← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وقيل: كانت مقتصرةً على المسِّ الحقيقي دون غيره. وقيل: كان مأمورًا بأن يَهيم في البرية مع الوحوش (١) والسباع. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾؛ أي: ما عشت ﴿أَنْ تَقُولَ﴾؛ أي: لمن أراد مخالطتك جاهلًا بحالك فذكِّره بهذا، وقل: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ ليَعرف ذلك. وقيل: كان هذا حالَه وحده. وقيل: بقي في أولاده وهم في قرية، ولا يخالطهم غيرُهم ولا يخالطون أيضًا غيرَهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لن تُخْلِفَه﴾ بكسر اللام؛ أي: لا تجدُه خُلْفًا؛ قال الأعشى: فمضت وأخلفَ من قُتيلةَ موعدًا (٢) وقرأ الباقون: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بفتح اللام على ما لم يسمَّ فاعلُه (٣)؛ أي: لن يُخْلِفك اللَّه، وهو عذاب الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾: أي: الذي اتخَذْتَه إلهًا. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾: أصله: ظَلِلْتَ، حذفت إحداهما للتخفيف كراهيةَ إظهار التضعيف، وهو كقول الشاعر:

стр. 5077

خلا أن العتاق من المطايا... أَحَسْنَ به فهنَّ إليه شُوسُ (١) أي: أَحْسَسْنَ. ومعناه: أمضيتَ نهارك وأنت وأصحابُك عاكفينَ على عبادته. وقوله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: بالتشديد؛ أي: بالنار، وبالتخفيف على قراءة عليٍّ ﵁ (٢)؛ أي: لنَبْرُدنَّه بالمِبْرَد -والصرفُ من بابِ دخل وضرب- وهو طريقُ تحريقه، فإن النار لا تعمل في الذهب بالتفريق إلا بهذا الطريق. وقيل: قد يُجعل عليه شيءٌ إذا جُعل في النار عَمِلت فيه وصيَّرته رمادًا، ويَعرف ذلك أهل الصنعة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: أي: لنُذَرِّينَّه ﴿فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: البحر ﴿نَسْفًا﴾ تأكيدٌ له بالمصدر، وقد نَسَف الطعام بالمِنْسَف (٣): إذا ذرَّاه ليطير عنه قشورُه. * * *

стр. 5078

(٩٨) - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: أي: عمَّ فعلِم كلَّ شيء، ولا يخفى عليه خافيةٌ، فهو المستحِقُّ للعبادة، لا العجلُ الذي لا علمَ له ولا قدرة. قال وهبٌ: لمَّا وقف موسى على العجل حمل صخرة فشدَخ بها رأسه، ثم كسره، ثم وضعه في مِرْجَلِ نحاسٍ، ثم لم يزَلْ يُوقِدُ حتى أحرقه، ثم طحنه وجمع إليه عبَدته وقال لهم: انظروا إلى ما صار إليه أمرُ إلهكم، لو كان إلهًا كما زعمتُم ما احترق ولا انْطَحَن ولا أطاقه موسى، ثم أمر السامريَّ فبال عليه في ذلك ليصغِّره إليهم ويحقِّره عندهم، فعندها (١) قالوا: ادعُ لنا ربَّك يَتُبْ علينا ويغفرْ لنا، فأوحى اللَّه إلى موسى: إن في قلوبهم مرضًا من حب العجل لم يخرج منها بعدُ، فانبِذْ طحين العجل في اليم ثم مُرهم فليشربوا منه، فإن ذلك يبين لهم (٢) أمرهم. ففعل وشربوا، فلم يبقَ منهم أحد كان في نفسه حبُّ العجل إلا اصفرَّ لونه وورم وجهُه وحَبِنَ بطنه (٣)، فقالوا: يا موسى! لا تُخرجُنا منه إلا توبةٌ خالصة، فمُرنا بما شئتَ فإنك لو أمرتَنا أن نقتل أنفسنا لفعلنا، وكان ذلك هينًا علينا لرِضى ربِّنا. فأوحى اللَّه تعالى إليه: إني قد حكمتُ عليهم بالتوبة التي حكَموها على أنفسهم، لا أقبلُ منهم توبةً غيرَها، وإن لم يفعلوا مددتُ لهم في هذا السَّقم وغمرتُهم فيه لا أُميتهم ولا أخفِّفُ عنهم.

стр. 5079

فلما رأوا الجِدَّ واشتدَّ عليهم السَّقَم، أخذوا الخناجر فنحروا أنفسهم، فكانت عِدَّةُ قتلاهم يومئذٍ سبعين ألفًا، وبقيت طائفةٌ رُحموا وكُشف عنهم، وجَعل اللَّه تلك البليَّةَ (١) شهادةً لقتلاهم وتوبةً لمن بقي منهم. * * * (٩٩) - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: أي: يا محمدُ كما قصَصْنا عليك هذه القصةَ نقصُّ عليك قِصصَ مَن سبَق من الأنبياء والأمم؛ لنُعْلِمك ما لم تكن تعلمُ أنه لك مَسْلاةً وتثبيًا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: أي: وقد أعطيناك من عندنا كتابًا فيه ذكرُ ما بالناس حاجةٌ إليه من أمور دِينهم ودنياهم، وفيه وعظٌ لمن يتذكَّر، وشرفٌ لقومك إذ هو بلسانهم، والذكر اسمٌ لكلِّ ذلك. وقال الإمام القشيري ﵀: قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ لتعلَم أنَّا لم نبلِّغْ أحدًا مَبْلَغكَ، وأنه لم يكن منَّا لأحدٍ مِثْلُ ما لك، نحفظُ سرَّك ونُخفي أمرك ونُطْلِعك على أحوال الكافَّة، ولم نُطْلِع أحدًا على سرِّك (٣). * * * (١٠٠ - ١٠١) - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾: أي: عن هذا الذكر فلم يَقبلْه ولم يَعمل به

стр. 5080

﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾؛ أي: حملًا ثقيلًا، وهو إثمُ الكفر (١) بالقرآن. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أي: مؤبَّدِين في عذاب ذلك الوِزر، والعذابُ مضمَرٌ. وقيل: في ذلك الوزر، وهو الحِمل. وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: أي: وما أسوأَ هذا الوِزْرَ حِملًا لمن أعرضَ عنه. * * * (١٠٢) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: بدلٌ عن قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ وهو (٢) بيان للنفخة الثانية التي هي للبعث. وقرأ أبو عمرو: ﴿نَنفخ﴾ بالنون مفتوحةً (٣)؛ لموافَقةِ ما بعدَه. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾: قيل: ازْرَقَّت عيونهم من شدة العطش. وقيل: أي: عَمِيتْ؛ كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] كأنها تُرى زرقًا وهي عمياءُ. وقيل: أي: نُشوِّه خلقتَهم فتسودُّ وجوهُهم وتَزرقُّ عيونُهم. * * * (١٠٣ - ١٠٤) - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.

стр. 5081

وقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يتسارُّون (١) فيما بينهم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: أي: ما لبثتُم في الدنيا إلا عشرَ ليالٍ بأيامها؛ أي: لعظيمِ ما عايَنوا من الأهوال يخيَّل إلى بعضهم أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا عشرةَ أيام. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾: أي: لا يخفى علينا ما يتسارُّون (٢) به وإن كان همسًا، إذ يقول أفضلُهم حالًا ومذهبًا عند نفسه وعند أصحابه في العلم والحفظ والتذكُّر (٣): ما لبثتُم إلا يومًا، وهو كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وكقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣]. وقال الحسن: يقلِّلون لبثَهم في الدنيا لطولِ ما هم لابثون في النار (٤). * * * (١٠٥ - ١٠٦) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾: أي: سيسألونك عن الجبال: ما يصنع اللَّه بها في هذا اليوم؛ كذلك قال الحسن: إن مشركي العرب سألوا النبي ﷺ فقالوا:

стр. 5082

فكيف هذه الجبال في اليوم الذي تذكر؟ فنزلت الآية: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (١) ولذلك أجاب بالفاء، وتقديره: إذا سألوك فقل. وأما في سائر السؤالات فلم يذكر الفاء في جواب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و: ﴿عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و: ﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، و: ﴿عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، و: ﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]، و: ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو﴾ [الكهف: ٨٣]؛ لأنَّها سؤالاتٌ تقدَّمت فورد جوابها، ولم يكن فيه معنى الشرط والجزاء فلم يذكر الفاء. ﴿يَنْسِفُهَا﴾ قال الخليل: يقلَعُها (٢). وقال أبو عبيدة: يستأصلها ويُطيِّرها (٣). وقيل: يذهب بها ولا يُبقي منها شيئًا. وقيل: يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فيذرِّيها ويفرِّقها؛ كما في قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] وهو كقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]. وقوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا﴾: أي: فيدعُ مواضعها ﴿قَاعًا﴾: أرضًا ملساء ﴿صَفْصَفًا﴾: مستويةً.

стр. 5083

قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾: مستويًا أملسَ لا نباتَ فيه ولا حجارة ولا حصًى (١). * * * (١٠٧ - ١٠٨) - ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾: اعوجاجًا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾؛ أي: تفاوتًا بارتفاع وانخفاض، وقيل: اضطرابًا؛ يقال: مد حبلَه حتى ما ترك فيه أمتًا، وملأ سقاءَه حتى ما ترك فيه أمتًا؛ أي: انثناءً. وقال الشاعر: ما في انجذابِ سيرِه من أَمْتِ (٢) وقيل: الأمت: غلظُ موضعٍ وسهولةُ موضعٍ، يقول: ليس فيها أودية ولا جبال بحيث ينظر الناظر فيها فلا يرى بعضها، أو يسير السير فيها فيحتاج إلى (٣) أن يميل يمنةً أو يسرةً. وقال مقاتل: ﴿قَاعًا﴾: لا تراب فيه (٤). وقيل: ﴿قَاعًا﴾: صحراء ﴿صَفْصَفًا﴾: لا شجر فيه ولا جبل.

стр. 5084

وقيل: ﴿عِوَجًا﴾ بالشقوق و ﴿أَمْتًا﴾ بالتلال. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: أي: داعي اللَّهِ تعالى إلى الموقف، قيل: هو إسرافيل بالنفخ في الصور على صخرةِ بيت المقدس. وقوله تعالى: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾: أي: لا انحرافَ عنه، بل يستقيمون سراعًا إليه، كما قال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] وقال: ﴿سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾: أي: خضع الناس وسكنوا لهيبةِ الرحمن، فلا تعلو أصواتهم. ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: قيل: أي: صوتًا خفيًّا؛ كما قال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣]. وقيل: إلا نَفَسًا. وقيل: إلا أنينًا. وقيل: ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾؛ أي: صوتَ أقدامهم مشيًا إلى الداعي، فأمَّا أن ينطقوا فقد شغلتهم هيبةُ ذلك اليوم عن النطق، وهذا في حال إجابة الداعي، ثم يتكلَّمون في موقف السؤال. وقال مجاهد: الهمس: إخفاءُ الكلام (١). وقال الحسن: الهمس: صوتُ الأقدام (٢). قال أبو زبيد الطائي يصفُ الأسد: فباتوا غافلين وبات يَسْري... بصيرٌ بالدُّجَى هادٍ هموسُ (٣)

стр. 5085

وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال: تنقطعُ الأوهام، وتقف الأفهام، وتنحسر العقول، ويندرس العلم، وتتحيَّر المعارف، وتتلاشى نعوت الخلق، ويستولي سلطان الحقيقة، فعند ذلك لا عينٌ ولا أثر، في الحضور خرس، وفي البساط فناء، وإنما الصيحة على الباب (١). * * * (١٠٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: أي: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ مشفوعًا له ﴿إِلَّا﴾ أن يكون الشافعُ قد ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الشفاعة ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾؛ أي: رضي ما يقوله من الشفاعة، بأنْ تكون شفاعتُه لمن يجوز أن يُغفر له، وهو المسلم دون الكافر، وهو كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقيل: أي: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا﴾ لـ ﴿مَنْ أَذِنَ﴾ اللَّه بالشفاعة فيه ﴿وَرَضِيَ﴾ للمشفوع ﴿لَهُ قَوْلًا﴾؛ أي: يكون المشفوع له ممن رضي اللَّه قوله في الدنيا، وهو إن كان قائلًا كلمة الشهادة معتقِدًا لها (٢)، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقيل: هذا في ردِّ مَن يعبد الملائكة طمعًا في شفاعتهم، وهو كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].

стр. 5086

(١١٠ - ١١١) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: هم الملائكة ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الساعة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾: أي: بعِلْم (١) ذلك، وهو مذكور في قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ دلالةً. وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما أحاط به علم اللَّه. وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالرحمن، فقد ذُكر قبله؛ أي: لا يحيطون علمًا باللَّه فإنه ليس بمحاط به، بل يعلمون اللَّه بما تبلغُه عقولهم وما أعلمَهم من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: أي: خضعت وذلَّت، وكنَى بالوجوه عن الناس؛ لأن آثار الخضوع والذل (٢) في الوجوه؛ كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٤]. ﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: للَّه الواحدِ القهار، الحيِّ القيوم الذي لا يموت، وهو قائمٌ بتدبير خلقه، وقائم على كلِّ نفس بما كسبت. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾: أي: يئس من رحمة اللَّه وثوابه مَن (٣) حَمَل إلى موقف القيامة ظلمًا؛ أي: شركًا، وهو وضعُ العبادة في غير موضعها. * * *

стр. 5087

(١١٢ - ١١٣) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: ولم يحمل ظلمًا ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ قال الضحاك: هو أن يُزاد في سيئاته ﴿وَلَا هَضْمًا﴾؛ أي: يُنقص من حسناته (١). وقد هضمَني فلانٌ حقِّي؛ أي: نَقَصَني، وامرأةٌ هَضيمُ الحشا؛ أي: ضامرةٌ، والضمور: نقصانٌ عن حدِّ غيرِه، وقد هضَمتِ المعدة الطعامَ؛ أي: غيَّرته ونَقَصتْه. وقرأ ابن كثير: ﴿فلا يَخَفْ﴾ على النهي (٢)، وهو بمعناه. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: وكالذي قدَّمنا ذكرَه أنزلنا عليك هذه السورةَ قرآنًا بلغة العرب ليَعقلوه. وقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾؛ أي: القولَ ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾: بأنواع العذاب ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ما خوَّفْتَهم به ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: أو يجدِّدُ لهم ذكرَ نِعم اللَّه تعالى. وقيل: تذكُّرًا واتِّعاظًا (٣). وقيل: شرفًا، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو. * * * (١١٤) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.

стр. 5088

وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: تنزَّه اللَّه عما أضافه إليه المشركون مما لا يليق به، وهو الملك الحق، فهو الغني الذي لا يَلحقه حاجةٌ، وملوك الخلق محتاجون، فليسوا ملوكًا (١) على الحقيقة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾: هو كقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وكان لحرصه (٢) على أخذ القرآن عن جبريل يَعْجَل بقراءته قبل استتمام جبريل إيحاءَه إليه، فقال اللَّه تعالى: لا تعجل به إلى أن يتم وحيُه وإلقاؤه إليك. وقيل: ولا تَعْجَلْ بقراءته على أصحابك قبل أن يبين (٣) لك معناه. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾: بفوائده. وقال الإمام القشيري ﵀: كان رسول اللَّه ﷺ أعلمَ البشر، وممن شهد له الحقُّ بخصائص العلم بقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، ثم قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ليُعلَمَ أن ما يخصُّ اللَّه تعالى به أنبياءه وأولياءه من لطائف العلوم لا حصر له. وقال: طلب موسى زيادة العلم فأُحيل على الخضر، وكان أولُه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] وآخرُه: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، ولما احتاج نبيُّنا ﷺ لزيادة العلم قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ولم يُحِلْه إلى غيره، فشتَّان ما بين المنزلتين.

стр. 5089

وقال (١): ولمَّا قال ﷺ : "أنا أعلمُكم باللَّه وأخشاكم له" (٢)، قال تعالى له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فنقله عن الدعوى إلى التضرُّع والدعاء (٣). * * * (١١٥) - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾: أي مِن قبلِ هؤلاء الذين صرَّفنا لهم الوعيد في القرآن، وهذا تسليةٌ للنبي ﷺ ، وتعريفٌ له أن طاعة بني آدم للشيطان وتَرْكَهم التحفُّظَ عن وساوسه أمرٌ قديم، فلا يُهِمَّنك. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾؛ أي: أوصينا وأَمَرْنا، وهو قوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾: أي: خَفِيَ عليه الحال ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: أي: قصدًا. ومنهم مَن قال: ﴿فَنَسِيَ﴾؛ أي: ترك ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؛ أي: ثباتًا على العهد. وقد بينَّا في سورة البقرة تفسير الزلة وأقاويلَ الناس فيها وما هو الصحيح منها. * * * (١١٦ - ١١٧) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.

стр. 5090

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾: فسَّرناه في سورة البقرة أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾: لم يسجد لك ولم يَرَ فضلك، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. قوله: ﴿وَلِزَوْجِكَ﴾، لأنها سكنُك وموضعُ أُنْسك، فصار عدوًّا لها بعداوتك. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾: أي: فلا يكونَنَّ (١) سببًا لخروجكما بأنْ تطيعاه فيما يوسوسُ إليكما في مخالفةِ أمري. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾: أي: هذه الجنة التي أنتما فيها ﴿فَتَشْقَى﴾؛ أي: فتتعبَ في الدنيا بالكسب، ولذلك قال: ﴿فَتَشْقَى﴾ ولم يقل: فتشقيا، لأن الكسب على الزوج خاصة. * * * (١١٨ - ١٢٠) - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة ﴿وَلَا تَعْرَى﴾؛ أي: عن الملابس؛ أي: هي مُعدَّةٌ فيها أبدًا، وكذا الطعام. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافعٌ: ﴿وإنَّك﴾ بالكسر عطفًا على قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾، وقرأ الباقون بالفتح عطفًا على قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ (٢).

стр. 5091

و ﴿لَا تَظْمَأُ﴾: ولا تعطش؛ لوجود الأشربة فيها. ﴿وَلَا تَضْحَى﴾؛ أي: لا تبرز لشمس؛ لأنك في منازل الجنة، وفي ظلٍّ ظليلٍ لا شمسَ فيها ولا زمهرير. وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: فسرناه في أول سورة الأعراف. وقوله: ﴿لَا يَبْلَى﴾؛ أي: لا يضعف ولا ينقطع كالثوب إذا بَلِي. * * * (١٢١) - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: فسَّرناه هناك أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾: العصيان: وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمدًا فيكونُ ذنبًا، وقد يكون خطأً فيكون زلةً، وقد أوضحنا ذلك في سورة البقرة. ﴿فَغَوَى﴾؛ أي: تغيَّر حاله عليه، قال الشاعر: فمَن يَلْقَ خيرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ... ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغِيِّ لائِمَا (١) جعل الغيَّ في مقابلةِ لقاء الخير.

стр. 5092

ويقال: ﴿فَغَوَى﴾؛ أي: فجهل موضعَ الحظِّ، قال امرؤ القيس: فقالت يمينُ اللَّهِ ما لَكَ حيلةٌ... وما إنْ أَرَى عنكَ الغِوَايةَ تَنْجَلِي (١) أي: الجهالةَ. * * * (١٢٢ - ١٢٣) - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: أي: اختاره. وقال القشيري ﵀: إن الذي اصطفاه أولًا بلا علَّة، اجتباه ثانيًا بعد الزلَّة (٢). قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: وفقه للرجوع إليه ﴿وَهَدَى﴾؛ أي: وهداه إلى الاعتذار والاستغفار؛ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾: فسرناه أيضًا هناك في الأعراف. ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾: في الدنيا ﴿وَلَا يَشْقَى﴾: في الآخرة. وقيل: لا يضلُّ عن الجنة، ولا يشقى في النار. وهذا (٣) لمن اتَّبع الهدى؛ أي: الكتاب. وقيل: أي: الرسول. * * *

стр. 5093

(١٢٤ - ١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾: أي: كتابي فلم يَقبله ولم يعمل به، بخلافِ مَن اتَّبع الهدى. وقيل: هو الإعراض عن قراءته حتى ينساه. وقيل: عن توحيدي كما قال: ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨]. وقيل: عن طاعتي؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقيل: عن العلم؛ كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]. وقيل: عن الذكر باللسان؛ كما قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقيل: عن الذكر بالقلب، كما قال: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقيل: أي: عن وعظي؛ كما قال: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. وقيل: عن الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: أي: ضيقةً، قال مجاهد: أي: في الدنيا (١). ومعناه: أنهم إذا كانوا لا يعتقدون الخَلَف في الإنفاق ضيَّقوا على أنفسهم (٢)،

стр. 5094

وإذا أنفقوا ولم يرجو خَلَفًا ضاقت عليهم القلوب، والمؤمن يتَّسع قلبه في ذلك وجاء الخَلَف والثواب، ويطيب بالقناعة. وقال أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄: هي عذاب القبر (١). وقال قتادة: هي النار (٢). وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾: قيل: أي: عن الحجة والحيلة والاهتداء إلى ما ينفعه. وقيل: يحشر بصيرًا إلى أن يحاسب ويقرأ الكتب، ثم يصير أعمى، ثم يساق إلى النار (٣). قوله: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: أي: يا ربِّ، لم عاقَبْتَني بهذا؟ وبأيِّ ذنبٍ أعميتَني؟ يظنُّ أنه لم يكن له ذنب. وقيل: هذا قبل أن يَظهر خطأُ ما كان عليه في الدنيا: وقد كنتُ بصيرَ العين في الدنيا.

стр. 5095

وعلى القول الآخَر: لمَ جعَلْتني لا أهتدي لشيءٍ وقد كنتُ عالمًا بوجوه الحيَل مهتديًا إليها. * * * (١٢٦ - ١٢٧) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾: أي: تركتَها وتناسَيْتَ عنها ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: أي: تترك في العقوبات كالمنسيِّ لا يُذكر ولا يُخلَّص. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: وجاوَزَ الحدَّ في المعصية حتى انتهى إلى الشرك. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾: أي من المعيشة الضَّنْك في الدنيا وفي القبر، ومن العمى في القيامة. * * * (١٢٨ - ١٢٩) - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾: أي: أفلم يبيِّنْ (١) لهم، استفهامٌ بمعنى الإثبات. وقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾: ﴿كَمْ﴾ في موضع الرفع، وتقديره:

стр. 5096

كثرةُ مَن أهلكنا من القرون، وهو فاعلُ ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾، والمفعول مضمَرٌ؛ أي: أفلم يبيِّن للمشركين كثرةُ القرون المهلَكين بمخالفة الأمر أن حالهم كذلك. ويجوز أن يكون الفاعل هو القرآن، و ﴿كَمْ﴾ في موضع النصب لأنه مفعولٌ؛ أي: أفلم يبيِّن القرآنُ للمشركين كثرةَ مَن أهلكنا. ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: أي: الذين يمشون؛ كقولك: أنت الرجلُ أحبُّه؛ أي: الرجل الذي أحبُّه؛ أي: يمشي هؤلاء المشركون في مساكن أولئك المهلَكين، وهم عادٌ وثمودُ وقومُ لوطٍ وشعيبٍ، وكانت العرب تسير للتجارة وغيرها في بلادهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أي: أصحابِ (١) العقول؛ أي: يتفكَّرون في أنهم كفروا وعصَوا فاستُؤصلوا، فلا يفعلوا كذلك لئلا يُفعل بهم كذلك. ذكَر إهلاكَ الأولين ثم أخبر عن سبب تأخير إهلاك الآخرين فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ولولا قولٌ سبَق من ربِّك أنه لا يعذِّب هذه الأمةَ بالاستئصال في الدنيا، ولولا أجلٌ مسمًّى وهو الساعةُ التي سبق القول بتأخير العذاب إليها، لجاءهم العذاب عاجلًا ولازمهم (٢)، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣]. وقيل: الأجل المسمَّى في الدنيا، ومعناه: ولولا كلمةٌ سبقت من ربِّك في أنَّ لإهلاكِ هؤلاء وقتًا معلومًا قد جعَله وقتًا لذلك وسماه له، لكان الهلاكُ لزامًا،

стр. 5097

فالهلاك مضمر، و ﴿لِزَامًا﴾؛ أي: مُلازمًا عاجلًا، وقد حلَّ ذلك الأجَل وأهلكهم؛ قال ابن عباس ﵄: هو يومُ بدر (١). وروى مجاهد عن ابن عباس (٢): ولولا ما بيَّن لأمة محمد، وعَهِدَ إلى إبراهيم في الصحف، وإلى موسى في التوراة، وإلى عيسى في الإنجيل: أنه يستخلفُهم ويمكِّن لهم، لعجَّل لهم العذاب بذنوبهم. * * * (١٣٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي على ما يقول هؤلاء المشركون في اللَّه تعالى وفيك من الأباطيل. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي: صلِّ مسبِّحًا لربِّك حامدًا له ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: صلاة العصر. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: أي: ساعاته، جمع إنًى وأناءٍ (٣)، وهي صلاةُ العتمة لأنها تصلَّى بعد مضيِّ آناءٍ من الليل. وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ﴾: أي: فصلِّ له. وقوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: جمعُ طرَف، وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ، وأراد بها

стр. 5098

هاهنا صلاة الظهر والمغرب، وصلاةُ الظهر (١) في آخر طرف النهار الأول، وفي أولِ طرف النهار الآخر، وهي في طرفين منه، والطرفُ الثالث غروبُ الشمس، وهو عندها يصلِّي صلاة المغرب. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾: قرأ الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بضم التاء؛ أي: يرضيك اللَّه، وقيل: أي: تكونُ مرضيًّا عند اللَّه بطاعتك؛ كما قال: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]. وقرأ الباقون بفتحها (٢)؛ أي: يعطيك من الثواب ما تريده فترضى؛ كما قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] و (لعل) من اللَّه تعالى إيجاب؛ أي: ولعل اللَّه يرضيك بالإعلاء عليهم في الدنيا وترضَى بذلك. * * * (١٣١) - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أي: أشكالًا؛ أي: رجالًا متشاكِلِين في الذهاب عن الصواب والتمتُّع (٣) بكثير الإمتاع، والإمتاع: الإلذاذ بالمناظر الحسنة والأصوات المطربة والروائح الطيبة والمناكِح المونقة (٤). وقوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: زينتَها وحُسنها، ونصبُه بـ ﴿مَتَّعْنَا﴾.

стр. 5099

وقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: أي: لنختبِرَهم بما أعطيناهم، يقول: ولا تنظرنَّ إلى ما وسَّعنا على هؤلاء المشركين في الدنيا متاعًا لهم إلى حين؛ فإن ذلك هو من زينة الحياة الدنيا إلى أن (١) تنقضي، أعطيناهم ذلك لنشدِّد عليهم المحنة بالتعبُّد (٢). قال أبو رافع: استسلف النبيُّ ﷺ من يهوديٍّ طعامًا فأبى أن يُسلفه إلا برهْنٍ، فحزن رسول اللَّه ﷺ بذلك فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣). قوله: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾: أي: وما يُعطيه اللَّه تعالى رسولَه والمؤمنين في الآخرة من الثواب على صبرهم وقمعِهم أنفسَهم من النزاع إلى ما متَّعنا به هؤلاء ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ من ذلك؛ لأنَّه باقٍ، ولأنه يؤدي إلى رضا اللَّه تعالى، وهذا فانٍ ويؤدي إلى سَخَط اللَّه تعالى. * * *

стр. 5100

(١٣٢) - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾: أي: أهلَ بيتك، وقيل: أمَّتك ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: واثبُتْ ودُم عليها. وقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾: أي: لا نسألك أن تَرزق نفسكَ وإياهم ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإياهم (١). وقيل: لا نطلب منك ما (٢) تحتاج إلى الاحتيال في تحصيله (٣) مع ضِيق أسبابه عليك، بل نكلِّفك عملًا ببدنك (٤)، ونُثيبك عليه ثوابًا لا يَعْدلُه ثواب. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾: أي: العاقبة المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾؛ أي: لأهل التقوى. وقيل: العاقبة: الجنة. وكان بكر بن عبد اللَّه المزنيُّ إذا أصاب أهلَه خصاصةٌ يقول: قوموا فصلُّوا فإن اللَّه تعالى أمر رسوله به، ويقرأ هذه الآية (٥). قال الإمام القشيري ﵀: لمَّا قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ فأدَّبه في أنْ لا تنظرْ (٦) إلى زينة الدنيا، وقِف على وجه الأرض بقدمٍ واحدة تصاوُنًا عنها، حتى

стр. 5101

قيل له: ﴿طه﴾؛ أي: طأ الأرض بقدمك، ولا (١) كلُّ هذه المجاهدة وكلُّ هذا التباعُد حتى تقف بقدم واحدة. وقال في قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾: هما شيئان: وجود الرزق وشهود الرازق، فوجودُ الرزق قوتُ النفوس، وشهود الرازق (٢) قوت القلوب. وقال: خفَّف على الفقراء مقاساةَ الضرر وتأخُّر الرزق بقوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٣). * * * (١٣٣) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا﴾: أي: قال هؤلاء الكفارُ: هلَّا يأتينا محمدٌ ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: بعلامةٍ تدل على صحة نبوته، يلبِّسون بهذا الكلام على ضعَفتهم. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: أي: الآيةُ الدالةُ على نبوته بما وجدوه (٤) في الكتب المتقدمة من البشارة، وذكرِ نبوته، ووصفِ أصحابه وأمته، وهذا إن كان في أهل الكتاب فهو ظاهر، وإن كان في مشركي مكة فهم كانوا يسألون أهل الكتاب عن ذلك فيخبرونهم به. وقيل: هذا في سؤال آية التعنُّت (٥)، ومعنى الآية: أولم يأتهم بيانٌ (٦) في الكتب

стр. 5102

أن الأمم السابقة لمَّا هم سألوا الآيات وكفروا حين جاءت استأصلناهم، فكذلك لو أعطيناهم ما سألوا وكفروا به نستأصلهم (١). * * * (١٣٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أي: هؤلاء ﴿بِعَذَابٍ﴾ يعاجلهم به ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾: أي: هلَّا أرسلت ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ جواب الاستفهام بالفاء فنُصب. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾: بالعذاب، فقد قطعْنا هذا العذر بما أَرسلنا وما أَنزلنا. وقيل: كان الذلُّ في يوم بدر، والخزيُ يوم القيامة. وقيل: الذل في يد ملك الموت، والخزي في يد مالك. * * * (١٣٥) - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾. ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ منَّا ومنكم، مترقِّبٌ عاقبةَ أمره ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾؛ أي: أنتم عاقبةَ أمركم فنحن متربصون. وقيل: أنتم تتربصون موتنا لتستريحوا منا، ونحن نتربَّص بكم العذاب. وقوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: أي: عند الموت ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾؛

стр. 5103

أي: الدائنون بالدِّين المستقيم (١) ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾؛ أي: ومَن المهتدِي أنحن أم أنتم؟ روى الحسن عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا يَقرأ أهل الجنة من القرآن شيئًا إلا يس وطه" (٢). والحمد للَّه على كثير (٣) إنعامه، ونشكره على سوابغ إكرامه، والصلاة على أفضل أنامه، محمدٍ الأبطحيّ والرسولِ العربيّ وآله وأصحابه المستحقِّين لإحسانه وامتنانه، اللهم بحقِّ هذه السورة وآياتها نجِّني من النار ودركاتها (٤)، والحمد للَّه رب العالمين. * * *

стр. 5104

سورة الأنبياء

стр. 5105

سورة الأنبياء ﵈ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي قصَم القرى الظالمة وأنشأ بعدها قومًا آخرين، الرحمنِ الذي أنزل القرآن ذكرًا مباركًا فلسنا له منكرين، الرحيم الذي أرسل المصطفى محمدًا رحمة للعالمين. وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الأنبياء حاسبه اللَّه حسابًا يسيرًا، وسلَّم عليه كلُّ نبي ذُكر فيها اسمُه" (١). وسورة الأنبياء مكيةٌ، وهي مئة واثنتا عشرة آيةً، وقيل: إحدى عشرة؛ للاختلاف في آية: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]. وهي ألفٌ ومئةٌ وخمسٌ وستون كلمة، وأربعةُ آلاف وتسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون حرفًا (٢). وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ وهذا العلم حين يعرف الناس حسابهم، وأولُ هذه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (٣).

стр. 5106

وانتظام السورتين: أن (سورة طه) في ذكر اللَّه تعالى وقدرته وجلاله، وذكرِ القرآن وإنزاله، وإرسالِ الرسل ونصرتهم، وتوبيخِ الكفار وعقوبتهم، ونفعِ الطاعة وضررِ المعصية، وهذه السورة كذلك. * * * (١) - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾: أي: دنا للناس وقتُ حسابهم على أعمالهم، وهو يوم القيامة، وهو تنبيهٌ على قِصَر ما بقي من مدة الدنيا ليستعدُّوا للآخرة ولا يركَنوا إلى الدنيا. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾: عن هذا ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن التأمل فيه والاستعدادِ له (١). * * * (٢) - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾: من شيءٍ من القرآن ﴿مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾: لم يكن أتاهم قبل ذلك مما هو ذكرٌ؛ أي: وعظٌ وإذكارٌ لِمَا يلزمُهم التفكُّرُ فيه، وذكرٌ لِمَا بهم الحاجة إليه من مراشد (٢) دينهم ودنياهم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾: من النبي ﷺ أو غيرِه ممن يَتْلوه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يستهزؤون به، يشتغلون عنه بأمور دنياهم لا يتفكرون فيه.

стр. 5107

وقيل: نزلت الآية في أهل مكة: أبي جهل والوليدِ بن المغيرة وغيرهما، وكانوا ينكرون البعث والحساب. وقال أنس بن مالك ﵁: لمَّا نزلت ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ عمَد ثابت بن قيس إلى نخلة (١) له فصَرَمها وتصدَّق بها، وترك عياله بلا شيءٍ، فشكَوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] (٢). ولما نزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أراد المهاجرون والأنصار أن يتلفوا أموالهم فمنعهم النبي ﷺ فقالوا: أيَّ شيء ننفق؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] (٣). وقوله تعالى: ﴿مُحْدَثٍ﴾ قال مقاتل: يُحدِثُ اللَّه الأمرَ بعد الأمر (٤). وقال الحسين بن الفضل ﵀: الذكر هاهنا هو الرسول، يدل عليه قولهم بعده (٥): ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ولو كان المراد من الذكر القرآنَ لقالوا: هل هذا إلا أساطير الأولين، ونحوَه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢].

стр. 5108

(٣) - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: أي: متشاغلةً عن التأمُّل فيه، من قولهم: لَهِيْتُ عن الشيء أَلْهَى عنه، من حدِّ عَلِم؛ أي: غفلتُ عنه، قال: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩]. و ﴿لَاهِيَةً﴾ نصب على الحال من قوله: ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حالٌ مع (١) حال، وتقديره: إلا استمعوه لاعبين لاهيةً قلوبهم. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: جمع الفعلَ المتقدِّمَ على الاسم، وله وجوه: قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: والذين ظلموا أسروا النجوى. وقال الفرَّاء: بل تقدم الاسم: ﴿لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). وقيل: هذا مستعمل في العربية أيضًا وموجود في أشعارهم، قال قائلهم:

стр. 5109

واهتدَيْنَ النبالُ للأغراض (١) وقال أبو تمام: وأشجيتُ أيامي بصبرٍ حَلَون لي... عواقبُه والصبرُ مثلُ اسمه صبرُ (٢) يقول: يُعرضون عنه بأنفسهم، ويموِّهون على ضعَفتهم، فيتسارُّون فيما بينهم ويقولون: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: ما هو إلا آدميٌّ مثلكم يأكل ويشرب، ويكون منه ما يكون منَّا، فكيف صار رسولًا من بيننا؟! قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ والاستنكار؛ أي: يقولون للضَّعَفة: ليس هو برسول بل هو ساحر، أفتأتونه لاستماع هذا الكلام الذي هو سحرٌ وأنتم تعلمون أنه سحر، وهذا منكم خطأٌ وسَفَهٌ. وقيل: وأنتم ترونه بشرًا مثلَكم، وسمَّوا كلامه سحرًا على معنى أنه يَرُوقُ ويَرُوعُ ويأخذ بالقلوب. وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ الغفلة على قسمين: غافل عن حسابه لاستغراقه بدنياه. وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه. فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يستفيقون من غفلتهم إلا برؤية المولى (٣).

стр. 5110

(٤) - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ وكذا في مصاحف (١) أهل الكوفة. وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ (٢)؛ أي: يا محمد قل للَّذين أسرُّوا النجوى: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ﴾ قولَ كلِّ قائلٍ هو في السماء أو في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم وأسرارهم. ووجه القراءة الأولى: قال لهم محمد حين قالوا متسارِّين: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: إن اللَّه يعلم ما قلتُم وسيجازيكم عليه. * * * (٥) - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: أي: لتحيُّرهم تضطرب (٣) أقوالهم، وهاهنا مضمر: قالوا: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ثم لم يثبتوا على هذا ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛

стр. 5111

أي: تخاليط (١) وتهاويل من الرؤيا رآها في نومه فتوهَّمها (٢) وحيًا من اللَّه إليه، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: اختلقه من نفسه وكذَب به على اللَّه تعالى، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا (٣): ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وما أتى به شعرٌ، كلامٌ يَنْظِمُه هو. وقيل: أسروا النجوى فقال بعضهم: هو سحر، وخالفهم فريق فقالوا كذا، وفريق قالوا كذا. ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: لمَّا كانوا علماءَ بضروب الكلام، وكانوا يعلمون أنه ليس بسحرٍ ولا بشعرٍ ولا برؤيا، تحكَّموا واقترحوا فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾؛ أي: بمعجزةٍ كمعجزات (٤) موسى وعيسى وغيرهما، فأمَّا هذا القرآن فإنَّا لا نرضى به آيةً، فردَّ اللَّه عليهم هذا فقال: * * * (٦ - ٧) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أي: لم يؤمن أهلُ القرى الذين أهلكناهم وقصصْنا عليكم أخبارهم مع مجيء الآيات التي اقترحوها. وقوله: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أهؤلاء المقترحون يؤمنون لو أتيناهم بما اقترحوا، وهي استفهام بمعنى النفي.

стр. 5112

وقيل: ما آمنتْ قبل هؤلاء قريةٌ قد سبق لها الهلاك على الكفر، أفأهل مكة يؤمنون وقد سبق لهم أنهم يموتون على الكفر. وقيل: قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ قاله عبد اللَّه بن أبي أميةَ المخزومي. وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمعُ أنين المذنبين سرًّا من الخلق حذارًا أن يَفْتضِحوا، ويسمع مناجاة العابدين بنعت التسبيح إذا تهجَّدوا، ويسمع شكوى المحبِّين إذا مسَّتهم البُرحاء ولشدةِ الاشتياق ضجُّوا (١). وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رجالًا يُوحَى إليهم﴾ (٢): هو ردُّ قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ استبعَدوا الرسالة من البشر (٣) وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] قال (٤): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الرسلَ ﴿قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ بشرًا لم يكونوا ملائكة ﴿يُوحَى إِلَيْهِمْ﴾ (٥)؛ أي: مع ذلك كان يأتيهم الوحي من عندي على ألسُن الملائكة. وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا﴾: أي: يا أهل مكة ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلَ الكتب المتقدمة ممن تقرأ التوراة والإنجيل والزبور، وذلك لأنهم كانوا يذكرون أقاصيصَ الأنبياء والأمم ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والعرب لم تكن تعرف ذلك ولا تذكُره، فكان

стр. 5113

أولئك يسمَّون (١) أهلَ الذكر، وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم، فأمرهم بسؤالهم ليقع لهم العلم بإخبارهم بأن الأنبياء قبله كانوا من البشر. وقيل: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: مؤمنو أهل الكتاب. وقال علي ﵁: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالقرآن (٢). قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وهذا دعاءٌ إلى مساءلة أهل العلم من المؤمنون ومناظرتهم والاجتماعِ معهم على البحث والنظر ليخرجوا بذلك عن التقليد. * * * (٨ - ٩) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾: أي: وما جعلنا كلَّ واحد منهم جسدًا -كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]؛ أي: يخرج كلَّ واحد منكم طفلًا- ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾؛ أي: كانوا في طباع البشر محتاجين إلى ما يُقيم أبدانهم. وقيل: الجسد كنايةٌ عما لا يتصرَّف ولا يتحرَّك ولا يحتاج إلى غذاء. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: لا يموتون؛ أي: فكذلك أنت يا (٣) محمد، والرسالة لا توجب الخروجَ من البشرية. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾: من النصرة والنجاة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ مما أحلَلْناه بقومهم المكذِّبين.

стр. 5114

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: أي: وأنجينا مَن نشاء، وهم المؤمنون بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر والشرك، ودلَّ الإخبار بإهلاك المسرفين أن ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ غيرُهم. * * * (١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: أي: إلى نبيكم، والإنزال إلى النبي إنزالٌ إلى أمته لأنهم مخاطَبون (١) به. وقوله تعالى: ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: شرفُكم، من قولهم: فلان مذكورٌ في الناس، وإنما صار شرفًا لهم لأنه منزَلٌ على رسول هو منهم، والمنزَل بلسانهم، والناسُ يتفاخرون بكتبٍ يؤلِّفُها لهم حكماؤهم، فكيف بكتابٍ أنزله اللَّه تعالى على شريفٍ منهم؟ وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلستُم عقلاءَ تعرفون مواضع حظوظكم، فكيف غفلتُم عن تحصيل الشرف بالإيمان بهذا الكتاب ومُعاوَنةِ مَن أتى به. وقيل: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: ذكرُ ما بكم إليه حاجةٌ. وقال ابن جريج: فيه حديثُكم (٢). وقال الحسن: فيه دينكم (٣).

стр. 5115

وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينبغي لعالمٍ أن يسكت على علمه، ولا ينبغي لجاهل أن يسكت على جهله، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). * * * (١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: وهذا ترهيب بعد ترغيب؛ أي: وكم كسرنا، وهو عبارة عن الإهلاك، يقال: كُسر الجيش. وقال ابن عباس ﵄: أهلكنا (٢). وقال الضحاك: دمَّرنا. وقال أبو العالية: خرَّبنا. وقال ابن كيسان: هزمنا وقتلنا، وأنشد قولَ تبَّعٍ اليمانيِّ: ولقد قَصَصْتُ يهودَ خيبرَ كلَّهم... فتركتُ خيبرَ غيرَ ذاتِ يهودِ (٣) وقال الفراء: القصم بالقاف: كسر بينونة، والفصم بالفاء: كسر بغير بينونة.
следующие страницы →