← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

أي: تخاليط (١) وتهاويل من الرؤيا رآها في نومه فتوهَّمها (٢) وحيًا من اللَّه إليه، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: اختلقه من نفسه وكذَب به على اللَّه تعالى، ثم لم يثبتوا على هذا حتى قالوا (٣): ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وما أتى به شعرٌ، كلامٌ يَنْظِمُه هو. وقيل: أسروا النجوى فقال بعضهم: هو سحر، وخالفهم فريق فقالوا كذا، وفريق قالوا كذا. ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: لمَّا كانوا علماءَ بضروب الكلام، وكانوا يعلمون أنه ليس بسحرٍ ولا بشعرٍ ولا برؤيا، تحكَّموا واقترحوا فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾؛ أي: بمعجزةٍ كمعجزات (٤) موسى وعيسى وغيرهما، فأمَّا هذا القرآن فإنَّا لا نرضى به آيةً، فردَّ اللَّه عليهم هذا فقال: * * * (٦ - ٧) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أي: لم يؤمن أهلُ القرى الذين أهلكناهم وقصصْنا عليكم أخبارهم مع مجيء الآيات التي اقترحوها. وقوله: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أهؤلاء المقترحون يؤمنون لو أتيناهم بما اقترحوا، وهي استفهام بمعنى النفي.

стр. 5112

وقيل: ما آمنتْ قبل هؤلاء قريةٌ قد سبق لها الهلاك على الكفر، أفأهل مكة يؤمنون وقد سبق لهم أنهم يموتون على الكفر. وقيل: قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ قاله عبد اللَّه بن أبي أميةَ المخزومي. وقال القشيري ﵀: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمعُ أنين المذنبين سرًّا من الخلق حذارًا أن يَفْتضِحوا، ويسمع مناجاة العابدين بنعت التسبيح إذا تهجَّدوا، ويسمع شكوى المحبِّين إذا مسَّتهم البُرحاء ولشدةِ الاشتياق ضجُّوا (١). وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رجالًا يُوحَى إليهم﴾ (٢): هو ردُّ قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ استبعَدوا الرسالة من البشر (٣) وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] قال (٤): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الرسلَ ﴿قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ بشرًا لم يكونوا ملائكة ﴿يُوحَى إِلَيْهِمْ﴾ (٥)؛ أي: مع ذلك كان يأتيهم الوحي من عندي على ألسُن الملائكة. وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا﴾: أي: يا أهل مكة ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلَ الكتب المتقدمة ممن تقرأ التوراة والإنجيل والزبور، وذلك لأنهم كانوا يذكرون أقاصيصَ الأنبياء والأمم ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والعرب لم تكن تعرف ذلك ولا تذكُره، فكان

стр. 5113

أولئك يسمَّون (١) أهلَ الذكر، وكان أهل مكة يعتمدون على قولهم، فأمرهم بسؤالهم ليقع لهم العلم بإخبارهم بأن الأنبياء قبله كانوا من البشر. وقيل: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: مؤمنو أهل الكتاب. وقال علي ﵁: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالقرآن (٢). قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وهذا دعاءٌ إلى مساءلة أهل العلم من المؤمنون ومناظرتهم والاجتماعِ معهم على البحث والنظر ليخرجوا بذلك عن التقليد. * * * (٨ - ٩) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾: أي: وما جعلنا كلَّ واحد منهم جسدًا -كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]؛ أي: يخرج كلَّ واحد منكم طفلًا- ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾؛ أي: كانوا في طباع البشر محتاجين إلى ما يُقيم أبدانهم. وقيل: الجسد كنايةٌ عما لا يتصرَّف ولا يتحرَّك ولا يحتاج إلى غذاء. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: لا يموتون؛ أي: فكذلك أنت يا (٣) محمد، والرسالة لا توجب الخروجَ من البشرية. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾: من النصرة والنجاة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ مما أحلَلْناه بقومهم المكذِّبين.

стр. 5114

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: أي: وأنجينا مَن نشاء، وهم المؤمنون بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر والشرك، ودلَّ الإخبار بإهلاك المسرفين أن ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ غيرُهم. * * * (١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: أي: إلى نبيكم، والإنزال إلى النبي إنزالٌ إلى أمته لأنهم مخاطَبون (١) به. وقوله تعالى: ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: شرفُكم، من قولهم: فلان مذكورٌ في الناس، وإنما صار شرفًا لهم لأنه منزَلٌ على رسول هو منهم، والمنزَل بلسانهم، والناسُ يتفاخرون بكتبٍ يؤلِّفُها لهم حكماؤهم، فكيف بكتابٍ أنزله اللَّه تعالى على شريفٍ منهم؟ وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلستُم عقلاءَ تعرفون مواضع حظوظكم، فكيف غفلتُم عن تحصيل الشرف بالإيمان بهذا الكتاب ومُعاوَنةِ مَن أتى به. وقيل: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي: ذكرُ ما بكم إليه حاجةٌ. وقال ابن جريج: فيه حديثُكم (٢). وقال الحسن: فيه دينكم (٣).

стр. 5115

وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينبغي لعالمٍ أن يسكت على علمه، ولا ينبغي لجاهل أن يسكت على جهله، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). * * * (١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: وهذا ترهيب بعد ترغيب؛ أي: وكم كسرنا، وهو عبارة عن الإهلاك، يقال: كُسر الجيش. وقال ابن عباس ﵄: أهلكنا (٢). وقال الضحاك: دمَّرنا. وقال أبو العالية: خرَّبنا. وقال ابن كيسان: هزمنا وقتلنا، وأنشد قولَ تبَّعٍ اليمانيِّ: ولقد قَصَصْتُ يهودَ خيبرَ كلَّهم... فتركتُ خيبرَ غيرَ ذاتِ يهودِ (٣) وقال الفراء: القصم بالقاف: كسر بينونة، والفصم بالفاء: كسر بغير بينونة.

стр. 5116

وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾: أي: من أهل قرية كانوا ظالمين؛ أي: مشركين. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾: أي: خلقْنا ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ غيرَهم. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾: أي: رأوا عذابنا ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾؛ أي: أخذوا يهربون خارجين منها يحركون أقدامهم عَدْوًا، والركض ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾: أي: قيل لهم: لا تَفِرُّوا ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي: إلى نعمكم التي خوِّلتموها (١) وتوسَّعْتُم فيها حتى بَطِرْتُم بها وكفرتُم وأعرضتُم. وقال الخليل: المترَف: الموسَّع عليه عيشُه، القليل فيه همُّه (٢). ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾: أي: وأتوا (٣) مساكنَكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ قال قتادة: يعني: عن دِينكم (٤).

стр. 5117

معناه: يطلب منكم الإيمان وتؤمرون (١) به، وذكره بكلمة (لعل) وبكلمة (السؤال) استهزاءً بهم وتوبيخًا، كأنه قيل لهم: ارجعوا حتى يأتيكم رسولُكم فيسألَكم أن تؤمنوا به. وتحقيقه: قد فاتكم ذلك بترككم التدبير في وقته ويتمنون أن يكون كذلك ولا يكون. وقال قتادة (٢): ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ من دنياكم شيئًا، وهو استهزاء بهم أيضًا (٣)؛ أي: قيل لهم: ارجعوا إلى مساكنكم (٤) لعلكم يأتيكم رسولُكم محتاجًا إلى ما في أيديكم فيسألَكم من ذلك، فتُعطونه فيمتنع عن دعائكم إلى الإيمان. وقال ابن عباس ومقاتل ﵃: كانت (٥) هذه قريةً باليمن تسمَّى: حاصوراء، قتَلوا نبيهم حنظلةَ ﵇، فسلَّط اللَّه عليهم بخت نصَّرَ حتى قتلهم وسباهم، فلمَّا استَحرَّ فيهم القتل هربوا وانهزموا، فقالت لهم الملائكة على طريق الاستهزاء: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾؛ أي: عن قتل نبيِّكم لمَ قتلتُموه (٦)؟

стр. 5118

وقال ابن جريج: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ (١) عن سبب كفركم، لمَ كفرتُم؟ ولا يكون لكم حجةٌ. * * * (١٤ - ١٥) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي: أنفسَنا بكفرنا، ولا ينفعهم هذا الاعترافُ. وقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾: أي: تلك الكلمة، أو تلك الدعوى ﴿دَعْوَاهُمْ﴾؛ أي: دعاءهم -كقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ [يونس: ١٠]؛ أي: دعاؤهم فيها- بالويل والثبور على أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾: أي: محصودًا بالسيف كحصيد الزرع، ووُحِّد كما في قوله: ﴿جَسَدًا﴾، أو معناه: حصيدةً، فيكون جمعًا، والفعيل إذا كان للمفعول لم تدخله الهاء.

стр. 5119

وإن كان هذا بغير السيف فمعناه: الساقط؛ لأنه يقابل القائم، قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. و ﴿خَامِدِينَ﴾: ميتين كخمود النار. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: أي: وما خلقتُ ذلك وأنا أريد به اللعب؛ بل خلقتُ الخلق للابتلاء بالأمر والنهي، ثم أبعثُهم بعد الموت لأجازيَهم في الآخرة على الخير الشر. وهذه الآية في إثبات وحدانيته، وما قبلها في إثبات رسالة رسوله وحقِّيَّة (١) كتابه. ثم ذكر بعدها تنزيهَه عن الصاحبة والولد، فقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾: قال الحسن ومجاهد: أي: زوجة (٢). وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن المرأة (٣)؛ لأنَّها يُلهى بها ويُصرَف الهم.

стр. 5120

وقيل: يقع اللهو على الزوجة والولد. وقوله تعالى: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: من عندنا لا من عندك. وقيل: لو اتخذنا ولدًا لم يكن ذلك ما تنحتونه من الأوثان المتَّخذة من طينٍ وخشبٍ وحجارة، بل كنا نتَّخذه نحن من عندنا؛ أي: كيف يكون ما تنحتونه ولدًا لنا. وقيل: لو اتخذنا صاحبةً وولدًا لم يكن ذلك من أهل الأرض من الأجسام الأرضية والأخلاط الكدرة (١)، بل من الجواهر الكريمة الشريفة الذي منها خُلق أهل السماء. وقيل: الأول أصح، لأن الجواهر لا تتفاضل لأعيانها. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قيل: هو على الشرط: لو جاز ذلك لفعلنا، لكنَّا لسنا ﴿فَاعِلِينَ﴾ (٢) لاستحالة ذلك. وقال مجاهد وقتادة وجماعةٌ: تم الكلام عند قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ثم قوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ معناه: ما كنَّا لنفعلَ ذلك (٣)، و ﴿إِن﴾ للنفي كما في قوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣]. * * * (١٨ - ١٩) - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.

стр. 5121

وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾: أي: ليس الأمر كما تتوهمون من قوة الباطل، وأنكم تُتركون على ضلالكم وتمويهِكم على الضَّعَفة، ﴿بَلْ﴾؛ أي: لكن ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: نرمي بالحق ﴿عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾: فتقهر الحقُّ الباطل ويعلُوه، كما يفعل القاتل بالمقتول إذا أصاب دماغه. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ﴾: أي: الباطل ﴿زَاهِقٌ﴾؛ أي: هالك ذاهبٌ كالحي تزهَق نفسه فيموت. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾: أي: الوعيد والعذاب الشديد في الآخرة ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾؛ أي: تُضيفون إلى اللَّه تعالى ما لا يليق به. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هم خلقُه وملكُه، فكيف يكون شيء منه شريكًا له أو ولدًا أو صاحبة؟ قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾: أي: الملائكةُ الذين عنده، وهو بيانُ قربِ المنزلة دون قربِ المكان، فإن اللَّه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وهم الذين يعبدهم كثير من المشركين. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: أي: لا يتعظَّمون عنها بل يداومون عليها ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ أي: لا يَكلُّون ولا يَملُّون ولا يَعيَوْن. * * * (٢٠ - ٢٢) - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: على المواظبة ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾: لا يضعفون ولا يعيَون.

стр. 5122

وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: أي: يُحيون الموتى، استفهام بمعنى التوبيخ، و ﴿أَمِ﴾ بمعنى ألف الاستفهام لأنه لم تتقدَّمه ألف الاستفهام ليكونَ عطفًا عليه. وقيل: هو عطف على ذلك تقديرًا، ووجهه: أفخلَقْنا (١) السماوات والأرض لعبًا، أم الملائكةُ الذين يعبدوننا في السماء معبودين، أم هل ما اتَّخذتُموه (٢) من الأصنام في الأرض يُحيي الموتى ويَضرُّ وينفع فيكونَ في ذلك موضعُ شبهة. وقيل: يجوز أن يكون ﴿أَمِ﴾ في هذه الآية عطفًا على قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ويجوز انتقال الكلام من المخاطبة إلى المغايبة. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾: أي: لو توهِّم وجود السماوات والأرض بصانعَين لفسدتا؛ لِمَا يجري بين الصانعَين من التمانع؛ لأنَّهما لا يخلوان من أن يكونا قادرين، أو عاجزين، أو أحدهما عاجزًا والآخرُ قادرًا، والعاجز لا يكون إلهًا، وفي كونهما قادرين مع جواز ممانعةِ أحدهما صاحبَه ما يوجب استحالة وجود (٣) فعلهما؛ أو (٤) يَحتاج كلُّ واحد إلى موافقة صاحبه لحصول مراده، والحاجةُ نقصٌ يستحيل معها الإلهيَّةُ، فإذا لم يكونا إلهين خلا العالم عن مدبِّر له، وفي ذلك مما يوجب انتقاضَ أمور العالم، وفي وجود العالم على ما هو عليه من الاتِّفاق (٥) دليلُ صانع واحد.

стр. 5123

وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي: نزِّهوا اللَّه ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ العظيم (١) ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: من الولد والشركاء. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾: أي: من أفعال الربوبية ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ عما كلِّفوا به (٢) من العبودية. وقيل: إنما يُسأل مَن يُحتمل وقوعُ الخطأ في فعله، ولا يُحتمل ذلك في فعل اللَّه تعالى فلا يُسأل، وإشراكُ الكفار باللَّه الأصنامَ، ووصفُهم إياه باتخاذ الصاحبة والولد، ضلالٌ وخروج عن الصواب والحكمة فيُسألون. وقيل: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ يرجعُ إلى المسيح والملائكة الذين هم متعبَّدون مسؤولون محاسَبون، فكيف يكونون شركاء للَّه؟ وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: قيل: الإعادة لتجديد إفادة؛ فإن الأول إنكار عليهم من حيث العقلُ، والثاني من حيث الخبر؛ أي: أيقولون ذلك عقلًا وهم يُنشرون الأموات فيقعَ لهم شبهةٌ، أم يقولون من جهة الخبر أنَّا أخبرنا في الكتب أنهم آلهةٌ، وليس كذلك، فلا إنشار ولا إخبار، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: على أنه في الكتب ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾؛ أي: هذا الكتاب -وهو القرآن- وكتابُ مَن قبلي وهو التوراة والإنجيل ليس ذلك في شيء

стр. 5124

منها؛ بل كلُّها دالة على التوحيد ونفي الصاحبة والولد والشريك، فقد بطل اتخاذ الآلهة من الجهات كلها. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾: من أين يُتعرَّف ومن أيِّ جهة يُطلب ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الحقِّ كذلك. * * * (٢٥ - ٢٦) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى (١) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: تقرير ذلك؛ أي: ولم نرسل قبلك رسولًا إلا أوحينا إليه بالتوحيد وتجريدِ العبادة للَّه، دون الشرك (٢) الذين يَدين به هؤلاء، وهذا كلُّه كلام واحد. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ومعناه: ولا برهان لهم، ثم ابتدأ كلامًا فيه حثٌّ على التوحيد وزجرٌ عن الشرك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: هذا القرآن ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾؛ أي: بيانُ حال أهل عصري: أنَّ مَن آمن أو كفر فإلى ماذا يصيرون؟ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: بيانُ مَن اَمَنَ بالأنبياء ووحَّد، وبيانُ مَن كذَّبهم وأشرك: أنهم إلى ماذا صاروا؟ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليس بهم رغبةُ معرفةِ الحق ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه، وكذلك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ كلامٌ آخرُ في تنبيههم. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: أي: قال طائفة من العرب: اتخذ اللَّه الملائكةَ بناتٍ ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزَّه اللَّه تعالى عن ذلك وتقدَّس.

стр. 5125

وقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾: أي: ليس كما قالوا، لكنهم ﴿عِبَادٌ﴾ لي ﴿مُكْرَمُونَ﴾؛ أي: أكرمتُهم ورفعتُ منزلتهم (١). * * * (٢٧ - ٢٨) - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي: لا يقولون شيئًا لم يؤذَن لهم فيه. وقيل: هو إبطال ظنِّ المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الملائكة طمعًا في شفاعتهم، فقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾؛ أي: لا يقولون شيئًا لم يؤذن لهم فيه. ثم قال: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾: ذكر طاعتهم في القول والعمل جميعًا. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مما لم يبلُغوه بعدُ: ماذا يعملون فيه؛ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: ويعلم ما مضى من أزمنتهم فخلَّفوه ما عملوا فيه؛ أي: أحصى ذلك عليهم وحفظه ليحاسبهم، فهم مستعبَدون محاسبون، فكيف يتقدمون بين يدي اللَّه فيشفعون لمن لم يأذن لهم فيه. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: أي: لمن هو مرضيٌّ عند اللَّه بالتوحيد، ومن شفاعتهم ﴿لِمَنِ ارْتَضَى﴾ هو استغفارهم الآن، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ الآية [غافر: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: أي: خائفون. * * *

стр. 5126

(٢٩ - ٣٠) - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾: أي: من دون اللَّه ﴿فَذَلِكَ﴾ القائلُ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ على ادعائه الشركةَ في الألوهية. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: هكذا نفعل بمن ادَّعى ما ليس له أن يدَّعيَه، وهذا الوعيد في حقِّهم مع العصمة كوعيدِ الأنبياء، وقد مر تأويلُه مرات. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: الوعيد تحقَّق في إبليس خاصة (١). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾: وهذا بيان دلالة التوحيد، والرَّتق: السد، ومنه الرَّتْقاء: وهي المرأة التي فرجها ملتحمٌ، والفَتْق: الشَّق، وصرفُهما من باب دخل. ومعناه: أولم ير الكفار بالأبصار، وهو استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد رأوا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾؛ أي: تكونان مرتوقتَين، مصدرٌ أريد به النعت فلم يثنَّ لذلك، وإنما ثُني ﴿كَانَتَا﴾ مع أن السماوات والأرض جمع؛ لأنَّهما صنفان. قوله: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: أي: فنفتق السماء بالمطر والأرضَ بالنبات قوامًا للعالَم. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: أي: وجعلنا من ماء السماء كلَّ شيء على وجه (٢) الأرض حيًّا ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أفلا يصدِّقون بأن ذلك لم يكن

стр. 5127

بنفسه بل بمكنونِ كونه، وإلى هذا التأويل ذهب عطيةُ وعكرمة وابن زيد وجماعة (١). وتأويل آخر: أولم يعلم الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتَين ففتقناها بالهواء، وهو قول الحسن وقتادةَ وجماعةٍ (٢). والرؤية (٣) على هذا من رؤية بصر القلب وهي العلم؛ أي: فليعلموا ذلك. وقيل: السماوات كانت طبقةً واحدة ففتقها اللَّه تعالى فجعلها سبعًا، وكذلك الأرضون. وعلى هذين القولين معنى قوله: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أفلا يصدِّقون بهذا وقد أتاهم الخبر به عن اللَّه تعالى. وعن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن الليل: أكان قبل النهار أو النهارُ كان (٤) قبل الليل؟ فقال: الليل، وقرأ هذه الآية، ثم قال: فهل يعلمون كان بينهما إلا ظلمة (٥). * * * (٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابتَ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾؛ أي: لئلا تضطرب بهم؛ ليَتِمَّ القرار عليها والتمكُّن فيها.

стр. 5128

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: بين الجبال (١)؛ أي: طرقًا واسعة، جمع فجٍّ، ومنه: تفاجَّ؛ أي: فتح ما بين رجليه للبول. وقال ابن عمر ﵄: كانت الجبال مصمتةً، فلما أغرق اللَّه قومَ نوح فرَّقها فجاجًا (٢). وقيل: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض، فيعمُّ الجبال والسهول. وقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾: أي: مسالكَ، وهو كقوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي: ليهتدوا بها إلى البلاد المقصودة، ودخل فيها (لعل) لأنه قد ينقطع الاستدلال (٣)، وقد يقع فيه الخطأ. * * * (٣٢ - ٣٣) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾: أي: مُظِلًّا عليكم كالسقف ﴿مَحْفُوظًا﴾ في موضعه عن السقوط، كما قال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥]. وقيل: ﴿مَحْفُوظًا﴾ بالشهب من الشياطين، كما قال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧].

стр. 5129

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أي: آياتِ السماوات والأرض ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها، بخلاف المؤمنين الذين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض ويقولون: سبحانك ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: الليلَ ليسكنوا فيه والنهارَ ليتصرفوا فيه. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أحدهما سراجُ الليل والآخر سراج النهار، ليُعلم بهما الشهورُ والسِّنون، ويقومَ بهما مصالح العباد. وهذا كلُّه آيات يُستدل بها على وحدانية اللَّه تعالى ونعمِه يجب بها شكر اللَّه تعالى. وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أي: كلٌّ من الشمس والقمر والنجوم في فلك. قال الضحاك: أي: هذا المجرى الذي يجري فيه الشمس والقمر (١). وقال الحسن: الفلَكُ طاحونة كهيئة فَلْكة المغزل (٢). وقيل: هو موج مكفوف، فلذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء. قال ابن جريج: يَجرون (٣). وقيل: يسرعون، وقيل: يدورون. وجمع بالواو لأنه وصَفَها بالفعل الذي يكون مثلُه من العقلاء، وهو كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وكقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ

стр. 5130

يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وكقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وقال النابغة: تمزَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه... إذا ما بنُو نعشٍ دَنَوا فتَصوَّبوا (١) * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾: لمَّا ذكر لهم هذه الآيات قالوا: ما أتى به ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]؛ أي: الموت، يموت كما مات شاعر بني فلان فنستريحُ منه ومِن سبِّه لأصنامنا وتسفيهه لأحلامنا، فنزلت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾؛ أي: الخلودَ في الدنيا، فليس في الموت ما يُبطل النبوة. وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يخلدون بل يموتون كما تموت. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: كلُّ نفسِ حيوان ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: تذوق الموت لا محالةَ ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾؛ أي: نختبرُكم في الدنيا ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بالمكروه والمحبوب ﴿فِتْنَةً﴾؛ أي: امتحانًا وتعبُّدًا بالصبر في المكروه، والشكرِ في المحبوب. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: بالموت والبعث فنجزيكم بما عملتُم. * * *

стр. 5131

(٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ يَسْخرون بك. وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: استفهام بمعنى التعجب؛ أي: يقولون: أهذا الذي يَعيب آلهتكم، وهو كقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]؛ أي: يَعيبهم. وقيل: يذكرهم بالذم والسوء. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: بذكر اللَّه الذي خلقهم بما هو أهلٌ أنْ يُذكر به كافرون؛ أي: يُنكرون عليك ذكر آلهتهم بالسوء، وذكرَ اللَّه تعالى بصفاته الحسنى. وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: توحيده؛ كما قال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، وقال: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢]. وقيل: الذكر اسم للقرآن هاهنا، ومعناه: هم بكتاب اللَّه كافرون. وأعاد كلمة ﴿هُمْ﴾ فقال: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لأن الأولى إشارة إلى المشركين بمكة (١) بمنزلة تسميتهم، والثانية تحقيق لاختصاصهم بهذا (٢)، كقولك: زيد هو الذي فعل كذا؛ أي: اختَصَّ به وانفرد.

стр. 5132

(٣٧ - ٣٨) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾: أي: عَجولًا، وقد ذكر ذلك في آيةٍ (١)، وهو كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤]، وقال في آية أخرى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وهو كقولك: خُلقتَ من الشرِّ. أي: خُلق مستعجِلًا ما يشتهيه ويريده بطبعه، وهؤلاء المشركون يستعجلون أيضًا في طلب الآيات، فقال تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ التي تطلبونها دلالةً على صحة (٢) رسالة محمد ﷺ ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ في سؤالها. وقيل: يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. وقيل: هذا في حق النَّضْر بن الحارث، وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: عجائبي في عقوبتهم ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ذلك، وكان ذلك يوم بدر. ثم النهيُ عن الاستعجال -مع أنه طُبع على العجلة- لمخالفةِ الطبع، وعليه الثوابُ كما في الشهوات. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: الموعود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ هو أحد وجهي استعجالهم، وذلك قوله تعالى: * * * (٣٩ - ٤٠) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.

стр. 5133

﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: لو علموا حالهم إذا دخلوا جهنم وهم حينئذ لا يمكِنُهم أن يمنعوا عن أنفسهم ما يضطرم من النار في وجوههم وظهورهم لعظمها وكثرتها، ولأن أيديَهم مغلولةٌ حينئذ ولا ينصرهم غيرهم؛ أي: لا يمنع العذاب عنهم، والنصرة: المنع، قال اللَّه تعالى خبرًا: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣]. وقيل: لا تنصرهم الآلهةُ التي رجَوها. وجوابه محذوف، وهو أبلغُ لِمَا مرَّ مرات، وأحدُ وجوه الجواب هاهنا: لم يستعجلوا. وقيل: إضمار الجواب بعد تمام الآية التي تليها. قوله تعالى ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾: أي: النار فجاءةً ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قيل (١): فتحيِّرهم. وقيل: فتَجْهَدهم وتَلفح وجوههم وظهورهم عِيانًا؛ كالرجل يَبْهَت الرجل في وجهه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: أي: يُمْهَلون؛ أي: لا تؤخَّر عنهم طرفةَ عين، والجمع بين هذه الصفات بيانُ غايةِ شدة عذابهم. * * * (٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ﴾: أي: نزل ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا﴾؛ أي: جراءَ ما كانوا ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مر تفسيره مرات.

стр. 5134

وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المستعجِلين: مَن يحفظكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من عذاب الرحمن، وكان مشركو العرب مقرِّين بأن اللَّه تعالى هو الخالق والرازق والحافظ، فإذا سألتَهم عن ذلك واعترفوا بأنْ لا حافظ من عذاب اللَّه، ثبت أنه قادر على أن يعجِّل لهم العذاب، فإنه لا يؤخِّره لعجزه ولكن ليبلُغ الكتاب أجلَه. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾: وفيه إضمارٌ لتفيد كلمة ﴿بَلْ﴾ (١): ليسوا جاهلين أنْ لا كالئ لهم من عذاب اللَّه تعالى، ﴿بَلْ هُمْ عَنْ﴾ تدبُّر (٢) ﴿ذِكْرِ﴾ اللَّه؛ أي: وعظِه ﴿مُعْرِضُونَ﴾. * * * (٤٣ - ٤٤) - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾: وفيه إضمار أيضًا لتكون ﴿أَمْ﴾ على حقيقتها (٣): أيستعجلون العذاب ظنًّا منهم أنهم يمتنعون من عذاب اللَّه تعالى بأنفسهم ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾. ثم ردَّ عليهم ذلك فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: أي: يُجارون ويُحفظون، يقال في الدعاء: صَحِبَكَ اللَّه؛ أي: كان اللَّه

стр. 5135

لك مجيرًا وحافظًا، وفي الحديث: "اللهم اصْحَبنا بصحبةٍ واقْلِبنا بذمَّةٍ" (١). وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: أي: ليس لهم آلهةٌ تمنعهم من دوننا ولا جاز يُجيرهم من عذابنا ليكون إصرارهم على الكفر اتِّكالًا عليهم، لكنْ متَّعناهم بالحياة الدنيا وبسَطنا لهم في عزِّها ونعيمها، وكذلك فعلنا بآبائهم فطال عليهم العمر فألِفوه واستطابوا الدَّعَةَ، فقست قلوبهم، فلما جاءهم مَن يدعوهم إلى خلافِ ما ألِفوه استثقلوا تركَ ما هم عليه وظنوا أنَّ ما هم فيه لا يزول عنهم، فأعرضوا عن التدبُّر. ثم بيَّن خطأهم في ذلك فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي: أفلا يُشاهدون ما نفتحه على محمدٍ من بلاد الكفر مما حول مكة، فنَنْقص من قراهم ونزيد في ملك محمد وما يهلكه (٢) من رؤساء هؤلاء (٣). قوله تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: أي: أفكفَّارُ مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أرضهم (٤)؛ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم رسول اللَّه ﷺ وينصرُه اللَّه تعالى. وفي نقص الأطراف أقاويلُ أُخر ذكرناها في سورة الرعد، وهذا القول هاهنا أقرب إلى النظم.

стр. 5136

وقيل: نقصُ الأطراف تنبيهٌ على ذهاب (١) الكل، قال قائلهم: طوى العصرانِ ما نَشَراهُ مني... فأبلى جِدَّتي نشرٌ وطَيُّ أَراني كلَّ يوم في انتقاصٍ... ولا يَبْقَى مع (٢) النُّقصان شيُّ (٣) * * * (٤٥ - ٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للمستعجِلين: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ بالعذاب بوحي اللَّه (٤) لا من تلقاء نفسي. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾: ويحقُّ عليهم أن يسمعوا إنذارك، لكن لا يسمع الصمُّ الدعاء إذا ما ينذرون، وقد أصمَّهم الاغترار بالمهلة. وقيل: معناه: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ واللَّه تعالى يُنزل العذاب متى شاء، ولكنكم لصَمَمكم (٥) معرضون عن التدبر. وقرأ ابن عامر: ﴿ولا تُسمِعُ﴾ بالتاء مضمومة على خطاب النبي ﷺ ﴿الصمَّ﴾ بالنصب على أنه مفعول (٦)؛ أي: لا تستطيع أنت أن تسمع الصم الدعاء.

стр. 5137

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾: أي: شيء قليل، وهو من قولهم: نَفَح الوردُ: إذا فاح شيءٌ من رائحته، قال الشاعر: وعَمْرةُ هن سَرَواتِ النِّسا... ءِ تنفحُ بالمسكِ أردانُها (١) ونفح لفلان من عطائه (٢)؛ أي: أعطاه شيئًا منه، قال أبو تمام: وانفَحْ لنا من طِيبِ خِيْمِكَ نفحةً... إنْ كانت الأخلاقُ مما تُوهَبُ (٣) يقول : ولئن أصابت هؤلاء المستعجِلين بالعذاب (٤) ﴿نَفْحَةٌ﴾؛ أي: شيء قليل من ﴿عَذَابِ رَبِّكَ﴾ ﴿لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: لأقرُّوا على أنفسهم بظلمهم عليها، ولنادوا بالويل جزعًا مما أصابهم، أَخبرَ أنه لا طاقة لهم باحتمالِ قليلِ العذاب فكيف بالكثير؟ * * * (٤٧) - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: ونحضِر الموازين التي لا جَور فيها -بل هي كلُّها قسطٌ؛ أي: عدلٌ- لوزن الأعمال يوم القيامة.

стр. 5138

﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أي: لا (١) يُنقص شيءٌ من عمله ولا يُحمل عليه ذنبُ غيرِه. ﴿كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: وإن كان عملُها قَدْرَ حبةٍ من خردل ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾؛ أي: أحضرنا تلك الحبة فوزنَّاها وحاسبنا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾: أي: مُحْصِين مثبِتين مقاديرَ (٢) ما عملوا، لا حاجة بنا إلى غيرنا في محاسبةٍ يومئذ. وقيل: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ في الدنيا مُحْصِين لأعمالهم. ومعنى الجمع في الموازين: تعظيمُ شأنها وإن كان الميزان واحدًا، كقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] يعني: النبيَّ ﷺ . ولأن أعمال كل واحد توزن به فهي ميزان في حقِّه وميزان في حقِّ كلِّ واحد، فصار جمعًا بإضافته إلى الجمع. ولأن الميزان مجموع أشياءَ بها كلِّها يقع الوزن، فكلُّ شيء منه آلةُ وزنٍ فكان ميزانًا، فكان بجملته موازينَ معنًى. ولأن ﴿الْمَوَازِينَ﴾ يجوز أن تكون جمع الموزون، فكان جمعًا للموزونات لا للميزان. و ﴿الْقِسْطَ﴾: نعت الموازين؛ قال الفرَّاء: هو مصدرٌ فصلح نعتًا للجمع؛ كما للرضا والعدل (٣). وقال الفراء: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في معنى: في يوم القيامة (٤).

стр. 5139

وقيل: معناه: لأهلِ يومِ القيامة، ولأمرِ يومِ القيامة. ثم القولُ بحقيقة الميزان يوم القيامة من (١) مذهب أهل السنة والجماعة (٢)؛ لورود الأحاديث (٣) الصحيحة فيه (٤). وقال الحسن: للميزان لسان وكفَّتان توزن به الأعمال (٥)، فيحتمل أن يجعل في إحدى كفتيه صحف الحسنات وفي الأخرى صحف السيئات، أو كما شاء اللَّه تعالى. وقال الإمام القشيري ﵀: تُوزن الأعمال بميزان الإخلاص فما فيه الرياءُ لا يُقبل، وتوزن الأحوال بميزان الصدق فما فيه الإعجابُ (٦) لا يُقبل، وتوزن الأنفاس بميزان الصفاء فما فيه الحظوظُ لا يُقبل (٧). وقد مر في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، زوائدُ وفوائد. * * * (٤٨) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾: ثم اقتصَّ اللَّه تعالى على نبيِّه ﷺ أخبارَ كثير من الأنبياء، وما قاسَوه مع قومهم في إقامة دين اللَّه تعالى، وما أنعم اللَّه عليهم من حميد العاقبة، يُسلِّيه بذلك ويبشِّره اللَّه تعالى،

стр. 5140

ويعرِّف الكفار أنهم ﵈ كانوا بشرًا عاشوا ما قدِّر لهم ثم قبضهم اللَّه إلى رحمته، فمحمد ﷺ كأحدهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾. قيل: هذه الثلاثُ كلها في (١) التوراة: هي فرقانٌ يُفْرَق به بين الحق والباطل والهدى والضلال. وهي ضياءٌ يُهتدى به إلى الحق ويُتوصَّل به إلى سبيل النجاة. وهي ذكرٌ؛ أي: تعريفٌ لِمَا بالناس من حاجةٍ إليه، ووعظٌ وتنبيه. وعطفُ بعض هذه الصفات على البعض كالعطف في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقيل: بل ﴿الْفُرْقَانِ﴾ هو نصرهما على العدو، والفرقان: النصر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، أو فرقُ البحر قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، والضياء اسم للتوراة، والذكرُ الوعظ. وقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: وفي الحقيقة الضياء والذكر للكلِّ، لكن انتفع بذلك المتَّقون فخصَّهم بالإضافة إليهم؛ كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]. * * * (٤٩ - ٥٠) - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: هو وصف المتقين.

стр. 5141

قال نفطويه: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: لم يروه. وقيل: يحذَرون ما حذَّرهم اللَّه تعالى وبلَّغه الأنبياءُ من الأشياء التي تكون في القيامة وهي غيب. وقيل: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بالسرِّ حين يغيب عنهم الناس يُجِلُّون اللَّه تعالى ويخافون مقامه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾: أي: حذِرون من قيام الساعة وما يَظهر فيه من معاصيهم وتقصير طاعاتهم. ﴿وَهَذَا﴾: وهو (١) القرآن المنزل عليك ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ مَن تَبَرَّك به اتَّصلت له البركات، من الاهتداء إلى المَراشد، والنجاةِ من العقاب، والوصول إلى الثواب. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: قيل: أي: جاحدون أنه منزلٌ من عند اللَّه تعالى، استفهام بمعنى التوبيخ. وقيل: ﴿مُنْكِرُونَ﴾؛ أي: مستنكرون (٢) نزولَه على محمد؛ كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. أي: لا معنى لإنكاركم، فقد أنزلنا التوراة على موسى وهارون، وأرسلنا رسلًا إلى قومهم على ما ذكره من بعده (٣). وقال القشيري: الخشية بالغيب: إطراق السريرة في أوان الحضور باستشعار

стр. 5142

الوجل من جريان سوء الأدب والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير مما (١) يوجب حَجبة العبد (٢). * * * (٥١ - ٥٢) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: أي: ولقد أعطينا إبراهيم الخليل هداه. وقيل: وفَّقناه للحق وعصمناه من عبادة الأوثان. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل الوحي؛ أي: دلَلْناه على معرفتنا بالآيات حين جنَّ عليه الليل فرأى كوكبًا ثم القمرَ ثم الشمسَ على ما مرت قصته. وقيل: يعني: محاجَّة القوم قبل الوحي. وقيل: أي: الفهمَ والعقل قبل البلوغ. وقيل: أي: من قبلِ موسى وهارون، والرُّشد على قول هؤلاء النبوةُ. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: أي: بصلاحه للنبوة؛ أي: على علمنا بذلك آتيناه النبوة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. وقيل: كنا عالمين بطاعته لنا. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾: أي: الأصنام المصوَّرة وتماثيلُ الناس ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾: أي: على تعظيمها وعبادتها مُقيمون.

стр. 5143

(٥٣ - ٥٦) - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾: كعبادتنا لها. ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: ظاهر. وقيل: أي: مُظهِرٍ عن نفسه أنه ضلال، وهو لازمٌ ومتعدٍّ. ووجهُ ظهور هذا الضلال: أنكم عبدتُم خشبًا وطينًا وحجارة لا تعقل ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا تدفع عن نفسها شيئًا (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: أي: أمُحِقٌّ أنت في هذا (٢) القول جادٌّ فيه أم لاعبٌ ممازح؟! استعظامًا منهم إنكارَه عليهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: لستُ بلاعبٍ فيما قلتُ لكم، بل أنا جادٌّ فيه محقِّقٌ له، لأن هذه التماثيل ليست بربكم ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مدبِّرُكم والقائم عليكم هو خالق السماوات والأرض ومدبِّرهما وممسكهما؛ لِمَا فيها من الدلائل أنها مصنوعة لصانعٍ واحدٍ قادرٍ عليهم، لا يُشبه المصنوعات بوجهٍ من الوجوه كأصنامكم هذه التي هي مصنوعة. ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾: أي: أنشأهن من غير شيء. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: أنا أشهد أن المستحِقَّ للعبادة والربوبية هو خالقُ السماوات والأرض.

стр. 5144

(٥٧ - ٥٨) - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾: أي: أحلف باللَّه تعالى لأحتالنَّ في إصابة أصنامكم بالمكروه، ولم يرض بالمجادلة باللسان حتى قصد الفعلَ بما لا يفعله إلا مَن أخلص في الذبِّ عن دين اللَّه بنيَّته، ووطَّن على مكروِ؛ يناله في اللَّه نفسَه. وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: أي: بعد غيبتكم عني، وذلك لانتهاز الفرصة لِمَا أراد. وقيل: إنه قال هذا سرًّا (١) لم يسمعه الجميع وإنما سمعه واحد، وهو الذي قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وقيل: إن القوم كانوا عزموا على الخروج إلى عيدٍ لهم، فاحتال إبراهيمُ ﵇ للتخلُّف عنهم بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. قال ابن عباس ﵄: كان لهم في كلِّ سنةٍ مَجمَعٌ وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم، فقالوا من الليل لإبراهيم: نحن خارجون غدًا إلى عيد لنا أفتصحبُنا (٢)؟ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: فعلم من النجوم (٣)؛ لأنَّهم كانوا يقصدون بالنجوم (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقم.

стр. 5145

وقيل: أي: نظر في نبات الأرض، والنجمُ نبتٌ ليس لها ساق، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ والإنسان لا يخلو من سقم، فتركوه، فلما خرجوا إلى عيدهم دخل بيت الأصنام وبيده فأسٌ، وكان في البيت تسعون صنمًا ما بين (١) خشبٍ وحديد ورصاص ونحاس وفضة وذهب، فكان في صدر البيت أكبرُها من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان في الليل، فكسر رؤوسها ووضع الفأس على عاتق الكبير وخرج. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾: قرأ الكسائي: ﴿جِذاذًا﴾ بكسر الجيم والباقون بضمها (٢). قال الفرَّاء: الضمُّ مثل الحُطام والرُّفات، وبالكسر: جمع جَذيذ (٣)، وهو من الجذِّ؛ أي: القطع، قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقال الخليل: هو القطع المستأصِل الوحيُّ (٤). وقال أبو عبيدة: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾؛ أي: مستأصَلين، قال جرير: بنو المهلَّبِ جذَّ اللَّه دابرَهم... أمسَوا رمادًا فلا أصلٌ ولا طرفُ (٥) هاهنا مضمر: فتولوا عنه مدبرين فكاد أصنامهم ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾؛ أي: فتاتًا. قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾: أي: إلا صنمًا كبيرًا لم يجذَّه.

стр. 5146

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى كبيرهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ على عادتهم في الرجوع من العيد للسجود له. وقيل: للأكل عنده، وكانوا إذا خرجوا إلى العيد وضعوا في بيت أصنامهم طعامًا، وإذا رجعوا أكلوا ذلك وقالوا: باركتِ (١) الأصنام عليه. أي: كان على رجاءِ أن يرجعوا إليه فيشاهدوا هذه الحالة، فيبحثوا عن السبب، فيجد سبيلًا إلى تنبيههم على ضلالهم، وإذا رأوا كسرَها وعجزها عن الدفع تنبَّهوا على جهلهم في عبادتهم. وقيل: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: إلى دين اللَّه. وقيل: إلى قول إبراهيم. * * * (٥٩ - ٦٠) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. قوله: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فرجعوا إليها ورأوا ما فعل بها فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: قد ظلم نفسَه مَن فعَل هذا وهو يعلم أنا إذا علمنا به أهلكناه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾: أي: قال الذين سمعوا منه قولَه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وقد (٢) قيل: سمع ذلك واحد وأخبر هو، وذُكر جمعًا لأن الجمع رضُوا بقوله،

стр. 5147

فكأنهم قالوا ذلك، وهو كقول السلولي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. ويحتمِل أن السامع الواحد أخبر بذلك جمعًا، فقالوا ذلك بإخباره. ويحتمِل أن واحدًا سمع منه هذه الكلمة، وآخرُ في موضع آخر عيبًا منه لها، وآخر في موضع آخر، فصاروا جمعًا، وذلك قوله: ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾؛ أي: يَعِيبهم، وهو كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]؛ أي: فإذا كان هو يَعيبهم فالظاهر أنه فعَل بهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي: اسمه هذا. * * * (٦١ - ٦٢) - ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: أي: أحضروا إبراهيم وأشهِروه للناس ليَنظروا له، ومعنى: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾؛ أي: بحيث يَرونه ويشاهدونه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: قيل: أي: يُؤدُّون الشهادة عليه أنه هو الفاعل ذلك، فيكون لنا حجةٌ في أخذه. فهؤلاء الكفار لم يقبلوا في كسرِ ما يعتقدونه إلهًا لهم قولَ طاعنٍ إلا بحجةٍ، فكيف حالُ مَن يَقبل من الملوك قول النمَّام على رجلٍ لم يَثبت ذلك عليه. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: أي: على كسر الأصنام. وقيل: لعلهم يسمعون منه حين أُحضر لها طعنًا في أصنامهم، فيستدلون بذلك على أنه فعل ذلك، أو قد يعترف بذلك فيشهدون؛ أي: يصيرون شهداء عليه.

стр. 5148

وقيل: بل (١) معناه: يشهدون ما نعاقبه به؛ أي: يحضرون ويشاهدون (٢). فكان له ثلاث تأويلات. والآخر قول ابن إسحاق قال: ﴿يَشْهَدُونَ﴾ ما يُصنَع به (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فأحضَروه فقالوا له: أنت فعلتَ هذا بآلهتنا ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾؟ يحتمِل أن يكون هذا استخبارًا منه لأنهم لم يتيقَّنوا به، ويحتمِل أن يكون استنكارًا عليه. * * * (٦٣) - ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: أَوهمهم أن كبير الأصنام كسر سائرها والفأسُ على عنقه دليلُه، فأمرهم بسؤالهم إنْ كانوا ينطقون ليشهدوا له بما يدَّعي، وهذا من معاريضِ الكلام ولا كذب فيه، وله ثلاثة أوجه: أحدها: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، علَّق فعلَه بنطقهم، يعني: فإن نطقوا فهو فاعل ذلك، ومقتضاه (٤): إن لم ينطقوا فليس هو بفاعل ذلك. والثاني: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ وهاهنا وقف؛ أي: فعَله مَن فعَله، عنَى به نفسه، ثم قال: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهاهنا وقف وهو مبتدأ وخبر، ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا﴾ وهذا كلام آخرُ تام.

стр. 5149

والثالث: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ عنى به نفسه، وأضاف نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وهذا كلام آخر. وإنما أتى بهذا التعريض تمهيدًا لأمرٍ يُلزِمُهم به الحجةَ، وكذلك قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كان من المعاريض، هم فهموا به قيام السقم فتركوه، وهو أراد به أنه سيَسقم في المستقبل، فتخلَّص عنهم ومهَّد ذلك للكيد بالأصنام (١). * * * (٦٤ - ٦٥) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: تفكَّروا في أنفسهم فيما قال لهم راجعين إلى عقولهم. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾: هذا الرجلَ في مسألته، فاتركوا مسألتَه واسألوا آلهتكم فهي حاضرتُكم. وقال ابن إسحاق: ﴿فَرَجَعُوا﴾ عنه فيما ادَّعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم (٢) فقالوا: لقد ظلمناه، وما نراه إلا كما قال (٣). وقيل: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فلاموها، فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيمَ حين تزعمون أنه كسرها والفأسُ على عنق الصنم الأكبر، فهو أولى أن يكون كسَرها.

стр. 5150

قوله تعالى: ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ ظاهره: ثم قلبوا على رؤوسهم فصارت رؤوسهم سفلًا وأرجلهم عُلْوًا، وله معانٍ: أحدها: القهر والغلبة والذلُّ حيث لزمتهم الحجة. والثاني: انعكاس الأمر عليهم، أرادوا أن يحتجوا لأنفسهم فصار ذلك حجةَ إبراهيم عليهم، قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وهذا على قصدهم ردَّ كلامه وأمرِه بالسؤال، فصار ذلك اعترافًا بعجزها، فصارت حجةَ إبراهيم عليهم. والثالث: التحيُّر (١) والتكلُّم بالهذيان، يقال: هذا كلام منكوس. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: ثم رُدُّوا إلى رؤوسِ أمورهم من الجهالة والضلالة والبَطالة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ أي: قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. * * * (٦٦ - ٦٧) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾: أي: جمادًا لا ينطق ولا ينفع ولا يضر ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ كلمة توبيخٍ واستثقال وكراهية. وقيل: معناه: قذرًا لكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أنتم وهم مكروهون عند العقلاء ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن عبادةَ مَن هذا وصفُه لا تجوز. ثم قوله في صفة الأصنام: ﴿يَنْطِقُونَ﴾ بالواو لِمَا أنهم وصفوها بصفة العقلاء.
следующие страницы →