← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ من الهَمْزة واللَّمْزة من الشيطان ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ من ضغطة القبر ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ في الآخرة من العناء (١). * * * (٣٢) - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: أي: ذلك الموصوفُ بأنه عبد اللَّه وكذا وكذا هو عيسى بن مريم، هو بهذه الصفة لا كما قال النصارى: إنه ابن اللَّه، أو هو اللَّه، أو هو ثالث ثلاثة، ولا كما يقوله اليهود: إنه لغير رِشْدةٍ، وإنه ابن يوسف النجار. وقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿قَوْلَ الْحَقّ﴾ بنصب اللام على المصدر؛ أي: أقول قولَ الحق، وقرأ الباقون برفعها (٢)؛ أي: هو قولُ الحق. ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْحَقّ﴾، ونصبًا نعتًا للقول على قراءة مَن ينصبُه، ورفعًا نعتًا للقول على قراءة مَن يرفعُه، أو نعتًا لعيسى. و ﴿يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: يختلفون ويختصمون. وقيل: يشكُّون، والمرية: الشك، والمراء: الجدال، فاليهود مع النصارى يختلفون فيه فيما بينهم، ثم النصارى يختلفون فيه فيما بينهم أيضًا. قال قتادة: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا (٣) أربعةَ نفرٍ، فأخرج (٤) كلُّ قوم

стр. 4937

عالِمَهم، فامترَوا في عيسى حين رُفع (١)، فقال أحدهم: هو اللَّه هبط إلى الأرض فأحيَى مَن أحيَى وأماتَ مَن أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، وقالت الثلاثة: كذبتَ، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، فقال: هو ابن اللَّه، وهم النَّسطورية، فقال الاثنان منهم: كذبتَ، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة؛ اللَّه إلهٌ وهو إلهٌ وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابع: كذبتَ، هو عبدُ اللَّه ورُوحه وكلمتُه، وهم المسلمون، فكان لكل رجلٍ منهم أتباع -على ما قال- فاقتتلوا فظهروا على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٢١]. قال قتادة: وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ فاختلفوا فيه فصاروا أحزابًا (٢). وروينا (٣) فيه طريقًا آخر عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. وروينا هذا في سورة المائدة في حديث طويل: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ سورة مريم على النجاشي بحضرة أساقفته، فقال النجاشي وأخذ عودًا من الأرض: ما عدا عيسى ما جاء به محمد مقدارَ هذا، أو كما قال. * * * (٣٥) - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

стр. 4938

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه اتِّخاذُ الولد ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: هو منزَّهٌ عن ذلك. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: أن كون عيسى من غيرِ أبٍ (١) لا يوجِب أن يكون إلهًا أو ابنَ اللَّه، لأن اللَّه تعالى لا يتعذَّر عليه خلقُ ما يريده من غير أصلٍ، بل إذا أراد شيئًا خلَقه كما يريد. وقيل -وهو ا لأوجهُ-: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ﴾: الذي قال (٢) هو هذا القولَ الحقَّ، وهو ما ذكر في الآية، ويكون هذا من كلامه، ويدل عليه آخرَه: * * * (٣٦) - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: لا يجوز أن يُحمل هذا إلا على كلامه وإخباره، فكذا أوله. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة، وله وجوهٌ: قال أبو عمرو: وقضى أن اللَّه ربِّي وربُّكم. وقيل: وأوصاني أن اللَّه ربي. وقيل: ذلك عيسى بن مريم وأنَّ اللَّه، قاله الفرَّاء (٣). وقيل: أي: ولأن اللَّه ربِّي.

стр. 4939

وقرأ الباقون: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف (١). وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي: فاقصُروا عبادتكم عليه ولا تُشركوا به شيئًا، وهو الطريق السويُّ المفضِي بسالكيه (٢) إلى الجنة. * * * (٣٧) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: أي: من بين أصحابِ عيسى، وهو ما ذكرنا. وقيل: من بين قومه. وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، وهكذا في مصحف ابن مسعود ﵁ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي من الأحزاب، فقد كان واحدٌ من الفرق على الحق. ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم﴾: يجوز أن يكون المشهد موضعًا ومصدرًا؛ أي: فويل لهم إذا شهدوا يوم القيامة وتبرأ عيسى منهم وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٧]. وقيل: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: هو اجتماعهم للتشاور فيه، فاجتمعوا على الشرك، وجعَله عظيمًا لفظاعة ما جرى فيه، وهو كقوله تعالى: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقولهِ: ﴿ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: فظيعًا منكَرًا.

стр. 4940

(٣٨) - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾: أي: ما أبصرهم وأسمعهم ذلك اليوم، وهو كلمةُ تعجُّب، ومعناه: أنهم حلُّوا في هذا محلَّ مَن يُتعجَّبُ منه (١)؛ أي: سيسمعون (٢) يومئذٍ ما يصدِّعُ قلوبهم، ويرون ما يُهلكهم. وقيل: أي (٣): كانوا صمًّا عن استماع الحق وعُميًا عن رؤية الحق في الدنيا، فيصيرون بخلاف ذلك فيسمعون صفتَهم ويبصرون عاقبتَهم. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسَهم ووضعِهم العبادةَ في غير موضعِها في ضلالٍ مبينٍ عن الحق، ظاهر بيِّن (٤) عن نفسه لوضوحه، وهو اعتقادهم عيسى إلهًا معبودًا مع ظهور أحواله. * * * (٣٩) - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: قيل: هو يومُ الموت. وقيل: هو يومُ القيامة. وقيل: هو يومَ (٥) يُذبح الموت. وقيل: هو يومَ يُخرج آخرُ فريق من المسلمين من النار ثم تسدُّ طبقاتها.

стр. 4941

والحسرة: أشدُّ الندامة، وهي التي تقطع الأمل. وقيل: تقطع نياطةَ القلب لصعوبتها. يقول: وخوِّفهم يا محمد يومَ الندامة حين قُضي الأمر؛ أي: أُتم وأُمضيَ (١) وفُرغ منه، فإن كان عند الموت فقد صار بحيث لا يُتدارك، وإن كان في القيامة فهو حين يدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ، فلا إخراج بعده، وإن كان حين ذَبحِ الموت فلا أملَ في النجاة وفي الخروج للكفار، وإن كان حين أُخرج آخر المؤمنين فكذلك. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ أملحُ، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون (٢) هذا؟ فيشرئبُّون (٣) فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون؟ فيشرئبُّون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح فيقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا (٤) موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٥). ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: غافلون عما يَنال الكافرين يوم القيامة وهم لا يؤمنون، وهذا وصفُهم في الحال؛ أي: أنذرهم اليومَ في هذه الحالة قبل أن يصيروا إلى الآخرة فيُقضى الأمرُ ولا تنفعهم الندامة. * * *

стр. 4942

(٤٠) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أَخبر أن يوم القيامة كائنٌ لا محالةَ، وأن اللَّه تعالى ينزعُ الملك من كلِّ مَن آتاه مُلكًا (١) في الدنيا، وكلِّ مَن يَغلبُ على شيء منه، وأنهم إلى اللَّه يحشرون (٢) فلا يكونُ لأحدٍ منهم (٣) يومئذ مُلكٌ ولا رئاسةٌ ولا حكم، ولا أمرٌ ولا نهي، وفي هذا تحذير لهم عن الاغترارِ بما ينالونه من الرئاسة في الدنيا، وتنبيهٌ لهم على التدبُّر في خطأ ما هم فيه (٤). * * * (٤١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: واتصالها بما قبلها: أن قصة مريم وعيسى في ردِّ قول اليهود والنصارى، وفي (٥) هذه القصة كذلك، فإنهم يدَّعون أن دينهم دينُ إبراهيم، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وبيَّن في هذه القصة حالَ إبراهيم ودينه (٦)، يقول: واذكر يا محمد فيما تقرأ عليهم من القرآن أمرَ إبراهيم أنه كان نبيًّا للَّه عادتُه الصدقُ والتصديقُ بكلِّ ما جاءه من عند ربه، فهو أهل للاقتداء به. * * *

стр. 4943

(٤٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. ﴿إِذْ قَالَ﴾: إبراهيم ﴿لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾: التاء فيه للمبالغة كما في العلَّامة والنسَّابة، وكسرت طلبًا لياء الإضافة، والوقفُ بالتاء لهذه العلة، وأجاز الزجَّاج الوقف بالهاء (١). وقيل: التاء عوضٌ عن ياء الإضافة، وفي قراءة ابن عامر: ﴿يا أبتَ﴾ بالفتح (٢)، على إرادةِ: يا أبتاه، على النُّدبة. وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ﴾ من اللَّه ﴿شَيْئًا﴾: وهذه صفاتُ نقصٍ وعجز، فلا يَستحقُّ صاحبُها العبادة، ولو أن إنسانًا خدم مثلَه (٣) في الدنيا مع علمه بعجزه عن أن يَدفع عن خادمه ضرًّا، أو يجلبَ له نفعًا، أو يعلمَ بخدمةِ مَن يخدمه، لكان هذا الإنسان سفيهَ الرأي عند العقلاء، فكيف حالُ مَن هو أدنى من هذه الأحوال؛ من حجرٍ نحتَه بيده، أو خشبٍ اتَّخذه معبودًا له؟ * * * (٤٣) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾: أي: أنا في (٤) العلم والمعرفة فوقك بما خصَّني اللَّه تعالى به من النبوة، فأنا على يقين من ضلال ما أنت فيه من عبادة الأصنام. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾: أي: فاقتدِ في العبادة بي، واعبدْ مَن أعبدُ أنا، وهو

стр. 4944

الذي لا يخفى عليه شيء ولا يُعجزه (١) شيء، فإنك إذا فعلتَ هذا كنتَ على الصراط المستقيم المستوي، وهو قوله تعالى: ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. * * * (٤٤) - ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: أي: لا تُطِعْه ولا تعظِّمْه بالائتمار له وقبولِ وساوسه ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾؛ أي: هو متقادِمُ العصيان للَّه الذي خلَقه، فهو لا يريد لك خيرًا، ومَن هذا صفتُه فحقيقٌ أن لا تقبل إشارته (٢) لسوء اختياره لنفسه. * * * (٤٥) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: أي: أخشى أن يصيبك من اللَّه عذاب في الآخرة إن دمتَ على طاعتك للشيطان فتكون للشيطان (٣) قرينًا في جهنم، لأن الوليَّين لا يكادان يفترقان في محبوبٍ أو مكروه، فجعلُه وليًّا له في هذه الحالة لِمَا قلنا وإن كانا متباغضَين يومئذ؛ كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال خبرًا عن الشيطان: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقيل: أن يمسكَ عذاب في الدنيا وهو خذلاُنه، فتكونَ حينئذٍ مواليًا للشيطان،

стр. 4945

فيَكِلكَ اللَّه إليه ويتبرأَ منك ولا يتولَّاك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، ومَن كان الشيطان وليًّا له فهو وليُّ الشيطان؛ لأن الموالاة تقوم بالطرفين. وفي هذا الخطاب كلُّ ما يحتاج إليه من أسباب التنبيه، فإن إبراهيم ﵇ افتَتح بمعاتبته على عبادة الأوثان وبيَّن نقائصَها، ثم ثنَّى بالدعاء إلى تأمُّل (١) ما جاء به من العلم، وهو أمر بالنظر وتركِ التقليد، ثم ثلَّث بأن التقليد وتركَ النظر مِن عمل الشيطان، وطاعةُ الشيطان (٢) غيرُ جائزة في العقول، ثم ختم بالوعيد الزاجر عن المعصية الباعثِ على الانقياد للحق. وفيه دليل على أن العالم يلزمُه الدعاءُ إلى الحق القريب والبعيد، والمبالغةُ في النصح والإيضاحِ (٣) للبرهان. وفيه دليلُ وجوبِ احترام الأب وإن كان كافرًا، فإنه خاطبه مرات بقوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ الآيةَ. * * * (٤٦) - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: أي: أزاهدٌ أنت من عبادةِ آلهتي وتعظيمِها، وذاكر لها بسوءٍ، ولم يتأمَّلْ فيما دلَّه عليه، وأصرَّ على تماديه في ضلالته وجهالته، وأنكر عليه اتِّباعَ الحق والدعاءَ إليه.

стр. 4946

وقد رغب في الشيء؛ أي (١): أراده وأقبل عليه، ورغب عن الشيء؛ أي: أباه وأعرَضَ عنه، وزَهِد في الشيء؛ أي: أباه وأَعرض عنه، وزَهِد عن الشيء؛ أي: أراده وأَقبل عليه. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾: أي: لئن لم تمتنع (٢) عن هذا ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال السديُّ وابن جريجٍ والضحاك: لأرمينَّك بالعيب والذم (٣)، وبمعناه في قول بعضهم: لأشتمنَّك (٤). وقال الحسن: لأرمينك بالحجارة حتى تتباعَد عني (٥). وقيل: لأرجمنَّك بالحجارة عقوبةً لك على فعلك. وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: أي: اجتنِبْني دهرًا طويلًا فلا تكلِّمْني، وهو قولُ الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والسدِّي (٦). ﴿مَلِيًّا﴾؛ أي: دهرًا طويلًا.

стр. 4947

وقيل: أراد به أنه إذا ذاق (١) مرارة هجره مدةً عاد (٢) إلى موافقته في عبادة آلهته. وقيل: بل أراد هجره أبدًا؛ لأن الدهر الطويل هو العمر أو الأبد. وقال ابن عباس ﵄ وقتادةُ وعطيةُ والضحاك: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾؛ أي: سليمًا عن عقوبتي (٣)، من قولهم: فلان تملَّى عمرَه؛ أي (٤): عاش سالمًا. * * * (٤٧) - ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾: أي: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مصاحبًا له بالمعروف، ومحسِنًا في المعاشرة، ومظهِرًا لما وُصف به من الحِلْم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾؛ أي: أمانٌ مني لك أن أكافئكَ على إيذائك، ولو حقَّقْتَ بفعلك ما ذكرتَه بقولك: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. وقيل: هو خطابُ وداعٍ؛ أي: هجرتُك كما أمَرْتَني به. وقيل: هو على معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ أي: لا أخاطبُك بمثلِ ما خاطبْتَني (٥) به من الخشونة، وهو قوله تعالى (٦):

стр. 4948

﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾: أي: أسألُ اللَّه تعالى أن يجعلك من أهل المغفرة بأنْ يهديك للإسلام (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾: أي: لطيفًا، وقيل: أي: بارًّا، وقيل: رحيمًا. * * * (٤٨) - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أهجرُك وأهجرُ مَن على دينك، ولا أعبدُ ما تعبدون (٢) من الأصنام؛ أي: تَدْعون وتعبدون. وقوله: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾: أي: أعبدُ ربي ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾؛ أي: راجيًا أن تقع عبادتي متقبَّلةً (٣) فلا أشقَى بردِّها، لسلامتها من (٤) الآفات. ويحتمِل: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾؛ أي: أسأل اللَّه أن يهديك راجيًا أن لا يردَّ دعوتي فيك. وقيل: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أن يرزقني ولدًا وأهلًا أتكثَّر وأتقوَّى بهم بعد مفارقتِك، وقد دعا بذلك في ذريته واستُجيب له، يدل عليه ما بعده، وهو قوله تعالى (٥): * * *

стр. 4949

(٤٩) - ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: قيل: اعتزلهم بخروجه من أرض بابل إلى أرض الشام؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: مَن تَكثَّر بهم من القلة واستأنَس بهم من الوحشة ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلةً. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾: أي: كلَّ واحد منهما نبيًّا (١) إمامًا للناس. * * * (٥٠) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: أي: من نعمتنا، قيل: هي المال والولد؛ أي: كثَّرناهم وباركنا فيهم ووسَّعنا عليهم. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾: أي: ثناءً حسنًا، وهو الصلوات على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في الصلوات إلى قيام الساعة، ووصفَه بالصدق لأنه ثناء حسنٌ لا كذب فيه. ﴿عَلِيًّا﴾: أي: عاليًا، هو نعت ﴿لِسَانَ﴾. وقيل: ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ هو دعاؤهم الناسَ إلى اللَّه تعالى، والرسالةُ في أولاده والدعاء إليهم. * * *

стр. 4950

(٥١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾: وفي ذكر قصته ردٌّ على (١) قول اليهود أيضًا، لأنهم على غير ما كان عليه موسى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح اللام (٢)؛ أي: أَخْلَصه اللَّه تعالى، وقرأ الباقون بكسرها؛ أي: أخلَص هو العبادة للَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: أي: جمعنا له الوصفين. * * * (٥٢) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: أي: ليلةَ خرج لاقتباسِ النار ناديناه بالنبوة والرسالة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَن﴾: الطور: الجبل، وليس للجبل أيمنُ وأيسرُ لكنه راجع إلى يمين الذي يأتيه؛ أي: الجانبِ الذي كان (٣) على يمين موسى وهو متوجِّه إليه. وقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾: أي: أَدْنيناه بتقريب المنزلة عندنا ﴿نَجِيًّا﴾؛ أي: مناجيًا، أي: كلَّمناه بما نكلِّم به غيره (٤). * * *

стр. 4951

(٥٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: أي: برحمتنا بعبادنا، وهو كما تقول: أعطيتُك هذا من كرمي وجودي؛ أي: لكرمي وجودي. وقيل: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: من نعمتنا؛ أي: من جملة ما أنعمنا به عليه. وقوله تعالى: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ إجابةً (١) لدعوته: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]. وقال القشيري ﵀: وفَّقه الحقُّ وناداه، ثم قربه وناجاه، وفي الحالين تولَّاه (٢). * * * (٥٤) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال مجاهد: إن إسماعيل لم يَعِدْ ربه بوعدٍ إلا وَفَّى به (٣)، وهو كلام جامع للقيام بالفرائض كلِّها؛ لأن اللَّه تعالى أخذ على عباده العهدَ (٤) بها، والأنبياءُ وعدوا من أنفسهم الوفاءَ بها، وهذا وصفُ جميع الأنبياء، لكن هذا لا يمنع اختصاص بعضهم بالمدح به (٥). وقيل: كان وعَد من نفسه الصبرَ على ذبح أبيه إياه للَّه تعالى (٦)، فوَفَّى به وصبر إلى أن ظهر له الفداء.

стр. 4952

وقيل (١): يحتمل أنه كان نذر بشيء ووَفَّى به، فكان ذلك صدقَ وعده. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: واعَد إسماعيلُ قومًا في موضعٍ أن يلقَوه فيه، فأتى ذلك الموضع وأخلف القومُ، وأقام إسماعيل ﵇ ثلاثًا في ذلك الموضع وما له طعام إلا لحاء الشجر وورقُه حتى تشقَّقت شفتاه، ثم جاء القوم، فأثنى اللَّه تعالى عليه بصدق الوعد (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: أي رسولًا إلى قومه يخبر من اللَّه تعالى. * * * (٥٥) - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: أي: أمَّته، وقيل: أي: أهل بيته ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ وهذا يشتمِل على أمره إياهم بالعبادات البدنية والمالية جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: وهذا أجلُّ صفاته (٣). وفي قراءة ابن مسعود رضي اللَّه عثه: (وكان يأمر قومه) (٤)، فإن حُمل على أهل بيته فهو أهم (٥)، وقد قال اللَّه تعالى لنبيه ﵇: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِر

стр. 4953

عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقال لكلِّ المؤمنين: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. * * * (٥٦ - ٥٧) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: روى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه رفعه إلى السماء الرابعة (١)، وكذلك رُوي عن كعب ومجاهد وأبي سعيد الخدري (٢). وعن ابن عباس والضحاك: أنه رُفع إلى السماء السادسة (٣). وإدريس هو أخنوخ بن بدد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، وسمي إدريس لكثرة دَرْسِه ذكرَ اللَّه تعالى. وروي أنه كان خياطًا، فكان لا يغرزُ إبرته (٤) في الثوب إلا قال: بسم اللَّه، ولا يخرجها إلا قال: الحمد للَّه. وقيل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾؛ أي: إلى الجنة. وقيل: رفعناه بالنبوة في المنزلة والفضيلة. وقال وهب: كان يُرفع لإدريس كلَّ ليلة من العمل ما يفي بعمل أهل الأرض،

стр. 4954

فاشتاق إليه ملَك الموت، فاستأذن ربَّه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة ابن (١) آدم، وكان إدريس ﵇ سائحًا (٢) يصوم الدهر كلَّه، فلما كان وقتُ إفطاره دعاه إلى طعامه، فقال: لستُ أشتهيه (٣)، ففعل ذلك ثلاث ليال، فأنكره إدريس، فقال له الليلةَ الثالثة: إني أريد أن أعلم مَن أنت، قال: أنا ملك الموت، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تَقبض روحي، فأوحَى اللَّه تعالى إليه: اقبضْ روحَه وردَّها إليه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: ما الفائدة في (٤) سؤالك قبضَ روحك؟ فقال: لأذوق كَرْبَ الموت وغمَّته فأكونَ له أشدَّ استعدادًا. ففَعل (٥). ثم قال إدريس له: لي حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظرَ إليها، فأذن اللَّه تعالى له في رفعه إلى السماء، فلما قرُب من النار قال: لي حاجة أخرى (٦)، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكًا حتى يفتحَ لي أبوابها فأراها، ففعل، ثم قال: فكما أرَيْتني النار فأرِني الجنة، فذهب به إلى الجنة، فاستفتح ففَتح له رضوان فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرِّك، فتعلَّق بشجرةٍ وقال: لا أخرج منها، فبعث اللَّه ملكًا ينظر في قولهما، فقال له الملَك: ما لَكَ لا تخرج؟ قال: لأن اللَّه تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقتُه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد وردتها، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فلستُ أخرج، فأوحى اللَّه تعالى إلى ملك الموت: بإذني

стр. 4955

دخل وبأمري يخرج، فجاء به ملك الموت إلى السماء السادسة، وقال آخرون: إلى السماء (١) الرابعة، وهو حيٌّ هنالك، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٢). * * * (٥٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: أي: هؤلاء المذكورون في هذه السورة الذين تفضَّل اللَّه عليهم من النبيين ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾؛ أي: من ولد آدم. قال ابن جريجٍ: زعموا أن هذه لإدريس خاصة. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: في السفينة مع نوح، هو إبراهيم ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب. وقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾: أي: ومن ذرية إسرائيل -وهو يعقوبُ- وهم موسى وهارونُ وزكريا ويحيى وعيسى؛ لأن أمَّه مريمَ من ذريته، وكلُّهم من ذرية آدم، ولكن جُعل مَن قَرُب من آدم من ذريته، وجُعل مَن بَعُدَ منه من ذريةِ مَن قرُب منه تشريفًا لكلِّ واحدٍ بأبٍ يَقرب منه، ثم كلُّهم يرجعون إلى آدم فيشتركون في هذه الفضيلة ويتفاضلون فيما خُصُّوا به. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾: أي: وهم ممن هديناهم واصطفيناهم، وهو جمعٌ بين فضيلتين، كقولك: زيد من نسل فلانٍ ومن قومٍ صالحين. وهذا كلُّه في محل المبتدأ، ثم خبرُه في قوله:

стр. 4956

﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا﴾: أي: سقطوا على وجوههم ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين للَّه ﴿وَبُكِيًّا﴾؛ أي: باكين من خشيته، ولرقَّة قلوبهم عند تلاوته. و (بُكِيّ) على وزن فُعول، وهو وصف لهم بالخشوع والوجَل والعبادةِ للَّه تعالى. * * * (٥٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: أي: فجاء بعد (١) هؤلاء المفضَّلين أقوامٌ أردياءُ. والخَلْف بتسكين اللام: البدل السيِّئ، والخَلَف بفتح اللام: البدل الصالح (٢)، قال الشاعر: خلَّفْتَ خَلْفًا ولم تَدَعْ خَلَفًا... ليتَ بهم كان لا بكَ التَّلَفا (٣) ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال القُرظيُّ: تركوها (٤). وقال عمر بن عبد العزيز: أخَّروها عن وقتها (٥). والصحيحُ الأول فإنه في حق الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فاستثنى المؤمنين منهم، فدل أن المستثنَى منهم هم الكفار.

стр. 4957

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: أي: المشتهَيات، فلم ينظروا بعقولهم إلى العواقب، ولم يتحملوا مشاقَّ العبادات، ومالوا إلى ما يَخِفُّ على الطباع من طلب الراحات. والصلاة أريد بها الجنس وهي الصلوات، ولعل السورة سيقت في هذا (١) المقصد، فإن المشركين كانوا يأنفون من السجود، حتى كان بعضهم يشترط عند إرادة الإسلام ألَّا يجبِّيَ؛ أي: لا ينحنيَ للركوع والسجود، فذكر اللَّه تعالى أن جميع الأنبياء والأولياء كانوا خاشعين خاضعين للَّه ساجدين راكعين: فذكر زكريا أولًا، ودعاءه في صلاته، وخروجَه من المحراب وهو موضع الصلاة، والإشارةَ ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وهو الصلاة. وقال في ولده يحيى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾؛ أي: متكبرًا عن العبادة للَّه والصلاةِ له. وقال في مريم: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وكان ذلك للاغتسال للصلاة، ومن خطابه لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] وهو موضع الصلاة. وقال في حق عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. وقال في حق (٢) إبراهيم صلوات اللَّه تعالى عليه: إنه نهى أباه عن عبادة الأوثان وأمره بعبادة الرحمن. وقال في حق (٣) موسى ﵇: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَن﴾ وكان في

стр. 4958

ذلك النداء: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقال في حق إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. وإدريس كان دائم الصلاة والذكر. وختم ذكرهم -صلواتُ اللَّه عليهم- بقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ فذكر في كلِّهم هذا، ثم ذَمَّ مَن جاء بعدهم وخالفهم بترك الصلاة (١) واتِّباع الشهوات. وهذا كلُّه تحريكٌ لهؤلاء على اتِّباعهم، ومخالفةِ الجهل (٢) من آبائهم. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: اختلف أهل العربية وأهل الآثار في الغَيِّ: قال بعض أهل اللغة: هو الهلاك، وقال جرير: قُتل الزبيرُ وأنتمُ جيرانُه... غيًّا لمن قَتَل الزبيرَ طويلًا (٣) وقال بعضهم: هو الشر (٤)، قال الشاعر: فمَن يَلْقَ خيرًا يَحمدِ الناسُ أمرَه... ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائما (٥) وقال نفطويه: هو الجهل. وقال بعضهم: هو الضلال.

стр. 4959

وعلى هذين معناه (١): فسوف يلقون جزاءَ الجهالة والضلالة، وعلى هذا قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ أي: جزاء الإثم. وأما أهل الآثار فقد قال ابن مسعود وابن عباس ﵃: هو وادٍ في جهنم (٢). وقال بعضهم: هو الخسران. وقال بعضهم: هو العذاب. وقال حميد بن هلال (٣): إن في جهنم بئرًا ضِيقُها كضيقِ الزُّج (٤) تسيل قيحًا ودمًا تسمَّى غيًّا. وعن أبي (٥) عبيدة عن أبيه قال: الغيُّ بئر (٦) في النار (٧).

стр. 4960

وقال وهب: الغيُّ نهر (١) في النار بعيدٌ قعره خبيثٌ طعمه (٢). وقال مقاتل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يعني: اليهود ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: استحلُّوا نكاح الأخت من الأب (٣). وقال مجاهد: هم النصارى (٤). وقيل: هم مشركو العرب، وهم من أولاد إسماعيل. وقيل: هي في حقِّ المسلمين الذين يؤخِّرون الصلاة عن أوقاتها، وقد مر عن عمر بن عبد العزيز ذلك، وقال قُرَّةُ بن خالد: أبطأ أميرٌ من الأمراء صلاة العصر فقال الضحاك: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الآية، واللَّه لئن أتركها أحبُّ إليَّ مِن أن أضيِّعها (٥). وقال إبراهيم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: لم يصلُّوها لوقتها (٦).

стр. 4961

وقال الزهري: المنافقون شاربون للقهوات (١)، لعَّانون للكعبات (٢)، التابعون للشهوات، التاركون للجمعات، الراقدون عن (٣) العتمات، المفرِّطون في الصلوات، ثم تلا هذه الآية (٤). وروى ابن جريجٍ عن مجاهد قال هذا عند قيام الساعة وذهابِ صالحي هذه الأمة، ينزو بعضُهم على بعضٍ في الأزقَّة نزوًا (٥). * * * (٦٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: رجع عن كفره ﴿وَآمَنَ﴾ على شرطه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بعد إيمانه. وعلى قولِ مَن حمل الآية على المسلمين: ﴿وَآمَنَ﴾؛ أي: دام على إيمانه وتاب من ذنوبه. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: ولا يدخلون الغَيَّ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يُنقصون من ثواب عملهم (٦) في المستقبل بما عملوا من الذنوب في الماضي.

стр. 4962

(٦١) - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: ترجمة عن قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهي في محلِّ النصب، وإنما ترجَم عن الجنة بالجنات لأنها جنسٌ وهي بمعنى الجمع؛ أي: هي جنةٌ واحدة مشتمِلة على الجنات. ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾: أي: العبادَ التائبين المؤمنين العاملين الصالحاتِ، فقد سبق ذكر هذه الصفات، ولأنه أضافهم إليه وهو اختصاصٌ، وأهلُ الاختصاص هؤلاء. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: بالوحي إلى نبيِّه وتلك الجنةُ غائبة عنهم فصدَّقوه، وهو ثناء عليهم بالتصديق. ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾: أي: موعودُه ﴿مَأْتِيًّا﴾؛ أي: يأتيه الموعودُ له ويبلغه. ومَن جعله بمعنى الآتي فهو خلافُ الوضع، وما قلناه أحسن؛ لأنَّه مراعاةُ الوضع، وما أتاك فقد أتيتَه. * * * (٦٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة ﴿لَغْوًا﴾؛ أي: هدرًا من الكلام وما حقُّه أن يُلغَى؛ أي: يُبطل ويُطرح (١) ولا يُصغى إليه، وقد ذكر اللَّه تعالى كلامهم في آيات؛ فقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآيتين [يونس: ١٠]، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ الآية [الطور: ٢٦]، وكلام الملائكة لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ الآية.

стр. 4963

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾: استثناءٌ منقطع؛ أي: لكنْ سلامًا؛ أي: سالمًا من اللغو، أو (١) سلامًا عليهم بالتحية. وقيل: أي: لا يسمعون من غيرهم إلا سلامَ الملائكة بالتحية التي بيننا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: أي: مطاعمُهم ومشاربهم على ما يحبُّونه في الدنيا من الأكل والشرب في هذين الوقتين، فيؤتَون به بمقدارِ هذين الوقتين، ولا بكرة فيها ولا عشيَّ. وقال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجب له، فأَخبر أن لهم في الجنة ذلك (٣). وقيل: لما كان أعدلَ أحوالِ المطاعم وأبعدَها من الضرر الغداءُ والعشاءُ عرَّفهم ﷻ اعتدالَ أحوال أهل الجنة في مأكلهم، وضرَب لهم البكرة والعشيَّ مثلًا لذلك. وقيل: لهم ذلك غيرَ منقطعٍ في أوقات حاجتهم، ويقول الرجل: أنا أصبح وأمسي في ذكرك، و: بِرُّ (٤) فلانٌ يغدو إليَّ ويروح؛ أي: لا ينقطع. * * * (٦٣) - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾: أي: نجعلها للأتقياء دون الذين (٥)

стр. 4964

أضاعوا الصلوات واتَّبعوا الشهوات، وإيراثها: مصيرُها لهم وإنزالُهم فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُم﴾ [الأحزاب: ٢٧]. * * * (٦٤) - ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: أي: ويقولُ لك جبريل حين استبطأتَ نزوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ نحن معاشرَ الملائكة ﴿إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وإضمارُ القول في القرآن كثير، منها: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]؛ أي: قل ذلك. وقد بينَّا في سورة الكهف أنه تأخَّر نزولُ جبريل أيامًا حين سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الروح وأصحابِ الكهف وذي القرنين. ويحتمِل أن يكون تأخُّر نزوله بعد هذه الآيات التي فرَغنا من تفسيرها أيامًا، فلما نزل سأله النبيُّ ﷺ عن سبب التأخير، فنزلت الآية في ذلك، فانتَظَمت بها لنزولها بعدها. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: أي: قبل أن يخلقنا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾؛ أي: من الدنيا بعد أن يُفنيَنا (١) ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: حالَ حياتنا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾: أي: ناسيًا ينسى الوقتَ الذي فيه الصلاحُ في إنزالنا. وحقيقته: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ من الأزمان (٢) والأوقات،

стр. 4965

فهي كلُّها للَّه تعالى، هو خلقَها وهو يدبِّرها ويدبِّر أمرنا فيها بما شاء (١) من تقديم إنزالٍ وتأخيره. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾؛ أي: الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: النفختين. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الدنيا. وكلُّ واحد منهما له وجه في الاستعمال؛ يقال: الشتاء بين أيدينا، على معنى: أنَّا متوجهون إليه، و: الشتاء خلفنا؛ أي: يجيءُ بعد هذا، وكذا ما يقابله. وقيل: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾؛ أي: ما مضَى من أمورنا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما يكون منَّا بعدها (٢)، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما نحن فيه الآن؛ أي: هو المالك لأمورنا كلِّها والمصرِّف لها كيف شاء. وقال الأخفش: اللام (٣) في قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ لبيان العلم، وهو في (٤) معنى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو للعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين ذينك، وقد أوضحناه في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. وقيل في قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾؛ أي: ناسيًا لك، وذلك حين قالوا: لعل ربَّك نسيَك.

стр. 4966

(٦٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: هو ربُّ السماوات والأرض. وقيل: هو ترجمة قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: بالصلاة وغيرها (١) ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ أي: اثبُت عليها ولا تجزع لتأخُّرِ (٢) الوحي عنك. وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أي: هل تعلم أحدًا يستحقُّ أن يسمَّى بأسمائه ويوصفَ بصفاته، فيكونَ خالقًا ورازقًا، ومحيِيًا ومميتًا (٣)، عالمًا بكلِّ شيء، قادرًا على كلِّ شيء؛ أي: قد علمتَ أن أحدًا ليس كذلك غيرُه فالْزَمْ عبادته. وقيل: هل تعلمُ أحدًا هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما غيرَه. وقال مجاهد: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؛ أي: مِثْلًا (٤). وقال القشيريُّ ﵀: هو ربُّ الأكابر، وهو أيضًا ربُّ الأصاغر، وقيمةُ العبد بمالكه وقَدْرِه، لا بثمنه في نفسه وخطره (٥). * * * (٦٦) - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾.

стр. 4967

وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾: استفهام بمعنى التحجُّب والإنكار، وقوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾؛ أي: من القبر. وقيل: هو أبيُّ بن خلف الجُمَحي؛ أي: يقول هذا الإنسان المنكِر للبعث، وهو الذي يترفَّع عن الصلاة والخدمة للَّه تعالى، مخالفًا للأنبياء الذين ثبتوا (١)، وموافقًا للَّذين أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات؛ لإنكاره البعث ولولاه ما فعَل كذلك: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ لأُبْعَث وأُخرج من القبر، مستعظِمًا له منكِرًا لكونه. * * * (٦٧) - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ بتشديد الذال والكاف، وأصله: يَتذكَّر، فأدغمت التاء في الذال؛ أي: أفلا يتذكَّر ويَحضره قلبه، وقرأ الباقون مخفَّفًا من الذكر الحاضر في القلب (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾: وهذا حجَّتُنا على المعتزلة في أن المعدوم ليس بشيء حالَ عدمه؛ أي (٣): أوجَدْناه، والإعادةُ كذلك، وهو كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. * * * (٦٨) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾: أَقْسَم بنفسه وأضاف نفسَه إلى نبيِّه، وهذا تعظيم لقَدْره، وهو تأكيدُ الخبر عن البعث بعد إقامةِ الحجة عليهم.

стр. 4968

﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾: أي: لنبعثنَّهم ولنجمعنَّهم يوم القيامة ﴿وَ﴾ لنحشرنَّ ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ معهم وهم أولياؤهم، فنَقرُنهم في السلاسل في جهنم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: قال الكلبي: أي: جماعات (١)، قال الأعشى: وهي جملاءُ كبدرٍ طالعٍ... بزَّتِ الخلقَ جثيًّا بالجمالِ (٢) أي: جميعًا. وقيل: أي: جاثِين على ركبهم، وذلك يكون للاختصام كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. وقال قطرب: يجوز أن يكون مصدرًا، ويجوز أن يكون جمعًا للجاثي. * * * (٦٩) - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾: قال الخليل: رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ على الحكاية بتقدير: فيقال (٣): أيُّهم أشدُّ عتيًّا فليَخرج. وقال سيبويه: أي: الذي هو أشدُّ، ولما حُذف (هو) أُعرب ﴿أَيُّهُمْ﴾ بإعرابه (٤).

стр. 4969

ومعنى الآية: ثم لنُخرجن للنار من كلِّ فرقةٍ متشايعةٍ -أي: متعاونةٍ على الكفر- أشدَّهم على اللَّه عتوًّا؛ أي: تمرُّدًا. وقال ابن عباس ﵄: جراءةً (١). وقال مجاهد: فجورًا (٢). وقال مقاتل: علوًّا (٣)؛ أي: نبدأ بالأعتى فالأعتى بإدخالهم النار، فتدخل الرؤساء أولًا ثم الأتْباع؛ كما قال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [هود: ٩٨].

стр. 4970

(٧٠) - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيب الإخبار لا لترتيب العلم؛ أي: نحن أعلم بمن هو أشدُّ استحقاقًا لدخول النار من سائر الناس، وأحقُّ بالبداية (١) به. وقيل: ﴿لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾؛ أي: بمن هو أولى بزيادة العقوبة، من قولهم: صُلِيتُ بالحرب؛ أي: قاسيتُ شدَّتها، فالآية الأولى في بيان الأحقِّ بالبداءة (٢)، وهذه في بيان الأحق بزيادة التشديد. * * * (٧١) - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: أي (٣): وليس منكم أيها الناس من المؤمنين والكافرين إلا وهو واردٌ جهنم. وقال ابن عباس ﵄: إلا (٤) داخِلُها. وروي أن نافعَ بن الأزرق قال لعبد اللَّه بن عباس: ما الورود؟ قال: الدخول، قال: لا، إنما الورود الوقوف على شفيرها، قال (٥) ابن عباس ﵁: واللَّه

стр. 4971

لأَرِدَنَّها ولتَرِدَنَّها (١)، وإني لأرجو أن أكون من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وتكونَ أنت من الذين قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ويحك (٢) يا ابن الأزرق! أمَا تقرأُ كتاب اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨] أفتراه (٣) -ويحك- إنما أقامهم على شفيرها واللَّه تعالى يقول: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؟ قال: فسكت نافع (٤). وعن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: لمَّا نزلت هذه الآية ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، فجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون، فلما انقطعت عبرتُه قال: يا أهل البيت! ما يُبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناك تبكي فبَكَينا لبكائك، فقال: آيةٌ أنزلت على رسول اللَّه ﷺ يُنبئني ربِّي فيها أنِّي واردُ النار، ولم يُنْبئني أني أصدُر (٥) عنها، فذلك الذي أبكاني (٦). وقال الحسن: قال رجل لأخيه: أي أخي! هل أتاك أنك واردُ النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارجٌ منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحكُ إذن؟ قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى مات (٧).

стр. 4972

وقيل: هو مرور الكلِّ على الصراط، وسلامةُ المؤمنين وسقوط الكافرين. روي عن كعب أنه قال: إن جهنم يُجاء بها يوم القيامة كأنها متنُ إهَالةٍ يعلوها البَرُّ والفاجر، فيقول اللَّه تعالى: خذي أولياءك ودعي أوليائي لي، فلهيَ (١) أَعرَفُ بهم من الأم بولدها، فتأخذهم وينجو المؤمنون منها نديَّةً ثيابهم، وهو قولُ اللَّه (٢): ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣). وعن خالد بن مَعْدَانَ أنه قال: إن المؤمنين يقولون: ألمْ يَعدْنا ربُّنا أنَّا نردُ النار، فقيل لهم: بلى ولكنكم مررتُم بها وهي خامدةٌ (٤). وسُئل السدي عن هذه الآية فقال: حدثني مرةُ الهمداني عن ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ليس أحدٌ من الناس إلا سيَرِدُ النار (٥)، ثم يَصْدُرون منها بأعمالهم، فيكون أولُ صادر كلمح البصر، ثم يكون الصادر كالريح

стр. 4973

المارة بهم، ثم يكون الصادر كالبرق (١)، ثم يكون الصادر كالطير، ثم يكون الصادر كشدِّ (٢) الفرس، ثم يكون الصادر كشدِّ الراحلة (٣)، ثم يكون الصادر كأشد الرجال، ثم يكون الصادر كالماشي، فآخِرُ (٤) مَن ينجو أن يحبوَ حبوًا" (٥). وعن سعيد بن أبي هلال قال: بلغَنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدقَّ من الشعر، وعلى بعض الناس مثلَ الوادي الواسع (٦). ثم فائدةُ إدخال المؤمنين النارَ مع أن اللَّه تعالى يَقيهم حرَّ النار: تشديدُ الحسرة على الكفار بدخولهم فيها وتعذيبِهم بها وبقائهم فيها. وعن جابر ﵁ قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن هذه الآية فقال: "لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها، ثم تبردُ على المؤمنين كما كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم" (٧). وبعض الناس جعل هذا الورود حضورًا، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ

стр. 4974

جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ الآية، وقال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أي: نسلِّم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: نُدخل ونتركُ. وهو خلاف الأحاديث المشهورة، وعلى الأول جمهورُ أهل السنة والجماعة. وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: أي: كائنًا لا محالة محكومًا به. * * * (٧٢) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: قرأ الكسائي بالتخفيف من الإنجاء، والباقون بالتشديد من التَّنجية (١)، وهما لغتان؛ أي: يخرِج منها الذين اتَّقوا الذنوب كلَّها قبل أن يعذِّب، والذين اتقوا الكفر ووقعوا في المعاصي إمَّا قبل التعذيب وإمَّا بعده (٢)، فمصيرهم إلى الجنة في العاقبة. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ندَع المشركين ﴿فِيهَا﴾ أبدًا ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جماعاتٍ كما مر. وقيل: جاثين على الرُّكب للتخاصم، كما قال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. * * * (٧٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

стр. 4975

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: على هؤلاء (١) المنكرين للبعث ﴿آيَاتُنَا﴾؛ أي: القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ مهم نصبٌ على الحال؛ أي: حجَجًا واضحاتٍ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾: قرأ ابن كثير بضم الميم وهو موضع الإقامة، والباقون بفتحها، وهو موضع القيام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: أي: مجلسًا ومجتمَعًا، وندَوْتُ القوم أَنْدُوْهم نَدْوًا (٣)؛ أي: جمعتُهم في مجلس، والنادي: المجلس، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، والأندية: المجالس، جمعُ نَدِيٍّ؛ كالأَقفِزة جمع قَفِيز، ويُجمع (٤) جمعَ نادٍ؛ كالأودية جمع وادٍ. يقول: عجزوا عن المعارضة والاعتراض فعدَلوا عن المحاجَّة إلى المعانَدة بإدخال الشُّبَه على الضَّعَفة، فقالوا: أيُّ الفريقين منَّا ومنكم أيها المؤمنون خيرٌ منازلَ وأحسنُ مجالس؟ أي: أيُّنا أكثرُ مالًا وأحسنُ في أسباب الدنيا حالًا؟ يُوهمون (٥) بذلك أنَّ مَن كثُر ماله وحسُنت حاله وانبَسطت يدُه وكثُرت أعوانه فذاك دليلٌ على أنه محقٌّ في دينه، ومَن خالفه في هذه الصفة -من سوءِ الحالة ورثاثةِ الهيئة وقلةِ الخدم والحشم- فهو مبطِلٌ في دينه. * * * (٧٤) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
следующие страницы →