← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال ابن عباسٍ وعطاءٌ والضحاكُ وعليُّ بن طلحةَ ومقاتلٌ والكلبيُّ وجعفرُ بن محمد الصادقُ: هذا مَثَلُ القرآن؛ أي: مَثَلُ المنافقين مع القرآن كمَثَل مسافرٍ أصابه مطرٌ، فشبَّه القرآنَ بالمطر؛ لأن في القرآن حياةَ مَن آمَنَ به. ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: ذكرُ الكفرِ والوعيدُ عليه وعلى المعاصي، وهو كالرعد (١)، وفيه الوعدُ على الإيمان والطاعاتِ كالبرق. وقيل: الظلمات: بيانُ الفتن، والرعدُ: الزَّجر والتخويف، والبرق: بيان النُّصرة والظَّفَر.

стр. 527

وقيل: الرعد: المتشابهات، والبرق: المحكَمات. وقيل: الرعد: بيان المحرَّمات والوعيدُ عليها، والبرق: بيان المحلَّلات والوعدُ عليها. وقيل: الرعد: ما في القرآن من ذكر الامتحان والابتلاء، والبرق: ما فيه من الهدى والشفاء. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (١): ينفرون عن (٢) الجهاد وسائرِ الأوامر كأنْ لم يسمعوا. وقيل: يتصامُّون ويتعامَون كيلا يسمعوا ما نزل في شأنهم والأمرِ بقتلهم. وقيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ حقيقةً كيلا يسمعوا القرآن، تكاد حجج القرآن تبهرُ العقول وتجذبها إلى نفسها لوضوحها. وقيل: يكاد القرآن (٣) يدلُّ على عوراتهم. وقيل: يكاد بيانُ القرآن يَذهب بضلالتهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تفكَّروا في المحكَمات قصدوا أن يؤمنوا بالقرآن، وإذا اشتبَهت عليهم المتشابهات (٤) أَعرضوا وكفروا. وقيل: كلَّما تمسَّكوا بالمتشابهات ليحتجُّوا بها على المؤمنين انقطعت حججُهم بالمحكَمات، فبَقُوا في ظلمة كفرهم متحيرين ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ

стр. 528

وَأَبْصَارِهِمْ﴾ عقوبةً لهم، كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها خذلانًا لهم، إنه قديرٌ على ما أراد. وقال (١) الربيعُ بن أنسٍ وابنُ جُريجٍ ومجاهد والضحَّاك، والكلبيُّ عن ابن عباس: هذا مثلٌ لإقرارهم بألسنتهم وإنكارِهم بقلوبهم؛ أي: مَثَلُ المنافق في الإيمان كمسافرٍ في المَفازةِ في ليلةٍ مظلِمةٍ أصابه مطرٌ، شبَّه الإيمانَ بالمطر لأنه به حياةُ الملوب، وفيه ظلماتٌ في قلبه: ظلمةُ الكفر، وعلى لسانه نورُ الأقدار كالبرق، وهو خائف بين ذلك كالخائف من الرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لا يتفكرون بقلوبهم إلى دليلِ الرشد ومعجزاتِ الرسول، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾؛ أي: تلك الدلائل تَذهب بظلمةِ قلبه وغطاءِ بصره وإن لم يتفكَّروا فيها. وقيل: يكاد نورُ إيمانِ المنافق بلسانه يخفَى على المؤمنين حالُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: ما داموا في الحيرة (٢) يتكلَّمون به وينتفعون به، وإذا ماتوا بقُوا في ظلمة القبر وعقوبةِ الحشر، ولو شاء اللَّه لأهلك المنافق للحال ولا يُمهَلوا إلى الموت؛ لأنه قدير على كل شيء. وقيل: هذا مَثَلُ خوف المنافق وتحيُّرِه فإن ليلة المطر والرعد والبرق والظلمات في غايةِ الهول والإيحاش، ومعنى جعلِ الأصابع في الآذان حذَرَ الموت: خوفُ المنافق أن يُطَّلعَ على سرِّه فيُقتلَ أو يُنفى ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: قادرٌ على إنزال نقمته بهم ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يكاد خوفُ المنافق يهلكُه ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: كلما ظهرت غلبةُ أحد الفريقين تابَعوهم، وإذا انقلب الأمر انقلبوا، ولو

стр. 529

شاء اللَّه لحقَّق ما يخافه صاحبُ الصيِّب لاختطاف (١) السمع والبصر وليس ترك اللَّه المنافق على هذا التذبذُب لعجزه، إنه على كل شيء قدير. وقيل: هذا مثلُ لقاءِ المنافقين المؤمنينَ بالإيمان والكفارَ بالكفر، قال: مَثَلُهم كمَثَلِ الرَّجلِ في ظلمات الليلِ والسحاب والمطر، وفي المطرِ رعدٌ وبرقٌ، فقد اجتمع نورٌ وظلمةٌ وخوفٌ، فالنورُ ما يُظهره من الإيمان، والظلمةُ ما يضمِرُه من الكفر، والخوفُ منهم ظهورُ أمرِهم نفاق المنافقين وينكشف لهم أسرارهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾: كلما تكلَّموا بالإيمان كانوا سالمين مع المؤمنين، وإذا دخلوا (٢) إلى شياطينهم وقالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، وقعوا في ظلمات الضلال، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأزال أسباب التحرُّز عنهم وواقَعَ بهم المؤمنين، كما لو شاء لذهب بسمع صاحب الصيِّب وبصرِه من غيرِ صاعقةٍ ورعدٍ وبرقٍ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ عالمٌ بهم مالكٌ لهم، وهم في قبضته، فلا مَخْلَصَ ولا مَهْربَ لهم، وهو على كلِّ شيء قدير. وقال قتادةُ وابنُ جُريج: هذا مَثَلٌ لجبن المنافق وخوفهِ من الموت إذا دُعي إلى القتال، وفي الجهاد إحياءُ الدِّين كما أن المطر حياةُ الأرض وأهلِها، فكانوا إذا دُعوا إليه قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ١٣] وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وإذا لم يرغبوا في الجهاد لأنهم كانوا لا يصدِّقون النبيَّ ﵇ في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وفي قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ولا يصدِّقون بالبعث وما أَعَدَّ اللَّه للشهداء، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ أي: عزُّ الإسلام، فظهورُه مُلجِئةٌ إلى الإيمان ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ﴾

стр. 530

لهم عزُّ المسلمين مشَوا فيه، وإذا كانت الدَّبْرةُ (١) عليهم قاموا متحيِّرين في كفرهم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأهلكهم وأماتهم من غيرِ قتال، إنه على كل شيء قدير، كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٨]، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٦]. وقيل: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لعطَّل أبدانهم ومصالحَها فلم يَصلُحوا لجهادٍ ولا لغرضٍ آخَرَ، إنه على كل شيء قديرٌ. وقيل: أي: كلما دُعوا إلى غنيمةٍ ومنفعةٍ أجابوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: إذا أُمروا بالخروج للغزو تثاقَلوا. وقيل: كلما سمعوا غَلَبة أشياعِهم فرحوا ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا رأوا غلبة المؤمنين تحيَّروا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لأذهب أشياعهم، إنه على كلِّ شيء قديرٌ (٢). وقيل: هذا في الذين آمنوا، ولمَّا (٣) مسَّهم الضرُّ ارتدُّوا، وهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]، فقال (٤) تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ فشبَّه الإسلام بالمطر، والنعمةَ فيه بالبرق، والفتنَ والمحنَ فيه بالرعد ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: لا يحبُّون أن يسمعوا بشيءٍ من الشدائد والبلايا، يكاد ما يَرونه من عزِّ المسلمين وإصابةِ الغنائم يمحو عن قلوبهم الشبهات ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: وإذا زال نفعُ الدنيا وقفوا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لسلب ما في أيديهم وزادهم ذلًّا إلى ذلٍّ، إنه على كلِّ شيءٍ قدير.

стр. 531

وقيل: المثَلُ لليهود، وذلك أن المسافر ينتظِرُ المطرَ ليَعمُرَ (١) الطرق ويملأَ الحياض (٢) فينتفعَ به هو ودوابُّه، ولا يتوقَّعُ الظلماتِ والرعدَ والبرق، فكذا اليهودُ كانوا ينتظرون خروج نبيِّنا ﵊ ليهتدوا به ويَقهروا الأعداء (٣)، ولم ينتظِروا نسخَ شريحتِهم والوعيدَ (٤) بالنار لمن كان على دينهم، فالمطرُ: مثالُ محمدٍ ﷺ ، والظلماتُ: نسخُ شريعتهم، والوعدُ: الوعيدُ بالنار، والبرق: محجزات النبي ﷺ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: يعاندون في الإنكار مع ظهورِ الحق والآيات (٥) ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: كاد ظهورُ دلائله يَذهب بظُلمة قلوبهم ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: المسافرُ لو نظر إلى البرق لأبصر الطريق، ولو غمَّض عينيه خَفِي عليه الطريق، فكذا اليهودُ لو تأمَّلوا في حالى النبيِّ ﷺ لاهتدَوا، ولَمَّا أعرضوا بَقُوا في الضلالة. وقيل: المثلُ لليهود مع التوراة، فالمطر: التوراة، والظلماتُ: متشابِهاتُها، والرعد: الوعيد، والبرق: ذكرُ محمد ﷺ ونعتِه وشرفِه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: يُعرِضون عن ذكرِه والتأمُّلِ فيه مخافةَ فَوْتِ الرياسة والمأكلة (٦)، يكاد ظهورُ حاله يُزيل كفرَهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: ما وافَقَ أهواءهم قَبِلوه وما خالفَها ردُّوا.

стр. 532

وقيل: معناه: لو تفكَّروا آمَنوا وسُعدوا، ولكنْ أَعرضوا فهلَكوا وخسِروا، وكما أنَّ اللَّه تعالى قادرٌ على تنوير بصرِ المسافر وإنْ تعامَى، فكذا هو قادرٌ على تنوير قلوبِ اليهود د ان أعرضوا، ولكنْ لم يَشَأْ ذلك، فهو على ما يشاء قدير. وقال الإمامُ أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: المثَلُ لكفارِ عصرِ النبيِّ ﷺ ، ألَا ترى أنه قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وكانوا صِنفين: صنفٌ: أهلُ كتابٍ قد غيَّروه؛ كما قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]، ومن أهل الكتاب قوم ابتدَعوا الكتاب، كما قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] فاندرستِ الكتبُ الحقُّ، وصاروا في ظلمةِ الضلالة (١)، وظهر منهم القولُ المختلِف المتناقِض الذي لا تحتمِلُه الحكمةُ. وصنفٌ: لا ينتحِلون الكتاب ولا يؤمنون بنبيٍّ، بل يعبدون الأوثانَ والأحجار والنيران، ليس لهم مَن يدلُّهم على رشدهم. فاحتاجوا (٢) إلى مَن يُخرجهم من الضلال إلى الهدى، ومن الفُرقة إلى الائتلاف، فبعث اللَّه إليهم نبيًّا (٣)، وألزمهم (٤) بالآيات ليستنقذَهم به إنْ أطاعوه،

стр. 533

فكانوا كقومٍ بقُوا في ظلمات الليل والسحابِ متحيِّرين، أو (١) كقومٍ ابتُلوا بشدة الجوع والعطش بالقحط (٢) والجُدوبة، فأغاثهم بالمطر، فتلقَّوا نعمه بالشكر، فنَجَوا بذلك من الهلكة، وذلك مَثَلُ مَن اتَّبعه، ومنهم مَن تلقَّاه بالكفران، وذلك مثَلُ مَن لم يتَّبعه (٣). فشبَّه نبيَّه بالمطر إذ هو رحمةٌ كالمطر، وشبَّه إيمانَ مَن آمَن به بضوءِ البرق والمشي فيه، وشبَّه عناد المعاندِين بالرَّعد، يكاد نورُ محمدٍ ﷺ وبركتُه تَخْطَفُهم من العذاب مع كفرهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾؛ أي: كلَّما ظهَر لهم نورُه وبركتُه سكَنوا إليه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾؛ أي: وإذا رُفع محمد ﷺ عذِّبوا بأنواع العذاب، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: لعذَّبهم ومحمدٌ فيهم، إنه قديرٌ على كلِّ شيءٍ. * * * (٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال الزجَّاج: (يا) نداء، و (أيُّ) اسمٌ مبهَمٌ مبنيٌّ على الضم لأنه منادًى مفردٌ معرفةٌ (٤)، و ﴿النَّاسُ﴾ صفةٌ له، و (ها) (٥) تنبيهٌ لازمٌ لـ (أيّ)، وهو عوضٌ عن الإضافة في (أيّ)؛ لأن أصلَ (أيّ) أن يكون مضافًا في الاستفهام.

стр. 534

وقال سيبويه عن الخليل: المنادى المفرد مبنيٌّ وليس بمعرَبٍ، ولذلك لم ينوَّن، وصفتُه مرفوعةٌ رفعَ إعرابٍ، ولذلك دخله الألف واللام (١). وقال الأخفش: ﴿النَّاسُ﴾ صلةٌ لـ (أي). والنداء: تنبيهُ الغافلين، وإحضارُ الغائبين، وتحريكُ الساكنين، وتعريفُ الجاهلين، وتفريغُ (٢) المشغولين، وتوجيهُ المعرِضين، وتهييجُ المحبين، وتشويقُ المريدين، وإن اللَّه تعالى نادى الأمم (٣) الماضين باسم المساكين، ونادانا باسم المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وباسم الإنسانية، وهي المروءةُ وحسنُ (٤) المعاملة وصدقُ المجاملة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو (٥) مدحٌ ابتداءً، وبعثٌ على ملازمة الإنسانية انتهاءً، وهو مشتقٌّ أيضًا من آنسَ؛ أي: أَبْصَر، كأنه قال: يا أولي الأبصار. وهو (٦) من الأُنس أيضًا، وهو مدحٌ له بالأُنس بذِكْر ربه، ومن النسيان، وهو عتابٌ وتلقينُ عذرٍ؛ أمَّا العتاب فكأنه يقول: يا أيها الناسي (٧) نعمَنا بالكفران وأوامرنا بالعصيان، وأما التلقينُ للعذر فكأنه يقول: يأيها المخالف لنا ناسيًا لا عامدًا، وساهيًا لا قاصدًا (٨)، عذَرْناك لنسيانك وعفونا عنك لإيمانك. وقوله: ﴿النَّاسُ﴾ هنا يَصلح اسمًا للمؤمنين والكافرين والمنافقين.

стр. 535

وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: أمرٌ لهم (١) جميعًا، وقد سبق ذكرُهم جميعًا: ذكرُ المؤمنين في أول السورة، وذكرُ الكفار بعدهم، وذكرُ المنافقين بعدهم. وقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ معناه: أيها المؤمنون أطيعوا، وأيها الكافرون آمِنوا، وأيها المنافقون أَخلصوا، وهو وجهُ انتظام هذه الآية بتلك الآيات. وقد مرَّ في تفسير العبادة أقاويلُ، ونذكر هاهنا قولًا واحدًا؛ وهو أن العبادة: استفراغُ الطاقة في استكمال الطاعة، واستشعارُ الخشية في استبعاد المعصية. وقوله تعالى: ﴿رَبَّكُمُ﴾؛ أي: إلهكم ومالكَكم ومربِّيَكم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الخلقُ في اللغة: التقدير، قال الشاعر: ولأنت تَفْرِي ما خلَقْتَ وبعْـ... ضُ القوم يَخلُقُ ثم لا يَفري (٢) ومنه قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، فالخَلْق: الإيجاد. والخَلْق: الافتراء في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، والاختلاقُ كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]. والخَلْق: المخلوق في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]. والخَلْق: المخلوقون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. والخَلْق: البعث بعد الموت في قوله تعالى: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩].

стр. 536

وتفسير ﴿خَلَقَكُمْ﴾ ها هنا: أَوْجَدكم، فهو المستحِقُّ لعبادتكم إياه، وهي العملُ له على الخلوص. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: العبادةُ: جَعْلُ العبد (١) كلِّيَّتَه للَّه قولًا وعملًا وعَقْدًا (٢). قال ﵁ (٣): وقرَّر معنى التخليق، بأنْ كَرَّره (٤) في القرآن من كلِّ طريق، أَخبر أنه هو الخالق، فقال تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وأنه الخلَّاق فقال: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وأنه أحسنُ الخالقين قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وأنه خلَق كل شيءٍ فقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] وأنه يخلق ما يشاء فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. وخصَّ بعضَ المخلوقات بالذِّكر: فمنها: السماء، فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠]. ومنها: الأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٩]. وجمعهما فقال: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ومنها: الليل والنهار، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]. وذكَر الجنَّ والإنس، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

стр. 537

وخصَّ الجان فقال: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وإبليسَ فقال خبرًا عنه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ (١) [الأعراف: ١٢]، والملائكةَ فقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ [الصافات: ١٥٠]، وآدمَ فقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وحواء فقال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، وأزواجَنا فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١]، وأولادَ آدمَ وحواء فقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، والتَّارات فقال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]. وأثنى على نفسه به فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] لأنه أَحْسَنَ التخليقَ؛ قال (٢) تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. وذكر خَلْقَ أعمالهم فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وخَلْقَ (٣) أسرارِهم فقال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]. وذكرَ خَلْقَ الذكر والأنثى، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]، وخَلْقَ الأنعام لأجْلهم فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ الآيات [النحل: ٥]، وكذا كلُّ الحيوانات فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٥]. وذكر الذبابَ فقال: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣]. وذكر الجماداتِ فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ [النحل: ٨١].

стр. 538

وذكر خلقَ ما لا (١) نعلمُ فقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وذكر خلقَ الموت والحياة فقال: ﴿لَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]. وذكر (٢) أنه ما خلَقَنا عَبَثًا فقال عزَّ وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ذكر (٣) أنه خلَق وأنه رزَق وأنه يحيي وأنه يميت فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]. فإذا (٤) كان هذا كلُّه منه كان استحقاقُ عبادةِ الخلق له دون غيره (٥)، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الواو للعطف؛ أي: وخلَق الذين من قبلِكم فاستحقَّ عبادتهم وأمَرهم أيضًا بعبادته فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلالةٌ على شمول القدرة والصَّنعة، وتنبيهٌ عن سِنَة الغفلة، أنهم كانوا فمضوا، وجاؤوا وانقضَوا، فلا تنسَوا مصيركم، ولا تستجيزوا تقصيركم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: (عَلَّ) و (لعلَّ) في اللغة كلمةُ تَرَجٍّ ممن (٦) لا

стр. 539

يَعلم العاقبة، وهو ترجيَةٌ (١) من اللَّه تعالى، فإنه لا تَخْفَى عليه خافية، وهو ككلمة (كيف) هي للتعجُّب منا وللتعجيب من اللَّه تعالى، ومِثلُها كلمة (أو)، وهي للشك منا وللتشكيكِ من اللَّه، وكذلك (عسى). وفارسيتُهما: (ترجي أميد داشتن، وترجية ما أوميد داشتن، تعجب شكفت داشتن، وتعجيب شكفت داشتن). ومعناه: اعبدوا ربَّكم راجين التقوى، وللتقوى هاهنا معنيان: التقوى في الدنيا عملًا، والتقوى (٢) في الآخرة أملًا: ففي الدنيا: الاتِّقاءُ عن الشرك إنْ حُمِلَ الأمرُ بالعبادة على التوحيد، والاتِّقاءُ عن الذنوب إنْ حُمل ذلك على الطاعات. والاتِّقاءُ في الآخرة هو الاحتفاظُ عن النار وسائر العقوبات. وهذه مخاطبةُ لطفٍ، يقول الرجل لآخَرَ: لا أؤاخذُك بالجَفوة لعلك ترجعُ إلى الصَّفوة. واللَّه تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 540

ومن العجيب (١) ذكرُه في حقِّ فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وكان الشِّبليُّ ﵀ يقول في هذا: يا ربّ! هذا لطفُك بمن يقول: أنا ربكم الأعلى، فكيف لطفُك بمن سجَد لك على التراب، وقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى؟! وهذا (٢) كلُّه على ما مرَّ أنه ترجيةٌ، ومعناه هاهنا: أنه قال لموسى وهارون: اذهبا إليه وادعواه إلينا وأنتما على رجاءِ إجابته، واعتذارِه عن جنايته، واللَّه تعالى قد علِم أنه لا يجيب، لكنْ أمر بذلك إلزامًا للحجة، وأخفَى الحال عليهما لئلا يقصِّرا في الدعوة. * * * (٢٢) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾: هو صفة قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾، وتفسيره: صيَّر لكم الأرض، وقيل: خلَق، وقيل: بسَط. و (جَعَل) في القرآن لمعانٍ: للخلق: قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. وللإنزال: قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣].

стр. 541

وللحبس: قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ أي: حبَسْناه ﴿لَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] إلى وقتِ الولادة. وللوضع: قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]؛ أي: ضَعُوا دراهمهم في جُوالقهم (١). وللإدخال: قال تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧]. وللجمع: قال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤]. وللبناء: قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤]. وللتمليك والتسليط: قال تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]. وللقول والوصف: قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]. وللإرسال: قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩]. وللتحويل: قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ (٢) [الأنبياء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]. وللتصيير: قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وللتَّرك: قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠]. وللإعطاء: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]. وللاتِّخاذ: قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. وللتَّسخير: قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢].

стр. 542

وللرَّفع: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وللبَسط: قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿الْأَرْضَ﴾: هي التي نحن عليها، واشتقاقُها من أشياءَ: فالأرضُ: قوائمُ الفرَس وهي أسافلُه، وأرضُنا التي نستقرُّ عليها متسفِّلة (١). والأرض: الرِّعدةُ، وأرضُنا قد (٢) تتزلزل، وكانت متزلزلةً قبل خلقِ الجبال لتوطيدِها. والأَرِيض: الخليق بالخير، وكذلك أرضُنا ففيها الماءُ والمرعى، وعليها القرارُ والمأوى، للأحياء والموتى. والإرَاض (٣): البساط، وهي بساطُنا. والأرَض بفتح الراء: الاتِّساع، وأرضُنا متَّسعةٌ. والأَرَضةُ دُوَيْبَّةٌ تأكل العود، وأرضُنا تتأرَّض ما دُفن فيها. والتأريض: التأسيسُ والتأصيل، قال النبيُّ ﷺ : "لا صيامَ لمن لم يؤرِّضْه من الليل" (٤)، وأرضُنا هي الأساس.

стр. 543

وقوله تعالى: ﴿فِرَاشًا﴾: أي: بساطًا، والفَرْش: البَسْط، وهو مصدرٌ، والفراش: البساط، وهو اسمٌ لِمَا يُفرش؛ أي: يُبسط، والمرأةُ فراشُ الرجل لأنه يَستفرِشُها، قال اللَّه تعالى في أزواج الجنة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]. ونظيرُ هذا الاسم للأرض في القرآن: المهدُ والمهادُ والبساط، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، وجمَع بين الفَرْش والمهدِ في آيةٍ فقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [النمل: ٦١]. وقريبٌ من هذه الصفة ما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦]، والدَّحْوُ: البَسْط، والطَّحْو: البَسْط والتوسيع، وقال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]؛ أي: بسطت، وقال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: معطوفٌ على الأول؛ أي: وجعَل السماء بناءً، وهي السماء (١) التي فوقنا، مشتقَّةٌ من سما يسمو سموًّا؛ أي: عَلا، وقد مرَّت وجوهه في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. وهي تَصْلُح للواحدة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك: ٥]، وللسماوات السبع كما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. فكونُها للواحد ظاهرٌ، وللجمع بطريقين:

стр. 544

أحدهما: أنها جمع السماءة (١)؛ كالعَباءِ والعَباءة. والثاني: أنه جنسٌ، فيجوز أن يتناول كلَّها (٢). وقوله تعالى: ﴿بِنَاءً﴾؛ أي: مبنيَّةً. فالفِعَال بمعنى المفعول كثيرٌ، منها: الكتابُ بمعنى المكتوبِ، والفِراشُ بمعنى المفروشِ، والبساطُ بمعنى المبسوطِ، والمهادُ بمعنى الممهودِ، والبناء بمعنى المبنيّ (٣). والبناء مصدر أيضًا من بَنَى يَبْني، وهو في اللُّغةِ لثلاثِ معانٍ: للتركيب: كما في قوله تعالى: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]. وللرفع: كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]؛ أي: رفَعَها (٤). وللوصل: كما في قوله ﵊: "فلْيَنْصَرِفْ ولْيَتوَضَّأْ ولْيَبْنِ على صَلَاتهِ" (٥). فسمَّى السماءَ بناءً لهذه الوجوه؛ وهي أنها مركَّبةٌ مرفوعةٌ موصولةٌ. والبنيان كالبناء، والكلمةُ جاءت في القرآن لأشياء: للجدار وحده: قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. وللرِّباط: قال تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١].

стр. 545

وللبَطَر (١): قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨]. وللمسجد: قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩]. وللأتون: قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧]. وللعمارة التامة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]. وللسماء: قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]. ولمنازل الجنة: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. ونظيرُ هذه الصِّفة للسماء في القرآن قولُه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات: ٢٨]، وقولُه: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]، من قولهم: سَنَامٌ سامِكٌ؛ أي: مرتفعٌ، وسمَّاها سقفًا لانحنائها مع ارتفاعها، والأَسْقَفُ: الطويل المنحَني، وقولُه: ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤]، وقولُه: ﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ﴾ [الروم: ٢٥]. ومن صفاتها ما قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وحفظُها بمعنيَين: من الشياطين قال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، وعن الوقوع قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]. وقال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢]. وقال ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، وقال: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]، وقال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]، ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧]، وقال: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾

стр. 546

[الحجر: ١٦]، وقال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] (١)، وقال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، وقال: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] (٢). ثم معنَى ذكرِ خلقِ السماءِ والأرضِ في حالِ الأمرِ بالعبادة خمسةُ أوجهٍ: أحدها: أن اللَّه تعالى هو الذي قدَر على خَلْقهما، فهو المستحِقُّ لأنْ يكونَ إلهًا يُعبد. والثاني: أنه هو الذي تفرَّد بخَلْقهما فعليهم أن يوحِّدوه ولا يُشركوا به شيئًا. والثالث: أنه هو الذي أنعم عليهم بجَعْل الأرضِ بساطًا لهم وموضعًا لأرزاقهم وذلولًا يمشون في مناكبها، والسماءِ سقفًا لهم منها ينزل عليهم البركات، فعليهم أن يشكروا له بعبادته وطاعته (٣). والرَّابع: أنه على سبيل الاحتجاج، لأنَّ من الكفار مَن يَعبد ما في الأرض من الأوثان والنيران، ومنهم مَن يَعبد ما في السماء، وهو الشمسُ والقمرُ والملائكة، فقال جل وعلا: الأرضُ والسماء وما فيهما مِلْكي وخَلْقي، فكيف تجعلون مِلْكي وخَلْقي شريكًا (٤) لي في العبادة؟! والخامس: أنه على سبيلِ الوعيد، يعني: السماءُ والأرض مِلْكي، فإنْ شئتُ خسَفْتُ الأرض بكم، وإنْ شئتُ أَلقيتُ السماء عليكم، كما قال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا

стр. 547

بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: عطفٌ على قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السماء التي هي سقفُ الدنيا، أو من السحاب، وقد بينَّا في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أنه قيل لكلِّ واحدٍ منهما، ووفَّقْنا بينهما أيضًا. وقوله: ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا، والماءُ أصلُه: المَوَهُ، بدليلِ أن جمعَه: المياه والأمواه، وتصغيرُه: المُوَيه، والفعلُ منه: مَوَّه السكِّين (١)، وأَمَاهتِ البئرُ، إلا أن الواو من (المَوَهِ) سكِّنت لحركةِ ما قبلها طلبًا للتخفيف لأنها معتلَّةٌ، ثم صيِّرت ألفًا لفتحةِ ما قبلها، كما في المال والحال والخال، فصار: ماه، ثم أُبدلت الهاء همزةً (٢) لتجانُسهما كما في قولهم: إيَّاك وهِيَّاك، وأَيْهاتَ وهَيْهاتَ. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: الخروج في الحقيقة (٣): الانتقالُ من الحِصن إلى العورة، والإخراجُ متعدٍّ، والاستخراجُ: الاستنباط، والتخارُجُ من الورثة: إخراجُ بعضهم بشيءٍ من الميراث، وتخريجُ شيءٍ من المسألة (٤) وتخريجُ المعلم معروفان. وهذه الكلمة ذكرت في القرآن لوجوهٍ:

стр. 548

لهذه الحقيقة التي مرت: قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٧]. وللنُّزول: قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣]. وللصُّعود: قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ: ٢]. وللظُّهور: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]. وللفراق: قال تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وللرُّجوع إلى الدنيا: قال تعالى: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]. وللخَلق والإيجاد: كما قال تعالى (١) في هذه الآية: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا﴾؛ أي: أَوْجَدها، ليس أنها موضوعةٌ في الأشجار فأخرجها منها. وللحياة: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧]. وللموت: قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وللاتِّخاذ: قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨]؛ أي: اتَّخذ وصاغ. وللدعاء: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾؛ أي: الشياطين ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يَدْعونهم من الهدى إلى الضَّلال (٢). وللنجاة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. ولتغيُّر (٣) الصورة: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾؛ أي: من صورة الملائكة.

стр. 549

وللذِّكر: قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ أي: ذُكرت لمَن سَلَف من الناس. وقولُه تعالى: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء الذي ذُكر وهو المطر. وقوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (من) كلمةُ تجنيسٍ هاهنا، وأصلُه للتبعيض، وفي التجنيس معنى التبعيض؛ لأنه بعض الأجناس. والثمرات: جمع الثمرة، وأصلها: الزيادة والنماء، يقال: ثمَّر اللَّه مالَه؛ أي: زاده وكثَّره، والفاكهة تسمَّى ثمرةً لهذا، وكذا ثمرةُ كلِّ عينٍ وعملٍ هو ما زاد عليه، وتُجمع الثمرةُ: ثَمَرًا، بحذف الهاء التي هي للتوحيد، ثم: ثمارًا، كالبَلد يُجمع بلادًا (١)، ثم الثمار تجمعُ على الثُّمُر، كالحمار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسيرٍ، وجمعُ السلامة هو الثَّمَرات. ثم هي هاهنا المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها مما يخرج من الأرض والشجر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والحصادُ يكون للزرع. وقد بسَط اللَّه تعالى ما اختصره في هذه الآية في آيةٍ أخرى، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية [الأنعام: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ إلى أنْ قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٧ - ٢٨]. ثم الألفُ واللام في ﴿الثَّمَرَاتِ﴾ للتعريف، وله وجوه:

стр. 550

أحدها: تعريفُ الجنس وهو لتعميم الكلِّ. والثاني: أنه لتعريف المعهود وهو ما تعارَفوه من الثمار. والثالث: أنه لتعريفِ المعهود، وهو الثمارُ المخرَجة من الجنة، قال النبيُّ ﷺ : "لمَّا أُهبط آدم ﵇ من الجنة علَّمه اللَّه صَنعةَ كلِّ شيءٍ، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة، إلا أن ثمار الجنة لا تتغيَّر" (١). وقوله تعالى: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾: قيل: طعامًا (٢)، وقيل: قُوتًا، وقيل: غذاءً، وهي متقاربةٌ، وقد مرَّ تفصيله وتفسيرُه في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. وجملتُه (٣): أن اللَّه تعالى تعرَّف إليهم بذكرِ ما منَّ به عليهم؛ مِن خَلْق السماءِ لهم سقفًا مرفوعًا، وإنشاءِ الأرض لهم فراشًا (٤) موضوعًا، وإخراجِ النبات لهم بالمطر رزقًا مجموعًا. ويقال: أعتقَهم عن منَّة الأمثال بأنْ هيَّأ لهم ما لا بدَّ منه، فكافأهم فجعل

стр. 551

السماءَ (١) غطاءً، والأرضَ وطاءً، والمباحاتِ رزقًا، والطاعةَ حِرفةً، والعبادةَ شُغلًا، والذِّكر مُؤْنسًا، والربَّ كافيًا. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآيةُ أن المقصود في خلق السماوات (٢) والأرضِ، وإنزالِ الماء، وإخراجِ الثمرات وأنواع المنافع، بنو (٣) آدم وهم الممتحَنون فيها، فإنه قال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ الآية [النحل: ١٢]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، وفي كثيرٍ من الآيات أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل بلطفهِ منافعَ السماء متَّصلةً بمنافع الأرض على بعدِ ما بينهما، فلا يُخرجُ من الأرض شيئًا (٤) إلا بما يَنزل من السماء من الماء؛ ليُعلم أن مُنشئهما واحدٌ، لأنه لو كان منشئُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَّصل منافعُ هذا بمنافع الآخر (٥) على بُعْدِ ما بينَهما، ويُوهِم خلافَ أحدهما الآخَر، فإذا كان كذلك دلَّ أن مُنشِئَهما واحدٌ لا شريك له (٦). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: هو جمعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ، وكذلك النَّدِيدُ والنَّدِيدة، قال الشاعر:

стр. 552

لكيلا (١) يكونَ السَّنْدريُّ نَدِيدتي... وأشتمَ أعمامًا عمومًا عماعِمَا (٢) والأعمام: جمع عَمٍّ، والعُموم: الطِّوال، والعماعِمُ: الجماعات. وفي النِّدِّ والنَّديد قال آخَرُ: أَتَيْمًا تجعلونَ إليَّ ندًّا... وما تَيمٌ لذي حَسَبٍ نَديدُ (٣) ونِدُّك هو الذي يُنادُّك؛ أي: يقابلُك (٤) ليُنفِّرك، من قولهم: ندَّ نُدودًا ونِدَادًا؛ أي: نفَر. وتفسيره هاهنا: ما قاله ابن عباسٍ والحسن: أي: لا تَصِفُوا للَّه أمثالًا وشركاءَ في مُلكه (٥). وفي بعض الألفاظ: أشكالًا وأعدالًا (٦). وقال مجاهدٌ وعكرمةُ عن ابن عباسٍ ﵄: لا تعتمِدوا على غير اللَّه، وتوكَّلوا على اللَّه. وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنه قال: لا تقولوا: لولا فلانٌ لأصابني كذا، ولولا كلبُنا يصيحُ على الباب لسُرق متاعُنا.

стр. 553

وعن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إياكم ولو، فإنه من كلام المنافقين، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] " (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أن اللَّه هو الذي خلقَكم ومَن قبلَكم، وخلَق السماءَ والأرض وخلَق الأرزاق، دون الأصنامِ فإنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنفع، قال تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]؛ أي: على علمٍ أن الذي اتَّخذه إلهًا لا ينفعُه. وقيل: أي: وأنتم تعلمون وتُقِرُّون أن اللَّه هو الذي فعَل ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أنشأ فيكم ما لو تدبَّرتُم وتفكَّرْتُم وتأمَّلْتُم علمتُم أنه لا نِدَّ له ولا شِكْلَ له (٢)، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٣). وقيل (٤): وأنتم تعلمون أنه ليس له ندٌّ.

стр. 554

وقيل: أي: وأنتم تعلمون أنه واحدٌ. وقيل: وأنتم تعلمون بما نزل بمَن اتَّخذ للَّه أندادًا. وقيل: أي: لا تخدِموا غيرَ اللَّه وأنتم تعلمون أنه لا يستحقُّ الخدمةَ غيرُه، ولا ترجُوا ولا تخافوا غيرَه وأنتم تعلمون أنه لا نافعَ ولا ضارَّ ولا معطيَ ولا مانعَ غيرُه. والوعظ الكلِّيُّ: أنه قال في الآية: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] فلو (١) قال لكم في القيامة: فعلتُ هذا كلَّه لكم، فما فعلتُم لي؟ فما تقولون؟ وعن الشِّبليِّ ﵀: أنه وعظ يومًا الناس، فأبكاهم لِمَا ذكر من القيامة وأهوالها، فمر بهم أبو الحسين النوريُّ وقال: لا تُفَزِّعهم (٢) فإن حساب يومِئذٍ ليس بهذا الطول، إنما هو كلمتان: (من ترابودم توكرا بودي) (٣). قال المصنف ﵀ (٤): وأنا أقول: (شماجه خواهيت كفتن در جواب أين سؤال بشريه كردكني من راموديم لختي زن شوى رابودم لاختي كوارا خوجه كديد لاختي سلطان را بودام كختي سود وزيان واسكت له كويد من همه حق رابودم) (٥).

стр. 555

(٢٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾: انتظامُه بما قبلَه: أنه خطابٌ للَّذين ناداهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقد أمرهم بالإيمان، وهو باللَّه ورسوله وكتابه، فأثبت دليلَ ربوبيَّته بما ذَكر في تلك الآية، وأثبت رسالةَ رسوله وصحةَ كتابه في هذه الآية. ثم كلمة (إنْ) لمعانٍ: للشَّرْط: كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وبمعنى (إذ): كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وللنفي: كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]. وللتأكيد: بمنزلةِ (لقد) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ أي: لقد كان. وبمعنى (إنَّ) المشدَّدة: نحوَ (١): ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]. وللصلة: كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]؛ أي: فيما مكناكم فيه. وللتحقيق: كما يقال: عليك بالصدق وإنْ ضرَّك، وإياكَ والكذبَ وإنْ نَفَعَك؛ أي: مع أنه كذلك. وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾؛ أي: أنتم.

стр. 556

و (كنتُم) في القرآن جاء للماضي والحال والاستقبال، وقد بينَّا ذلك في كلمةِ (كان) عند قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. و (كنتم) أيضًا على ذلك: أمَّا للماضي ففي قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، وأمَّا للحال ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وأمَّا للاستقبال ففي قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]؛ أي: يوم القيامة. وقوله: ﴿فِي رَيْبٍ﴾ أي: شكٍّ، وقد مر شرحُه في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾: (مما) كلمتان: (مِن) و (ما)، أُدغمت النونُ في الميم فصارتا ميمًا واحدةً مشدودةً خَطًّا وميمين نُطقًا. و (ما) بمعنى: الذي، ومعنى (ما نزلنا)؛ أي: الذي نزَّلنا وهو القرآن، وإنزالُه: ما فسَّرناه في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]. والتنزيل: التفصيل، ودلَّت (١) الكلمةُ على إنزاله مفصَّلًا، وحكمتُه ما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. نزلت كتب الأوَّلين جملةً فتركوها جملةً، ونزل القرآن مفصَّلًا فبقي في القلوب مثبَتًا محصَّلًا. ولأن أولياء اللَّه اليوم في دار الحَجْبة، فجدَّد لهم الأُنسَ بكتابه ساعةً فساعةً، وقد ذكر اللَّه تعالى تنزيلَه (٢) ثلاثةَ أشياءَ شيئًا فشيئًا: القرآنَ: بقوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾.

стр. 557

والمطر: بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨]. والرزق: بقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. (اكربا ران جملة امدى برعالميان طوفان شدي، واكر روزي جمله امدى برعالميان طوفان شدي، راكر ورورزي جملة امدى بنده ارنكاه داشتن همة سركردان شدي، واكر قرآن جمله امدى عمل بهمة بردل هريكي كران شدي) (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾: هو نبيُّنا المصطفى محمدٌ ﷺ ، وله أسماءٌ كثيرةٌ في القرآن، وكان أحبَّها إليه: العبدُ، فهو (٢) المستجمِعُ لمعاني العبادة والعُبودة، وكرِّر هذا الاسمُ له في القرآن، وكأنه قال: (قرآن بوى وحي كريديم ووى مار بنده، نزل القرآن على عبده مادار سالت برخاست ووي بنده، وأنه لما قام عبد اللَّه وبحضرة برديمش ووى بنده، سبحان الذي أسرى بعبده وياوى راز كفيتم ووى بنده، فأوحى إلى عبده ما أوحى ودران مقام بارنتا كفت، التحيات للَّه والصلوات والطيبات ووى مارابنده وما وى مارابنده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله درهمه أحوال وى مارا بنده وماوى را بسنده، أليس اللَّه بكاف عبده ووى مارا بشكر خدمت ارنده، أفلا أكون عبدًا شكورًا) (٣).

стр. 558

وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾: هذا أمرٌ بالإتيان بسورةٍ، والإتيانُ في اللغة هو المجيء، والإتيانُ: الفعل، والإتيان: الغِشْيان، والإيتاء: الإعطاء، وتَأْتيَةُ السَّيل: تسهيلُ سُبله (١)، والتأتِّي: التَّهيُّؤُ، والمؤاتاةُ: الموافَقة، والإتاء: الغلَّة، والأَتِيُّ والأَتَاويُّ: الغريب، والمِيْتاء (٢): الطريق المسلوك، ومعانيها متقارِبةٌ. والإتيانُ في القرآن لأربعينَ معنًى عدَّدْناها في تفسيرِنا الأولِ الأطول. وهو في هذه الآية: المعارَضة؛ أي: عارِضوا هذا القرآن بسورةٍ، وهذا خلافُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ذاك إظهارُ ما قد كان، وهذا إنشاءُ ما لم يكن. وهذا إلزامُ الحجة عليهم بأنَّ القرآن مما أنزله (٣) اللَّه على عبده، وهو صادقٌ في دعوى الرسالة، وأنه مبعوثٌ لإقامة الدَّلالة، والدعوةِ إلى الهدى من الضَّلالة، وأنهم معانِدون في إنكاره، وفي دعواهم أنه مما افتراه محمد باختياره، يقول (٤): إن كان هذا من كلام البشر فعارِضوه بمثله من عندِكم، وتَفصَّوا (٥) عن هذه العُهدة بجَهدكم. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا﴾ صيغتُه صيغةُ أمرٍ، ومعناه: الإعجاز، وهذه الصيغة في القرآن على وجوهٍ:

стр. 559

للفَرْضية: كما في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وللنَّدْب: كما في قوله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وللإباحة: كما في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وللتخيير: كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. وللنهي: كما في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وللرَّد: كما في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. وللتكوين: كما في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. وللشَّرط: كما في قوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]؛ أي: إن كنتم كذلك فلكم الموت والبعث. وللإعجاز: كما في قوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وكذا قولُه سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ والفاءُ هاهنا للتعقيب، وبدونِ الفاء يقال: اِيتوا، الألف مجتلَبةٌ، والهمزةُ صارت ياءً لكسرةِ ما قبلها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وثبتت الياء كتابةً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤] لأنه يُوقَف على (ثم) ويُبدأ: ايتوا، ولا تَثبت في قوله ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذُّر الفصل بين الفاء وبين الكلمة، وكذا بين الواو وبينها. وقوله تعالى: ﴿بِسُورَةٍ﴾ الباء لتعدية فعلِ الإتيان الملازِم (١)، والسُّورةُ هي مأخوذةٌ من قولهم: سار يَسُورُ: إذا ارتَفَع وعلا، وسمِّي الجدارُ المحيطُ

стр. 560

بالمدينة سورًا لارتفاعه، ويقال: لفلانٍ سَوْرةٌ في المجد؛ أي: سَنًا ورفعةٌ، قال النابغة: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعطاكَ سُوْرةً... يُرى كلُّ مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (١) فالسُّورة من (٢) القرآن على هذا: مجموع آياتٍ مفصَّلةٍ ارتفعت وعلَت وظهرت وصارت كالعَلَم في مغايرتها سائرَ السُّور. وقيل: هي منزلةٌ من منازل القرآن رفيعةٌ. وقيل: هو (٣) قسمٌ من أقسام القرآن ارتفع شأنُه وعلا قَدْرُه. وقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إطلاقُه يتناول أقصرَ السور، وهي في القرآن سورةُ الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قصارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ، وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان بمثلِ كلِّ القرآن بقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أخبر عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، ثم بعشرِ سورٍ بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، ثم بسورةٍ بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقد عجزوا عن ذلك كلِّه فلزمتهم الحجة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: المِثْل: الشِّبْه، والمُماثِل: المُشابه، والتمثيل: التشبيه، ومِثْلُ الشيء حقيقةً: ما ينوب مَنابه، ويَسدُّ مَسدَّه. واختُلف في المراد بالهاء التي في آخره: أنها كنايةٌ راجعةٌ إلى ماذا؟

стр. 561

قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: مِن الذي جَعَلْتُموه لي ندًّا، فقد سَبَق ذكرُه. وقال ابن كَيسان: أي: من مثلِ محمدٍ من (١) البشر؛ لأنه بشرٌ مثلكم، وقد سبق ذكره في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: ائتوا أنتم بمثل ما أتى به (٢) هو، إذ أنتم وهو سواءٌ في الجوهر والخلقة واللسان، وليس هو أولى بالاختلاقِ منكم (٣). وقيل: أي: من مثل محمدٍ من (٤) رجلٍ أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، وهذا أبلغ في قطع الأوهام، فإن (٥) النبيَّ ﷺ مع أنه لا يكتبُ ولا يقرأ، ولا ينظر في الكتب، ولم يسمع القَصَص من الناس، أَخبر بنزول هذا الكتاب، فلا شبهةَ في أنه لم يختلِقْه من تلقاء نفسه، ولم يأتِ به إلا بوحيٍّ من ربِّه. وقال مجاهدٌ وقتادةُ: أي: مِن مثلِ هذا القرآن (٦). وقد سَبَق ذكرُه في قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾. ثم القرآنُ وإن كان لا مثلَ له لأنه صفةُ اللَّه تعالى وكلامُ اللَّه ووحيُ اللَّه (٧)، ولا مثلَ لصفاته كما لا مثلَ لذاته، لكن معناه: مِن مِثْلِه على زَعْمكم، فقد كانوا

стр. 562

يقولون: لو نشاء (١) لقلنا مثل هذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمكم، وقال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]؛ أي: على زعمك. ثم التحدِّي إلى مثلِ القرآنِ كان في وجوهه، وهي سبعةٌ: أحدها: الإيجاز والبلاغة، حتى يشتمِلُ يسيرُ كلماته على كثيرٍ من المعاني، قال ﷺ : "أُوتيتُ جوامعَ الكَلم" (٢)، وذلك مثلُ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقولهِ: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وقولهِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١]. والثاني: البيان والفصاحة التي عَجَز عنها الفصحاء، وقَصَر (٣) عنها البلغاء، حكى أبو عُبيدةَ أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد، وقال: سجدتُ لفصاحة هذا الكلام (٤)! والثالث: النَّظْم الذي نقَض العادة حتى صار خارجًا من جنس كلامهم في النظم والنثر والرَّجَز والشعر والخُطب والسَّجْع والرسائل، فلا يمتزج بها ولا يدخل في شيءٍ منها، مع استعمال حروفه وكلماته. والرابع: أن قارئه لا يَكلُّ وسامعَه لا يملّ، وإكثارُ تلاوته تَزيدُ في حلاوته، وغيرُه من الكلام وإن كان مستحسَنَ النَّظْم مستعذَبَ النَّثْر، يُمَلُّ إذا أُعيد، ويُستثقَلُ إذا ردِّد.

стр. 563

والخامس: ما فيه من الإخبار بما كان من قِصص الأنبياء ﵈ مع أُممها، والقرونِ الخالية في أزمِنَتها، وهو أمِّيٌّ من أمَّةِ أمِّيين ليس لها (١) عِلمٌ بما عرَفه أهل الكتاب مما في الكتب السالفة. والسادس: ما فيه من علم الغيب والإخبارِ بما يكون، فكان كما أخبر، كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، وقولهِ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾. والسابع: كونه جامعًا للعلوم كلِّها، ومشتمِلًا على ما في الكتب المنزلة كلِّها، ومنتظِمًا لجوابات الحوادثِ كلِّها، وآتيًا على المصالح كلِّها، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] يأتي على جميع علوم الطب، وكذا فيه كلُّ علمٍ من الأدب من اللغة والنحو والبلاغة، ومن الكلام والفقه والتذكير وفنون الفوائد. فكلُّ أهل العلم يصنِّفون تصانيف كبيرة (٢) كثيرةً بفوائدِ القرآن، فحُججُ المتكلِّمين منتزَعةٌ من القرآن، ومسائلُ الفقهاء مستخرَجةٌ من القرآن، ولغاتُ الأدباء مصحَّحةٌ بالقرآن، وفوائدُ النَّحْويين مستوضَحةٌ بالقرآن (٣)، وعظاتُ المذكِّرين مأخوذةٌ من القرآن، وإشارات الحكماء مستفادةٌ من القرآن، ولطائفُ أهل المعرفة مستنبَطةٌ من القرآن، وكذا وكذا.

стр. 564

وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: يقال: دعا إلى الشيء دُعاءً، ودَعوةً بفتح الدال، فالأول (١) مطلَقُ المصدر، والثاني: المرةُ منه، والدُّعوة بالضم: المأدُبة، والدِّعوة بالكسر: ادعاءُ الولد، وتداعَتِ الحيطان: تهادمت، من هذا مجازًا. والدعاءُ في القرآن لمعانٍ، واختُلف في المذكور هاهنا؛ فقيل: ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: أَحْضِروا، وقيل: أي: استَعينوا (٢)، وقال الشاعر في الاستعانة (٣): وقبلَكَ رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا... عَلَيَّ فما جَزِعْتُ ولا دعوتُ (٤) ونظيرُه في القرآن قولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤]، وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨]. وهذا أمرُ إعجازٍ كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ وبيَّن أن الاستعانة هاهنا بالخلق الكثير لا تُغنيهم شيئًا، وما يُغني (٥) رجوعُ المحتاج إلى المحتاج، واعتمادُ الفقير على الفقير، والْتِجاءُ العاجز بالعاجز؟ فلا ترفَعْ حوائجك إلا إلى مَن لا يَشُقُّ عليه قضاؤها، ولا تَسأل إلا مَن لا تَفْنى خزائنُه، ولا تعتمِدْ إلا على مَن لا يعجز عن شيءٍ. يَنصرُك من غيرِ مُعينٍ، ويحفظُك من غيرِ صاحبٍ، ويُغنيك من غيرِ مالٍ، فيَقِلُّ عَددُ (٦) الأعداءِ الكثيرُ إذا حمَاك، ويَكْثُر عددُ المالِ القليلِ إذا كَفَاك.

стр. 565

وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ الشهادة: الإخبارُ بما شُوهد (١) شهودَ عِيَانٍ أو شهودَ إيقانٍ. والشهود: الحضور، والمشاهَدة: المعايَنة، والمشهد: محضرُ الناس، وعالمُ الغيب والشهادة؛ أي: السرِّ والعَلَانيَة. وأمَّا تفسيرُه هاهنا: فالشهداء: جمعُ شهيدٍ؛ كالفقهاء: جمعُ فقيهٍ، ومعناه عند ابن عباسٍ ﵄: أعوانَكم (٢)؛ لأن الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراجِ حقِّه. وقال مجاهدٌ: أي: ناسًا يشهدون لكم أنه مِثْلُ القرآن (٣). وقيل: أي: فصحاؤكم وشعراؤكم وبُلغاؤكم، وهم كُبَراءُ المشاهِدِ والخطباءُ في المحافل. وقال الفرَّاء: يعني: آلهتَكم (٤)؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (٥) وتشفَعُ لهم، وهو الأشبهُ؛ لأن قوله: ﴿وَادْعُوا﴾ خطابٌ للكلِّ، فيتناول كلَّ الفصحاء وكلَّ الأعوان والشهداء، فكان الكلُّ مأمورين بأنْ يكونوا داعين، فلا يكونون مدعوِّين، فالأصحُّ إرادةُ: ما تعبدون، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا صلةُ قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾؛ أي: الذين اتَّخذْتُموهم شهداءَ من دون اللَّه، وهذا صفةُ الأصنام؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩]، وقولهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
следующие страницы →