← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

لأَرِدَنَّها ولتَرِدَنَّها (١)، وإني لأرجو أن أكون من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وتكونَ أنت من الذين قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ويحك (٢) يا ابن الأزرق! أمَا تقرأُ كتاب اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨] أفتراه (٣) -ويحك- إنما أقامهم على شفيرها واللَّه تعالى يقول: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؟ قال: فسكت نافع (٤). وعن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: لمَّا نزلت هذه الآية ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، فجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون، فلما انقطعت عبرتُه قال: يا أهل البيت! ما يُبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناك تبكي فبَكَينا لبكائك، فقال: آيةٌ أنزلت على رسول اللَّه ﷺ يُنبئني ربِّي فيها أنِّي واردُ النار، ولم يُنْبئني أني أصدُر (٥) عنها، فذلك الذي أبكاني (٦). وقال الحسن: قال رجل لأخيه: أي أخي! هل أتاك أنك واردُ النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارجٌ منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحكُ إذن؟ قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى مات (٧).

стр. 4972

وقيل: هو مرور الكلِّ على الصراط، وسلامةُ المؤمنين وسقوط الكافرين. روي عن كعب أنه قال: إن جهنم يُجاء بها يوم القيامة كأنها متنُ إهَالةٍ يعلوها البَرُّ والفاجر، فيقول اللَّه تعالى: خذي أولياءك ودعي أوليائي لي، فلهيَ (١) أَعرَفُ بهم من الأم بولدها، فتأخذهم وينجو المؤمنون منها نديَّةً ثيابهم، وهو قولُ اللَّه (٢): ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣). وعن خالد بن مَعْدَانَ أنه قال: إن المؤمنين يقولون: ألمْ يَعدْنا ربُّنا أنَّا نردُ النار، فقيل لهم: بلى ولكنكم مررتُم بها وهي خامدةٌ (٤). وسُئل السدي عن هذه الآية فقال: حدثني مرةُ الهمداني عن ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ليس أحدٌ من الناس إلا سيَرِدُ النار (٥)، ثم يَصْدُرون منها بأعمالهم، فيكون أولُ صادر كلمح البصر، ثم يكون الصادر كالريح

стр. 4973

المارة بهم، ثم يكون الصادر كالبرق (١)، ثم يكون الصادر كالطير، ثم يكون الصادر كشدِّ (٢) الفرس، ثم يكون الصادر كشدِّ الراحلة (٣)، ثم يكون الصادر كأشد الرجال، ثم يكون الصادر كالماشي، فآخِرُ (٤) مَن ينجو أن يحبوَ حبوًا" (٥). وعن سعيد بن أبي هلال قال: بلغَنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدقَّ من الشعر، وعلى بعض الناس مثلَ الوادي الواسع (٦). ثم فائدةُ إدخال المؤمنين النارَ مع أن اللَّه تعالى يَقيهم حرَّ النار: تشديدُ الحسرة على الكفار بدخولهم فيها وتعذيبِهم بها وبقائهم فيها. وعن جابر ﵁ قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن هذه الآية فقال: "لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها، ثم تبردُ على المؤمنين كما كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم" (٧). وبعض الناس جعل هذا الورود حضورًا، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ

стр. 4974

جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ الآية، وقال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أي: نسلِّم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: نُدخل ونتركُ. وهو خلاف الأحاديث المشهورة، وعلى الأول جمهورُ أهل السنة والجماعة. وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: أي: كائنًا لا محالة محكومًا به. * * * (٧٢) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: قرأ الكسائي بالتخفيف من الإنجاء، والباقون بالتشديد من التَّنجية (١)، وهما لغتان؛ أي: يخرِج منها الذين اتَّقوا الذنوب كلَّها قبل أن يعذِّب، والذين اتقوا الكفر ووقعوا في المعاصي إمَّا قبل التعذيب وإمَّا بعده (٢)، فمصيرهم إلى الجنة في العاقبة. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ندَع المشركين ﴿فِيهَا﴾ أبدًا ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جماعاتٍ كما مر. وقيل: جاثين على الرُّكب للتخاصم، كما قال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]. * * * (٧٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

стр. 4975

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: على هؤلاء (١) المنكرين للبعث ﴿آيَاتُنَا﴾؛ أي: القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ مهم نصبٌ على الحال؛ أي: حجَجًا واضحاتٍ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾: قرأ ابن كثير بضم الميم وهو موضع الإقامة، والباقون بفتحها، وهو موضع القيام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: أي: مجلسًا ومجتمَعًا، وندَوْتُ القوم أَنْدُوْهم نَدْوًا (٣)؛ أي: جمعتُهم في مجلس، والنادي: المجلس، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، والأندية: المجالس، جمعُ نَدِيٍّ؛ كالأَقفِزة جمع قَفِيز، ويُجمع (٤) جمعَ نادٍ؛ كالأودية جمع وادٍ. يقول: عجزوا عن المعارضة والاعتراض فعدَلوا عن المحاجَّة إلى المعانَدة بإدخال الشُّبَه على الضَّعَفة، فقالوا: أيُّ الفريقين منَّا ومنكم أيها المؤمنون خيرٌ منازلَ وأحسنُ مجالس؟ أي: أيُّنا أكثرُ مالًا وأحسنُ في أسباب الدنيا حالًا؟ يُوهمون (٥) بذلك أنَّ مَن كثُر ماله وحسُنت حاله وانبَسطت يدُه وكثُرت أعوانه فذاك دليلٌ على أنه محقٌّ في دينه، ومَن خالفه في هذه الصفة -من سوءِ الحالة ورثاثةِ الهيئة وقلةِ الخدم والحشم- فهو مبطِلٌ في دينه. * * * (٧٤) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.

стр. 4976

وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: الأثاث: المتاع. وقيل: هو ما يزيَّنُ به المنزل من أنواع الأمتعة. والرِّئْي بالهمزة: المنظر، من الرؤية (١)، وقرأ نافع وابن عامر من غير همز (٢)، وقرأ غيرُهما بالهمز على الأصل، ومَن ترك الهمز فله وجهان: أحدهما: تليين الهمزة على إرادتها؛ تخفيفًا، أو لموافقةِ فواصل الآي. والثاني: أنه من رَوِي يَرْوَى رِيًّا (٣)، من حدِّ عَلِم؛ أي: رَوِيَتْ ألوانُهم وجلودُهم وارْتَوَتْ من النعمة والخِصْب. ذكَر هذين الوجهين الكسائيُّ والأخفش وقطربٌ. يقول: ليس حُسن هؤلاء في الدنيا لِمَا قالوا، فكم أهلكْنا بالعذاب قبل هؤلاء من قرون المخالِفين المكذِّبين هم كانوا أكثرَ من هؤلاء مالًا وأبسطَ يدًا وأبعدَ سوطًا وأبهى منظرًا وأنعم عيشًا وأكثرَ أنصارًا، وكان هذا معلومًا عندهم من هلاكِ عادٍ وثمودَ وغيرهم. وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث وذوِيه. قال مقاتل: كانوا يرجِّلون شعورهم ويَدهُنون رؤوسهم ويلبسون جياد ثيابهم مفتخِرِين بشارتهم (٤) وهيأتهم على فقراء الصحابة، فنزلت الآية (٥).

стр. 4977

(٧٥) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾: أي: قل لهم يا محمد: مَن كان في الشرك والجحود فلْيَعِش ما شاء من المدة الطويلة، وأضاف المَدَّ إلى نفسه لأنه هو الذي يُعَمِّر ويُبقي في الدنيا أهلَها، فإن طول عمره لا يمنع اللَّه تعالى مما يريد به عاجلًا أو آجلًا (١). وقيل: أراد به المدَّ في الضلالة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وقولهِ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وهذا صيغته صيغةُ أمر ومعناه الخبر؛ كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، وقالوا: من عادة العرب تأكيدُ الخبر بصيغة الأمر، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: على شركهم من أحد هذين: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾؛ أي: العاجلَ ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامةَ. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾: أي: فسوف يعلمون في القيامة ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: أهُم أم المؤمنون. وقوله تعالى: ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾: أي: أقلُّ ناصرًا؛ أي: لا يبقَى لهم ناصرٌ ولا مقامٌ ولا نديٌّ، وكانوا يقولون: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ والمقام هاهنا هو ذلك المقام؛ أي: يعلمون أن ما أُوتوه من المقام والنَّديِّ لم يكن لعزِّهم وشرف محلِّهم (٢) عند اللَّه، بل المؤمنون هم أشرفُ عند اللَّه محلًّا.

стр. 4978

(٧٦) - ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾: أي: ثباتًا على الاهتداء كما يمدُّ الضالِّين المصرِّين على ذلك في الضلال. وقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: أي: الأعمال الحسنة التي يبقى ثوابها ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾؛ أي: أحسنُ عاقبةً من الأعمال السيئة كعبادة الأوثان والمعاصي والافتخارِ بالدنيا والأثاثِ والزِّي (١)، والمقام والنَّدِيِّ. وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾؛ أي: مرجعًا ومنقلَبًا. * * * (٧٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿وَوَلَدًا﴾ بضمِّ الواو، وهو لغةٌ في الوَلَد كالحَزَن والحُزْن، والعَدَم والعُدْم (٢)، والبَخَل والبُخْل. وقيل: هو جمع الولد؛ كالأُسْد بالضم: جمع الأَسَد. والباقون: ﴿ووُلْدًا﴾ بفتح الواو واللام، وهو واحد (٣). وروي عن خبَّاب بن الأرتِّ أنه قال: كنت قَيْنًا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل حقٌّ، فأتيتُه في الإسلام أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى (٤) تكفرَ

стр. 4979

بمحمدٍ، فقلت: واللَّه لا أكفرُ بمحمد حتى يميتَك اللَّه ثم يبعثَك، فقال: دعني حتى أموتَ وأُبعثَ فأُوتَى مالًا وولدًا فأقضيَك، فنزلت الآية (١). وهذا دليل على (٢) أنه قال ذلك استهزاءً. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبيِّ بن خلف. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾؛ أي: أرأيت يا محمد هذا العجَب من هذا الكافر الذي يقول: لأعطين مالًا وولدًا. * * * (٧٨) - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾: ألف الاستفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ. قال ابن عباس ﵄: أَنَظرَ في اللوح المحفوظ. وقال مجاهد: أَعَلِمَ علمَ الغيب (٣). والاطِّلاع في اللغة: هو الإشراف على الشيء والنظرُ إليه. وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: ميثاقًا أنه يُدخله الجنة ويؤتيهِ المال والولد. وقيل: ﴿عَهْدًا﴾؛ أي: توحيدًا؛ قاله ابن عباس ﵄ (٤).

стр. 4980

وقيل: أي: عملًا صالحًا، قاله قتادة (١). * * * (٧٩) - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾. ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما توَهَّم، وما اطَّلع الغيب وما اتَّخذ عند الرحمن عهدًا. وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: أي: ستكتب ملائكتُنا بأمرنا كتابًا فيُخرَجُ له يوم القيامة فيقرؤه (٢) فيجازى به. وقيل: أي: سنُثبت. وقيل: أي: سنحفظ. وقوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾: أي: نزيد ونَصِل بحيث لا ينقطع. * * * (٨٠) - ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: أي: نُميته ونرث ماله وولده (٣)، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: ٤٠]. قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾: أي: من المال والولد. * * * (٨١) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: أي: اتخذ هؤلاء المشركون

стр. 4981

أصنامًا يعبدونها ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾؛ أي: ليتعزَّزوا بها في الآخرة عند اللَّه بما ذَكروا من رجاء الشفاعة وتقريبِهم إلى اللَّه زُلفى. * * * (٨٢) - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما ظنوا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾؛ أي: تتبرَّأ الآلهة عنهم، كما قال تعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: قيل: أي: أضدادًا؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، قالوا: وإنما وحَّد لأنه أراد كلَّ واحد منهم (١) يكون ضدًّا. وقيل: ذكره بمقابلةِ قوله: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾، وذاك مصدرٌ فصلح (٢) للجمع، فهذا أيضًا في مقابَلته (٣)، ومعناه: يكونون خلاف ما توهَّموا (٤) أنهم يشفعون وينفعون. وإنْ حُمل الآلهةُ على الملائكة وعيسى وعزير، فكونهم ضدًّا قولُه (٥): ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ وبراءتُهم منهم. * * * (٨٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾: أي: خلَّيناهم، وهو كإرسال البعير.

стр. 4982

وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: على هؤلاء المشركين الذين اتخذوا آلهةً بتحريض الشيطان؛ أي: خذَلناهم فلم نمنع تزيينَ الشيطان عنهم. وقوله تعالى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: قال الفراء: تزعجُهم وتُغْريهم بالمعاصي (١). وقال أبو عبيدة: تَهيجهم (٢). وقال قطرب: هو من قولك: أُزَّ قِدْرَك؛ أي: أوقِدْ تحتها؛ كأنه قال: تحرِّكهم على الكفر والمعصية بالدعوة والتزيين، يقول: خلَّيناهم ولم نمنعهم النعمةَ لتَتِمَّ المحنة، فيستحِقَّ المتحرِّز عنه الثواب، وقد نهيناهم عن اتِّباع الشيطان، وأكملنا عقولَهم التي يمكن بها التمييزُ بين الحق والباطل. وقيل: في آخره (٣) مضمَر: فعلنا ذلك ليجاهدوا ويتحرَّزوا (٤) فلم يفعلوا. * * * (٨٤) - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾: بطَلَب عذابهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾؛ أي: نَعدُّ مدَّتهم، وهو عبارةٌ عن القلة (٥)، يقال: أيام معدودةٌ، وأقوام معدودون. وقيل: ما دخله العددُ فسريعًا يَنفذ. وقيل: معناه: لا تعجل عليهم فإنما نؤخِّرهم لا لخيرٍ نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثمًا.

стр. 4983

(٨٥) - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾: قيل: يتصل بقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ﴾؛ أي: نبعث ﴿الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: إلى جنات الرحمن، ويُطلق على البعث إلى دار الملِك اسمُ: البعث إلى الملك. وبدأ الكلامَ بالإخبار عن نفسه بصيغة الجمع، ثم (١) المغايبةِ، وهو من أقسام البلاغة، وطريقُه طريقُ قول الأمير: نُنزلكم دارَ الأمير، يعني: دار (٢) نفسه، وهو كقوله تعالى: ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وقيل: ﴿إِلَى الرَّحْمَن﴾؛ أي: إلى موقف الحساب، وفيه تيسير الحساب وتوفير الثواب. ﴿وَفْدًا﴾؛ أي: وافدِين، مصدرٌ يراد به نعتُ الجمع كالضيف والزَّور. وقيل: الوفد جمع وافد؛ كالرَّكب جمع راكب. وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَفْدًا﴾؛ أي: ركبانًا (٣)؛ فإنه من خصائص الوفود، قال: يؤتَون بنوقٍ لم يُر مثلُها عليها رحائلُ الذهب، وأزمَّتُها الزَّبَرْجدُ، فيركبون عليها حتى يضربوا أبوابَ الجنة (٤).

стр. 4984

وفي تسميتِهم وفدًا بيانٌ (١) أنهم يتوجَّهون إلى الجنة مسرورين، ويجدون الأهلَ والخدم بقدومهم مسرورين؛ كالوفد يتوجهون إلى السلطان مسرورين، ويكون السلطان وحشمُه بورودهم مسرورين. * * * (٨٦) - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: قال أهل التفسير: أي: عطاشًا، وهو في اللغة: ورودُ الماء، ولكن لا يكون ذلك إلا عن عطشٍ، فجُعل مجازًا عنه ودليلًا عليه، ودلَّ ذكر ورود جهنم ها هنا أن ما يقابله من ذكر الوفود (٢) هو دخول الجنة. * * * (٨٧) - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: لا يملك أحد من أهل المحشر أن ينفع أحدًا بشفاعته إلا أن يكون الشافعُ ممن ﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ أي: وثيقةً بعملٍ صالحٍ قدَّمه يستحقُّ به رتبةَ الشفعاء. ويحتمِل: إلا لمن اتخذ عند اللَّه هذا العهد؛ أي: لا تكون الشفاعة إلا في حق المؤمن. وقيل: العهد: الإيمان. وقيل: الطاعة. وقيل (٣): أي: الصلاة. وقيل: الذكر. والعهد جامعٌ لذلك كلِّه.

стр. 4985

وروى ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قال كلَّ صباحٍ ومساءٍ: اللهم فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، إني أعهدُ إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد أنك أنت اللَّه الذي (١) لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك (٢)، وإنك إنْ تَكِلْني إلى نفسي تقرِّبْني من الشر وتباعِدْني من الخير، فإني لا أثقُ إلا برحمتك، فاجعل لي عندك بها عهدًا تؤدِّيه (٣) إليَّ يوم القيامة إنك لا تُخلف الميعاد، طُبع عليه طابعٌ، ووضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ: أين الذين لهم عند اللَّه عهد؟ فيدخلون الجنة" (٤).

стр. 4986

(٨٨ - ٨٩) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: قال أكثر العرب: الملائكة بناتُ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾: قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وقتادة وابن زيد: أي: منكرًا عظيمًا (١). ويحتمِلُ أن تكون الآية عامَّةً فيهم وفي النصارى (٢) وزعمِهم المسيحَ ابنَ اللَّه. * * * (٩٠) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾: قرأ نافع والكسائي: ﴿يكاد﴾ بياء التذكير؛ لتقدُّم الفعل، والباقون بتاء التأنيث (٣). و ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ قرأ ابنُ عامر وأبو عمرٍو، وحمزةُ في رواية، وعاصمٌ في رواية أبي بكر: بالنون بالتخفيف (٤) من الانفطار، وقرأ الباقون بالتشديد من التفطُّر (٥)؛ أي: قاربت (٦) السماوات أن يتشقَّقْن من هذا الشيء الإدِّ (٧). ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾: لذلك ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾؛ أي تسقط ﴿هَدًّا﴾ قال القتبيُّ:

стр. 4987

سقوطًا (١)، وقال الفراء: كسرًا (٢)، وقال قطرب: زلزلةً وكسرًا، وقال الكسائي: رضًّا. وقال الخليل: هدمًا مع صوتٍ شديد، والهدَّة: صوت شديد يُسمع من سقوطِ ركنٍ أو ناحيةِ جبل (٣). وهذه الأشياء تكون عند قيام الساعة وزوالِ بناء العالم؛ قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقال ﷻ : ﴿رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٥]، فكأنه قال: كاد العالم ينتقِضُ لفظاعةِ ما قالوا. * * * (٩١ - ٩٢) - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدً﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾: أي: لِأَنْ سمَّوا له ولدًا وأضافوه إليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾: أي: وما يصلُح هذا. * * * (٩٣) - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. قوله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾: أي: ليس أحدٌ من أصناف الخلق من الأنبياء والملائكة والجنِّ والإنس والشياطين وغيرهم إلا وهو يأتي عبدًا يوم القيامة، وإذا كانوا عبيدَه وقد خلقهم فكيف يكون أحدٌ مثهم ولدًا له. وبهذه الآية نقول: إذا ملك الأب ولده عتَق عليه؛ لأنه لا يجتمع البنوة والعبودية. * * *

стр. 4988

(٩٤) - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾: أي: قَدَر عليهم وعلِم مبلغَ عددهم. * * * (٩٥) - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. ﴿وَكُلُّهُمْ﴾: أي: كلُّ واحد منهم، ولذلك وحد قوله: ﴿آتِيهِ﴾، فأما قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فمعناه: جميعهم، فلذلك جمع الخبر. ﴿آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: أي: مفردًا (١) عن الأنصار والأموال، فلا يحجزه عما يستحقُّه من عذاب اللَّه تعالى (٢) حاجزٌ، ولا ينفعه إلا ما قدَّمه من عملٍ صالح. وروى ابن المبارك ﵀ عن عوف عن غالب بن عجردٍ قال: حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منًى قال: إن اللَّه تعالى لمَّا خلق الأرضَ وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرةٌ يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعةً -أو كان (٣) لهم فيها منفعةٌ-، فلم تزَل الأرض والشجر كذلك حتى تكلَّم فجَرةُ بني آدم تلك الكلمةَ العظيمة قولَهم: اتخذ اللَّه ولدًا، فلما قالوها اقشعرَّت الأرضُ وشاكَ الشجر (٤). وعن ابن مسعود ﵁ قال: إن الجبل يقول للجبل: يا فلانٌ! هل مرَّ بك اليوم ذاكرٌ للَّه تعالى؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به، ثم قرأ عبد اللَّه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ حتى إذا بلغ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال: فتراهن يسمعن الزُّور ولا يسمعن الخير (٥)؟

стр. 4989

وهذا إذا وضع اللَّه تعالى فيها الحياة والعلم، وذلك جائز عندنا، وعلى ذلك تصدُّع الجبل من خشية اللَّه تعالى، وهبوطها من هيبة (١) اللَّه تعالى. وقال قطرب: الإد: الداهية والأمرُ الفاحش، وجمعه: الإداد، وقد أَدَّ يَئِدُّ وَيؤُدُّ، وأنشد: يا أيها الرَّائمُ أمرًا إدَّا... إن كنتَ ترجونا فناطِحْ حدَّا (٢) وقال رؤبةُ (٣): ويتَّقي الفحشاءَ والأباطِلا... والإدَّ ذا الإدادِ والعضائلا (٤) * * * (٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ذكر المؤمنين بعد ذكر الكافرين. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: أي: محبةً في صدور عباده المؤمنين، فيحبُّهم ويحبِّبُهم إلى خلقه، وكان نزول هذا بمكة قبل هجرة الحبشة والمدينة (٥)، وحقق اللَّه

стр. 4990

لهم هذا الوعد فجعل في قلب النجاشي هذا الودَّ (١)، وَدَّ المؤمنين حتى أمِنوا في بلاده، ووصلوا إلى بِرِّه، على ما مضى ذكرُه في حديث جعفر بن أبي طالب وهجرةِ الصحابة إليه، وقراءتِه هذه السورةَ عليه، ودفعِه قصدَ المشركين عنهم، ثم بعد ذلك جعل لهم الودَّ في قلوب أهل المدينة حتى آوَوْهم ونصروهم، وأسلموا بالقرآن ثم بالسيف، ثم ألَّف اللَّه تعالى بين قلوب الأوس والخزرج فجعل لهم الودَّ حتى اتَّفق الفريقان على نصرة الحق، ثم تتابع هذا حتى دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وجاء نصر اللَّه والفتح، وأورث اللَّه تعالى المسلمين مقام الكفار ونديَّهم، فظهر دين اللَّه ولو كره المشركون، وفي ذلك أوضح دليل على صدق دعوى النبي ﷺ الرسالةَ. وقيل: معناه: سيجعل للمؤمنين مودَّةً لبعضهم من بعضهم، فيتوادُّون ويتآلَفون، فيتعاضدون ويتناصَرون، فينقمِع بذلك أعداؤهم بالسيف أو بالحجة. * * * (٩٧) - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾: أي: يسَّرنا القرآن، كنايةٌ لم يسبقها صريحٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وقيل: يسَّرنا ما قصَصْنا عليك في هذه السورة ﴿بِلِسَانِكَ﴾؛ أي: بلسانك (٢) الذي هو لسانُ العرب، حتى فهموه وعقَلوه ووقفوا على إعجازه. وقوله تعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: المؤمنين (٣) الذين يتَّقون الشركَ والمعاصيَ بما قلنا: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ونحوِ ذلك.

стр. 4991

وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: هؤلاء المشركين المذكورين في هذه الآيات، واللُّدُّ: جمع الأَلدِّ، وهو شديدُ الخصومة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] والمصدر: اللَّدَد. وقال أبو عبيدة: هو الذي لا يقبل الحقَّ ويدَّعي الباطل (١). وقال الخليل: وهو الشديدُ الخصومة العسيرُ الانقياد (٢)، وكان مشركو قريش كذلك، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. * * * (٩٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾: ثم (٣) هوَّن اللَّه على النبيِّ ﷺ خصامهم وعنادهم، وقال: وكثيرًا أهلكنا قبل هؤلاء من قرونٍ كثيرة مثلَ قوم نوحٍ وقوم صالحٍ وقوم لوطٍ وقوم شعيبٍ وغيرِهم؛ لمخالفتهم أنبياءهم. وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: أي: هل تُبصر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾: هو الصوتُ الخفيُّ في (٤) الحركة؛ أي: قد ذهبوا وبادُوا فلا عينَ لهم ولا أثر، فكذلك هؤلاء أيضًا إن (٥) أعرضوا عن تدبُّر ما يسَّرناه بلسانهم من القرآن، الذي لهم فيه الشفاء والبيان، فعاقبَتُهم الهلاكُ فليَهُنْ عليك أمرهم.

стр. 4992

وقال الإمام القشيري ﵀: أوجدَهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك بما شاء أماتهم وأفناهم، فبادُوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبيرَ منهم ولا صغير، ولا جليل ولا حقير، وسيطالبون يومَ النُّشور (١) بالنقيرِ والقِطمير، وإلى جزاء اللَّه المصير (٢). والحمد للَّه العليِّ الكبير، السميعِ البصير (٣)، اللطيفِ الخبير، حمدًا لا يحصَى عددُه، ولا يُعرف أمدُه، وأشكره على ما وفَّقني في إتمام هذه السورة، وصوَّرني بقدرته في أحسن الصورة، وصلى اللَّه على سيدنا محمدٍ سيدِ الأنبياء وخيرته، والرضوانُ على أهله وعترته (٤)، وعلى الصالحين من أئمة أمته وسلم تسليمًا كثيرًا (٥). * * *

стр. 4993

سورة طه

стр. 4994

سورة طه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلَق الأرضَ والسماوات العُلى، الرحمنِ الذي لا إلهَ إلا هو له الأسماء الحسنى، الرحيمِ الذي هو غفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدَى. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة طه أُعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين" (١). وسورة طه مكيةٌ، وهي مئة واثنتان وثلاثون آيةً، وقيل: أربع وثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: أربعون (٢). والاختلاف في إحدى وعشرين آية: ﴿طه﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ﴿مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾ ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿مِنِّي هُدًى﴾ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

стр. 4995

وهي ألفٌ وثلاثُ مئة وخمسٌ وثلاثون كلمةً (١)، وخمسةُ آلافٍ ومئتان وثلاثةٌ وثمانون حرفًا (٢). وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ختم تلك السورة بذكر القرآن وتيسيرِه وافتتح هذه بذكر القرآن وإنزاله. وانتظام السورتين: أنه ذكر في تلك السورة قصصَ الأنبياء وذكر (٣) فيهم موسى، وذكر أنه من ذرية آدم، وختمها بذكر الموافقين والمخالفين، وذكر في هذه السورة قصة موسى وختمها بقصة آدم ثم بذكر الموافقين والمخالفين. * * * (١) - ﴿طه﴾. وقوله تعالى: ﴿طه﴾: قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية بتفخيم الطاء والهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية عباس الدوري بإمالتهما، وقرأ أبو عمرو في رواية بتفخيم الطاء وإمالةِ الهاء، ونافع في رواية بين الإمالة والتفخيم (٤). وأما تفسيره: فقد قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة: معناه: يا رجل، وهي بالسُّريانية، وقيل: بالنَّبَطية (٥)، وقيل: بلغةِ عَكٍّ (٦)، قال شاعرهم:

стр. 4996

إن السَّفاهة طه من خلائقكم... لا قدَّس اللَّهُ أخلاقَ الملاعين (١) وقال مقاتل بن حيان: ﴿طه﴾؛ أي: طأ الأرضَ بقدميك، يريد به التهجُّد؛ قالوا: كان النبي ﷺ يقوم في الصلاة على أطراف أصابعه، فأُمر أن يطأَها بأخمص قدميه (٢)، وعلى هذا يكون قوله: (طا) أمرٌ من وَطِئ يطأ، وليِّنت همزته (٣)، و (ها) كنايةٌ عن الأرض. وقال القرظيُّ: أقسم اللَّه تعالى بطَوله وهدايته. وقال جعفرٌ الصادق: أقسم اللَّه تعالى بطهارة أهل بيت رسول اللَّه ﷺ كما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].

стр. 4997

وقيل: هو كناية عن: طاهر، وهو اسم اللَّه تعالى. وقيل: (طا) طوبى و (ها) هاوية، وهو قسَم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير ﵁: الطاء افتتاحُ اسمه طاهر وطيِّب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل: هو خطاب النبي ﷺ يا طالب الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى اللَّه (١). وقيل: الطاء طينتُه، والهاء همتُه، والطينةُ طيبةٌ والهمةُ عاليةٌ. وقيل: الطاء طاعتُه، والهاء هيبتُه. وقيل: الطاء تسعةٌ والهاء خمسة، وجملتُها أربعةَ عشر، وهو إشارة إلى تسميته بدرًا، كأنه قال: يا بدرُ ليلة أربع عشرة (٢). وقال مجاهد: هو اسم هذه السورة (٣). وقال بعضهم: هو اسم القرآن. وقال الإمام القشيري ﵀: الطاء إشارة إلى طهارة قلبه ﵇ عن غير اللَّه (٤)، والهاء إلى اهتداء قلبه إلى اللَّه تعالى. وقال أيضًا (٥): معناه: طوينا عن سرِّك ذكرَ غيرنا، وهديناك بنا إلينا.

стр. 4998

وقال أيضًا: طاب عيش مَن اهتدى بك (١). وقيل: الطاء طلَب الموحِّدين، والهاء هرب الجاحدين، فمَن طلبه وجده، ومَن هرب منه أدركه. وقيل: الطاء طربُ أهل الجنة بعشرة أشياء، ينادي منادٍ: لكم حياةٌ لا موت بعدها، وصحةٌ لا سقَم بعدها، وشبابٌ لا هرم بعده، وعزٌّ لا ذلَّ بعده، ونعمةٌ لا محنة بعدها، وأمنٌ لا خوف بعده، وفرخ لا حزن بعده، وكرامةٌ لا هوان بعدها، وغَناءٌ لا فقر بعده، وملكٌ لا عزل بعده، وسعادةٌ لا شقاء (٢) بعدها، والهاء هوانُ أهل النار بعشرة أشياء ينادي بها المنادي، وهي عشرة على قلب هذا (٣). * * * (٢) - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل ربط صدره بحبلٍ كي لا ينام، فأنزلط اللَّه تعالى هذه الآية (٤).

стр. 4999

وقيل: قام حتى تورَّمت قدَماه، فنزلت (١). وقيل: زاد في اجتهاده، فقيل له في ذلك، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢). وقال القشيري ﵀: يقول: ليس المراد من وحينا إليك تعبَك، إنما هذا استفتاح طلب (٣) الوصلة، وتمهيد بساط القُربة (٤). وقال ابن عباس ﵄ في رواية: قال له قومه: لقد شقيَ هذا الرجل بربِّه فنزلت الآية (٥): ﴿لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتتعَبَ، كما قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]؛ أي: تتعبَ بالكسب، وظاهره أنه نزل أمر بالتخفيف (٦) على نفسه. ويَحتمِل وجهًا آخر: وهو أن الكفار لمَّا عيَّروه بذلك -أن اللَّه تعالى ألزمه اجتهادًا يشقَى به في دنياه بالتعب والسهر أو أرادوا أن ينفِّروه- أنزل اللَّه تعالى هذا يبين له أنه ليس بشقاءٍ بل هو يَسعدُ (٧) به، ويقتدي به غيره فيكونُ له مثلُ أجورهم، فيكون هذا أمرًا بالثبات عليه والازدياد منه.

стр. 5000

وقيل (١): ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتبقى هكذا قليلَ الأصحاب كثيرَ الأعداء، بل ننصرُك، ونقهر أعداءَك، ونُكثر غنائم أصحابك، ونُحْسِن عاقبةَ الكل، ولذلك وصل بهذا قصةَ موسى ﵇: أنه قاسى من فرعون وقومه ما قاسى، ثم كانت له ولقومه النصرةُ والغلبة والفرج والسعادة الكبرى. وقيل: هذا من الاختصار العجيب (٢) وجوامع الكلم التي أُوتيَها رسول اللَّه ﷺ ، فإنه إذا قال: ﴿لِتَشْقَى﴾ -فنفى أن يكون إنزال القرآن عليه للشقاوة- فقد بيَّن أنه كان للسعادة، وهي جامعة لكل مراد، فكأنه قال: أنزلناه عليك لنُسعدك بكلِّ ما تريده وتَرُومُه في الدنيا والآخرة. * * * (٣) - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: أي: ما أنزلناه إلا ليتَّعظ مَن يخشى عقاب اللَّه، فيُقبلَ على اللَّه ويؤمنَ به ويؤدِّيَ ما يلزمه له، وخصَّ الخاشي بذلك وإن كان الإنذار للكلِّ لأنه هو المنتفِع به، وهو كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]. وقيل: معناه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتدوم في العبادة فلا تتفرَّغَ للتبليغ والتذكير، بل أنزلناه لتعمل به (٣) على وجهٍ لا يمنعك من التبليغ، وعلى هذا

стр. 5001

فسَّر بعضُهم قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]؛ أي: إذا فرغت من الدعوة فانصَبْ في العبادة. * * * (٤) - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾: أي: نزِّل تنزيلًا ممن خلق الأرض ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: جمع العلياء. * * * (٥) - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فسَّرناه في سورة الأعراف. وقيل: معناه: قهر هذا السرير على مراده، وسخَّره على تدبيره، فكان كما أراد، وكذلك سائر المخلوقات، غير أن العرش لمَّا كان أعظمَ المخلوقات نبَّه بذكره على ما دونه من سائر المخلوقات، وقال الشاعر: قد استوى مروانُ في سلطانه... وابنُ الزبير غافلٌ عن شأنه (١) أي: قَهَر. وقيل: خاطب اللَّه تعالى عباده بما يتعارفونه بينهم، ولما كان الملِكُ منهم إذا كان جليلًا جلس على سرير أعدَّه لنفسه يَدلُّ بذلك على عظمته ومُباينته لمن سواه، ثم اتَّسع الأمر فيه حتى قيل: قد جلس فلان على سرير الملك، وإن لم يكن منه جلوس، ولكن يعبَّر به عن كون المُلْك له، وعن بينونته لغيره (٢) في الجلالة،

стр. 5002

ففهَّمنا اللَّه تعالى انفراده بالملك والعظمة بذكر العرش والاستواء عليه. وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر مَلِك العرب: قد نال عرشًا لم يَنَلْه نائلُ... جنٌّ ولا إنسٌ ولا ديَّارُ (١) أي: مُلْكًا. * * * (٦) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: أي: ذلك كلُّه ملكُه وفي قبضته، وتحت قهره وقدرته وأمره، ولا يمتنِع شيء منه عما يصرِّفه عليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: أي: وما تحت الأرض؛ لأن ظاهر الأرض من ترابٍ جافٍّ، وما هو أسفل منه إذا كثر فهو تراب مبتلٌّ وهو الثرى. يقول: يعلم ما تحت الأرض مما بطَن فيها كما يعلم ما ظهَر منها وما بينهما. وقد ذكر وهب أن الأرضين السبع على عاتق الملَك، والملَكُ قدماه على الصخرة وهي ياقوتة من الجنة، والصخرةُ على قرني ثور من الفردوس، والثورُ على ظهر حوتٍ من الكوثر، والحوتُ على البحر، والبحرُ على جهنم، وجهنمُ على متن الريح، ومتنُ الريح (٢) على حجابٍ من ظُلمةٍ، والحجاب على الثرى، وإلى الثرى

стр. 5003

انتهى (١) علمُ الخلائق من أهل السماوات وأهل الأرض، فذلك قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (٢). * * * (٧) - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قيل: وإن تجهر بالدعاء للَّه في الصلاة وخارجَها فإن اللَّه تعالى يعلم ذلك ولا يخفَى عليه ويُثيبك عليه؛ لأنَّه يعلم الجهر وما دونه، وهو السرُّ وما هو أخفى من السرِّ، فدُمْ على ما أنت عليه. وقيل: وإن تجهر بالقول فإن اللَّه يعلم ما دون ذلك، فما حاجتُك إلى الجهر وإتعابِك نفسَك به، وما ينالك من أذى المشركين بسببه؟ وهو أمرٌ بخفض الصوت. والقول: هو القراءة عند بعضهم، وقد سبق ذكر القرآن. وقيل: الدعاء. وإذا (٣) حمل على الصلاة كانت جامعةً لهما. والسر: ما لا يَرفع به صوتَه، وأخفى منه: ما يحدِّث به نفسه ولا يتلفَّظ به. وقيل: السر: ما حدَّث به غيرَه خافضًا صوته، وأخفى: ما خطَر بباله أو كلَّم به نفسَه. وقيل: السر: ما أضمَره الإنسان فلم يُظهره، وأخفى: ما وُسوِس إليه ولم يُضمره (٤).

стр. 5004

وقيل: السر: ما تفكَّرْتَ به، وأخفى منه: ما لم يخطر ببالك وعلِم اللَّه تعالى أن نفسك تحدِّث به بعد زمان؛ قال ابن عباس ﵄: أنت تعلم اليوم ما أسرَرْتَ، ولا تعلم ما تُسِرُّ غدًا، واللَّه يعلم ذلك كلَّه (١). وقال الضحاك ﵀: ﴿وَأَخْفَى﴾: يعلم ما لم تعلم وأنت عاملُه (٢). * * * (٨) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: فسرناه في آخر سورة الأعراف، يقول هاهنا: بأيِّ أسماء اللَّه تعالى دعوتَه في الصلاة وخارجَها فهو حسنٌ جميل. * * * (٩) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾: وهذا حثٌّ للنبي ﷺ على الصبر على عبادةِ اللَّه تعالى وعلى أذى قومه، والجِدِّ في الدعاء لهم، فإن موسى فعل كذلك فكان له حسنُ العاقبة. ﴿وَهَلْ﴾: استفهام بمعنى التقرير؛ فإن كان هذا أولَ ما نزل من قصته فمعناه: لم يأتك حديث موسى إلى الآن فقد أتاك الآن فاسمعه فاعتبِرْ به، وإن كان نزل قبله منه شيء فهذا تذكيرٌ لذلك. * * *

стр. 5005

(١٠) - ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾: وذلك حين سار بأهله وكان ليلَ شتاء (١) فأظلم عليه، ورأى من بعيد نارًا. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾: أي: لزوجته -وهي صفورا بنت شعيب- ولمن كان معه، ويدل على أنه كان معه جمعٌ وقد خاطب الجمع. قال وهب (٢): كان معه أهلُه وولدُه وعبده. وقيل: ولدت صفُّورا منه ولدين: جرشون وإيليعازاد (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أي: أبصرتُ، والإنسان مشتقٌّ منه لأنه يُبصَر، والجنُّ من الاجتِنَان وهو الاستتار. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾: أي: شعلةِ نارٍ في طرفِ عودٍ أو قصبةٍ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾: أي: عند النار هاديًا إلى الطريق الذي ضللنا عنه. وقال الإمام القشيري ﵀: ألاح له النار حتى أخرجه من أهله لطلبها، وكان المراد إخراجَه من بينهم، فكان موسى يدنو والنارُ تتناءى ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾

стр. 5006

فقالوا: تتركنا والوادي مُسْبعٌ (١)، فقال: لأجْلكم أفارقُكم ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ (٢). * * * (١١ - ١٢) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: ﴿إِنِّي﴾ بفتح الهمزة لوقوع النداء عليه، وقرأ الباقون بكسرها على الابتداء وجَعْلِ النداء كالقول (٣)؛ أي: ناداه ربُّه فأسمعه كلامه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: مالكك ومدبِّرك ومصرِّفك على ما أريد. وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾: أي: انزِعْهما ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾؛ أي: المطهَّرِ، وقيل: المبارك. قيل: أمره بنزعهما لأنهما كانا من جلدِ حمار غيرِ مدبوغ، فنزَّه الواديَ المقدَّس عن ذلك. وقيل: أمره بذلك ليباشر تلك التُّربة بقدميه فتصلَ إليه بركتها (٤). وقيل: أمره بذلك تأدُّبًا وتخشُّعًا وتواضعًا عند المناجاة.

стр. 5007

وقيل: بل أمره بذلك إعظامًا واحترامًا لذلك المقام؛ كما يؤمَر المرء بدخول الحرم حافيًا إعظامًا له. وقوله تعالى: ﴿طُوًى﴾ قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم ذلك الوادي (١). وقيل: هي أرض (٢). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بضم الطاء غير مجرًى، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بضم الطاء مجرًى (٣). وروى أبو زيد عن أبي عمرو: (طِوى) بكسر الطاء (٤). فمَن أجراها جعلها اسمًا للوادي وهو مذكَّر، ومَن لم يُجْرِها جعلها اسمًا للأرض وهي مؤنثةٌ، فإذا اجتمع التأنيث والتعريف امتَنع الصرف. وقال القشيري ﵀: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾؛ أي: فرِّغ قلبك عن ذكر الدارين. وقيل: اخلع نعليك فإن بساط الحق لا يُوْطَأ بنعلين. وقيل: ألقِ عصاك يا موسى واخلع نعليك وأقمْ عندنا هذه الليلةَ ولا تبرح. وقيل: تنقَّ (٥) عن نوعي (٦) أفعالك، وانمحِ عن شهودِ جنسي أحوالك؛ من قُربٍ

стр. 5008

وبُعد، ووَصلٍ وفصل، وارتياحٍ واجتياح، وفناءٍ وبقاء، وكن بوصفنا قائمًا بحقِّنا (١). * * * (١٣) - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: قرأ حمزة: ﴿وإنَّا اخترناك﴾ على الجمع؛ أي: اصطفيناك على الجميع، والباقون: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ (٢)؛ أي: اصطفيتُك للرسالة. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: أي: فأصغِ لِمَا أُوحيهِ إليك لتعرِفه وتحفظَه فتؤدِّيَه كما آمُرك به. * * * (١٤) - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾: وهو أولُ ما أُوحي إليه، يقول: لا يستحقُّ العبادة غيري فأفرِدْني بعبادتك. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: أي: وحافِظْ بعد توحيدي على الصلاة مُقيمًا لها بما هو مشروعٌ فيها من أفعالٍ وأقوال، ودلَّ أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم (٣) منها. وقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لتكون بها ذاكرًا لي (٤)؛ أي: بالأذكار التي فيها، أو تُذكِّرك أفعالُها معاني تتقرب بها إليَّ، وتتذلَّلُ فيها لي.

стр. 5009

وقيل (١): ذاكرًا لي ولعظمتي بقلبك غيرَ غافلٍ عني. وقيل: لأذكُرَك وأمدحَك وأُثني عليك؛ كما يقال: زُرني لعطائي؛ أي: لأعطيك، وعلى هذا قالوا: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: ذكر اللَّه للمصلِّي أكبرُ من ذكر المصلي للَّه تعالى. وقيل أي: أقم الصلاة حين تذكُرها؛ أي: إذا نسيتَ صلاة لم تسقط عنك بالنسيان، بل إذا ذكرتَها فعليك قضاؤها. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن نَسي صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٢). وقيل: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لأمري بها بقولي: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. * * * (١٥) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أي: اعبُدني وصلِّ لي فإني أَجزيك بما يكون منك في يوم القيامة، وهي آتيةٌ لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: أي: بعملٍ إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ، و ﴿لِتُجْزَى﴾ صلة قوله: ﴿آتِيَةٌ﴾؛ أي: تأتي الساعة لجزاء الأعمال، واعتَرض هاهنا كلام، وهو قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: و ﴿أَكَادُ﴾ صلةٌ زائدة، وهو في الشعر كثيرٌ؛ قال أبو النَّجم:

стр. 5010

وإنْ أتاكِ نعيٌّ فاندُبيه (١) أبا... قد كاد يَضطلِعُ الأعداءَ والخُطَبا (٢) وهو للتحقيق. وإن حمل على المقاربة ضعف المدح، وعلى هذا قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يرها (٣). وقيل: ﴿أَكَادُ﴾؛ أي: أريد، وهو تحقيق أيضًا لا مقاربة، قال الشاعر: كادتْ وكِدْتُ وتلك خيرُ إرادةٍ... لو عاد من لهوِ الصَّبابة ما مضَى (٤) ففسره بالإرادة، ودل على أنه هو المراد. وقيل: ﴿أُخْفِيهَا﴾ من الأضداد للكتمان والإظهار؛ كالإسرار في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: ٥٤]، فسَّروه بالمعنيين جميعًا. وقد قرئ هاهنا: (أَخفيها) بنصب الهمزة (٥)، ومعناه: أُظهرها، يقال: خَفَى يَخْفِي خَفْيًا -من حدِّ ضرب-؛ أي: أظهر، قال امرؤ القيس: فإنْ تَدفِنوا الدَّاء لا نَخْفهِ... وإنْ تَبعثوا الحربَ لا نقعدُ (٦)
следующие страницы →