لأنه به حَيِي به عُقرُ أمه. وقيل: لأن اللَّه تعالى أحيَى قلبه باليقين. * * * (٨) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: أي: كيف؟ وقيل: أي: من أين؟ فليس هذا باستعظامٍ ولا تعجيزٍ، بل هو استكشافٌ أنه بأيِّ طريق؟ كما مر في سورة آل عمران. وقال الحسن: سأل: كيف يُوهب له؟ أيُوهب (٣) وهو وامرأته على هيئتهما أم يحوَّلان شابين (٤)؟

стр. 4913

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: قرأ حمزة والكسائي وحفصٌ عن عاصم بكسر العين، والباقون بضمِّها (١). والعُتِيُّ: هو بلوغ نهاية الكبر، وقد عتَا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا وعُتِيًّا، فهو عاتٍ، وهو الذي غيَّره طول الزمان إلى حال اليبس والجفاف. وقال أبو عبيدة: كلُّ متناهٍ في كفرٍ أو فسادٍ أو كِبرٍ فهو عاتٍ (٢). وقال نفطويه: أراد به بلوغَ العمر الطويل، يقال: ليلٌ عاتٍ؛ أي: طويلٌ. وقيل: أراد زكريا بهذا: إني مع شدة حاجتي إلى الولد كبيرٌ لا يولد لمثلي، وامرأتي عاقرٌ لا يولد لمثلها، وأنت القادر على ما تشاء، فالْطُفْ لي بالولد كيف شئتَ، وأنت قادر على أن تحوِّلنا شابَّين، وأن تهبَ لنا الولد مع ما بنا، وكان هذا استخبارًا أنه: يولد لهما على هذه الحالة أو بعد الإحالة؟ * * * (٩) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: أي: أنت وامرأتُك كما قلتَ. ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: خلقُ هذا الولد عليَّ سهل ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أبدعتُك من قبلِ إخباري إياك عن خَلْق يحيى. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: أي: بشرًا كما أنت الآن، أو هو نفيُ الخَلق عن شيء في الابتداء، فإنَّ ما خَلَق اللَّهُ في الابتداء خلَقه لا من شيءٍ، ثم الآن وإن كان يتراءى خلقُ الولد من نطفةٍ وخلق النبات من حبةٍ (٣)، لكنَّ الأصل ما قلنا.

стр. 4914

ودلت الآية أن المعدوم ليس بشيء، وهو حجةٌ على المعتزلة. * * * (١٠) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: أي: علامةً أعلم بها أنه عَلِق؛ لأزيدَ في الشكر ودعاءِ السلامة. ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: أي: لا تطيقَ أن تكلِّمَ الناس ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾؛ أي: بأيامها ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: حال كونك سويَّ الأعضاء واللسان لا خرس به (١) ولا آفةَ ولا ضعفَ ولا سُقم، قاله قتادة (٢). وجاء: أنه كان يقدر على القراءة والذِّكر، ويعجز عن كلام الناس. * * * (١١) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾: أي: من موضع صلاته. وقيل: كانت له غرفةٌ يصعد إليها بسلَّم. وقد بينَّا الأقاويل فيه في سورة آل عمران وبينَّا القصة. وقيل: كان موضعًا لا يدخلونه إلا بإذنٍ، فاجتمعوا ينظرونه، فخرج إليهم وهو لا يتكلم.

стр. 4915

وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: أي: أشار ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾؛ أي: صلُّوا ﴿بُكْرَةً﴾؛ أي: صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾؛ أي: صلاة العصر، قاله أبو العالية، فيحتمِل أنهم كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين، وكان يخرج إليهم فيأذَن لهم بالدخول بلسانه، فلما اعتُقل أذن لهم بإشارته. وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: كتب على الأرض (١). وقال مجاهد: أشار إليهم (٢). وهو الأشبهُ؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ فإن ذلك لا يكون كتابةً. * * * (١٢) - ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾: وأضمَر هاهنا: فوهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته (٣) في حال طفوليَّته (٤): ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ قيل: أي: التوراة. وقيل: آتاه كتابًا خصَّه به. ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجدٍّ ومُواظَبة، وأخذُه: قبولُه والعمل به. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: أي: أعطيناه الذكاء وشدةَ الفهم حال صباه.

стр. 4916

قال معمر: إن الصبيان قالوا ليحيى وهو ابن ثلاث سنين: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للَّعبِ خُلقنا (١)! فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾؛ أي: الحكمة (٢) ﴿صَبِيًّا﴾. وقيل: ﴿الْحُكْمَ﴾: النبوة. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: رحمة وشفقة. وعن ابن عباس ﵄ قال: لا أدري ما الحنان والرقيم والغسلين (٣)، ثم روي عنه أنه قال: أُراه التعطُّفَ والرحمة (٤). وهذا معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ ﴿وَحَنَانًا﴾؛ أي: وعطفًا على العباد وشفقةً. ﴿وَزَكَاةً﴾: أي: طهارةً، وقيل: وتزكية، فإنه من زكاة الزرع وهو نماؤه. وقيل: ﴿وَحَنَانًا﴾؛ أي: ورحمةً منا له ﴿وَزَكَاةً﴾؛ أي: تزكيةً منا إياه (٥)؛ أي:

стр. 4917

تشريفًا ورفعًا (١)؛ كتزكيَةِ المزكِّي الشهودَ، وعلى هذا تكون الواو في أوله زائدةً، أو يضمرُ بعده فعلٌ؛ أي: ولرحمةٍ منا عليه وتزكيةٍ منا إياه فضَّلناه بإيتاء الحكم والكتاب في صباه على كثير من الأنبياء. وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: تعظيمًا (٢). وفي حديث ورقةَ بن نوفل حين رأى بلالًا يعذَّب وهو يقول: أحدٌ أحد، أنه قال: واللَّه لئن قتلتُموه لأتّخِذَنَّهُ حنانًا (٣)؛ أي: لأتمسَّحنَّ به ولأجعلنَّه ممن يعظَّم ويُشهر أمرُه ويجعلُ قبرُه مزارًا. وقيل -وهو قول قتادة-: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: رحمةً على زكريا استجبنا له وأعطيناه هذا الولد (٤)، ويتصل بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾: أي: يحيى ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ وهو أحد وجوه التقوى. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾: أي: متكبِّرًا متعظِّمًا على عباد اللَّه. وقيل: أي: متمرِّدًا على اللَّه. وقيل: الجبار: الذي لا يرى لأحد على نفسه حقًّا ولا طاعة. وقال سفيان: الجبار: الذي يَقتلُ على الغضب (٥)، ومَن قتل اثنين فهو جبَّارٌ

стр. 4918

في الأرض؛ قال اللَّه تعالى خبرًا: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩]. وقيل: الجبار الذي يعاقب على غضب نفسه لا على استحقاق الجاني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]. والعَصِيُّ: المُبالغ في العصيان، وهو مخالفة الأمر. * * * (١٥) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: هي كلمة مدح وثناء؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، وهو إخبارٌ بطِيب مولد يحيى وحُسن خاتمته وفوزه يومَ القيامة، والمعنى: إن السلامة والطهارةَ والبراءةَ من خلاف الجميل (١) مقرونةٌ به في أحواله هذه، لم يَجْرِ عليه ما يَدخله عيبٌ ونقصٌ وذم. وقيل: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أمانٌ له من اللَّه يومَ ولد من أن ينالَه الشيطان ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾؛ أي: وأمانٌ له من فتَّاني القبر ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾؛ أي: وأمان له من العذاب (٢) يوم القيامة؛ قاله ابن جريرٍ (٣). وقال ابن عيينةَ: أوحشُ ما يكون الخلقُ في ثلاثة مواطنَ: يوم وُلد فيَرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيَرى قومًا لم يكن عايَنهم، ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشَرٍ عظيم، فأكرمه اللَّه تعالى بالسلامة فيها (٤).

стр. 4919

قال نفطويه: فهذه فُجاءاتٌ ثلاثٌ لا فُجاءةَ أعظمُ منها فسلَّمه فيها. * * * (١٦) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾: وانتظامُ هذه القصة بقصة زكريا ﵇: أن سؤال زكريا الولدَ كان عند مشاهدته حالَ مريم، على ما قال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ الآيةَ ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾؛ أي: اقرأ عليهم في القرآن قصةَ مريم؛ ليقفوا عليها، ويعلموا ما جرى عليها من ولادة عيسى، فيَعتقدوا ذلك فيَسلموا من شرك النصارى، ويعرفوا قَدْرَ الصلاح والتقوى عند اللَّه ممن كان ذكرًا أو أنثى. وقوله تعالى: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾: أي: تباعدت. وقال قتادة: أي: انفردتْ (١)، وقعدتُ نبذةً؛ أي: ناحيةً. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: أي: قومها الذين هي فيهم (٢) ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: موضعًا يلي مشرق الشمس. قال ابن عباس ﵄: إنما اتَّخذت النصارى المشرقَ قبلة وزعموا أنه لو كان شيء من الأرض خيرًا من المشرق لوضعت مريم عيسى به (٣). وإنما انتبذت عند بعضهم لأنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي (٤).

стр. 4920

وقيل: حاضت وطهُرت، فخرجت من بيتها لتتطهَّر وتمتشِط (١). وقيل (٢): اعتزلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيِّه لتخلوَ للعبادة. * * * (١٧) - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: قال السدي: من الجدران. وقال ابن عباس ﵄: حجابًا يسترها من الشمس (٣). وقيل: حجابًا تستتر به عن الناس في الاغتسال (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾: أي: جبرائيل، قاله الحسن وقتادة والسدي وابن جريج ووهب بن منبه (٥)، والإضافة للتشريف. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾: أي: تصوَّر لمريم ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: آدميًا ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: صحيحَ الأعضاء لتُطيق مريمُ النظر إليه. وفي القصة: أنها رأت شابًّا صبيحًا عليه ثيابٌ بيض ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ خافت منه وظنَّت أنه رجل يريدها بسوء، وعلمت أنها لا تقدر على دفع ذلك بنفسها فاستعاذت باللَّه.

стр. 4921

﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: والتقيُّ يعيذ مَن استعاذ باللَّه، وغيرُ التقي لا ينفع ذلك عنده، وهو كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. * * * (١٩) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾: أمَّنها مما خافت، وأخبر أنه ليس بآدميٍّ يُخافُ منه، بل هو رسول من اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: قرأ أبو عمرو ونافع: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ (١)؛ أي: ليَهَب اللَّه لك؛ أي: أنا مبشِّر لك بذلك، وقرأ الباقون: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾؛ أي: أتسبَّبَ بهبة (٢) اللَّه لك ذلك، وهو ما كان من نفخه في جيبها بأمر اللَّه . وقيل: أضمر القول هاهنا: إنما أنا رسول ربِّك بقولِ اللَّه تعالى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾؛ أي: ابنًا صالحًا طيِّبًا طاهرًا. وقال عكرمة: كانت مريم تكون في المسجد ما دامت في الطهر، فإذا حاضت تحوَّلت (٣) إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسحد، فبينا هى تتطهَّر من الحيض عَرَض لها جبريل في صورةِ غلامٍ أمردَ وضيءِ الوجه، فلما رأته مريم قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ الآية (٤).

стр. 4922

وقال ابن عباس ﵄: ونفخ جبريلُ في جيب درعها فحملت (١). وقيل: نفخ من بعيد فوصل أصل (٢) الريح إلى جسدها. * * * (٢٠) - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾: أي: بالحلال ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾؛ أي: زانية، ولا يكون الولد في العادة إلا من أحدِ هذين الوجهين، فأنَّى يكون لي ولد؛ أي: كيف ومن أين؟ وهو استعظامٌ واستبعاد. وقيل: هو سؤال وجهُه: أنى يكون: بزوجٍ أتزوَّجه (٣)، أو يخلق اللَّه تعالى فيَّ ذلك بغير زوج؟ * * * (٢١) - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ﴾: أي: قال جبريل: بل هو (٤) كما قلتِ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾: أي: خلقُه من غير أبٍ يسيرٌ عليَّ.

стр. 4923

قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾: أي: نَهَبُه لك من غير أبٍ لنجعله معجزةً له (١). وقيل: أي: نجعل هذا الولدَ اَيةً للناس دالةً على قدرة اللَّه تعالى ووحدانيته. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾: نرحمُ به عبادنا ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾؛ أي: شأنًا كائنًا قضى اللَّه به. * * * (٢٢) - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾. قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾: أي: حملت الولد في البطن بالنفخ ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي: تنحَّت بالحمل ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾؛ أي: بعيدًا عن الناس، وقد قصا يَقْصو قَصْوًا فهو قاصٍ وقصيٌّ؛ أي: تباعَدَ، وأقصى (٢) غيرَه؛ أي: أبعده. وقيل: أي: انتبذت خوفًا على نفسها من القتل. وقيل: خوفًا على ولدها لو ولدته فيما بين أظهُرهم. وقيل: كما حملت أخذها المخاض، ففكَّرت فيما يقول لها الناس فانتبذت. وقيل (٣): مكثَتْ بعد الحمل مدةً، واستبان بها الحمل، وقالوا فيها ما قالوا، فتنحَّت (٤) حينئذ فأخذها المخاض في طريقها. * * *

стр. 4924

(٢٣) - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾: تعديةُ جاء، وقيل (١): أي: ألجأها؛ قاله الحسن وقتادة ومجاهد وعكرمةُ (٢). والمخاض: وجع الولادة، وحقيقتُه: اضطراب الولد للخروج، وقد تمخَّض؛ أي: تحرَّك. وقوله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: أي: أصلِها، وكان يابسًا، وتعريفُ النخلة دليلٌ أنها كانت نخلةً معروفة مشهورة. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾: قيل: لمَّا ضربها (٣) الطَّلْقُ عِيْلَ صبرُها فتمنَّت الموت، وهذا كلام يستعمله الصالحون عند الشدائد طبعًا -لا تسخُّطًا (٤) لقضاء اللَّه تعالى ولا تشكِّيًا- فيُعذرون. وقيل: كرهت مقالة (٥) الناس وطعنَهم فيها. وقيل: قالت ذلك شفقةً على قومها أنهم يأثَمون بما يقولون فيها ويعاقَبون عليه. وقيل: إنما قالت ذلك: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ حتى لا تسمع ما يقولون (٦): مريم زوجة اللَّه وعيسى ابن اللَّه.

стр. 4925

وقال القشيري ﵀: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قالت: كنت منفردةً للَّه فأخاف أن يتعلق بعضُ قلبي بالولد (١). وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿نَسْيًا﴾ بفتح النون، والباقون بكسرها (٢)، وهما لغتان، وهو الشيء المتروك كأنه منسيٌّ، قال الشاعر: كأنَّ لها في الأرض نِسْيًا تَقُصُّه... إذا ما غَدَتْ وإنْ تكلِّمْك تَبْلَتِ (٣) وقال قُطربٌ: هو الشيءُ ينساه القوم من حَبْلٍ أو إداوةٍ. وقال يونس: كانوا إذا أرادوا الرحيل عن منزلٍ قالوا: احفظوا أنساءَكم. وقال بعضهم: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾؛ أي: حيضةً ملقاةً (٤)؛ أي: خرقةَ حائضٍ لأنها تُلقى فتُنسى ولا تُذكر. وقيل: النَّسْي بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسمٌ للمنسيِّ المتروك، وهو كالقَشْر والقِشْر، والقَطْف والقِطْف ونحو ذلك.

стр. 4926

(٢٤) - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾: قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص: ﴿مِنْ﴾ بكسر الميم، والباقون: ﴿مِنْ﴾ بفتحها، بمعنى: الذي ﴿تَحْتِهَا﴾ (١)، وأُضمر قبل هذه الآية: فوَلدت فناداها، قيل: ناداها جبريل ﵇، وقيل: ناداها عيسى. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال نوفٌ البِكاليُّ: من أقصى الوادي (٢). وقال عكرمة: كانت على رابيةٍ حين ولدت (٣). وقيل: من تحت النخلة، وكانت المناداةُ مخاطَبةً لها لا رفعًا للصوت؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. وقيل: مَن تحتَ مريمَ عيسى، وقد وضعَتْه على الأرض بلا قابلةٍ. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾: أي: لا تهتمِّي بالوحدة وعدمِ الطعام والشراب وقالةِ الناس. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾: قال البراء بن عازب: جدولًا (٤).

стр. 4927

وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﵃: نهرًا (١). وقال إبراهيم: نهرًا صغيرًا (٢)، وهو الحاصل والصحيح (٣). وقال الحسن: ﴿سَرِيًّا﴾؛ أي: ولدًا سريًّا (٤)؛ أي: فاضلًا. وحُكي: أنه قرأ هذه الآية وعنده حميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري فقال: إن كان عيسى لسريًّا كريمًا، فقال حميد: إنما هو الجدول، فقال له الحسن: مِن ثَمَّ (٥) تُعجبنا مجالستك، ولكن غلبتْنا عليك الأمراء (٦). وفي رواية: قال له خالد بن صفوان: إن العرب تسمي الجدول سريًّا، فقال الحسن: صدقتَ (٧)، هو كما قلتَ، ورجع إلى قوله. * * * (٢٥) - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾: أي: حرِّكي ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الباءُ زائدة كما في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].

стр. 4928

وقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْك﴾: قرأ ابن كثير ونافعٌ وأبو عمرٍو وابن عامر (١) والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿تَسَّاقطْ﴾ بالتاء المفتوحة وتشديدِ السين، وأصلها: تتساقط، فأدغمت الأولى في الثانية، وقرأ حمزة بتخفيف السين مع فتح التاء على حذف أحدهما، قال امرؤ القيس: فلو أنها نفسٌ تموت سريعةً... ولكنها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسا (٢) وقرأ حفصٌ عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف مخفَّفة السين من المساقَطة (٣). وقوله تعالى: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾: أي: طريًّا يُجتَنَى؛ أي: يُقتطف، فحوَّل اللَّه تعالى جذعَ النخلة اليابسة مثمرةً كرامة لها، وكان ذلك في الشتاء. ودلت الآية على جواز الكسب، فإن اللَّه تعالى أمرها بهزِّ جذع النخلة (٤) ليكون ذلك لها بكسبها. * * * (٢٦) - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.

стр. 4929

وقوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾: أي: من الرُّطَبِ الجنيِّ ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء السَّرِيِّ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾؛ أي: بالولد الرَّضي، وهذا كلُّه لإزالة حزنها كما قال: ﴿وَلَا تَحْزَنِىَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: (إمَّا) أصله: (إنْ ما) كلمةُ شرطٍ مؤكَّدةٌ بـ (ما)، ﴿تَرَيِنَّ﴾ النون المشدَّدة للتأكيد. وقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ﴾: أي: التزمْتُ ﴿لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام. وقيل: أي: حقيقةَ صوم، وكان صومهم فيه الصمتَ، فكان ذكرُه والتزامُه (١) التزامَه. ثم قيل: لمَّا التزمت الصمتَ فلمَ قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وهذا كلام منها (٢)، وتركُ الصمت الذي نذرته؟ وجوابه: أن بعضهم قال: قالت ذلك إشارةً لا نطقًا، وقد تسمى الإشارة على الشيء كلامًا وقولًا، قال الشاعر في وصف القبور: وتكلمتْ عن أوجهٍ تَبْلَى. . . . . (٣) وقال آخر في وصف الناقة: تقولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني... أهذا دِينُه أبدًا ودِيني أكلَّ الدَّهرِ حِلٌّ وارتحالٌ... أمَا يُبْقِي عَلَيَّ ولا يَقِينَي (٤)

стр. 4930

وقيل: كانت مأمورة بذلك: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فكان وجوبُ الصمت بعد هذا الكلام. وكان جواز ذلك في تلك الشريعة، وقد نسخ ذلك فينا، روى زيد بن وهب عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه دخل على امرأة وقد نذرت ألَّا (١) تتكلَّم، فقال أبو بكر ﵁: إن الإسلام هدم هذا فتكلَّمي (٢). * * * (٢٧) - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾: أي: بعيسى ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قيل: عجيبًا، وقال مجاهد وقتادة والسدِّي: عظيمًا (٣). ويجوز أن يكون الفريُّ بمعنى المفترَى؛ أي: في زعمك أنه ليس بزنًا ولا نكاحٍ. * * * (٢٨) - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾: قال قتادة: أي: يا أختَ هارونَ بنِ عمران في الصلاح (٤).

стр. 4931

وقيل: كان أخوها من أبيها يسمَّى هارون (١). وقيل: كان هارون في زمانها رجلَ سوءٍ رمَوها به. وقيل: كان رجلًا صالحًا فشبَّهوها به (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: أي: زانيةً، والبغاء: الزنا -بكسر الباء- قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]؛ أي: فكيف أتيتِ بهذا الولد وأنت معروفةٌ بالصلاح وولدُ الأبوين الصالحين. * * * (٢٩) - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى عيسى أنْ كلِّموه (٣). ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: ﴿كَانَ﴾ زائدة، ومعناه: مَن هو في المهد صبيٌّ. وقيل: ﴿كَانَ﴾؛ أي: حدث ووقع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. والمهد: الحِجْر هاهنا، لأنها كانت حملتْه في خرقةٍ. والمهد: المَقَرُّ، كما (٤) قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، ومهَّدْتُ عذري تمهيدًا (٥)؛ أي: قرَّرته.

стр. 4932

ومعنى ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾: [كيف نتكلَّم] نحن معه (١) وهو لا يفهم ولا يجيب. وقيل: هو على القلب؛ أي: كيف يكلِّمنا مَن هو في المهد صبيًّا (٢). وقيل: هو مهدُ الصبي، ومعناه: أنه من أهل المهد وإن لم يكن في تلك الحالة موضوعًا في المهد؛ كما يقال: صبي يرتضع (٣)؛ أي: هو من أهله وإن كان لا يرتضع حالَ الإخبار عنه. * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. ولما أسكتَتْ بأمر اللَّه تعالى لسانها الناطقَ أنطق اللَّه تعالى لها لسانها (٤) الساكت: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾: بدأ بالإقرار بالعبودية للَّه ﷻ ، وهو قطعٌ لكلام النصارى وإبطالٌ لمقالهم. وقوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: أي: يؤتيني الكتاب، وهو الإنجيل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾: أي: يرسلني إلى خلقه رسولًا ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: أي: وجعلني نفَّاعًا للخلق. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾: أي: يوصيني بذلك؛ أي:

стр. 4933

يأمرني. تكلَّم بهذا (١) إلى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٢) ثم لم يتكلَّم بعد ذلك إلى أن بلغ مبلغ كلام الصبيان، فكان ذلك آيةً أظهرها اللَّه تعالى كراهةً لمريم لبراءتها، وكان ذلك إخبارًا منه بكونها في وقت احتمالها (٣). وقيل: بل هو إثباتُ هذه الصفات للحال، وكان اللَّه تعالى أعطاه في تلك الحال العقل الكامل والفهمَ النافذ. وفي الخبر: أن خمسةً تكلموا قبل أوانِ الكلام: عيسى بنَ مريم، وشاهدَ يوسف، وولدَ ماشطةِ بنتِ فرعون، وولدَ المرأة التي أحرقت في الأخدود، وصاحب جُريجٍ (٤). وروى الحسن عن النبيِّ ﷺ أنه قال: أسلمتْ أمُّ عيسى عيسى إلى الكتَّاب، فقال له المعلم: اكتب، فقال عيسى: أيَّ شيء (٥) أكتب؟ قال: اكتب أبجد (٦)، قال عيسى: لا

стр. 4934

أكتب شيئًا لا أدري ما هو، قال: اكتب كما تؤمر، قال: إن كنت لا تعلم فأنا أعلِّمك، قال المعلم (١): أيُّ شيء أبجد؟ قال عيسى: الألف آلاء اللَّه، والباء من بهاء اللَّه، والجيم من جمال اللَّه، والدال أدُّوا الحق إلى أهله (٢). وعلى هذا قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: أوحَى إليَّ الإنجيل. وقيل: أي: علَّمني في بطن أمي التوراةَ والزبور. وروي أنه كان يقرأ وهو في بطن أمه وهي تسمعُه وتأنَس (٣) به. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ بما أوحى إليَّ. ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قيل: مؤدَّبًا معلَّمًا. وقيل: هاديًا مهديًّا. وقيل: نفَّاعًا. وقيل: البركة: الزيادة في منافع الدِّين؛ من الدعاء إلى اللَّه، والعملِ بأمره وحكمه، والدلالةِ على سبيل النجاة. قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾: أمرني بأدائها إذا قدرتُ عليها ﴿وَالزَّكَاةِ﴾؛ أي: بأدائها إذا ملكتُ النصاب وحالَ عليه الحول. وقيل: ﴿بِالصَّلَاةِ﴾؛ أي: بالدعاء والثناء على اللَّه تعالى للحال ﴿وَالزَّكَاةِ﴾؛ أي: تطهيرِ (٤) النفس عن الأدناس؛ أي: إبقائها على الطهارة. * * *

стр. 4935

(٣٢) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾: أي: وجعلني عاطفًا عليها مؤدِّيًا حقَّها. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: أي: متعظِّمًا على عباد اللَّه، لا أرى لأحدٍ منهم عليَّ حقًا. وقيل: ﴿جَبَّارًا﴾؛ أي: عاقًّا والدتي متكبِّرًا عن أداءِ (١) حقها ﴿شَقِيًّا﴾ لأن الجبار يكون كذلك؛ قال النبي ﷺ : "لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا مِن شقيٍّ" (٢). وقيل: ﴿جَبَّارًا﴾؛ أي: متعظِّمًا عن عبادة اللَّه تعالى وطاعته، ومَن استكبر عن ذلك شَقِيَ كما شَقِيَ إبليس بإبائه واستكباره. وقال قتادة: قالت امرأة لعيسى حين رأته يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلى غير ذلك: طوبَى لبطنٍ حملك، وطوبى لثديٍ أرضعك، فقال: طوبى لمن تَلَا كتابَ اللَّه تعالى واتَّبع ما فيه (٣). * * * (٣٣) - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾: أَخبر أن اللَّه تعالى حكَم له بالسعادة والسلامة (٤) في هذه الأحوال عن كلِّ آفةٍ وعيب.

стр. 4936

وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ من الهَمْزة واللَّمْزة من الشيطان ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ من ضغطة القبر ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ في الآخرة من العناء (١). * * * (٣٢) - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: أي: ذلك الموصوفُ بأنه عبد اللَّه وكذا وكذا هو عيسى بن مريم، هو بهذه الصفة لا كما قال النصارى: إنه ابن اللَّه، أو هو اللَّه، أو هو ثالث ثلاثة، ولا كما يقوله اليهود: إنه لغير رِشْدةٍ، وإنه ابن يوسف النجار. وقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿قَوْلَ الْحَقّ﴾ بنصب اللام على المصدر؛ أي: أقول قولَ الحق، وقرأ الباقون برفعها (٢)؛ أي: هو قولُ الحق. ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْحَقّ﴾، ونصبًا نعتًا للقول على قراءة مَن ينصبُه، ورفعًا نعتًا للقول على قراءة مَن يرفعُه، أو نعتًا لعيسى. و ﴿يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: يختلفون ويختصمون. وقيل: يشكُّون، والمرية: الشك، والمراء: الجدال، فاليهود مع النصارى يختلفون فيه فيما بينهم، ثم النصارى يختلفون فيه فيما بينهم أيضًا. قال قتادة: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا (٣) أربعةَ نفرٍ، فأخرج (٤) كلُّ قوم

стр. 4937

عالِمَهم، فامترَوا في عيسى حين رُفع (١)، فقال أحدهم: هو اللَّه هبط إلى الأرض فأحيَى مَن أحيَى وأماتَ مَن أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، وقالت الثلاثة: كذبتَ، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، فقال: هو ابن اللَّه، وهم النَّسطورية، فقال الاثنان منهم: كذبتَ، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة؛ اللَّه إلهٌ وهو إلهٌ وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابع: كذبتَ، هو عبدُ اللَّه ورُوحه وكلمتُه، وهم المسلمون، فكان لكل رجلٍ منهم أتباع -على ما قال- فاقتتلوا فظهروا على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٢١]. قال قتادة: وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ فاختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (٢). وروينا (٣) فيه طريقًا آخر عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. وروينا هذا في سورة المائدة في حديث طويل: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ سورة مريم على النجاشي بحضرة أساقفته، فقال النجاشي وأخذ عودًا من الأرض: ما عدا عيسى ما جاء به محمد مقدارَ هذا، أو كما قال. * * * (٣٥) - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

стр. 4938

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه اتِّخاذُ الولد ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: هو منزَّهٌ عن ذلك. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: أن كون عيسى من غيرِ أبٍ (١) لا يوجِب أن يكون إلهًا أو ابنَ اللَّه، لأن اللَّه تعالى لا يتعذَّر عليه خلقُ ما يريده من غير أصلٍ، بل إذا أراد شيئًا خلَقه كما يريد. وقيل -وهو ا لأوجهُ-: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ﴾: الذي قال (٢) هو هذا القولَ الحقَّ، وهو ما ذكر في الآية، ويكون هذا من كلامه، ويدل عليه آخرَه: * * * (٣٦) - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: لا يجوز أن يُحمل هذا إلا على كلامه وإخباره، فكذا أوله. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة، وله وجوهٌ: قال أبو عمرو: وقضى أن اللَّه ربِّي وربُّكم. وقيل: وأوصاني أن اللَّه ربي. وقيل: ذلك عيسى بن مريم وأنَّ اللَّه، قاله الفرَّاء (٣). وقيل: أي: ولأن اللَّه ربِّي.

стр. 4939

وقرأ الباقون: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف (١). وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي: فاقصُروا عبادتكم عليه ولا تُشركوا به شيئًا، وهو الطريق السويُّ المفضِي بسالكيه (٢) إلى الجنة. * * * (٣٧) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: أي: من بين أصحابِ عيسى، وهو ما ذكرنا. وقيل: من بين قومه. وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، وهكذا في مصحف ابن مسعود ﵁ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي من الأحزاب، فقد كان واحدٌ من الفرق على الحق. ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم﴾: يجوز أن يكون المشهد موضعًا ومصدرًا؛ أي: فويل لهم إذا شهدوا يوم القيامة وتبرأ عيسى منهم وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٧]. وقيل: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: هو اجتماعهم للتشاور فيه، فاجتمعوا على الشرك، وجعَله عظيمًا لفظاعة ما جرى فيه، وهو كقوله تعالى: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقولهِ: ﴿ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: فظيعًا منكَرًا.

стр. 4940

(٣٨) - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾: أي: ما أبصرهم وأسمعهم ذلك اليوم، وهو كلمةُ تعجُّب، ومعناه: أنهم حلُّوا في هذا محلَّ مَن يُتعجَّبُ منه (١)؛ أي: سيسمعون (٢) يومئذٍ ما يصدِّعُ قلوبهم، ويرون ما يُهلكهم. وقيل: أي (٣): كانوا صمًّا عن استماع الحق وعُميًا عن رؤية الحق في الدنيا، فيصيرون بخلاف ذلك فيسمعون صفتَهم ويبصرون عاقبتَهم. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسَهم ووضعِهم العبادةَ في غير موضعِها في ضلالٍ مبينٍ عن الحق، ظاهر بيِّن (٤) عن نفسه لوضوحه، وهو اعتقادهم عيسى إلهًا معبودًا مع ظهور أحواله. * * * (٣٩) - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: قيل: هو يومُ الموت. وقيل: هو يومُ القيامة. وقيل: هو يومَ (٥) يُذبح الموت. وقيل: هو يومَ يُخرج آخرُ فريق من المسلمين من النار ثم تسدُّ طبقاتها.
следующие страницы →