← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

فقالوا: تتركنا والوادي مُسْبعٌ (١)، فقال: لأجْلكم أفارقُكم ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ (٢). * * * (١١ - ١٢) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: ﴿إِنِّي﴾ بفتح الهمزة لوقوع النداء عليه، وقرأ الباقون بكسرها على الابتداء وجَعْلِ النداء كالقول (٣)؛ أي: ناداه ربُّه فأسمعه كلامه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: مالكك ومدبِّرك ومصرِّفك على ما أريد. وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾: أي: انزِعْهما ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾؛ أي: المطهَّرِ، وقيل: المبارك. قيل: أمره بنزعهما لأنهما كانا من جلدِ حمار غيرِ مدبوغ، فنزَّه الواديَ المقدَّس عن ذلك. وقيل: أمره بذلك ليباشر تلك التُّربة بقدميه فتصلَ إليه بركتها (٤). وقيل: أمره بذلك تأدُّبًا وتخشُّعًا وتواضعًا عند المناجاة.

стр. 5007

وقيل: بل أمره بذلك إعظامًا واحترامًا لذلك المقام؛ كما يؤمَر المرء بدخول الحرم حافيًا إعظامًا له. وقوله تعالى: ﴿طُوًى﴾ قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم ذلك الوادي (١). وقيل: هي أرض (٢). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بضم الطاء غير مجرًى، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بضم الطاء مجرًى (٣). وروى أبو زيد عن أبي عمرو: (طِوى) بكسر الطاء (٤). فمَن أجراها جعلها اسمًا للوادي وهو مذكَّر، ومَن لم يُجْرِها جعلها اسمًا للأرض وهي مؤنثةٌ، فإذا اجتمع التأنيث والتعريف امتَنع الصرف. وقال القشيري ﵀: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾؛ أي: فرِّغ قلبك عن ذكر الدارين. وقيل: اخلع نعليك فإن بساط الحق لا يُوْطَأ بنعلين. وقيل: ألقِ عصاك يا موسى واخلع نعليك وأقمْ عندنا هذه الليلةَ ولا تبرح. وقيل: تنقَّ (٥) عن نوعي (٦) أفعالك، وانمحِ عن شهودِ جنسي أحوالك؛ من قُربٍ

стр. 5008

وبُعد، ووَصلٍ وفصل، وارتياحٍ واجتياح، وفناءٍ وبقاء، وكن بوصفنا قائمًا بحقِّنا (١). * * * (١٣) - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: قرأ حمزة: ﴿وإنَّا اخترناك﴾ على الجمع؛ أي: اصطفيناك على الجميع، والباقون: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ (٢)؛ أي: اصطفيتُك للرسالة. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: أي: فأصغِ لِمَا أُوحيهِ إليك لتعرِفه وتحفظَه فتؤدِّيَه كما آمُرك به. * * * (١٤) - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾: وهو أولُ ما أُوحي إليه، يقول: لا يستحقُّ العبادة غيري فأفرِدْني بعبادتك. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: أي: وحافِظْ بعد توحيدي على الصلاة مُقيمًا لها بما هو مشروعٌ فيها من أفعالٍ وأقوال، ودلَّ أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم (٣) منها. وقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لتكون بها ذاكرًا لي (٤)؛ أي: بالأذكار التي فيها، أو تُذكِّرك أفعالُها معاني تتقرب بها إليَّ، وتتذلَّلُ فيها لي.

стр. 5009

وقيل (١): ذاكرًا لي ولعظمتي بقلبك غيرَ غافلٍ عني. وقيل: لأذكُرَك وأمدحَك وأُثني عليك؛ كما يقال: زُرني لعطائي؛ أي: لأعطيك، وعلى هذا قالوا: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: ذكر اللَّه للمصلِّي أكبرُ من ذكر المصلي للَّه تعالى. وقيل أي: أقم الصلاة حين تذكُرها؛ أي: إذا نسيتَ صلاة لم تسقط عنك بالنسيان، بل إذا ذكرتَها فعليك قضاؤها. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن نَسي صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٢). وقيل: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لأمري بها بقولي: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. * * * (١٥) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أي: اعبُدني وصلِّ لي فإني أَجزيك بما يكون منك في يوم القيامة، وهي آتيةٌ لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: أي: بعملٍ إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ، و ﴿لِتُجْزَى﴾ صلة قوله: ﴿آتِيَةٌ﴾؛ أي: تأتي الساعة لجزاء الأعمال، واعتَرض هاهنا كلام، وهو قوله تعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: و ﴿أَكَادُ﴾ صلةٌ زائدة، وهو في الشعر كثيرٌ؛ قال أبو النَّجم:

стр. 5010

وإنْ أتاكِ نعيٌّ فاندُبيه (١) أبا... قد كاد يَضطلِعُ الأعداءَ والخُطَبا (٢) وهو للتحقيق. وإن حمل على المقاربة ضعف المدح، وعلى هذا قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يرها (٣). وقيل: ﴿أَكَادُ﴾؛ أي: أريد، وهو تحقيق أيضًا لا مقاربة، قال الشاعر: كادتْ وكِدْتُ وتلك خيرُ إرادةٍ... لو عاد من لهوِ الصَّبابة ما مضَى (٤) ففسره بالإرادة، ودل على أنه هو المراد. وقيل: ﴿أُخْفِيهَا﴾ من الأضداد للكتمان والإظهار؛ كالإسرار في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: ٥٤]، فسَّروه بالمعنيين جميعًا. وقد قرئ هاهنا: (أَخفيها) بنصب الهمزة (٥)، ومعناه: أُظهرها، يقال: خَفَى يَخْفِي خَفْيًا -من حدِّ ضرب-؛ أي: أظهر، قال امرؤ القيس: فإنْ تَدفِنوا الدَّاء لا نَخْفهِ... وإنْ تَبعثوا الحربَ لا نقعدُ (٦)

стр. 5011

أنشدوه بإعرابين على معنيين. ومعنى الآية على هذا: أكاد أُظهرها ليحذَرها الناس لقرب وقتها ودنوِّ إتيانها. * * * (١٦) - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾. ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾: أي: لا يردنَّك عن الساعة وذكرِها ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾: أي: لا يصدِّق بها، فيهوِّنَ عليك أمرها، ويُبعِّدَ عليك شأنها. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أخبر أن التكذيب بها إنما هو من اتِّباع الهوى؛ لأن أصله مبني على استثقال الشرائع والإعراض عن النظر. وقوله تعالى: ﴿فَتَرْدَى﴾: أي: فتهلِكَ؛ أي: إن اتَّبعتَ قولَ هؤلاء هلكتَ. وهذا خطاب لموسى ﵇ والمراد به أمتُه (١)، كما قال (٢) لنبيِّنا ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ﴾ [الزمر: ٦٥] والمرادُ به أمته، ولأن العصمة لا تزيل المحنةَ كما مرَّ شرحه. * * * (١٧) - ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾: أي: وما تلك التي بيمينك يا موسى، فحذف (التي)؛ كما قال الشاعر:

стр. 5012

عَدَسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ... نجَوْتِ وهذا تحمِلِينَ طليقُ (١) أي: وهذا الذي تحملين، وعدس زجرٌ للبغلة، وهو كقولك: أنت الرجل أحبُّك؛ أي: الرجل الذي أحبُّك. وقيل: الحكمة في هذا السؤال بسطُه، فقد كانت الهيبة قبضَتْه. وقالوا: إنما قال: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ ولم يقل: بيدك؛ لأنه كان في يساره خاتم، فلو أَجمل لعَيِيَ في الجواب للاشتباه (٢). * * * (١٨) - ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أي: أعتمِدُ عليها إذا مشيتُ وإذا وقفتُ لرعي الغنم. وقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾: أي: أخبط ورق الشجر. وفي الخبر: كان للعصا شعبتان، فإذا طالت الشجرة تناول غصنها بالشُّعبتين فلويها (٣).

стр. 5013

وقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾: أي: حوائجُ سوى ما ذكرتُ، وواحدة المآرب: مأربة، بفتح الراء وضمِّها وكسرها لغاتٌ، وكذا الإرْب، والإرْبة: الحاجة. قال وهب: كانت له فيها ألفُ منفعةٍ: يضعها على عاتقه فيعلِّق بها رحلَه، ويَرْكُزها في البر ويجعل عليها كساءه فيستظلُّ بها، ويصل بها الرشاء للاستقاء (١)، ويدفع بها العدوَّ، ويطرد بها الذئب، ويقتل بها الحية، وكذا وكذا. وقال ابن عباس ﵄: من المآرب أنها كانت تماشيه وتحادثُه وتُؤْنِسه، وكانت شعبتاها تصيران بالليل المظلم كالشمعتين المضيئتين، وكانت تحارب عدوَّه إذا ظهر، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها وطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو، وإذا اشتهى ثمرةً أركزها في الأرض فتغصَّنت وأورقت وأثمرت، وكذا كذا (٢). فإن كان هذا بعد الوحي كانت معجزةً له، وإن كان قبل الوحي كانت كرامةً له. وقيل: إنما زاد على الجواب رجاءَ أن يقول له: وما تلك المآرب؟ فينال زيادةَ أنسٍ وكرامة. * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.

стр. 5014

وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا﴾: قيل: إنما أمره بإلقائها لأنه أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿عَصَايَ﴾؛ ليقطعه عنها. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: أي: فقلَبها اللَّه تعالى حيةً تمشي كما تمشي الحية، وأضمر هاهنا: ولَّى خائفًا، فقد ذكره في غير هذه الآية. * * * (٢١) - ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾: قيل (١): أُمر أن يُدخل يده في فيها فيقبضَ عليها، ففعل، فصارت يده في الشعبتين اللتين كانتا في العصا. وقوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: أي: سنردُّها إلى كونها عصًا -والسيرة: الطريقة- فتنتفعُ بها بالاتكاء عليها والهشِّ بها. فإن قيل: سماها جانًّا في قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠]، والجان أصغر ما يكون من الحيات، وقال في آية أخرى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] وهي أكبر الحيات، وقال في هذه الآية: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. قلنا: قال ابن عباس ﵄: صارت أولًا جانًّا، ثم لا تزال تنمو حتى صارت ثعبانًا (٢)، والحية اسم يقع على الكبير والصغير. وقال القشيري ﵀: إن موسى استولت عليه الهيبةُ، فسكَّنها بقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ فلو تُرك ما كان عليه (٣) لعله كان لا يبقى بل يتلاشى.

стр. 5015

ثم لمَّا قال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ وجعل يَعدُّ منافعها، قيل له: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ فإنك بنعت التوحيد، وتقف على بساط التفريد، فكيف لك هذا؟ ومتى سلِم لك أن يكون لك معتمَدٌ تتوكأ عليه أو مستند تستند إليه؟ وقيل: أول قدم في الطريق تركُ كلِّ سبب، والتنقِّي عن كل طلب. وقيل: التوحيد: التجريد، وعلامة صحته (١) سقوط الإضافات بأسرها، فلا جرَم لمَّا قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ أُمر بإلقائها. وقيل: لمَّا باسطه الحق سبحانه بسماع كلامه أخذته أريحيَّةٌ بسماع الخطاب، فأجاب عما سئل وعما لم يُسأل وقال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وأعظم مأربةٍ لي فيها أنك قلتَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٢). * * * (٢٢) - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾: قيل: أي: جيبك، قال الراجز: أضمُّه للصَّدر والجَناح (٣) وقيل: إلى عضدك. وقال أبو عبيدة: الجناحان: الناحيتان (٤).

стр. 5016

وقال الخليل: يدا الإنسان جناحاه (١). وقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: أي: مضيئةً، قيل: كالثلج، وقيل: كالبرق. وقوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: أي: آفةٍ؛ من البرص وغيره. وقال ابن عباس ﵄: أدخلها ثم أخرجها فإذا هي تَبرُقُ مثلَ البرق، فخرُّوا على وجوههم (٢). وقوله تعالى: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾: سوى معجزةِ العصا. * * * (٢٣) - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾: نعَتَ الآيات على التوحيد؛ كقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. وقال أبو عبيدة: تقديره: لنريَك الكبرى من آياتنا؛ أي: لنريَك الآية الكبرى من جملة آياتنا، فهي نعت الواحدة على هذا (٣). * * * (٢٤) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: أي: اذهب إليه لتدعوَه إلى الإيمان بي

стр. 5017

وتركِ التجبُّر والتكبُّر والتمرُّد، إنه قد جاوز الحد في ذلك، وهو ما قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٤]، فدعا موسى بهذه الدعوات استعانةً من اللَّه تعالى على القيام بما أمر به، وهو قوله: * * * (٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أي: وسِّعه للقيام بهذا حتى أصبر على ما ينالني فيه فلا أضيقَ به صدرًا؛ كما قال: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: ١٣]. وقيل: اجعل صدري واعيًا لِمَا أوحيتَه إليَّ. وقيل: أي: شجِّعني لاجترئ على مخاطبةِ فرعون بما تُحبّ. * * * (٢٦ - ٢٧) - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: أي: سهِّله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ قيل: كانت به رُتَّةٌ (١) وانعقادٌ في اللسان بسبب الجمرة التي تناولها في طفولته عند فرعون على ما عُرف، قاله سعيد بن جبير ومجاهدٌ والسدِّي (٢). وقيل: لا يجوز أن يقال هذا، فإنه يرجع إلى إثبات نقصٍ في خِلقة الأنبياء، لكن معناه: أن مخاطبة الخلق بعد مخاطبةِ اللَّه تعالى مما يَشُقُّ على الإنسان ويَعقِد اللسان، فسأل معونة اللَّه تعالى على إجراء لسانه بذلك.

стр. 5018

(٢٨ - ٣٢) - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. وقوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: جزاء قوله: ﴿وَاحْلُلْ﴾؛ أي: ليفهَموا قولي ويعلموا بما أريد به. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: أي: مُعاونًا أستشيرُه في أموري وأتقوَّى به على أداء (١) ما أمرتَني به، والوزير من الوِزْر وهو الثِّقْل، فكأن الوزير يحمِل بعضَ ذلك عن صاحبه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾: الوزير من الأهل يكونُ أتمَّ نُصحًا وأوفرَ شفقةً وأكمل عونًا. وقوله تعالى: ﴿هَارُونَ﴾: نصبٌ لأنه ترجمة عن قوله: ﴿وَزِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَخِي﴾ لذلك، وكان موصوفًا باللِّين والتُّؤَدة وطَلاقة اللسان، فاعتضد به واستعان. وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قرأ ابن عامر: ﴿اشْدُدْ﴾ بفتح الألف على الجزاء؛ أي: أنا أشدُد (٢) بذلك ظهري، وكذلك قرأ هو: ﴿وَأُشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ بضمِّ الألف على وجه الجزاء إخبارًا عن نفسه، والباقون: ﴿أَشدُد﴾ بضم الألف على وجه الدعاء ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ بفتح الألف على الدعاء أيضًا (٣)؛ أي: اجعله يا ربِّ شريكًا لي في النبوة وقوِّ به ظهري.

стр. 5019

(٣٣ - ٣٦) - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾: في الصلوات (١)؛ أي: لنجتمعَ للصلاة لك والتنزيه لك. وقوله تعالى: ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾: أي: في الصلوات وخارجَها بالثناء والحمد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: أي: لم تزَل عالمًا بنا مُريدًا (٢) لمصالحنا، فإن كنتَ تعلم أنه أصلَحُ لي ولأخي فأعطِنا سؤلنا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾: أي: أُعطيتَ سؤلَك؛ أي: مسؤولك (٣)، وعدَه بالإجابة. وقال الإمام القشيري ﵀: لمَّا كان وقتُ دعائه إلى فرعون سأل أن يَصحبه أخوه، ولمَّا ذهب لسماع كلام اللَّه تعالى بعد مواعدةِ (٤) أربعين ليلة أَخلفه في قومه؛ لأن المحبة توجب التجرُّد والانفراد، وليس للغير مع المحبِّ مساغ. وقال في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾: أعطيناك ما سألتَ، وتناسيتَ ابتداءَ حالك حين حفظناك في اليم، ونجينا أمَّك من الغم، وربَّيناك في حِجر العدو، فأين كان سؤالك واختيارُك ودعاؤك (٥)؟ * * *

стр. 5020

(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾: أي: منَنَّا عليك الآن بإيتائك سؤلَك، وقد سبقت منا (١) مننٌ أخرى عليك، ثم فسَّرها فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾: أي: ألهمناها، قاله الحسن (٢). * * * (٣٩) - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾: أي: ارميه، هذا هو اللغة، ومعناه: ضعيه فيه. قوله تعالى: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾: أي: البحر، وذلك حين كان فرعون لعنه اللَّه يأمر بقتل الذكور من الولدان وخافت أمه عليه، فألهمها اللَّه ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾: صيغة أمر ومعناه الإخبار، وتقديره: يُلْقِه بالساحل؛ أي: بالشطِّ، واليمُّ: النِّيل، وهو كقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]؛ أي: نحملْ خطاياكم. ومعناه: يسير به الماءُ على الجانب لا في وسطه فيغرقَ. وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾: قيل: مَن أخَذه من الماء مِن خدَم فرعون. وقيل: هو فرعون؛ لأن حاصل أَخْذِه كان عنده.

стр. 5021

وذكر محمد بن إسحاق: أن فرعون رأى التابوتَ في اليم فأَمر بأخذه (١)، فأضيف إليه لأمره به. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: أي: أحببتُك وحبَّبتُك إلى عبادي. قال قتادة: جعل ملاحةً في عين موسى ما رآه أحد إلا علِق بقلبه حبُّه (٢). فكان ذلك سببًا لحبِّ امرأة فرعون له (٣)، وهو كما يقال: ألقى اللَّه عليه جمالًا وألبسه حُسنًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: أي: لتربَّى على رؤيتي كما أُحبُّ، ومجازه: أن مَن صنع لإنسانٍ شيئًا وهو ينظر إليه صَنعه له كما يحب، ولا يتهيَّأ له خلافه، فقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: لتربَّى كما أريد كأنَّ الذين يربُّونك يرونني (٥). وقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: على حفظي؛ أي: وأنت في حفظي. وقال الخليل: يقال صنعتُ الفرس، وهو فرسٌ صنيع، وهو الذي أحسن أهلُه القيام عليه (٦)، وسيفٌ صنيع: قد أُحسن صقلُه (٧). * * *

стр. 5022

(٤٠) - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: وكانت مشت لتتعرَّف حال موسى، ورأتهم يطلبون له مُرضعةً فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾؛ أي: يَضمة إلى نفسه فيربِّيه، وأرادت بذلك المرضعةَ، وإنما ذكَّر الفعل للَفظ ﴿مَنْ﴾. قوله تعالى ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾: أي: أجابوا أختَ موسى إلى ذلك واسترضَعوا أمَّ موسى له فرجع إليها، و (رجعناك) متعدٍّ هاهنا. وقوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: برؤيتك ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ لفُرقتك. وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: بعد كِبَرك، وهو القِبْطي الذي استغاثه عليه السِّبْطي، فوكزه فقضى. وقوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: أي: غمِّ قتلِه وخوفه. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: قيل: هو مصدر؛ أي: امتحنَّاك امتحانًا بذلك كلِّه. وقيل: هو جمع؛ أي: ابتليناك ببليةٍ. قال ابن عباس ﵄: هو ما سبق في هذه الآية. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصًا (١). وقيل: خلَّصناك تخليصًا، من قولهم: فتن الصائغ الذهبَ والفضة بالنار، والتخليص: التنجيَة، والإخلاص: التصفية.

стр. 5023

وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: أي: خرجتَ إليها خائفًا وكنتَ عند شعيب سنين -قيل: عشرَ سنين- ترعى غنمه مهرًا لصفُّورا بنت شعيب. وقال وهبٌ: لبث بمدين ثمانٍ وعشرين سنة؛ عشرَ سنين مهرًا لصفُّورا، وثماني عشرةَ سنة بعدها حتى ولد منها الأولاد. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾: أي: انتهيتَ إلى الوقت الذي أردتُ انبعاثك فيه بالرسالة. قال ابن كيسان: أي (١): على رأس أربعين سنةً، وهو القَدْرُ الذي يُبعث فيه الأنبياء ﵈. * * * (٤١) - ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: أي: اختصصْتُك لأمر أستَكْفيكه. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾؛ أي: عدَدْنا أيام كونك في مدين، وكان أهل حضرتنا [من] الملائكة الذين عرفوا شرفك منتظِرين لك فجئتَ على قدَر (٢). قال: وذُكر أن فرعون لعنه اللَّه كان يسمَّى: أبا موسى، ولم يكن بأبٍ (٣) له، وكانت أمُّ موسى تسمى: ظئر موسى، وما كانت ظئرًا له، فحيث كان الدعوى لم يكن معنى، وحيث كان المعنى لم يكن دعوى، هكذا كانت القصة (٤).

стр. 5024

وقد بينا بعض قصة موسى في سورة الأعراف، ونذكر هاهنا بعض ما يتصل بهذه الآيات: قال وهب: إن موسى لمَّا قضى الأجل الذي كان بينه وبين شعيب فوفَّاه عشرَ حججٍ (١) فصَل من أرض مدين مقبلًا يؤمُّ الشام ومع موسى امرأتُه وولده وعبدُه، فانطلق يسير في بريَّة الشام وأكبرُ (٢) همه طلبُ أخيه هارون وأختِه مريم وهما بمصر في مملكة فرعون، همُّه لقاؤهما والحيلةُ لخروجهما من مصر إن استطاع، فسار غيرَ عارف بالطريق غيرَ أنه يؤمُّ المغرب ويرى أنه الوجهُ (٣) إلى مصر، فلم يزل على ذلك حتى أنحاه السير (٤) إلى جانب الطور الغربي الأيمن في عشيةٍ شاتيةٍ شديدةِ البرد ذاتِ رياحٍ وأمطار وجليد، فنزل حين أمسى وجنَّه الليل واشتدَّ عليه الظلام والبرد والريح، وأخذ امرأتَه الطلقُ، فعمد إلى زندٍ له فقدحه فلم يُوْرِ شيئًا، فاجتهد فلم يزدَدْ إلا شحاحًا، فألقاه وجعل ينظر يمينًا وشمالًا هل يسمع صوتًا، أو يرى أحدًا قد اختلف على الرائي وأخطأ الطريق؟ فبينما هو كذلك إذ رأى نارًا غيرَ بعيد، فلما نظر إليها قال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾؛ أي: دلالةً على الطريق، فانطلق يؤمُّها فتتباعدُ عنه مرةً وتتقرَّب أخرى، فلما طال ذلك همَّ أن يرجع عنها فإذا ذكر الحاجة انطلق إليها، فلم يزَل كذلك حتى وصل إليها وما كاد، فإذا بنارٍ عظيمةٍ بيضاء ليس لها حَرٌّ (٥) ولا دخان، وهي على ذلك تعمل عمل

стр. 5025

النار، تتوقَّد في جوف شجرةٍ شديدةِ الخضرة، ولا تزداد النار إلا تضرُّمًا ولا الشجرة إلا خضرة وحُسنًا، فأعجبه ولم يَدْر ما يصنع، وظن أنها شجرة أَوقَد عليها مُوقِد فنالها الوقود، فوقف يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسَه، فلما طال ذلك عليه وخاف الضيعة عليه و (١) على أهله، جمع ضِغثًا من دقاق الحطب ثم أهوى به إليها ليقتبس من لهبها، فمالت إليه كأنها تريده فاستأخر عنها وهابها، ثم عاد إليها فلم يزل يطمع فيها ويدور حولها كلما همَّ بها أقبلت عليه كأنها تريده، ثم خمدت حتى كأنْ لم تكن، فتعجب من ذلك غاية التعجُّب، ووقف متحيرًا لا يدري أيرجع أم يقيم، ونظر إلى أعلاها فإذا هي أشد ما كانت خضرةً، والأرض عليها شعاع منها كشعاع الشمس يكلُّ عنها البصر، فخر مرعوبًا (٢) لا يملك من نفسه شيئًا؛ إذ نودي: يا موسى، اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طُوى، وهو اسم للوادي، وكان نعلاه من جلد حمار ميت، فأسرع الإجابةَ وتابع التلبية: لبيك لبيك لبيك، استئناسًا بالكلام، وسكن رعبه وقال: أسمع كلامك ولا أراك فأين أنت؟ قال: أنا فوقك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك، فلما سمع موسى هذه الصفة علم أنها لا تنبغي إلا للَّه، قال: كذلك أنت إلهي. قال ﵀: هذا لا يراد به إثبات المكان والجهة، بل هو بيان إحاطة العلم وقرب الكرامة. وقال اللَّه ﷻ له: ادن، فجمع يديه في العصا وتحامل به (٣) حتى قام وما كاد، فأُرعدت فرائصُه، وانقطع لسانه، وانكسر قلبه، وفتَرت قوته، وصار كالميت

стр. 5026

إلا أن روح الحياة تجري فيه، وأراد أن يخطوَ فأرعشت قدماه، ثم أراد أن يدنو للمشي فلم يستطع، وأرسل اللَّه ملَكًا فشد (١) له ظهره وعضُديه، فزحف نحو الشجرة وهو خائف مكروب، فقال اللَّه تعالى له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قال: وما تصنع بها؟ قال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. وفي التوراة بهذه الزيادة والمآرب ما عدَّدناها في تفسير الآية. قال: ألقها، فظن موسى أنه يقول له: ارفضها ولا تخف، فتنغَّض بها (٢) فألقاها على وجه الرفض خلفه، ثم سمع حسًّا فالتفت فإذا هو بها قد خلقها اللَّه تعالى حيةً، وهي أعظم ثعبان نظر إليها الناس، أسودُ في مثل بدن البُختيِّ العظيم بل أهولُ منه، تدبُّ على أربع قوائم غلاظٍ شدادٍ قد صارت شعبتاها فمًا سعتُه اثنا عشر ذراعًا فيه أضراس وأنياب له صريف، وقد خُلق (٣) المحجن له عرفًا، ولها عينان تلمعان كالبرق، تلفح منها ريح السَّموم، لا تُصيب شيئًا إلا أحرقته، فتمر بالصخرة العظيمة فتبتلعها، وللصخور في جوفها قعقعةٌ، وتمر بالشجرة العظيمة فتجتثُّها بنابها وتقضمها، وجعلت تسعى كأنها تطلب شيئًا تريد أن تأخذه، فذهب موسى على وجهه مُدْبرًا ولم يعقِّب ولا يلوي على شيء، فعارضه ملَك فقال: أما (٤) تستحي من ربك؟ يكلِّمك وتهرب منه، قال: إنما أهرب من الموت، قال: وهل يملك أحدٌ موتًا أو حياة دون اللَّه تعالى؟ قال: لا، ورجع والحيةُ على حالها.

стр. 5027

قال اللَّه تعالى: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ فلما أراد أن يتناولها لفَّ يده بثوبه من مخافتها، فقال اللَّه تعالى: اكشف عن يدك ثم أدخلها بين أضراسها وأنيابها، فإن القدرة التي كوَّنتْها كما ترى هي تصرِفُ عنك ما تُحاذر منها، وتقيك شرور (١) خلقي، فكشف موسى ﵇ عن يده ثم أدخلها بين لَحييها حتى وجد وخز أضراسها، فلما قبضها إليه تحولت عصًا كما كانت، ويده في موضعها المعتاد بين الشعبتين. فقال اللَّه تعالى له: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ أي: من غيرِ برَصٍ، فأدخلها ثم أخرجها عليها نورٌ يلتهب ويكلُّ عنه البصر، فأنِس موسى وسكَن وذهب عنه الرعب، فقال اللَّه تعالى له: اسمع قولي وارْعَ عهدي واحفظ وصيتي، فإني وقَفْتك (٢) اليوم موقفًا لا أجعل لأحد من خلقي سلطانًا عليك، ولا ينبغي لبشر من بعدك أن يقوم مقامك مني، قرَّبتك حتى سمعت كلامي. وعلى موسى ﵇ يومئذٍ جُبَّةٌ من صوفٍ ومِدْرعةٌ من صوفٍ وإزارٌ من صوفٍ وقلنسوةٌ من صوفٍ ونعلان، واللَّه تعالى يكلِّمه ويَعهد إليه، ويقول له: انطلق برسالتي فإنك بعيني، وإن معك يدي وبصري (٣)، وإني ألبستك جبةً من سلطاني تستكملُ بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم بعثتُك إلى خلقٍ ضعيف (٤) من خَلقي، بَطِر نعمتي وأمِن مكري، غرَّته الدنيا عني حتى جحد حقِّي وأنكر ربوبيتي وعُبِد دوني، وزعم أنه لا يَعرفني، وإني أحلف بي اليوم -وأيُّ شيء مثلي- أنْ لولا الحجةُ

стр. 5028

والعدل اللَّذان وضعتُ بيني وبين خلقي لبطشتُ به بطشة جبارٍ يغضب لغضبه السماء والأرض والجبال والبحار، فإنْ أذنتُ للسماء حصَبَتْه، وإنْ أذنتُ للأرض ابتلعَتْه، وإنْ أذنتُ للجبال دمَّرته، وإنْ أذنتُ للبحار غرَّقته، ولكنه هان عليَّ وسقط من عيني وصغُر عندي، ووسِعه حِلمي، واستغنيتُ عن خَلقي، أنا الغنيُّ لا غنيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي وادعُه إلى عبادتي وتوحيدي، وحذِّره نقمتي، وذكِّره بأيامي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا ليِّنًا لعله يتذكر أو يخشى، ولا يروعنَّك ما ألبستُه من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، وأَخْبِره أني أنا الغفور، والمغفرةُ (١) أسرعُ مني إلى الغضب والعقوبة. وقل له: أجب ربك إنه واسع المغفرة، قد أمهلك منذ (٢) كذا وكذا، في كلها أنت مبارز (٣) للمحاربة بصدِّ عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، وألبسك العافية لم تسقم ولم تهرم، ولم تفتقِر ولم تُغلب، ولو شاء لم يفعل لك ذلك (٤)، ولكنه ذو حِلم عظيم. ثم لم يُسمعه شيئًا من ذلك سبعةَ أيام ولياليها وهو في ذلك المقام، ثم قيل له بعد سبعٍ: أجب ربك يا موسى فيما كلَّمك، ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥]، ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦] فجاهِدْه بنفسك وأخيك وأنتما محتسِبان (٥) بجهاده، فإني لو شئتُ أن آتيَه بجنودٍ لا

стр. 5029

قِبَل له بها فعلتُ، ولكن ليعلمَ هذا العبد الضعيف الذي أعجبته نفسُه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، فلا يعجبنَّكما زينتُه ولا ما متِّع به، ولا تمدَّا إلى ذلك أعينَكما فإنها زهرةُ الحياة الدنيا، ولو شئتُ لأزيِّنكما من الدنيا بزينةٍ يعلم فرعون لو يَنظر إليها أن مقدرته تعجز عن بعضِ ما أوتيتُما فعلتُ، ولكني أرغبُ بكما عن ذلك وأَزْويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إني لَأَذُودهم عن نعمة الدنيا ورخائها (١) كما يذودُ الراعي الشفيقُ غنمه من مراعي الهلكة، وأجنِّبهم عن ذلك كما يجنِّب الراعي الشفيقُ إبله عن مَبارك الغرَّة، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكمِلوا كرامتي. اعلم يا موسى أنه لم يتصنَّع لي المتصنِّعون بمثل الزهد في الدنيا، وأنه لم يتقرَّب إليَّ المتقربون بمثل الورع عما حرَّمت، وأنه لم يتعبَّد العابدون بمثل البكاء من خوفي. قال وهب: فانطلق موسى إلى فرعون وشيَّعته الملائكة يصافحونه، وخلَّف موسى أهلَه في الموضع الذي تركهم فيه (٢)، فلم يزالوا مقيمين حتى مرَّ بهم راعٍ من أهل مدين فعرفهم، فحملهم إلى شعيبٍ فمكثوا عنده حتى بلَغهم خبر موسى بعدما جاوز ببني إسرائيل البحر وغرق فرعون وقومه، فبعث بهم شعيب إلى موسى بمصر. ثم مضى موسى صلوات اللَّه عليه منطلقًا على وجهه لا علم له بالطريق، وليس معه زادٌ ولا حمولةٌ ولا صحبة ولا شيء إلا العصا، يظلُّ صائمًا ويبيت طاويًا، يصيب من ثمار الأرض ومن الصيد شيئًا قليلًا، حتى ورد أرض مصر. فأوحى اللَّه تعالى إلى هارون ﵇ يبشره به، ويخبره أنه قادم عليه وقد

стр. 5030

جعله وزيرًا له ورسولًا إلى فرعون وقومه، وإذا كان يومُ السبت لغُرةِ (١) ذي الحجة قبل طلوع الشمس، فأبكِرْ (٢) إلى شط النيل، فإنها الساعة التي تلتقي (٣) أنت وأخوك فيها. فأقبل موسى في ذلك الوقت، وخرج هارون من عسكر بني إسرائيل، حتى التقيا على شط النيل، وذلك في يوم وِرْد الأُسْد للنيل (٤)، وكان لفرعون لعنه اللَّه أُسْد يحرسونه في غيضةٍ محيطة بالمدينة من حولها، وكانت تَرِدُ الماء غبًّا، فصادف موسى ﵇ هارونَ يوم وِرْدها. وكان فرعون في مدينةٍ حصينة عليها سبعون سورًا، بين كلِّ سورين رساتِقُ وأنهارٌ ومزارعُ واسعة، في ربَض كلِّ سور سبعون ألفَ مقاتل، ومن دون المدينة غيضة ملتفَّة غرسها فرعون وسقاها بالنيل ثم أسكنها الأُسد فتناسلت وكثرت، ثم جعلها جنودًا من جنوده يحرسونه، وجعل خلال الغيضة طرقًا، كلُّ طريق يفضي بمَن يسلكه (٥) إلى باب من أبواب المدينة معلومةٍ ليس لتلك الأبواب طرقٌ غيرُها، فمَن أخطأها وقع في الغيضة فأهلكته الأُسد، وكانت إذا وردت النيل ظلَّت عليه يومها ثم تَصْدُر ليلًا. فالتقى موسى وهارون يوم وِردها، فمدَّت إليهما أعناقها ورؤوسَها، وأَشخصت أبصارها صغارِها وكبارها، وذعرت منهما ذعرًا شديدًا، فانهزمت نحو الغيضة يتلو بعضُها بعضًا وهي تَصْغو صغاء الثعالب، وتَعْوي عوي الكلاب، ونزع اللَّه هيبتها

стр. 5031

وأذهب زئيرها، وكان لها ساسةٌ يَسوسونها، فلما رأوا ذلك سُقِط في أيديهم ولم يشعروا من حيث أتوا، فانطلقا في تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدينة الأعظم الذي هو أقربها إلى دار فرعون، فلما انتهيا إلى الباب وجدا حرَّاسه مشتغلين بشأن الأُسد، وذلك ليلة الاثنين الثالث من ذي الحجة، فأقاما عند الباب بقية العشر لا يمكنهما الدخول لمنع الحراس، وهم في كرب شديد بحالِ الأسد، وهما مقيمان وبهما جراءة وتهاون بهم، فكلمهما واحد منهم منتهرًا وقال: ما هذه الجرأة؟! أما تدريان ببابِ مَن أنتما؟! فقال موسى: أعلم ذلك، ولو شئتَ أخبرناك مَن ربُّه، قال: مَن هو؟ قال موسى: إن هذا الباب وما دونه وما خلفه وأنا وأنت وفرعون وجميع أهل الأرض وأهل السماء عبيدٌ لرب العالمين صاغرين داخرين، وفرعون أصغر الصاغرين، ومَلَكةُ رب العالمين، فهاله ذلك، فذكر للآخرين فقالوا: هذا أعظم (١) من مُصيبتا في الأُسد، وما نظن ذلك إلا من جهتهما وسحرِهما، فرفعوا ذلك إلى مَن هو أكبرُ منهم وأقربُ إلى فرعون، وأَخبر بعضهم بعضًا حتى انتهى الخبر إلى فرعون، فدعا بهما فدخلا عليه، ثم القصةُ على ما مر في سورة الأعراف (٢). * * * (٤٢) - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾: أي: هارون ﴿بِآيَاتِي﴾؛ أي: بحجَجي وأدلَّتي؛ أي: معها.

стр. 5032

قال الكلبيُّ والضحاك: الآيات هي اليد والعصا (١)، وإنما جمع لأن الآية الواحدة علَمٌ على أمور كثيرة فتُجمع لأجلها، وإذا صح ذلك في الواحدة ففي الآيتين أولى. وقيل: معناه: اذهبا فإني أُمدُّكما بآياتي بعد هذا، وهو كقول الملك لأميره: اذهب فإن جندي معك؛ أي: أُمِدُّك بهم إذا احتجتَ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾: أي: لا تَفْتُرا ولا تضعُفا، وقد وَنِيَ يَنِي وَنْيًا فهو وانٍ؛ أي: فَتَر (٢)، وتوانى في الأمر؛ أي: قصَّر. وقوله تعالى: ﴿ذِكْرِي﴾ يحتمِل ذكرَهما جلالَ اللَّه تعالى عند فرعون لعنه اللَّه وقومِه، ودعاءَهم إلى توحيده. ويحتمِل الوعظَ؛ أي: عِظاهم بوعظي. ويحتمِل مواصلة ذكر اللَّه تعالى والثناءِ عليه، فإن اللَّه تعالى ناصرُ مَن ذكره. ويحتمِل الذكر بالقلب، فإن ذلك يقوِّي العزيمة على الأمور. * * * (٤٣) - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: في هذا التكرار بهذه الصيغة فائدةُ الاجتماع عند الذهاب إليه، والأول -وهو قوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ - يحتمِل الاجتماع ويحتمِل الافتراق، ويحتمِل أن يكون الأولُ إلى الكل والثاني إلى فرعون على الخصوص. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾: فسَّرناه.

стр. 5033

(٤٤) - ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أي: ارْفُقا ولا تُغْلظا، فإن المترَفين إذا أُغلظ لهم في الوعظ ازدادوا عتوًّا وتكبُّرًا. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: أي: على أرجى الوجوهِ للاتعاظ والخشية. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ بمعنى: ويخشى، وقد بيِّن في آية أخرى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩] وهذا من القول الليِّن، وذكر هاهنا ما هو منه وهو قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ الآية [طه: ٤٧]. وقوله تعالى: (لعل) ليس لخفاء حاله على اللَّه ﷻ ، فإنه عالمٌ بما يكون وبما لا يكون أنه لو كان يكونُ كيف يكون، لكنْ أمرٌ لهما بالدعاء على الرجاء، وإذا كان الداعي راجيًا فهو أحرص على الدعاء، وذلك أبلغ في إلزام الحجة. وقال الحسين بن الفضل ﵀: هو على غير فرعون، ومعناه: لعله يتذكَّر متذكِّرٌ أو يخشى خاشٍ، وقد كان ذلك من كثيرٍ من الناس. وقال أبو بكر الورَّاق: (لعل) من اللَّه تعالى واجبٌ، وقد كان ذلك، لكن فعَل ذلك حين أدركه الغرق، فكان في حالة اليأس فلم ينفعه (١). وقال السدِّي: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ليِّناه فقولا له: يا أبا العباس (٢). وقيل: قولا له: أيها الملك. وقيل: معناه: والْطُفْ به يا موسى فإنه ربَّاك، ويسمَّى بذلك أباك، فأحسِنْ مراعاته وأتمِمْ مكافأته، ولا تواجهه بمكروه في أول قدومك عليه.

стр. 5034

وقال القشيري ﵀: هذا رفقُه بمن جحده، فكيف رفقُه بمن وحَّده؟ هذا رفقُه مع الكفار فكيف رفقُه مع الأبرار (١)؟ وقال يحيى بن معاذ الرازي ﵀: إلهي هذا رفقُك بمن يقول: أنا ربكم الأعلى، فكيف رفقُك بمن سجد لك على التراب وقال: سبحان ربي الأعلى (٢). * * * (٤٥) - ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَا﴾: أي: قال موسى وهارون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾؛ أي: أن يَعْجَل علينا فرعون بعقوبةٍ، أو لا يسمعَ منا، أو لا يتركَنا نبلِّغه. وقيل: ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾: على موسى وهارون ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: على بني إسرائيل. وقيل: ﴿يَفْرُطَ﴾ بالضرب، ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ بالقتل. * * * (٤٦) - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾: أي: ناصرُكما ومعينُكما وحافظُكما، كما قال خَبَرًا (٣): ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: ما يجري بينكما من كلام أو فعل.

стр. 5035

وقيل (١): أسمع إنْ فرط في القول، وأرى إن طغى (٢) في الفعل، فأمنع ذلك عنكما. * * * (٤٧) - ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾: أي: فرعونَ ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ إليك ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: أطلِقْهم من الاستعباد، كما يقال: أرسلتُ الصيد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾: بالاستعمال في الأعمال الشاقة، وكان يفعل ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: معجزةٍ ظاهرة دالةٍ على صدق دعوانا أننا رسولاه. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: أي: السلامةُ من المكاره والعقوبات في الدنيا والآخرة من اللَّه تعالى إنما هو لمن اتَّبع هدى اللَّه؛ أي: إرشادَه، فقَبِله وسلك طريقه، والسلام بمعنى السلامة، وهما كالرَّضاع والرَّضاعة، و ﴿عَلَى مَنِ﴾ بمعنى: لمن. * * * (٤٨) - ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾: أي: أوحَى اللَّه تعالى إلينا؛ أي: أعلمَنا ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾؛ أي: عذابَ اللَّه الذي لا فتورَ له ولا انقطاع إنما هو ﴿عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾

стр. 5036

بآيات اللَّه كتكذيبك بما جئنا به من الآيات ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: أعرض عن طاعة اللَّه كإعراضك. قال مقاتل: هذه الآية أرجى آيةٍ في القرآن: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. . . أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (١). وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ﴾ دليلٌ على أنَّ الخوف الذي تقتضيه جِبِلَّة الإنسان لا يلام صاحبه عليه. قال: ولم يخافا على أنفسهما شفقةً عليهما، ولكنْ قالا: نخاف أن يحلَّ بنا مكروهٌ عن جهته فلا يحصلَ منا ما تأمرنا به من القيام بأمرك، فكان ذلك الخوف لحقِّ اللَّه تعالى لا لحظِّ أنفسهما. وقال: لم يخافا من فرعون ولكن خافا من تسليط اللَّه تعالى إياه عليهما، ولكنهما راعَيَا آداب الخطاب. وقال: تلطَّفا في استجلاب هذا الخطاب من الحقِّ : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾، وإلا فأنَّى بالخوف لمن بعثه اللَّه تعالى نبيًّا وقرَّبه نجيًّا (٢). * * * (٤٩) - ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾: وفي الكلام إضمار: أنهما أتيا فرعون (٣) فقالا له ما أمرهما اللَّه تعالى أن يقولا. وقيل: الإضمار عند قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ﴾ فأَتَياه فقالا له ذلك

стр. 5037

وقالا أيضًا: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى آخره، فقال فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ حين قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ﴾. وقال: ﴿يَامُوسَى﴾ مقتصرًا عليه لأنه علم أن الرياسة (١) لموسى، وهو كقول القائل: مَن ربُّ هذا العالَم يا فلان. * * * (٥٠) - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. ﴿قَالَ﴾: أي: قال موسى مجيبًا له حيث خاطبه فرعون على الخصوص: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال مجاهد ﵀: أعطى كلِّ شيءٍ حيٍّ (٢) صورتَه التي خلقَها له؛ أي: قدَّرها له، ثم هداه إلى مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه وضروبِ هدايته. وقال الحسن: هدَى كلَّ شيء لِمَا يُصلحه. وقال ابن عباس ﵄: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾؛ أي: مِثْلَه ونظيرَه في مثل خِلْقته وهيئته، فإناثُ كلِّ جنسٍ من الحيوانات نظيرُ ذكورها، و ﴿أَعْطَى﴾ بمعنى: مكَّنه منه (٣). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾: ثم أَلهم ما به التناسلُ والنماءُ والاغتذاءُ وأسبابُ البقاء إلى حين الفناء (٤).

стр. 5038

وقال الضحاك: أعطى اليدَ البطش، والرجلَ المشي (١)، واللسان النطق، والعين البصر، والأذن السمع (٢). وقال سعيد بن جبير: هدى الذَّكَر لإتيان الأنثى من كلِّ جنس (٣). وقيل: ﴿خَلْقَهُ﴾؛ أي: جوارحَه وآلاته ومعاونه التي خلقها له (٤)، ثم هداه لاستعمالها في مواضعها حتى تمَّ له المعاش بها، ويقال: فلانٌ حسن الخلقة؛ أي حسنُ الجوارح والتركيب. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي: أعطى خلقَه كلَّ شيء؛ أي: أعطى مخلوقيهِ كلَّ نِعَم الدنيا ثم دلَّهم على توحيده. * * * (٥١ - ٥٢) - ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: أي: قال فرعون معترِضًا على موسى: ما بال القرون الأولى عبدوا غيرَ ربك وسلكوا غيرَ طريقك؟ وهو اعتراضٌ فاسد وتقليدٌ بغير حجة. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾: قال موسى: علمُ تلك القرون عند ربي؛ أي: شركُ أولئك وكفرُهم ليس يخفَى على ربي بل هو عالمٌ بهم.

стр. 5039

وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾: أي: أثبتَ ذلك في كتابٍ عنده يَنشره يوم القيامة، ويُثبت ذلك عليهم ويَجزيهم عليه. وقيل: اعترَض على قوله: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ قال: فما بال القرون الأولى وقد كذَّبوا وتولَّوا؟ قال: معاصيهم محفوظةٌ عنده فسيجزيهم بها ويعذِّبهم عليها. وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾؛ أي: الكتاب (١) ﴿وَلَا يَنْسَى﴾؛ أي: ما فيه. وقيل: أي: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ عن علم الأشياء؛ أي: لا يعدِلُ عنها ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما عَلِم؛ أي: لا يذهبُ عن ذكره. وقيل: ﴿لَا يَضِلُّ﴾: لا يخطئ ﴿وَلَا يَنْسَى﴾: لا يترك. وقيل: لا يخطى في سعادة الناس وشقاوتهم، ولا ينسى ثوابهم وعقابهم. وقيل: لا يخطئ في القضاء (٢) والقِسمة، ولا ينسى في المدة والمهلة. وقيل لا يخطئ في الأقوال والأفعال، ولا ينسى الأرزاق والآجال. * * * (٥٣) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (٣): قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مَهْدًا﴾ بغير ألفٍ، وقرأ الباقون: ﴿مِهادًا﴾ (٤)، وهما لغتان كالفَرْش والفِرَاش.

стр. 5040

وقيل: المهد في الأصل مصدرٌ، والمهادُ اسم. وهذا صفةُ الأول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى﴾ ولعله كان شَرَع في هذا الكلام، فقطَع عليه فرعون بهذا الاعتراض، فأجابه ثم عاد إلى تتميم الكلام الأول. ويجوز أن يتمَّ الكلام الأول ثم يكون هذا تقريرًا لقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ لأنه هو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ الآية، ومَن هذا صفتُه فإنه لا يضلُّ ولا ينسى؛ أي: ربي هو الذي جعل لكم الأرض موضعَ قرار كالمهد (١) الذي يُنام فيه (٢) ويُستقرُّ عليه، والمهادِ الذي يُجلس عليه ويُستقر عليه، وقد وصفها اللَّه تعالى بكونها فراشًا وبساطًا وقرارًا. وقوله تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: وجعل لكم فيها طرقًا، والمسلَك: الطريق، والسلوك: الدخول، والسَّلْك: الإدخال، وتقديره: وطرَّق لكم فيها طرقًا تدخلونها وتَمضون فيها إلى مقاصدكم في حوائجكم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: وهو المطر الذي يكون به الزرعُ والثمار ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ صرف الكلام من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه وهو من أقسام البلاغة. وقيل: تَم كلام موسى، ثم هذا مما أخبر اللَّه تعالى به وصلًا بكلام موسى. وقيل: هذا كلام موسى: فأخرجنا نحن بالحراثة والغرس ذلك. وقوله: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: ألوانًا وأصنافًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾؛ أي: مختلفةِ المناظر والطُّعوم والأرائح مع اتحاد الماء والتربة، وذلك دلالةٌ على قدرة اللَّه تعالى على ما يشاء.

стр. 5041

(٥٤) - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾: أمرٌ بمعنى الإخبار؛ أي: لتأكلوا منها أنتم وتَرعوا أنعامكم منها (١)، وهذا كقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]: اللباب لكم والقشور لأنعامكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أي: العقولِ؛ جمع نُهْيةٍ؛ لأنَّها تَنْهَى عن القبيح، ولأنها يُنتهى إليها في إمضاء الأمور. وخصَّ بكونها آياتِ أهل (٢) النهى لأنهم أهل التفكُّر والاعتبار والتدبُّر. وهذا كلُّه احتجاج من موسى على فرعون في إثبات الصانع جوابًا لقوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾. * * * (٥٥) - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾: وهذا بناء على قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على قولِ مَن جعله خبرًا من اللَّه عن نفسه، فإن جُعل ذلك خبرًا من موسى فهذه الآية ابتداءُ الإخبار من اللَّه تعالى عن نفسه. ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدمَ من تراب، وفي الخبر: أن ملَك الأرحام يصنع (٣) النطفة على كفِّه، ويجعل فيها تربةً من موضع قبره، فإذا مات دُفن في موضعِ رفعِ تلك التربة (٤).

стр. 5042

﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: إذا متُّم فدُفنتم ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾؛ أي: ومن الأرض نبعثكم يوم القيامة ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾؛ أي: كما خلقناكم أول مرة منها. * * * (٥٦ - ٥٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾: أي: فرعونَ ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يجوز أن يكون هذا خبرًا عن الآية التي أَراها إياه أولَ ما أراهُ من قلب العصا حيةً، وهي وإن كانت واحدةً فهي تدلُّ على ما يدلُّ عليه كلُّ الآيات، فهي في المعنى ككلِّ (١) الآيات، وتكذيبُها تكذيبُ كلِّها. وقيل: كلُّ الآيات: إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وقد اجتمع في العصا وقلبِها حيةً وإعادتها إلى حالتها الأولى كلُّ ذلك معنًى. وقيل: أراد به كلَّ الآيات التي كانت لموسى، وهي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وقد أراها كلَّها له آياتٍ في كلِّ المدة من حين أتاه إلى حين (٢) أغرقه اللَّه تعالى في البحر، والآية إشارة إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ﴾: أي: لم يصدِّق بالآيات ﴿وَأَبَى﴾ الانقياد لها ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ يا موسى استفهام بمعنى التوبيخ.

стр. 5043

وقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: أي: أرضِ مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: بتخييلك وتسميةِ الآيات لتخدعهم بها، فيجتمعون معك (١) على محاربتنا وإخراجنا من أرضنا، وهذا لا يتمُّ لك ولا ندعُك تفعله. * * * (٥٨) - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: أي: فلَنعارضنَّك بسحرٍ مثلِ سحرك ليتبيَّن للناس أن ما أتيتَ به ليس من عند اللَّه حيث أَمكنَنا معارضتُه. وقوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾: أي: نتواعدُ يومًا نلتقي فيه لإبراز ما تدَّعي أنت أنه معجزةٌ، وإبراز ما أذكُر أنه معارَضةٌ منا. وقوله تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾: أي: الوعدَ ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ قال قتادة والسدي: أي: عدلًا بيننا وبينك. وقيل: مستويًا يتبيَّن للناس ما بيننا (٢) فيه، قاله ابن زيد (٣). وقرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ بضم السين، والباقون بكسرها (٤)، وهما لغتان. و ﴿مَكَانًا﴾ ترجمةٌ عن ﴿مَوْعِدًا﴾، وقيل: معناه: أي: بمكان. وقال الحسين بن الفضل: هذا غاية عجزه وحمقه، حيث (٥) ادعى الربوبية ثم لم

стр. 5044

يمكِنْه أن يقول: لاستأصلنَّك ولأريقنَّ دمك، بل قال: لأجمعن سحرةً يعارضونك بالتمويه والتخييل. * * * (٥٩) - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. وقوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: أي: قال موسى: الوقت الموعود -أي: الأجل المضروب- يومُ الزينة، وهو يومٌ معروف كان لهم يتزيَّنون فيه. قيل: كان يومَ عاشوراء، وقيل: كان يومَ النيروز (١)، وقيل: كان يومَ سوقٍ لهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أي: يُحْوِجُهم يومُ العيد إلى الخروج، فكأنهم حُشروا فيه، لا أنَّ حاشرًا حشرهم. وقيل: بل اتَّفقوا على أنْ يَحشر لهم حاشرٌ لئلا يتخلَّف أحدٌ، وخصَّ الضحى لأن النهار حينئذ أضوأُ، فيكون الناس فيه أبصرَ، وللمُخْرَجات أَبْيَنَ. وقيل: أرادوا أن الأمر قد يمتدُّ فيما بينهم فيتَّسعُ الوقت لأمرهم وإن طال. * * * (٦٠) - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ﴾: قيل: أعرض عن قبول الحق الذي أتى به موسى. وقيل: عن كل أمر إلا هذا. وقيل: ترك ما كان فيه، وقصَد فجمع أمره.

стр. 5045

وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: أي: سحرَتَه المختالين (١)، مصدر بمعنى النعت للجمع. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتَى﴾: أي: أتى للموعد مع سحرته. وقيل: (جمع كيده)؛ أي: مكرَه؛ أي: هيَّأ أسبابه. * * * (٦١) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾: أي: لفرعون وسحرته: ﴿وَيْلَكُمْ﴾؛ أي: وعيدًا لكم (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بإضافتكم إليه أنه أقدَرَكم على إحداث الأعيان وقلبِها بما تخيِّلونه. وقوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾: قال قتادة وابن زيد والسُّدي: أي: يستأصلَكم (٣). وفي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في روايةِ حفص بضم الياء وكسر الحاء من أَسْحَتَ، والباقون بفتح الياء والحاء من سحت (٤)، وهما لغتان.
следующие страницы →