← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

(٥٤) - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾: أمرٌ بمعنى الإخبار؛ أي: لتأكلوا منها أنتم وتَرعوا أنعامكم منها (١)، وهذا كقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]: اللباب لكم والقشور لأنعامكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أي: العقولِ؛ جمع نُهْيةٍ؛ لأنَّها تَنْهَى عن القبيح، ولأنها يُنتهى إليها في إمضاء الأمور. وخصَّ بكونها آياتِ أهل (٢) النهى لأنهم أهل التفكُّر والاعتبار والتدبُّر. وهذا كلُّه احتجاج من موسى على فرعون في إثبات الصانع جوابًا لقوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾. * * * (٥٥) - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾: وهذا بناء على قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على قولِ مَن جعله خبرًا من اللَّه عن نفسه، فإن جُعل ذلك خبرًا من موسى فهذه الآية ابتداءُ الإخبار من اللَّه تعالى عن نفسه. ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدمَ من تراب، وفي الخبر: أن ملَك الأرحام يصنع (٣) النطفة على كفِّه، ويجعل فيها تربةً من موضع قبره، فإذا مات دُفن في موضعِ رفعِ تلك التربة (٤).

стр. 5042

﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: إذا متُّم فدُفنتم ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾؛ أي: ومن الأرض نبعثكم يوم القيامة ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾؛ أي: كما خلقناكم أول مرة منها. * * * (٥٦ - ٥٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾: أي: فرعونَ ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يجوز أن يكون هذا خبرًا عن الآية التي أَراها إياه أولَ ما أراهُ من قلب العصا حيةً، وهي وإن كانت واحدةً فهي تدلُّ على ما يدلُّ عليه كلُّ الآيات، فهي في المعنى ككلِّ (١) الآيات، وتكذيبُها تكذيبُ كلِّها. وقيل: كلُّ الآيات: إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وقد اجتمع في العصا وقلبِها حيةً وإعادتها إلى حالتها الأولى كلُّ ذلك معنًى. وقيل: أراد به كلَّ الآيات التي كانت لموسى، وهي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وقد أراها كلَّها له آياتٍ في كلِّ المدة من حين أتاه إلى حين (٢) أغرقه اللَّه تعالى في البحر، والآية إشارة إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ﴾: أي: لم يصدِّق بالآيات ﴿وَأَبَى﴾ الانقياد لها ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ يا موسى استفهام بمعنى التوبيخ.

стр. 5043

وقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: أي: أرضِ مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: بتخييلك وتسميةِ الآيات لتخدعهم بها، فيجتمعون معك (١) على محاربتنا وإخراجنا من أرضنا، وهذا لا يتمُّ لك ولا ندعُك تفعله. * * * (٥٨) - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: أي: فلَنعارضنَّك بسحرٍ مثلِ سحرك ليتبيَّن للناس أن ما أتيتَ به ليس من عند اللَّه حيث أَمكنَنا معارضتُه. وقوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾: أي: نتواعدُ يومًا نلتقي فيه لإبراز ما تدَّعي أنت أنه معجزةٌ، وإبراز ما أذكُر أنه معارَضةٌ منا. وقوله تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾: أي: الوعدَ ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ قال قتادة والسدي: أي: عدلًا بيننا وبينك. وقيل: مستويًا يتبيَّن للناس ما بيننا (٢) فيه، قاله ابن زيد (٣). وقرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ بضم السين، والباقون بكسرها (٤)، وهما لغتان. و ﴿مَكَانًا﴾ ترجمةٌ عن ﴿مَوْعِدًا﴾، وقيل: معناه: أي: بمكان. وقال الحسين بن الفضل: هذا غاية عجزه وحمقه، حيث (٥) ادعى الربوبية ثم لم

стр. 5044

يمكِنْه أن يقول: لاستأصلنَّك ولأريقنَّ دمك، بل قال: لأجمعن سحرةً يعارضونك بالتمويه والتخييل. * * * (٥٩) - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. وقوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: أي: قال موسى: الوقت الموعود -أي: الأجل المضروب- يومُ الزينة، وهو يومٌ معروف كان لهم يتزيَّنون فيه. قيل: كان يومَ عاشوراء، وقيل: كان يومَ النيروز (١)، وقيل: كان يومَ سوقٍ لهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أي: يُحْوِجُهم يومُ العيد إلى الخروج، فكأنهم حُشروا فيه، لا أنَّ حاشرًا حشرهم. وقيل: بل اتَّفقوا على أنْ يَحشر لهم حاشرٌ لئلا يتخلَّف أحدٌ، وخصَّ الضحى لأن النهار حينئذ أضوأُ، فيكون الناس فيه أبصرَ، وللمُخْرَجات أَبْيَنَ. وقيل: أرادوا أن الأمر قد يمتدُّ فيما بينهم فيتَّسعُ الوقت لأمرهم وإن طال. * * * (٦٠) - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ﴾: قيل: أعرض عن قبول الحق الذي أتى به موسى. وقيل: عن كل أمر إلا هذا. وقيل: ترك ما كان فيه، وقصَد فجمع أمره.

стр. 5045

وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: أي: سحرَتَه المختالين (١)، مصدر بمعنى النعت للجمع. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتَى﴾: أي: أتى للموعد مع سحرته. وقيل: (جمع كيده)؛ أي: مكرَه؛ أي: هيَّأ أسبابه. * * * (٦١) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾: أي: لفرعون وسحرته: ﴿وَيْلَكُمْ﴾؛ أي: وعيدًا لكم (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بإضافتكم إليه أنه أقدَرَكم على إحداث الأعيان وقلبِها بما تخيِّلونه. وقوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾: قال قتادة وابن زيد والسُّدي: أي: يستأصلَكم (٣). وفي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في روايةِ حفص بضم الياء وكسر الحاء من أَسْحَتَ، والباقون بفتح الياء والحاء من سحت (٤)، وهما لغتان.

стр. 5046

وقوله تعالى: ﴿خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾: أي: حُرم خيرَ الآخرة مَن كذَب على اللَّه. * * * (٦٢ - ٦٣) - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أي: فتشاوروا؛ كما قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١]، وهو أخذُ بعضهم القول من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] هو أخذ بعضهم الكأس من بعض. وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: أخفَوا ذلك التشاوُرَ بحيث لم يسمعه موسى وهارون وقالوا في ذلك: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قاله السدي: أن النجوى ما ذُكر بعده. وقال قتادة: قالوا: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبه (١)، وإن كان (٢) من السماء كما زعم فسترون (٣). وقال وهب: النجوى أنهم لمَّا سمعوا قوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ قالوا: ما هذا بقول ساحر (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قرأ أبو عمرو: ﴿إِنَّ﴾ بالتشديد ﴿هذينِ﴾ بالياء، وهو الظاهر من لغة أكثر (٥) العرب، قالوا: إن مذهبه أن يترك ﴿هَذَانِ﴾ في المصحف كما كتب بالألف وإذا قرأ قرأ بالياء، كما روي عن عثمان ﵁

стр. 5047

أنه لما (١) نظر في المصحف قال: أَرى فيه لحنًا وستُقِيمُه العرب بألسنتها (٢).

стр. 5048

قال: فأنا أترك المكتوبَ كما تركه هو، وأُقِيمه كما أخبر به. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿إِنَّ﴾ بالتشديد ﴿هَذَانِ﴾ بالألف والتخفيف (١)، وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿إِنْ﴾ بالتخفيف ﴿هَذَانِ﴾ بالألف والتخفيف، وقرأ ابن كثير: ﴿إِنْ﴾ بالتخفيف و ﴿هذانِّ﴾ بالألف والتشديد (٢).

стр. 5049

فمَن قرأ ﴿إِنْ﴾ بالتخفيف فمعناه: (ما)؛ أي: ما هذان لساحران؛ أي: إلا ساحران (١). وتشديد ﴿هذانِّ﴾ من قراءة (٢) ابن كثير للفرق بين الأسماء المتمكِّنة وغيرِ المتمكنة في التثنية. فأما تشديد ﴿إِنَّ﴾ والألف في ﴿هَذَانِ﴾ وهو المكتوب في المصاحف (٣) وعليه أكثر القراء، فله وجوه: أحدها: أنه على لغة كنانةَ وبني الحارث بن كعب: أنهم يجعلون التثنية بالألف على كلِّ حال، فيقولون: جاءني الرجلان، و: رأيت الرجلان، و: مررت بالرجلان؛ قال شاعرهم: فأَطْرَق إطراقَ الشجاعِ ولو يَرَى... مساغًا لناباه (٤) الشجاعُ لصمَّما (٥)

стр. 5050

وقيل: تقديره: إنه هذان، فلم يعمل في ﴿هَذَانِ﴾. وقيل: ﴿إِنَّ﴾ بمعنى: نعم، وفي بعض الآثار: لعن اللَّه ناقةً حملتْني إليك، فقال له: إنَّ وصاحبَها؛ أي: نعم، قال الشاعر: بكر العواذلُ في الصبا... ح يَلُمْنَني وألومُهنَّهْ ويَقُلْنَ شيمثٌ قد علا... كَ وقد كبرتَ فقلتُ إنهْ (١) أي: نعم. وعلى هذين القولين اللام في ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ لام قسمٍ تأكيدًا للخبر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾: هو كما قال فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ﴾ [طه: ٥٧] وقد فسَّرناه. وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: أي: ويَصْرِفا وجوه السادات من قومكم والأشرافِ من أهل أرضكم إلى أنفسِهما (٢) فيذهبا بهم؛ أي: يُميلاهم إلى أنفسهما، فهمَّتُهما الرياسة، وهو كقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]. قال الفرَّاء: تقول العرب: هؤلاء طريقةُ قومهم، وطرائق قومهم، قال تعالى

стр. 5051

خبرًا عنهم: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] ويقولون في الواحد: هذا طريقةُ قومه، ونظيرةُ قومه، وجمعه: الطرائق والنظائر (١). و ﴿الْمُثْلَى﴾: تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، والطريقةُ مؤنثةٌ لفظًا فلذلك أُنِّث نعتها. وقيل: معناه: أنهم يقولون: أرسل معنا بني إسرائيل، وليسا يريدان به تخليصَهم عن الاستعباد، بل يريدان أن يخرجاهم من بينكم فيتكثَّرا بهم، وإنما سمَّوهم الأشراف مع أنهم كانوا يستعبدونهم؛ لشرفهم بالانتساب إلى الأنبياء. وقيل: أرادوا به: ويذهبا بدينكم المختار، من قولهم: فلان حسن الطريقة؛ أي: المذهب، وهو كقول فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]، والأمثل على هذا هو الأصح، من قولهم تماثل المريض؛ أي: صحَّ. * * * (٦٤) - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿فاجمَعُوا﴾ بألف الوصل من (٢) الجمع، وهو كما مر: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، وقرأ الباقون بقطع الألف من الإجماع وهو العزم (٣)، قال الشاعر: يا ليتَ شِعري والمنَى لا يَنفعُ... هل أغدُوَنْ يومًا وأمري مُجمَع (٤)

стр. 5052

ومعنى الأول: لا تدَعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتُم به، ومعنى الثاني: فأَحْكِموا احتيالكم حتى لا يتبيَّنَ لِمَا يفعله موسى (١) فضلٌ على ما تفعلونه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: قيل: أي: صفًّا واحدًا لإلقاء حبالكم وعصيِّكم، فهو أهولُ وأهيَب. وقيل: بل معناه: صفوفًا، فقد كان فيهم كثيرةٌ؛ أي: صفًّا صفًّا. وقيل: ﴿صَفًّا﴾؛ أي: موضعًا قد تواعَدوه كمصلَّى العيد للمؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾: أي: غلَب، فاجتهِدوا أن تستَعْلُوا -أي (٢): تَغلِبوا- فتُفلحوا؛ أي: فتفوزوا بما تَرْجونه من الزينة والعزِّ عند فرعون وقومه، فقد كانوا قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢] فيحتمِل أنهم أرادوا بالإفلاح الأجرَ والقربة. * * * (٦٥ - ٦٦) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾: أي: منَّا، وهذا على وجه الاقتدار عند أنفسهم. وقيل: بل كان للاحترام، فنالهم بركتُه. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾: أي: أنتم مبتدِئون فسترون، فكان وعيدًا على السحر لا أمرًا به.

стр. 5053

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾: وهاهنا مضمر؛ أي: فألقوا فإذا حبالُهم وعِصِيُّهُم. ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾: من الخيال؛ أي: يمثَّل عنده ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ﴾؛ أي: احتيالهم وتمويههم ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ سعيَ الحيات. و ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياء التي هي للتذكير؛ لكونه فعلَ السعي، فإن تقديره: يخيل إليه سعيها، أو: كونُها ساعيةً. * * * (٦٧) - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾: قيل: أَحسَّ ووَجد، وقيل: أَضمَر. وقوله: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ الكنايةُ ترجع إلى ﴿مُوسَى﴾ وقد ذكر بعده، وهو في الظاهر سبقُ الكناية على المكنيِّ، لكن قوله: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فعل وهو دال على الفاعل فكان مرادًا مثبتًا (١) معنًى على التقديم وإن تأخَّر نظمًا. قيل: كان خوفَ طبيعةٍ، والعاقل قد يخاف طبعًا عند رؤية الأشياء الفظيعة في أول وهلة، ثم يتأمَّل فيسكن. وقيل: لم يخف موسى أن يغلبوه، لكنْ لمَّا شاهَد الكثرة خاف أن يظنَّ بعض الناس أن الغلبة لهم، فأمَّنه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. وقيل: كان لا يُلقي العصا إلا بوحي، ولمَّا أبطأ الوحي خاف تفرُّقَ بعض الناس قبل أن يؤمر بالإلقاء فلا يَعلم بغلبته كلُّ الناس. * * *

стр. 5054

(٦٨) - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾: أي: العالي، كما قال الشاعر: فتلك طريقٌ لستُ فيها بأوحَدِ (١) أي: بوحيد، فإنه لم يكن في السحر علوٌّ حتى يكونَ هو أعلى منهم. وقيل: بل كانوا يَعْلون على الذين لا يعلمون السحر عند الناس، فتبيَّن أنه هو الأعلى، وأنه (٢) الغالب لا المغلوب. * * * (٦٩) - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾: وهو العصا، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ قرأ ابن عامر بالتشديد ورفعِ الآخِر (٣) نعتًا له لا جزاءً (٤)، وقرأ عاصم في رواية حفصٍ بالتخفيف وجزمِ الآخِر على الجزاء (٥)، وقرأ الباقون بالتشديد والجزم (٦)؛ أي: تلتقم وتبتلع ما عملوا من الحبال والعصي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾، وقرأ

стр. 5055

الباقون: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ (١)؛ أي: لا حقيقة له وهو تخييلٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾: لا نفاذَ لِمَا يفعله، ولا فوز له بما يأمله. ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ قيل: أي: حيث كان؛ لأن الذهاب والإتيان يعبَّر بهما عن الكون، يقال: أينما ذهبت فأنت محروم أين كنتَ. * * * (٧٠) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾: ها هنا مضمرٌ؛ أي: ألقى موسى عصاه فتلقَّفَتْها ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾؛ أي: فوقعوا للَّه ساجدين. قال الأخفش: من سرعةِ ما سجدوا كأنهم أُلقوا، يعني: علموا أنه ليس بسحر بل هو معجزة، فآمنوا باللَّه وسجدوا للَّه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ الذي أرسلهما، فكان إيمانًا باللَّه ورسولَيه. * * * (٧١ - ٧٢) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أنكر عليهم إيمانهم توهُّمًا أنه بلغ في سلطانه ونفاذ أمره المبلغَ الذي لا يجب أن يُعتقد دينٌ إلا بإذنه، وهذا غاية جهله وعظمته عند نفسه.

стр. 5056

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾: أي: لرئيسُكم الذي علَّمكم السحر. ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: التقطيع: تكثيرُ القَطع وتكريره، والخلاف: أن تكون اليد اليمنى مع الرِّجل اليسرى، ظنَّه تشديدًا فوقع تخفيفًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: أي: على جذوعها تشهيرًا لعقوبتكم، وخصَّ النخل لطول جذوعها، ويشبَّه المفرِطُ الطولِ بالنخلة السَّحوق. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: أي: لن نختارك ولن نُؤْثِر رضاك. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: من الشواهد البيِّنة أن موسى ﵇ نبيُّهُ. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾: وعلى الذي فطرنا؛ أي: خلقَنا وأعطانا العقل الذي ميَّزْنا به بين السحر والمعجزة. وقيل: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قسَمٌ؛ أي: وحقِّ الذي خلقَنا. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾: أي فاصنَعْ ما أنت صانعٌ، وأَمْضِ ما أنت مُمْضٍ، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: صنعَهن، وقضى الأمر؛ أي: أمضاه، ومعناه: وإن صنعتَ ما صنعتَ فلسنا براجعِين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: كلُّ ما تصنعُه وتمضيه بسلطانك اليوم فإنما تصنعه في هذه الحياة الدنيا، وهو مُنْقضٍ زائلٌ، ونحن نَمضي إلى النعيم الباقي الدائم. * * * (٧٣) - ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

стр. 5057

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾: أي: بالكفر والسحر وسائر المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾: عطفٌ على ﴿خَطَايَانَا﴾ ولهذا الإكراهِ وجهان: أحدهما: ما قاله الحسن: إن دعوة السلطان إكراه، لأنهم لو تُركوا لم يأتوه (١)، أشار إلى قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١١ - ١١٢] فكان حشرُهم إكراهًا لهم. والثاني: ما قال ابن عباس ﵄، قال: غلمانٌ له كان دفَعَهم إلى السَّحَرة ليعلِّموهم السحر (٢)، فلم يكن إكراهًا على عين الفعل ليزول بهم الإثم، وإنما كان الإكراه في الأصل وكانوا مختارين في الفعل فكان ذنبًا فَرَجَوا مغفرتَه بالإيمان. ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾: ثوابًا لمن آمن به وأطاعه (٣) ﴿وَأَبْقَى﴾ عقابًا لمن عصاه، وهو ردُّ قول فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. وقيل: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ يرجعان إلى الثواب. وقيل: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ منك ﴿وَأَبْقَى﴾ سلطانًا منك. * * *

стр. 5058

(٧٤) - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾: أي: وافَى القيامةَ مشركًا ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: فإن جزاءه جهنمُ يُدخَل فيها ويعذَّب بها ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾: لا يموت فيستريحَ ولا يحيى حياةً يَنتفعُ بها. * * * (٧٥) - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾: أي: ومَن وافى القيامة وقد عمل الصالحات بعد الإيمان ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾ عند اللَّه ﴿الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. * * * (٧٦) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾. ثم فسَّرها فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: إقامةٍ لا خروج عنها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: من تحت قصورها وأشجارها المياهُ في الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمين فيها. وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾: أي: تَطهَّر من المعاصي وتشرَّب (١) بالطاعات. قيل: انتهى كلام السحرة عند قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وما بعده ابتداءُ كلام من اللَّه تعالى. وقيل: كلُّه كلام السحرة، وإنما علموا هذا مع قُرب عهدهم بالإيمان إمَّا لسماعهم موسى كأنه حين دعاهم إلى الإيمان أخبرهم هذا، وإمَّا من بعض بني

стр. 5059

إسرائيل فيما كانوا يخبِرون به مِن كلامِ مَن سلَف من الأنبياء، وقد مرت قصة موسى مع السحرة في سورة الأعراف بفوائدها. * * * (٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾: أي: أوحيثا إليه بعد أن تابَعْنا الآيات إلى فرعون فلم يزدَدْ إلا عتوًّا ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: أن أَخْرِج بني إسرائيل ليلًا ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾؛ أي: اتَّخِذْ لهم طريقًا يابسًا في البحر بضربِكَ البحرَ بعصاك، فينفلق فيصير فيه طرقٌ لقومك لكلِّ سبطٍ طريق. وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾: فيه وأنت آمِنٌ من أن يدركك فرعون ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ غرقًا، وقرأ حمزةُ: ﴿لَا تَخَفْ دَرَكًا﴾ مجزومًا على النهي، ثم قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على الاستئناف (١)، كما قال تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ بالجزم ثم قال: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] فرَفع. ولو قيل: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ على قراءته مجزومٌ (٢) أيضًا على النهي (٣) بطريقين: أحدهما: أن الألف بعد الشين للإشباع.

стр. 5060

والثاني: أن بعضَ العرب لا يحذفُ حرفَ العلة للجزم؛ قال الشاعر: هُزِّي إليك الجذعَ يجنيكِ الجنَى (١) لاستقام (٢). * * * (٧٨) - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾: أي: فسَرى بهم فأَتْبعهم فرعون؛ أي: لحِقَهم ﴿بِجُنُودِهِ﴾؛ أي: كاد يلحقُهم. وقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾: أي: فأتاهم منه ما أتاهم. وقيل: غطَّاهم منه ما غطَّاهم، وهو عبارةٌ عن تعظيمِ الأمر، يقال: أصاب فلانًا ما أصابه، ويقال: إن كان فلانٌ عصى (٣) فقد جرى عليه ما جرى، وهو قريبٌ من قولهم: فلانٌ ما فلان، ونظيره في القرآن: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ و: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾، وهذا بيان أنه ليس بكلامٍ مجمَلٍ لا يفهم. وقيل: هو إشارة إلى ما ذكر قبل نزول هذه الآيات في مواضع أُخر من بيان قصتهم (٤)، أنهم غرقوا وغشيهم ماء البحر، فهذه إشارةٌ إلى أنه أصابهم ما بينَّاه في

стр. 5061

مواضع أُخر قبل هذا، ويكون هذا إذكارًا للتفصيل المتقدم، وقد بينَّا هذه القصة أيضًا في سورة الأعراف (١). * * * (٧٩) - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾: أي: عدَل بهم عن سبيل الرشاد ﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: ما هداهم إلى الحق؛ أي: ما أرشدهم. وقيل: هذا إشارةٌ إلى قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، فقلَّدوا فرعون في ذلك فضلوا. وقيل: ﴿وَمَا هَدَى﴾ تقريرُ قوله: ﴿وَأَضَلَّ﴾. * * * (٨٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾: ثم بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وغرق أولئك (٢)، وأنعم عليهم في التِّيه بما أنعم، ذكَّرهم آلاءه وحثَّهم على شكرها، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: أولادَ يعقوب ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعونَ. وقيل: منه ومن قومه، ويكون العدوُّ جمعًا بمعنى الأعداء، كما قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤].

стр. 5062

وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ (١): قرأ أبو عمرو وأهلُ البصرة وأبو جعفرٍ: ﴿ووعَدْناكم﴾، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿أنجيتكم﴾ ﴿ووعدتكم﴾ وقرأ الباقون: ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾: وهو حين أُمر موسى ﵇ باختيار سبعين رجلًا يحضرون معه الطورَ لنزول التوراة، و ﴿الْأَيْمَنَ﴾ نصبٌ لأنه نعتُ قوله: ﴿جَانِبَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: أي: في التِّيه. * * * (٨١) - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: أي: لذائذه، فقد كانا كذلك. وقيل: كلوا من حلالاته، فقد كانا ينزلان لم يَجْرِ عليهما يدُ إنسان تَثبُتُ به حرمةٌ أو شبهة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾: قيل: لا يظلمْ بعضُكم بعضًا فنأخذَه من صاحبه (٣). وقيل: لا تأخذوا منه فوق الحاجة. وقيل: لا تأخذوا فوق قُوتِ اليوم.

стр. 5063

وقيل: لا تدَّخروا لغدٍ، إلا ما نزل يومَ الجمعة فإنه كان يُدَّخر منه لغدٍ، فإنه ما كان (١) ينزل ذلك يوم السبت. وروي أنهم وجدوا ذلك يومًا أسمن وأحلى من كلِّ يوم، فادخروا لغدٍ ففسَد كلُّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا بنو إسرائيل ما دوَّد طعامٌ ولا خَنَز لحمٌ" (٢) يعني به هذا. وقيل: لا تحرِّموا طيبات ما أحلَلْتُ لكم فإنه طغيانٌ كاستحلالِ الحرام. وقيل: الطغيان كفران هذه النعمة. وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: قرأ الكسائي بضم الحاء، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بضم اللام؛ أي: ينزل، وقرأ الباقون بالكسر (٣)؛ أي: يجب، وهو وعيدٌ على الطغيان. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾: أي: هلك. وقيل: أي: سقط في النار، والأول من الثاني، فإن أصله السقوطُ من عُلوٍ إلى أسفلَ من غير شيء يمسكه في مَهْواه ولا يتخلص منها، وهو كقوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١] في المعنيين. * * * (٨٢) - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾: أي: كثيرُ المغفرة؛ أي (٤): أُتْبع الوعيدَ الوعدَ، وعلى ذلك أكثرُ آيات القرآن؛ ليكون العبدُ بين الخوف والرجاء.

стр. 5064

﴿لِمَنْ تَابَ﴾: قال: ابن عباس ﵄: لمن تاب من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾؛ أي: وحَّد ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وأدى فرائضه ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾: لم يشكَّ (١). وقال قتادة: ﴿تَابَ﴾ من الذنوب ﴿وَآمَنَ﴾؛ أي: دام على ذلك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أخلص ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ لزم الإسلام حتى يموت (٢). وقال أبو فضيل (٣) الأشعريُّ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾: للسنَّة والجماعة (٤). وقال الضحاك: ثم استقام (٥). وقال في رواية: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ لكتاب اللَّه وسنَّة رسوله. وقال ابن زيد: عَلِمَ كيف يعمل (٦)؛ أي: عمل على وفق العلم. وقيل: ثم عَلِم أن له ثوابًا على عمله، وروي هذا عن ابن عباس ﵄ (٧). وقال القشيري ﵀: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾: كثير المغفرة بقليل التوبة ﴿لِمَنْ تَابَ﴾

стр. 5065

عن الزلة ﴿وَآمَنَ﴾: لم ير أعماله من نفسه بل بتوفيق اللَّه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: لاحَظَ عمله بعين الاستصغار (١) وحالتَه بعين الاستقرار ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ إلينا بنا (٢). * * * (٨٣ - ٨٤) - ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾: يتصل بقوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وأضمر هاهنا: فتعجَّل موسى فقلنا له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾. قيل: كان اختار سبعين رجلًا للميقات بأمر اللَّه تعالى، فتعجَّل هو وخلَّف السبعين وأمرهم أن يتَّبعوه، فقال اللَّه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: عمَّن اختَرْتَهم وهم السبعون، فـ ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ يلحقونني. وقيل: كان وعَدهم (٣) أن يؤتيَهم الكتاب ويكلِّمَهم، فتعجَّل موسى واستخلَف هارون في بني إسرائيل ومعهم السامريُّ ليسير بهم على أَثَره فيَلحقوه، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾؛ أي: يجيئون (٤) على أثري. وقوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾: أي: إلى الموضع الذي وُعِدْتُ ﴿لِتَرْضَى﴾؛ أي: حرصًا على وجود رضاك بالتعجُّل إلى وعدك. وقيل: هم أولاءِ بالقرب مني مع هارون قد استخلفتُه عليهم وعجِلْتُ أنا.

стр. 5066

وقال الحسن: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾؛ أي: ينتظرونني من بعدي ما آتيهم به، لا يعني أنهم يتبعونه (١)، ومعنى ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾؛ أي: كيف سبَقْتَهم؟ * * * (٨٥) - ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾: الذين خلَّفْتَهم مع هارون عاملناهم معاملةَ المختبِر ليظهرَ منهم بفعلهم ما كان في علمنا أنهم يفعلونه. وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾: دعا هم إلى عبادة العجل واتِّخاذه إلهًا، ونَسب الضلال له لأنه سببُه. * * * (٨٦) - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. وقوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾: أي: على قومه بما صنعوه من عبادة العجل ﴿أَسِفًا﴾: شديدَ الغضب. وقيل: حزينًا على ما ينالهم بسببه. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: هو إنزال التوراة ليقِفوا بها على ما عليهم ولهم في دينهم، ويستحقُّوا بالعمل بها الكرامةَ، ويتخلَّصوا به من العقوبة، وهو إشارة إلى قوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾. وقيل: الوعدُ الحسن: الذي لا خُلف فيه. وقيل: سماه حسنًا لأنه كان فيه نفعُهم ورفعُهم.

стр. 5067

وقيل: الوعد هو العهد، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، بدليل قوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾. وقيل: معناه: أوَطالَ عليكم الزمانُ -كما يقال: كان ذلك في عهد فلانٍ- فنسيتُم بسببِ طول الزمان ما أُمرتم به؟! قوله تعالى: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: أم تعمَّدتُم ذلك من غير نسيان، وفعلتُم ذلك فعلَ مَن يريد أن يقع عليه غضبُ اللَّه تعالى بقصده خلافه (١). وقيل: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ بنِعَم اللَّه عليكم (٢) من الإنجاء، وإعطاء المنِّ (٣) والسلوى، وتظليلِ الغمام، وسائرِ النِّعم التي تُوجب عليكم أن تشكروا له وتعبدوه، لا أن تعبدوا مِن دونهِ عجلًا، وهو كقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ﴾ مع قرب العهد ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقيل: أوطال عليكم انتظارُ الوعد؛ لأنَّهم لمَّا انتظروا عشرين يومًا بلياليها عدُّوا ذلك أربعين، فكأنهم استطالوا الأربعين. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾: قال مجاهد: عهدي (٤)، وله وجهان: ما عاهدتمونيه (٥) من اللحوق بي فلم تفعلوا. الثاني: ما عاهدتُموني من الإقامة على الدين وعبادةِ اللَّه تعالى فلم تفعلوا. ويجوز أن يجري هذا المعنى على حقيقة الوعد: كنتم وعدتموني اللحوق بي،

стр. 5068

والثاني: وعدتموني الإقامة على الدين وعبادةَ اللَّه فلم تفعلوا (١). وعلى هذين المعنيين يجوز إضافة الوعد إلى موسى: كنتُ واعدتُكم أن يكلمني اللَّه بحضرتكم، وكنت واعدتُكم أن أرجع إليكم ومعي الكتاب الذي فيه شرفُكم وجمالكم ونجاتكم. * * * (٨٧) - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم، وقرأ نافع وعاصم غيرَ المفضَّل بفتحها، وقرأ حمزة والكسائيُّ وخلفٌ بضمها (٢). وقيل: الفتح والكسر لغتان؛ كالرَّطل والرِّطل، والحَجْر والحِجْر، وهما القدرة والملك والسلطان؛ أي لم نُخلف الوعد ونحن مالكون أمورَ أنفسنا ولنا سلطانٌ على أَمْرنا نملك به الرأيَ والتدبير، بل اضطُرِرنا إلى ذلك، فإنْ كان هذا من الذين عبدوا العجل فهو إقرارٌ بالخطأ واعتذار عن الفعل، وإن كان هذا من الذين لم يعبدوه فمعناه: لم نُطقْ منعهم عن ذلك، ولم نتفرغ للُّحوق بك؛ لوقوعنا في هذا المهِمّ (٣)،

стр. 5069

أو لأن السامري لمَّا صرفهم إلى ذلك وقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] لم يلحقوا بك (١)، ولم يمكنَّا الانفراد باللحوق. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (٢) بالفتح والتخفيف؛ أي: احتملنا، وقرأ الباقون بضم الحاء والتشديد؛ أي: حمَّلوها علينا. ﴿أَوْزَارًا﴾؛ أي: أحمالًا ﴿مِنْ زِينَةِ﴾؛ أي: الحليِّ المستعارة من قوم فرعون. وقيل: أي: احتملنا آثامًا بأخذِ حليِّهم ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ عنَّا خروجًا عن إثمها. وعلى الأول: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾؛ أي: فطرحناها عن أنفسنا وعن أولادنا. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: أي: كما ألقيناها. * * * (٨٨) - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾: أي: السامريُّ لبني إسرائيل ﴿عِجْلًا﴾: ولدَ بقرةٍ؛ أي: في هيئته ﴿جَسَدًا﴾: مجسَّدًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾؛ أي: صوتٌ كصوت العجل، ﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: الذين عبدوا العجل: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ﴾. وفي التفسير: قاله السامريُّ والذين وافَقهوه. ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾: أي: المستحِقُّ للعبادة.

стр. 5070

وقيل: قذفناها (١) في حفيرةٍ اتَّخذها السامري لذلك. وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾: قيل: معناه: قال السامري: فنسي موسى أنه هو وضلَّ عنه فذهب يطلب غيره، أو: ذهب يطلبه في موضع آخر ونسي أن يذكر لكم أن هذا إلهُه. * * * (٨٩) - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. وقيل: بل معناه: قال اللَّه ﷻ : فنسي السامري؛ أي: ترك دينَ الإسلام وبدَّله بعبادة العجل، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن (٢) يكون إلهًا، بدليل أنه قال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: وهذا النسيان بمعنى التركِ والإعراض عن التأمل. ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾؛ أي: لا يردُّ، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٨]، وإنما لم يُنصب ﴿يَرْجِعَ﴾ بـ ﴿أنْ﴾ لإضمار الهاء، وتقديره: أنه لا يرجعُ. وقيل: لأن (لا) بمعنى (ليس) فلم تعمل. وقد مرت القصة بفوائدها والأقاويلِ فيها في سورة الأعراف. وقالوا: الذهب الذي كان غنيمةً لهم صار سببَ الفتنة، فكيف بذهب الحرام والشبهة؟ وقال القشيري ﵀: لمَّا قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقد رأوا عبدةَ الأصنام وكانت على صورة العجل، وسمع السامري ذلك، وتقرَّر عنده أنه مستكنٌّ في قلوبهم، صاغ العجل على تلك الصورة.

стр. 5071

وفيه بيان أن دقائق الهوى إذا استكنَّت في القلب، فما لم يُنقش ذلك الشركُ بمنقاش (١) الورع يخشى أن يَلقى صاحبُه يومًا فتنةً (٢). * * * (٩٠) - ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: للَّذين عبدوا العجل من قبلِ رجوع موسى إليهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: إنما جَعل اللَّه تعالى هذا العجل فتنة يمتحن به ثباتكم على الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي﴾: أي: كونوا على ديني الذي هو الحق. وقيل: أي: فاتبعوني في مسيري إلى موسى. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾: بذلك. * * * (٩١) - ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾: أي: لن نزال على هذا العجل مقيمين نعبده ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فننظرَ هل يعبدُه كما عبدناه؟ وهل صدَق السامري فيما قال: هذا إلهكم؟ * * * (٩٢ - ٩٤) - ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي

стр. 5072

(٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾: يعني: فتركهم هارون حتى رجع موسى وخاطب قومه بما ذكرناه، ثم عاتب هارونَ فقال: ما منعك يا هارون إذ رأيتَهم ضلوا ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾؛ أي: أن تتَّبعني (١) فتلحقَ بي مع مَن أطاعك ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. وقيل: أن تتَّبعني فيما قلت لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ بالفتح على معنى: يا ابن أمَّاه، والباقون بالكسر على معنى: يا ابن أمِّي (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾: أي: فأخذ موسى ذلك منه، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] فحذف هاهنا اختصارًا (٣). فقال له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، واعتذر بقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.

стр. 5073

قيل: أي: خفتُ إن لحقتُ بك مع الذين لم يعبدوه وخلَّفت هؤلاء أن تقول لي: فرَّقْتَهم، وكان نقلُ الكل متعذِّرًا إذ قالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾. وقيل: خشيتُ أنْ لو أمرتُهم أن يتَّبعوني في اللحاق بك أن تتَّبعني طائفةٌ وتصيرَ مع العابدين طائفةٌ وتشكَّ طائفةٌ. وقال ابن جريجٍ: خشيتُ أنْ لو عنَّفتُ عليهم أن يصيروا أحزابًا يَقتل بعضُهم بعضًا (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾؛ أي: لم تحفَظ قولي: وأَصْلِحْ؛ أي: لم تنتظِر أمرًا حادثًا به. * * * (٩٥ - ٩٦) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾: أي: ما شأنك العظيم؛ أي: ما هذا العظيمُ الذي دعاك إلى ما صنعتَ؟! أقبَلَ عليه فسأله عن الأمر (٢) موبخًا له بعدما خاطب هارونَ بما خاطب. وقيل: معناه: ما خطبتَ وما طلبتَ بما فعلتَ؟ قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ﴾ (٣): قرأ حمزةُ والكسائي وخلف بتاء المخاطبة يخاطِبُ به موسى وقومَه، وقرأ الباقون بياء المغايبة (٤)، يعني: القومَ.

стр. 5074

وقيل: معنى كلامِه: علمتُ بما لم تعلموا به، و ﴿بَصُرْتُ﴾؛ أي: صرتُ بصيرًا؛ أي: عليمًا، والبَصارة والبَصيرة: العلم، من بَصَر القلب. وقيل: أي: رأيت ما لم تروه، من بَصَر العين. ومعنى القولين: رأيت ترابَ حافر فرسِ جبريل -صلواتُ اللَّه عليه- في البحر ولم يروه، وعلمت أنه يُحيي الجمادَ إذا ألقي فيه ولم يعلموا، أو علمت صنعة (١) العجل من الذهب ولم تعلموه. وقوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾: أي: من تراب فرس جبريل. وقرأ الحسن: (فقبصْتُ قبصةً) بالصاد غير المعجمة (٢)، والأول بجميع الكفِّ وهذا بأطراف الأصابع. وقوله ثعالى: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾: أي: ألقيتُها في العجل ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أي: زيَّنت نفسي أن أفعله، ففعلتُه اتِّباعًا لهوايَ وهو اعترافٌ بالخطأ واعتذارٌ منه. قال وهبٌ: وكان السامري أبصر جبريل على الرَّمَكة (٣)، فقبض قبضةً من ترابِ قدمها وصيَّرها في ثوبه، وحدَّثتْه نفسه إنْ أخذ من موطئها (٤) كان خليقًا أن يكون فيه

стр. 5075

عجيبةٌ، وكان السامري من أهل باجرما من بني إسرائيل، وكان فرعون يعبد البقر وقومُه كذلك، قبل أن يقول: أنا ربكم الأعلى، وكانوا لا يعبدون إلا كلَّ بقرة فتيةٍ حسنة، فإذا كبرت أخرجوها وجاؤوا بأفتى منها، ولما مضى عشرون يومًا وعشرون ليلة ولم يرجع موسى إليهم جاءهم الشيطان وقال: إن موسى ليس من شأنه الخُلف والكذب، ولو كان هو حيًّا لرجع إليكم، فقد مضت عشرون يومًا وعشرون ليلة وذلك أربعون، فاتِّخذوا إلهًا فإنه قد مات. فلما وقع هذا فيهم اختلفوا وتنازعوا، واجتمع أكثرهم على أن يتَّخذوا عجلًا من البقر يعبدونه، فقال لهم السامري: فلو جعلتُموه من الذهب كان أحسنَ وألطف، فاتفقوا على أن يأتيَ كلُّ واحد منهم بذهب بمثل عين الجرادة ليشتركوا في ذلك، فاتخذ السامري منه عجلًا وألقى فيه ذلك التراب، فخار، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاحتوَشوه وأطافوا به، وهو في ذلك لا يتحرك ولا يخطو، إلا أن ذلك الخوارَ يسمع منه، فعكفوا عليه وأحبُّوه ما لم يحبوا شيئًا قط مثلَه. * * * (٩٧) - ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. ورجع موسى ورآهم على ذلك، فخاطبهم وخاطب هارون وخاطب السامري كما مر في هذه الآيات، ثم قال للسامري: ﴿فَاذْهَبْ﴾ وأخرجَه من عسكر بني إسرائيل ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾؛ أي: لا مماسَّةَ بينك وبين الناس ولا مخالطةَ ولا مؤاكلةَ ولا مشاربة ولا معاملة، تضييقًا عليه وعقوبة له (١)؛ كما يُفعل ذلك بالجاني الذي التجأ إلى الحرم في شريعتنا.

стр. 5076

وقيل: كانت مقتصرةً على المسِّ الحقيقي دون غيره. وقيل: كان مأمورًا بأن يَهيم في البرية مع الوحوش (١) والسباع. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾؛ أي: ما عشت ﴿أَنْ تَقُولَ﴾؛ أي: لمن أراد مخالطتك جاهلًا بحالك فذكِّره بهذا، وقل: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ ليَعرف ذلك. وقيل: كان هذا حالَه وحده. وقيل: بقي في أولاده وهم في قرية، ولا يخالطهم غيرُهم ولا يخالطون أيضًا غيرَهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لن تُخْلِفَه﴾ بكسر اللام؛ أي: لا تجدُه خُلْفًا؛ قال الأعشى: فمضت وأخلفَ من قُتيلةَ موعدًا (٢) وقرأ الباقون: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بفتح اللام على ما لم يسمَّ فاعلُه (٣)؛ أي: لن يُخْلِفك اللَّه، وهو عذاب الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾: أي: الذي اتخَذْتَه إلهًا. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾: أصله: ظَلِلْتَ، حذفت إحداهما للتخفيف كراهيةَ إظهار التضعيف، وهو كقول الشاعر:

стр. 5077

خلا أن العتاق من المطايا... أَحَسْنَ به فهنَّ إليه شُوسُ (١) أي: أَحْسَسْنَ. ومعناه: أمضيتَ نهارك وأنت وأصحابُك عاكفينَ على عبادته. وقوله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: بالتشديد؛ أي: بالنار، وبالتخفيف على قراءة عليٍّ ﵁ (٢)؛ أي: لنَبْرُدنَّه بالمِبْرَد -والصرفُ من بابِ دخل وضرب- وهو طريقُ تحريقه، فإن النار لا تعمل في الذهب بالتفريق إلا بهذا الطريق. وقيل: قد يُجعل عليه شيءٌ إذا جُعل في النار عَمِلت فيه وصيَّرته رمادًا، ويَعرف ذلك أهل الصنعة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: أي: لنُذَرِّينَّه ﴿فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: البحر ﴿نَسْفًا﴾ تأكيدٌ له بالمصدر، وقد نَسَف الطعام بالمِنْسَف (٣): إذا ذرَّاه ليطير عنه قشورُه. * * *

стр. 5078

(٩٨) - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: أي: عمَّ فعلِم كلَّ شيء، ولا يخفى عليه خافيةٌ، فهو المستحِقُّ للعبادة، لا العجلُ الذي لا علمَ له ولا قدرة. قال وهبٌ: لمَّا وقف موسى على العجل حمل صخرة فشدَخ بها رأسه، ثم كسره، ثم وضعه في مِرْجَلِ نحاسٍ، ثم لم يزَلْ يُوقِدُ حتى أحرقه، ثم طحنه وجمع إليه عبَدته وقال لهم: انظروا إلى ما صار إليه أمرُ إلهكم، لو كان إلهًا كما زعمتُم ما احترق ولا انْطَحَن ولا أطاقه موسى، ثم أمر السامريَّ فبال عليه في ذلك ليصغِّره إليهم ويحقِّره عندهم، فعندها (١) قالوا: ادعُ لنا ربَّك يَتُبْ علينا ويغفرْ لنا، فأوحى اللَّه إلى موسى: إن في قلوبهم مرضًا من حب العجل لم يخرج منها بعدُ، فانبِذْ طحين العجل في اليم ثم مُرهم فليشربوا منه، فإن ذلك يبين لهم (٢) أمرهم. ففعل وشربوا، فلم يبقَ منهم أحد كان في نفسه حبُّ العجل إلا اصفرَّ لونه وورم وجهُه وحَبِنَ بطنه (٣)، فقالوا: يا موسى! لا تُخرجُنا منه إلا توبةٌ خالصة، فمُرنا بما شئتَ فإنك لو أمرتَنا أن نقتل أنفسنا لفعلنا، وكان ذلك هينًا علينا لرِضى ربِّنا. فأوحى اللَّه تعالى إليه: إني قد حكمتُ عليهم بالتوبة التي حكَموها على أنفسهم، لا أقبلُ منهم توبةً غيرَها، وإن لم يفعلوا مددتُ لهم في هذا السَّقم وغمرتُهم فيه لا أُميتهم ولا أخفِّفُ عنهم.

стр. 5079

فلما رأوا الجِدَّ واشتدَّ عليهم السَّقَم، أخذوا الخناجر فنحروا أنفسهم، فكانت عِدَّةُ قتلاهم يومئذٍ سبعين ألفًا، وبقيت طائفةٌ رُحموا وكُشف عنهم، وجَعل اللَّه تلك البليَّةَ (١) شهادةً لقتلاهم وتوبةً لمن بقي منهم. * * * (٩٩) - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: أي: يا محمدُ كما قصَصْنا عليك هذه القصةَ نقصُّ عليك قِصصَ مَن سبَق من الأنبياء والأمم؛ لنُعْلِمك ما لم تكن تعلمُ أنه لك مَسْلاةً وتثبيًا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: أي: وقد أعطيناك من عندنا كتابًا فيه ذكرُ ما بالناس حاجةٌ إليه من أمور دِينهم ودنياهم، وفيه وعظٌ لمن يتذكَّر، وشرفٌ لقومك إذ هو بلسانهم، والذكر اسمٌ لكلِّ ذلك. وقال الإمام القشيري ﵀: قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ لتعلَم أنَّا لم نبلِّغْ أحدًا مَبْلَغكَ، وأنه لم يكن منَّا لأحدٍ مِثْلُ ما لك، نحفظُ سرَّك ونُخفي أمرك ونُطْلِعك على أحوال الكافَّة، ولم نُطْلِع أحدًا على سرِّك (٣). * * * (١٠٠ - ١٠١) - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾: أي: عن هذا الذكر فلم يَقبلْه ولم يَعمل به

стр. 5080

﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾؛ أي: حملًا ثقيلًا، وهو إثمُ الكفر (١) بالقرآن. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أي: مؤبَّدِين في عذاب ذلك الوِزر، والعذابُ مضمَرٌ. وقيل: في ذلك الوزر، وهو الحِمل. وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: أي: وما أسوأَ هذا الوِزْرَ حِملًا لمن أعرضَ عنه. * * * (١٠٢) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: بدلٌ عن قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ وهو (٢) بيان للنفخة الثانية التي هي للبعث. وقرأ أبو عمرو: ﴿نَنفخ﴾ بالنون مفتوحةً (٣)؛ لموافَقةِ ما بعدَه. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾: قيل: ازْرَقَّت عيونهم من شدة العطش. وقيل: أي: عَمِيتْ؛ كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] كأنها تُرى زرقًا وهي عمياءُ. وقيل: أي: نُشوِّه خلقتَهم فتسودُّ وجوهُهم وتَزرقُّ عيونُهم. * * * (١٠٣ - ١٠٤) - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.
следующие страницы →