← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: أي: إلى كبيرهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ على عادتهم في الرجوع من العيد للسجود له. وقيل: للأكل عنده، وكانوا إذا خرجوا إلى العيد وضعوا في بيت أصنامهم طعامًا، وإذا رجعوا أكلوا ذلك وقالوا: باركتِ (١) الأصنام عليه. أي: كان على رجاءِ أن يرجعوا إليه فيشاهدوا هذه الحالة، فيبحثوا عن السبب، فيجد سبيلًا إلى تنبيههم على ضلالهم، وإذا رأوا كسرَها وعجزها عن الدفع تنبَّهوا على جهلهم في عبادتهم. وقيل: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: إلى دين اللَّه. وقيل: إلى قول إبراهيم. * * * (٥٩ - ٦٠) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. قوله: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فرجعوا إليها ورأوا ما فعل بها فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: قد ظلم نفسَه مَن فعَل هذا وهو يعلم أنا إذا علمنا به أهلكناه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾: أي: قال الذين سمعوا منه قولَه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وقد (٢) قيل: سمع ذلك واحد وأخبر هو، وذُكر جمعًا لأن الجمع رضُوا بقوله،

стр. 5147

فكأنهم قالوا ذلك، وهو كقول السلولي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. ويحتمِل أن السامع الواحد أخبر بذلك جمعًا، فقالوا ذلك بإخباره. ويحتمِل أن واحدًا سمع منه هذه الكلمة، وآخرُ في موضع آخر عيبًا منه لها، وآخر في موضع آخر، فصاروا جمعًا، وذلك قوله: ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾؛ أي: يَعِيبهم، وهو كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]؛ أي: فإذا كان هو يَعيبهم فالظاهر أنه فعَل بهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: أي: اسمه هذا. * * * (٦١ - ٦٢) - ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: أي: أحضروا إبراهيم وأشهِروه للناس ليَنظروا له، ومعنى: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾؛ أي: بحيث يَرونه ويشاهدونه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: قيل: أي: يُؤدُّون الشهادة عليه أنه هو الفاعل ذلك، فيكون لنا حجةٌ في أخذه. فهؤلاء الكفار لم يقبلوا في كسرِ ما يعتقدونه إلهًا لهم قولَ طاعنٍ إلا بحجةٍ، فكيف حالُ مَن يَقبل من الملوك قول النمَّام على رجلٍ لم يَثبت ذلك عليه. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: أي: على كسر الأصنام. وقيل: لعلهم يسمعون منه حين أُحضر لها طعنًا في أصنامهم، فيستدلون بذلك على أنه فعل ذلك، أو قد يعترف بذلك فيشهدون؛ أي: يصيرون شهداء عليه.

стр. 5148

وقيل: بل (١) معناه: يشهدون ما نعاقبه به؛ أي: يحضرون ويشاهدون (٢). فكان له ثلاث تأويلات. والآخر قول ابن إسحاق قال: ﴿يَشْهَدُونَ﴾ ما يُصنَع به (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: وهاهنا مضمر أيضًا؛ أي: فأحضَروه فقالوا له: أنت فعلتَ هذا بآلهتنا ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾؟ يحتمِل أن يكون هذا استخبارًا منه لأنهم لم يتيقَّنوا به، ويحتمِل أن يكون استنكارًا عليه. * * * (٦٣) - ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: أَوهمهم أن كبير الأصنام كسر سائرها والفأسُ على عنقه دليلُه، فأمرهم بسؤالهم إنْ كانوا ينطقون ليشهدوا له بما يدَّعي، وهذا من معاريضِ الكلام ولا كذب فيه، وله ثلاثة أوجه: أحدها: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، علَّق فعلَه بنطقهم، يعني: فإن نطقوا فهو فاعل ذلك، ومقتضاه (٤): إن لم ينطقوا فليس هو بفاعل ذلك. والثاني: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ وهاهنا وقف؛ أي: فعَله مَن فعَله، عنَى به نفسه، ثم قال: ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهاهنا وقف وهو مبتدأ وخبر، ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا﴾ وهذا كلام آخرُ تام.

стр. 5149

والثالث: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ عنى به نفسه، وأضاف نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وهذا كلام آخر. وإنما أتى بهذا التعريض تمهيدًا لأمرٍ يُلزِمُهم به الحجةَ، وكذلك قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كان من المعاريض، هم فهموا به قيام السقم فتركوه، وهو أراد به أنه سيَسقم في المستقبل، فتخلَّص عنهم ومهَّد ذلك للكيد بالأصنام (١). * * * (٦٤ - ٦٥) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: تفكَّروا في أنفسهم فيما قال لهم راجعين إلى عقولهم. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾: هذا الرجلَ في مسألته، فاتركوا مسألتَه واسألوا آلهتكم فهي حاضرتُكم. وقال ابن إسحاق: ﴿فَرَجَعُوا﴾ عنه فيما ادَّعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم (٢) فقالوا: لقد ظلمناه، وما نراه إلا كما قال (٣). وقيل: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فلاموها، فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيمَ حين تزعمون أنه كسرها والفأسُ على عنق الصنم الأكبر، فهو أولى أن يكون كسَرها.

стр. 5150

قوله تعالى: ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ ظاهره: ثم قلبوا على رؤوسهم فصارت رؤوسهم سفلًا وأرجلهم عُلْوًا، وله معانٍ: أحدها: القهر والغلبة والذلُّ حيث لزمتهم الحجة. والثاني: انعكاس الأمر عليهم، أرادوا أن يحتجوا لأنفسهم فصار ذلك حجةَ إبراهيم عليهم، قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وهذا على قصدهم ردَّ كلامه وأمرِه بالسؤال، فصار ذلك اعترافًا بعجزها، فصارت حجةَ إبراهيم عليهم. والثالث: التحيُّر (١) والتكلُّم بالهذيان، يقال: هذا كلام منكوس. وقيل: معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: ثم رُدُّوا إلى رؤوسِ أمورهم من الجهالة والضلالة والبَطالة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾؛ أي: قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. * * * (٦٦ - ٦٧) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾: أي: جمادًا لا ينطق ولا ينفع ولا يضر ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ كلمة توبيخٍ واستثقال وكراهية. وقيل: معناه: قذرًا لكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أنتم وهم مكروهون عند العقلاء ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن عبادةَ مَن هذا وصفُه لا تجوز. ثم قوله في صفة الأصنام: ﴿يَنْطِقُونَ﴾ بالواو لِمَا أنهم وصفوها بصفة العقلاء.

стр. 5151

(٦٨ - ٦٩) - ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾: ولمَّا لم يجدوا عليه حجةً قالوا: حرِّقوه بالنار. قال ابن عمر ﵄: أشار به عليه رجل من أكراد فارس اسمه: هيرز (١). وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾: بإهلاك مَن يسبُّها ويَعِيبُها ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: ناصرين آلهتكم. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ وهاهنا أيضًا مضمرٌ، وهو قوله: فأوقَدوا له نارًا وألقَوه فيها فـ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وقصة ذلك: أن إبراهيم ﵇ لما بيَّن لهم عيبَ أصنامهم قال له نمرود لعنه اللَّه: أرأيت إلهك ما هو؟ صفه لي، فقال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إلى آخر تلك القصة. ثم حبسه نمرود اللعين في السجن سبع سنين، فدعا أهلَ السجن إلى الإيمان والإسلام، فأسلم كثير منهم، ثم أخرجه واتَّفقوا على تحريقه بالنار، وبنَوا له بنيانًا طويلًا طولُه ستُّون ذراعًا، ونادى نمرود في الناس بجمع الأحطاب، فاشتغل كلُّ الناس بجمع الحطب وحمله على كل الدوابِّ أربعين يومًا، فملؤوا البنيان منه وبلَّطوا جداره وسدُّوا أبوابه بالنحاس المذاب، وقذفوا فيه النارَ فاشتعل لهبُها وسطع

стр. 5152

دخانها، فملأ كلَّ شيء حتى غَشِيَ مدينتهم وما حولها، وأظلم عليهم، وسُمع من النار أمثالُ وقع الحديد على الحديد، وتطايَرَ شررُها كالصخر، وكان يسمع وهجُها على مسيرة ليلة، ولم يقرب شيء منها إلا احترق بحرِّها. ثم بنوا بنيانًا شامخًا ونصبوا فوقه منجنيقًا، ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في المنجنيق فقذفوا به في النار، فلما وقع فيها إبراهيم وهي كالجبال أطفأها اللَّه تعالى، فخمدت ونشَّت نشيشَ النار التي يصبُّ عليها الماء. قال وهب: فبلغني أن السماء والجبال والبحار وما فيها من الخلق ضجُّوا إلى اللَّه تعالى ضجةً واحدة -إلا الثقلين- قالوا: ربنا ليس في أرضك مَن (١) يعبدك ويوحِّدك غيرَ إبراهيم حُرق بالنار من أجلك فأذن لنا في نصرته، فأوحى اللَّه تعالى إليهن: إن استغاث بشيء منكن فلْيَنْصُره ولْيُعِنْه، وإن استغاث بشيء من خلقي فلْيُعِنْه ولْيَنْصُرنه، وإن دعاني فأنا وليُّه وناصرُه، وكفى بي وليًّا وناصرًا أمنعه منهم وأَحُول بينه وبينهم (٢). وقال محمد بن إسحاق: قيَّدوه ورموا به من القرارة (٣) من مضربٍ شاسع، فاستقبله جبريل في الهواء فقال له: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، فأتاه ميكائيل وقال: إن أردتَ أخمدتُ النار فإن خزائن الأمطار والمياه بيدي، قال: لا أريد، فأتاه شمسائيل وهو خازن الريح فقال: إن شئت طيَّرتُ النار في الهواء، قال: لا حاجة لي إليكم؛ حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال جبريل: إن لم تسألنا فاسأل اللَّه، فقال: حسبي من سؤالي علمُه بحالي (٤).

стр. 5153

وقيل: كان من دعائه: لا إله إلا أنت سبحانك ربَّ العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (١). وقال وهب: قال إبراهيم: يا أحدُ يا صمدُ بك أستعينُ وبك أستغيثُ وعليك أتوكلُ، حسبي اللَّه لا إله إلا هو ونعم الوكيل، يا ربِّ إنك تعلم إيماني لك وعدوانَ قومي فيك، فانصرني عليهم ونجني من النار، فقال اللَّه تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كُراع (٢). وقال كعب: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار شيئًا إلا وثاقَ إبراهيم (٣). وقال وَهْبٌ: بقيت كذلك سبعة أيام.

стр. 5154

وقال السدي: فلما أشرف إبراهيم على النار صارت كالإكليل، وأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عينُ ماءٍ عذبٍ ووردٌ أحمرُ ونرجسٌ (١). وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعةَ أيام، ولم يقدر أحد أن يقرب من النار، وما شكُّوا في موته واحتراقه، فلما جاؤوا يستطلعون فإذا هو قائم يصلي. وقيل: بقي فيها (٢) أربعين يومًا. وقال وَهْبٌ: وجعل اللَّه ما حوله روضةً خضراء، وفرش له ما يشتهي، وألبسه وبنى فوقه قبةً، وجعل بينه وبين النار حجابًا من ثلج، وكانت النار توقَد فوق ذلك وحول ذلك حتى نظر إلى ضوئها أهل الشام، وذاب النحاس الذي سدَّت به الأبواب، واحترق الجدار وصار رمادًا، وخرج منها إبراهيم صحيحًا سالمًا، فانطلق يمشي حتى قعد إلى أمه وهي في مجمع (٣)، وأسلمت سارة يومئذ، وهي أولُ مَن آمن به، وأرسل اللَّه تعالى ريحًا عاصفًا فنسفت رماد تلك النار عن وجه الأرض وذراه في وجوههم وعيونهم، وقام إبراهيم داعيًا إلى اللَّه فقال لأبيه وقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾. وعن عائشة ﵂: أنها كانت تأمر بقتل الأوزاغ وتقول: إنهن كنَّ ينفُخْنَ على إبراهيم ﵇ (٤).

стр. 5155

وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾؛ أي: كوَّنها بردًا وسلامةً على إبراهيم (١)؛ كما قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. وقيل: خاطبها وركَّب فيها تمييزًا وأمرها أن تسلِّم على إبراهيم. وقال ابن عباس ﵄: لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكته النار ببردها (٢). * * * (٧٠ - ٧١) - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾: أي: قوم نمرود أرادوا أن يكيدوا بإبراهيم؛ أي: يحتالوا لإهلاكه ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾؛ أي: الأخيَبين؛ لأنَّه إذا سعى ولم يدرِك ما طلبه فقد خَسر سعيُه. وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: خلَّصنا إبراهيم وابنَ عمه لوطًا من نمرود وقومه وأرضهم، وأخرجناهما منها إلى أرض الشام. وقيل: كانوا مُكوثًا في أرض العراق، فخرج مهاجرًا إلى أرض الشام وفيها بركة الدِّين؛ لأنَّها منزل الأنبياء وبركةُ الدنيا لكثرة الماء والأشجار؛ هذا قول قتادة (٣). وقال ابن عباس ﵄: إلى مكة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] (٤).

стр. 5156

(٧٢ - ٧٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾: ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾؛ أي: زائدة على ما دعا، فإنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وهو سؤال الولد. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا﴾: أي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ في الدِّين. وقيل: ﴿صَالِحِينَ﴾ للنبوة والسفارة. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: في الأرض يؤتمُّ بهم ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾؛ أي: يَهْدون عبادنا إلى الحق بأمرنا إياهم به. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾: أي: أمرناهم ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: الطاعات ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ لا للأصنام، فأنتم يا معاشر العرب أولادُ إبراهيم فاتَّبعوه في ذلك كلِّه. * * * (٧٤ - ٧٥) - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: على الناس في الخصومات ﴿وَعِلْمًا﴾: معرفةً بأمور الدين. وقيل: ﴿حُكْمًا﴾ على العباد ﴿وَعِلْمًا﴾ بالحُكم. وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾: أي: من أهلها،

стр. 5157

وهي سَدُوم، وهي مدينة ويدخل فيها ما حولها من القرى، والخبائث: الكفرُ، وإتيانُ الذُّكران، والمنكرُ الذي كانوا يأتونه في ناديهم من التضارُط وحذفِ المارة بالحصى ونحوِ ذلك. وهذه خبائثُ لنفور القلوب عنها وقبحِها في العقول السليمة، ونجاتُه منها: هي خروجه منها حتى لم يُصِبْه عذاب أهلها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾: أي: قومُ لوط ﴿قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾: أي: خارجينَ عن طاعة اللَّه تعالى. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾: أي: لوطًا ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: نعمتنا، وهي جمع: من التوفيق للإيمان، والإكرامِ بالنبوة، وإهلاكِ مَن كذَّبه، وتخليصِه، وتخليصِ مَن اتَّبعه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ثوابًا له على صلاحه كما أهلكنا قومه عقابًا لهم على فسادهم. وقيل: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾ في النبوة ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لها. * * * (٧٦ - ٧٧) - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾: قيل (١): واذكر نوحًا، وقيل: أي: ونجَّينا نوحًا، وقيل: ورَحِمْنا نوحًا. والأصح: وآتينا نوحًا رشدَه، عطفًا على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾.

стр. 5158

﴿إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا ربَّه، كما قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وسائرِ ما ذكر من دعائه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: كان هو قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوطٍ. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: أي: دعاءَه ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: المؤمنين به من ولده وقومه. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: أي: الغمِّ الذي يأخذ بالنَّفَس. وقيل: الغرق، وهو هاهنا الطوفان. وقيل: هو أذى قومه. وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾: أي: منعناه ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهم كفار قومه؛ أي: من شرِّهم، وكذلك قولُه: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٣٠]: مَن ينصرنا من بأس اللَّه. وقيل: أي: فانتقمنا له ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. وقال أبو عبيدة: وأعنَّاه على القوم. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: وفي هذا كلِّه تسليةٌ للنبي ﷺ ، وتبشيرٌ له بالخلاص، وتثبيتٌ على الصبر. * * * (٧٨) - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: عطف على ما مر ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾: اختلفت الروايات في هذه القصة:

стр. 5159

روى محمد بن إسحاق عن الزهري: أن رجلًا أدخل ماشيتَه في زرع رجل فأفسدته، والنُّفوش: الرعيُ ليلًا، فارتفعا إلى داود ﵇، فقضى بغنم صاحب الغنم لصاحب الزرع، فانصرفا فمرَّا على سليمان، وكان سليمان يومئذ ابنَ إحدى عشرةَ سنة، فقال: بماذا قضَى بينكما نبيُّ اللَّه، فقال: قضى بالغنم لصاحب الزرع، فقال: إن الحُكم غيرُ هذا فانصرِفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبيَّ اللَّه، قضيتَ على هذا بغنمه لصاحب الزرع؟ قال: نعم، قال: يا نبيَّ اللَّه، إن الحكم على غير هذا، قال: وكيف يا بني؟ قال: يُدفع الغنم إلى صاحب الزرع فيصيب من ألبانها وسمونها وأصوافها، ويُدفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى الحالة التي أصابته الغنم عليها رُدَّت الغنم إلى صاحب الغنم ورُدَّ الزرع إلى صاحب الزرع، فقال داود ﵇: لا يَقطع اللَّه فهمَك، وقضى بما قضى به سليمان (١). وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾: أي: دخلت فيه ليلًا فرعَتْه وأكلته وأفسدته. قال الخليل: الإبل النَّوافشُ: التي تتردَّد بالليل في المراعي بلا راعٍ، وهي كالهوامل بالنهار (٢). وقال قطربٌ: ﴿نَفَشَتْ﴾: إذا تفرَّقت بلا راعٍ، ومنه: (العِهْن المنفوش)؛ أي: المتفرِّق. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾: أي: الحكمِ الذي جرى بين داود وسليمان والقوم ﴿شَاهِدِينَ﴾: حاضرين عالمين به.

стр. 5160

وقيل: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾: لحكم داود وسليمان، وجمَع التثنيةَ لأنها لأول الجمع، ونظيره: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: أخَوان. * * * (٧٩) - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾: أي: القصةَ (١) ﴿سُلَيْمَانَ﴾ دون داود. وقيل: الحكومةَ؛ لدلالةِ ﴿يحكمان﴾ عليها. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾: أي: وكلًّا من داود وسليمان أعطينا ﴿حُكْمًا﴾ أي: النبوة التي يُنفَّذ بها الحكمُ على الأمة. وقوله تعالى: ﴿وَعِلْمًا﴾: أي: ومعرفةً بمُوجِبِ الحكم. ويحتمِل ﴿وَكُلًّا﴾ منهما ومن سائر الأنبياء المذكورين في هذه السورة. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾: كان داود ﵇ إذا سبَّح سبَّحت الجبال والطير معه فيَسمع تسبيحهن، وكان ذلك معجزة له، وقوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي النهارَ كلَّه. قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قيل (٢): كنا قد قضينا أنَّا فاعلو ذلك. وقيل: كنَّا فاعلين ذلك به كما نفعله بأنبيائنا الذين نخصُّهم بالمعجزات. * * *

стр. 5161

(٨٠) - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾: أي: اتِّخاذَ الدروع بإلَانة الحديد له؛ كما قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]. وقيل: هو أولُ مَن عمِلها. وقوله تعالى: ﴿لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾: أي: ليُحرزكم، وفيه ثلاثُ قراءات: بالياء والتاء والنون (١)، فالياءُ مردودةٌ على اللَّه أو على اللَّبوس، والتاءُ على الصَّنعة، والنونُ على قوله : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾. والبأس: الحرب؛ أي: تقيكم في الحروب من القتل والجراح (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]. واللبوس: ما يلبس من ثوب أو درع، قال الشاعر: البَسْ لكلِّ حالةٍ لَبوسَها... إمَّا نعيمَها وإمَّا بوسَها (٣) وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾: استفهام بمعنى الأمر. وقيل: معناه: أن داود ﵇ لمَّا كان (٤) هو أولَ مَن عمِل ذلك، فتَوارثَها

стр. 5162

الناس إلى وقت رسول اللَّه ﷺ وبعده إلى يوم القيامة، فقال (١): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ للَّه تعالى على ما أنعم اللَّه تعالى عليكم من هذا وغيره. * * * (٨١) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾: على قراءة النصب؛ أي: وسخرنا لسليمان الريح، وعلى قراءة الرفع (٢) (الريحُ) خبرُ اللام؛ كقولك: المال لزيد. وقوله تعالى: ﴿عَاصِفَةً﴾: أي: شديدةَ الهبوب، نصبٌ على الحال، وقال في آية أخرى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦]؛ أي: ليِّنةً، والتوفيقُ بينهما: أنها كانت مذلَّلةً له فتجري على ما يريد عاصفةً أو رُخاءً. وقيل: كانت تسير سيرًا ليِّنًا في سرعةٍ، فيجتمع الوصفان في حالٍ واحدة. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: وهي الشام؛ لأن منزله كان بها، وكانت الريح تحملُه من نواحي الأرض إليها. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾: أي: فعلنا ذلك له، وكنَّا عالمين بأنه أهلٌ له، وعالِمين بكلِّ شيء. * * * (٨٢ - ٨٣) - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

стр. 5163

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾: أي: وسخرنا من الشياطين مَن يغوصون له في البحار بأمره، لاستخراج الدُّرر (١) وما يكون فيها، و (مَن) اسمُ جنس فصلح للجمع. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: سوى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. وقيل: كانوا يعملون له من أمور الصناعات والأبنية. وقيل: هم الذين عملوا له الحمَّام والنُّورة والطواحين والقوارير والصابون. وقيل: إن نهر الملك (٢) ببغداد حفرتْه له الشياطين، وألقت ترابه بين خانقين وقصر شيرين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: قيل: أي: كنا لهؤلاء الشياطين وأعدادِهم وأعمالهم حافظين لا يَؤُودنا حفظُ ذلك. وقال الحسن: حفظناهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه. قال: ولم يكن سليمان يسخِّر في هذه الأعمال إلا الكفار منهم (٤). وقيل: كنا لهم حافظين؛ أي: أن يمتنعوا عليه.

стр. 5164

وقيل: وكنا للأنبياء حافظين، وكانوا لنا عابدين. وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾: عطفٌ على ما تقدم ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾؛ أي: دعاه. وقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾: أي: نالني في بدني ضرٌّ، وهو ما أصابه من المرض والداء والمصيبة في ماله وأهله. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أي: لا أحد أرحمُ منك؛ أي: فارحمني واكشِفْ عني الضرَّ الذي مسني. * * * (٨٤) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: أجبنا دعاءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾؛ أي: وكشفنا ضرَّه (١) إنعامًا عليه. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ قال وهبٌ: إن أيوبَ ﵇ بنَ موص ابنِ رعويل (٢)،. . . . . .

стр. 5165

النبيَّ ﵇ كان زوجَ ليا (١) بنت يعقوب، وقيل: رحمة بنت يعقوب، وأبوه موص كان ممن آمن بإبراهيم يوم ألقي في النار، وكانت أم أيوب بنتَ لوطٍ النبيِّ ﵇، وكانت لأيوبَ البَثْنيةُ (٢) كلُّها شرقُها وغربها وسهلُها وجبلها، وهي ولاية بالشام بقربِ دمشق، وكان موسَّعًا عليه غنيًّا كثيرَ الضيافة عظيم الصدقة. وقال ابن عباس ﵄: وكان إبليس يومئذ يصعد إلى السماوات فيسمع الملائكة يقولون: إن للَّه تعالى عبدًا في الأرض يقال له: أيوب، من فضله كيت وكيت، فقال إبليس لعنه اللَّه: لو سلَّطني اللَّه عليه لأَضْطرَّنَّه إلى الجزَع والشكاية، فسلَّطه اللَّه تعالى على ماله، فنزل إلى الأرض واستغوى جنوده، وذكر لهم ما وقع له، وكان لأيوب يومئذ ثلاثةُ آلاف بعيرٍ، في كلِّ خمسين منها عبدٌ له يرعاها، ولكلِّ عبد امرأةٌ وولد ومالٌ حسن، وسبعةُ آلاف شاةٍ، في كلِّ خمسِ مئة منها عبدٌ له يرعاها، وله امرأةٌ (٣) وولد ومالى حسن، وخمسُ مئةِ أتانٍ لها أولادٌ، وخمسُ مئة فدانٍ بآلاته، كلُّ فدان في يد عبدٍ له، وله أهل وأولاد ومال، وكلُّ أتانٍ يحمل آلةَ كلِّ فدان، فقال عفريتٌ: لي من القوة ما إذا شئتُ تحوَّلت إعصارًا من النار أَحرق كلَّ شيء، فقال له: أنت للإبل ورعاتها، فجاءها وأحرقها كلَّها ورعاتها، وجاء إبليس متمثِّلًا بواحد من رعاتها، فأتى أيوب وقال: يا أيوب، هل علمتَ ما صنع ربك بإبلك؟ قال: إنها ليست بإبلي ولكنها عاريَّةٌ عندي، وهي مال ربي فهو أولى بها مني، قال: ما قبَضها قبضًا جميلًا، لكن أرسل لها شواظًا من نار فأحرقها ورعاتَها، وترك الناس قيامًا عليها

стр. 5166

مبهوتين، منهم مَن يقول: ما كان أيوب يعبد شيئًا، ولا كان إلا (١) في غرور، ولو كان له ربٌّ يقدر على أن يمنع شيئًا لمنع وليَّه، ومنهم مَن يقول: بل ربُّه الذي عبده وتوكَّل عليه هو الذي فعل به ليَفْجَع به أحبَّاءه ويُشمت به أعداءه (٢)، ومنهم مَن يقول: بل كان أيوب مُرائيًا، ولو كان صادقًا ما جازاه اللَّه تعالى هذا الجزاء، فقال أيوب ﵇: الحمد للَّه حين أعطى وحين أخذ، والحمد للَّه حين أعار، والحمد للَّه حين نزع عاريَّته، خرجتُ من بطن أمي عاريًا وأُردُّ إلى تراب كذلك، وأصير إلى اللَّه، ولو علم اللَّه فيك خيرًا لقبض روحك مع تلك الأرواح فاستَشهدك وأجَرَني فيك، ولكنه علم منك شرًّا، فارجع عني مذمومًا مدحورًا. فرجع إبليس إلى أصحابه في شرِّ حال، واستشارهم، فقال عفريت آخر: أنا أصيح صيحة لا يسمع فيها (٣) ذو روح إلا مات، فسلطه على الغنم فصاح بها فماتت ومات رعاتها، وعاد هو إلى أيوب وقال ما قال في المرة الأولى، وأجاب بما أجاب، ورجع إلى جنوده وأخبر آخرُ إبليسَ (٤) أنه يصير ريحًا تنسف كلَّ شيء، فسلطه اللَّه على الحرَّاثين والفدادين فأهلك الحرثَ والحراثين (٥)، وعاد إبليس بالقصة كالأول، فسأل اللَّه تعالى أن يسلِّطه على ولده ففعل، فأتى قصور أولاده وهم رجالٌ ونساء، وكهولٌ وشباب، ومُردٌ وأطفال، ومراضعُ وحواضن والمعلِّمون، فزلزلها حتى تداعت من قواعدها، ثم شدخهم بالخشب والجندل ورفع القصور فقلبها، ثم

стр. 5167

جاء على صورة معلِّم يصيح ويَنُوح وأخبره بما صار إليه أولاده، فأجاب كذلك، فتحير إبليس وقال: إن أيوب يرى سلامةَ نفسه فيَهون عليه هلاك ماله وولده، ولو سلَّطني اللَّه تعالى على جسده لظهر منه ما أقول، فسلَّطه اللَّه على جسده، فجاء وهو ساجد فدخل تحت وجهه ونفخ في أنفه نفخةً من لهب النار اشتعل منها جسده واسودَّ وجهه وتمعَّط شعره، ونضح (١) دماغه ومخُّه، وظهر في جسده ثآليل مثل أليات الشاة، فاحتكَّ، فجعل يحكُّها بأظفاره وبالعظم والخزف، فوقعت فيه الأكلة والدُّود، وسال منه الصديد، وتأذى به الجيران، فبنوا له عريشًا ونقلوه إليه، فلبث فيه ثلاث سنين في أشد الجهد، وقطعه القريب والبعيد، وكانت امرأته تدور في القرية وتعمل للناس وتجيء بقُوْته، ولم تجد عملًا يومًا فباعت ذؤابتيها برغيفين فأتته بهما، فقال لها: أين ذؤابتاك؟ قالت: بعتهما برغيفين (٢)، فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. وقال بعضهم: ضعُف عن العبادة فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ كذلك. وقيل: إنما قال ذلك لأن الشيطان تمثَّل لهم وقال لهم: لا تستعملوا هذه المرأة فإنها تمسُّ بيدها هذا المريض فتُعْدي، فلم يستعملوها، فلم تجد شيئًا، فرجعت إليه بغير شيء فأخبرته بذلك فقال ذلك. وقيل: تراءى لها وقال: أنا طبيب فاسقيه خمرًا يبرأ، فذكرت له ذلك فقال ذلك. وقيل: إنه تمثَّل -أي: إبليس (٣) - لأيوب وقال: إنها أخذت في فاحشة فقطعت ذؤابتاها لذلك، فاهتاج لذلك فقال ذلك.

стр. 5168

وقيل: جاءه خليلان له بطعام، فلما نظرا إليه قالا: لو كان فيه خير لم يصيَّر كذا، ومالا (١) ولم يطعماه. وقيل: إنما قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ حين وصل (٢) الدود إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يمنع عن الذكر والشكر (٣). وقيل: معناه: مسني الضر من شماتة الأعداء. وقيل: إنما قال ذلك حين قال إبليس لامرأته: اسجدي لي سجدةً حتى أردَّ عليك المال والأولاد وأعافيَ زوجك، فأنا فعلتُ ذلك بكم، فذكرت المرأة له ذلك فقال: مسَّني الضرُّ مِن طمَع إبليس في سجود امرأتي له. وقيل: إنما قال ذلك حين سقطت من جسده دودةٌ، فأعادها إليه (٤) فعضَّته عضة، فعجز عن الصبر عليه لاختياره ذلك. وقيل: مكث في بلائه ثلاث سنين. وقيل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقيل: ثماني عشرة سنة. ثم في تسليط إبليس عليه وعلى ماله وولده زيادةُ غيظ على (٥) إبليس، وإظهارُ صدق أيوب، ورفعُ درجاته، وتضعيف كراماته، وقصةُ عاقبته تذكر في (سورة ص) إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 5169

وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: قال الحسن: آتاه اللَّه أهله وولده بأعيانهم ومثلَهم معهم مِن نسلهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ﵃ (١). وقال الكلبي: آتاه اللَّه ذلك في الآخرة. وقال القاسم بن أبي بَزَّةَ: بعثني مجاهد إلى عكرمة أسأله عن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: قيل له: أهلك في الجنة، فإن شئتَ أحييناهم لك، وإن شئت كانوا لك في الجنة، قال: بل يكونون لي في الجنة، وعوِّض مكانهم في الدنيا (٢). وقال وهب: كان له سبعةُ بنينَ وسبعُ بنات، فأحياهم اللَّه تعالى وردَّهم عليه مع الأموال، وولد له مثلُهم، وكذلك قال كعب (٣). وقال القشيري: سمي أيوبَ لكثرة إيَابه إلى اللَّه تعالى. وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، ثم إنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٤) فلم يكن جزعًا وتركًا للصبر بل إظهارًا لعجز البشر. وقال: إنما قال ذلك شكرًا لا شكايةً، ومعناه: مسني الضرُّ الذي تخصُّ به أولياءك، وذلك برحمتك وأنت أرحم الراحمين. قال: وقيل: اشتَبه عليه وجهُ البلاء أنه تطهيرٌ أو تأديب، أو تعذيب أو تهذيب، أو

стр. 5170

تقريب، أو تمحيص أو تخصيص، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ خوفًا عن (١) أن يكون تعذيبًا. قال: وقيل: أوحى اللَّه تعالى إليه: إن سبعين (٢) من الأنبياء طلبوا مني هذا البلاء (٣) وأنا اخترته لك، فلما أراد اللَّه كشفه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ لفقدي ألم الصبر (٤). وقيل: كوشف بمعنًى من المعاني فلم يجد ألمَ البلاء، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ لفقدي ألم الضر. قال: وقيل: ألف الاستفهام مضمرة في أوله: أمسَّني الضر، كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: أوتلك نعمة، ومعناه: أيكون هذا؟ أُمسُّ الضرَّ وأنت أرحم الراحمين أشاهدُ فضلك ورحمتك؛ أي: ليس بمسِّ ضرٍّ (٥). * * * (٨٥ - ٨٦) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾: عطف على ما تقدم. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: مدَحهم بالصبر. وذو الكفل اختُلف فيه؛ قال الحسن: هو اسم نبيٍّ (٦)، بدليلِ أنه ذُكر في عداد الأنبياء.

стр. 5171

وقيل: هو إلياس، وقيل: هو زكريا كفيل مريم، وقيل: كان خليفةَ نبيٍّ في قومه بعد وفاته. وقال قتادة ومجاهد ومَعْمَرٌ وابن جُريج -وهو مرويٌّ عن أبي موسى الأشعري-: لم يكن نبيًّا، وإنما كان رجلًا صالحًا كَفَل بأمورِ خيرٍ (١). وقال ابن عباس ﵄: كان في بني إسرائيل ملك قتل ثلاثَ مئة نبي في أولى النهار، وأقام سوقًا فأخذ منه مثلهم فقتلهم (٢) آخر النهار؛ استخفافًا بهم وجراءة على اللَّه تعالى، فانفلت منهم مئة نبيٍّ فكفلهم وخبأهم عنه، فسمي به (٣). وقيل: اسمه عويذ (٤) بن آزر. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾: أي: النبوة ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لذلك. وقيل: أي: في رحمتنا في الآخرة إنهم من العاملين بطاعتنا. * * * (٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: عطفٌ على ما مر، والنون: الحوت، وهو كقوله تعالى: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وهو يونس بن متَّى.

стр. 5172

قال ابن عباس ﵄: كان يونسُ وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك فسبى منهم سبعةَ أسباط ونصفَ سبط، وبقي سبطان ونصفُ سبط، فأوحى اللَّه تعالى إلى أشعيا (١) النبيِّ ﵇ أن سرْ إلى حزقيا الملِكِ وقل له حتى يوجِّهَ نبيًّا قويًا أمينًا، فإني ألقي في قلوب أولئك الرعب (٢) حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملِك: فمَن تَرى؛ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس، فإنه قويٌّ أمين، فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك اللَّه بإخراجي؟ قال: لا، قال: هل سمَّاني لك؟ قال: لا، قال: هاهنا غيري أنبياءُ أقوياءُ أمناءُ، فخرج مغاضِبًا للملك، فأتى بحرَ الروم فإذا هو بسفينةٍ محشوَّةٍ فركبها، فلما لجَّجت السفينة تكفَّأت حتى كادوا يغرقون، وذكر حديث القرعة (٣). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: بُعث يونس إلى قرية فردُّوا عليه ما جاءهم به، فأوحَى اللَّه إليه: أني أرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهُرهم، فأَعْلم قومه الذين قد أَوعدهم، فقال بعضهم لبعض: ارْمُقوه، فإن هو خرج فإنه كائن ما وعدكم به، فرمقوه حتى إذا كانت تلك الليلة التي يجيء العذاب في صبيحتها فخرج ليلًا، ورآه القوم فحذِروا وخرجوا إلى بَرَازٍ من الأرض وفرَّقوا بين كلِّ ذات ولدٍ وولدِها، ثم عجُّوا إلى اللَّه تعالى وتابوا، فصرف اللَّه عنهم العذاب، وكان يونس ﵇ ينتظرُ العذاب، فأُخبر بما فعل قومه وبما صُرف العذاب عنهم، فلم يرجع يونس إليهم خشيةَ أن يُنسب إلى الكذب، ومضى على وجهه (٤).

стр. 5173

حتى أتى سفينةً فركب فيها، حتى إذا توسطت ركدت لا تتقدم ولا ترجع، فقال أهل السفينة: إن لسفينتنا شأنًا! قال يونس: قد واللَّه عرفتُ شأنها، قالوا له: وما شأنُها؟ قال: ركبها رجل ذو خطيئةٍ عظيمة، قالوا: ومَن هو؟ قال: أنا، فاقذفوني من سفينتكم في البحر وانطلِقوا لشأنكم، فقالوا: واللَّه ما كنَّا لنطرحَك من بيننا أبدًا حتى نُعذر (١) في شأنك، فقال لهم: فاستهِموا حتى ننظرَ مَن وقع عليه السَّهم، فاقترعوا فأُدْحِضَ سهم يونس، فقال: قد أخبرتكم فاقذِفوني في البحر، فقالوا: لا نفعل حتى نعذر (٢) في شأنك، ففعل ذلك ثلاث مرات وإن الحوت عند رجل السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر اللَّه فيه، فقال لهم يونس: إنكم واللَّه لن تصنعوا شيئًا، وإنكم لتَهْلِكُنَّ أو لتَقْذِفُنَّني منها، فقذفوه منها إلى البحر فالتقمه الحوت وانطلق به إلى مسكنه في البحر، فأقام في بطنه ثلاثًا (٣) ثم أمره اللَّه تعالى فخرج به حتى لفظه فطرحه (٤) في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المولود لم ينقص من خلقته شيءٌ، وذلك لأنه نادى في الظلمات: ظلمةِ الليل، وظلمةِ البحر، وظلمةِ بطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ معترِفًا بزلَّته تائبًا منها، فأنبت اللَّه عليه شجرةً من يقطينٍ، وفجَّر تحت خده عينًا من ماءٍ، فنبت كما ينبت الصبي حتى استوى وصار كما كان (٥).

стр. 5174

وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لمَّا أراد اللَّه تعالى حبسَ يونس بن متى في بطن الحوت، أوحى اللَّه إلى الحوت: أنْ خُذه، ولا تخدِش له لحمًا، ولا تكسر له عظمًا، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى إلى مسكنه في أسفل البحر فسمع يونس حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؟! فأوحى اللَّه إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيحُ دوابِّ البحر، فعند ذلك سبَّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنَّا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبةٍ! قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبستُه في بطن حوت في البحر، فقالوا: يا ربنا! العبد الصالح الذي كان يصعد منه في كلِّ يوم وليلةٍ عملٌ صالح؟ قال: نعم، قال: فَشَفَعوا له عند ذلك، فأمر اللَّه تعالى الحوت فقذفه بالساحل" (١). وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: أي: أنْ لن نضيِّقَ عليه، قال اللَّه تعالى في سورة (والفجر): ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]؛ أي: ضيَّق. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: والظلمات ثلاثٌ على ما ذكرنا في القصة. وقيل: ابتلع الحوتَ الذي ابتلع يونسَ ﵇ حوتٌ آخر، ثم ابتلع

стр. 5175

ذلك الحوتَ حوتٌ آخر، فكان في ظلمات بطون الحيتان الثلاثة، قاله سالم بن أبي الجعد (١). وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾: وهذا توحيدٌ وتنزيه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: وهذا اعتراف بالزلة، وقد فسَّرناه في سورة البقرة عند ذكر زلة آدم، وهي فعلُ الفاضل وترك الأفضل، وكان الأفضل أن يرجع شفقةً على قومه وإن كان ذهابه فاضلًا لأنه غاضَبهم في ربه. * * * (٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: دعاءه، وهو ما ثبت في ضمن هذا الثناء. وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾: قيل: غمِّ الحبس، وقيل: غمِّ الزلة. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: الذين يدعونني إذا ابتُلوا. وقيل: وكذلك ننجي مَن تكلَّم بهذه الكلمات. وقيل: نجيناه من البلاء لطاعته في الرخاء، وكذلك ننجي مِن المحنة مَن كان مطيعًا لنا في النعمة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. قال: أخذته الزَّلةُ برجله فسَفَلتْه في البحر، وأخذته الطاعة بيده فأَعْلَتْه إلى الساحل، وكذلك معصيةُ كلِّ عاصٍ تَسْفُله في النار أسفلَ سافلين، وتُعليهِ (٢) طاعتُه في أعلى علِّيِّين.

стр. 5176

وقيل: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من الظلمات الثلاث: ظلمةِ الدنيا، وظلمةِ القبر، وظلمةِ النار. وقال النبي ﷺ : "دعوةُ ذي النون ما دعا بها مؤمنٌ إلا استُجيب له" (١). وقيل: صحب يونسُ النونَ سبعةَ أيام فلزمه الاسمُ فلا يفارقه، والمؤمن صحبه الإيمانُ سبعين سنة فكيف يفارقه الاسم؟ * * * (٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا﴾: عطفٌ على ما تقدم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا ربه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾؛ أي: بلا ولدٍ يعينني على إقامة دِينك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: أعلمُ أنك لا تضيِّع دينك، ولا تُخْلي الدنيا بعدي عن قائمٍ بحقِّك، وهذا على وراثة النبوة. وقيل: معناه: ربِّ لا أسألك ولدًا يرث (٢) مالي نفاسةً على أخذِ ميراثي من غير ولدي، فإن الأموال كلَّها صائرةٌ إلى غير وارث سواك، وأنت خيرُ الوارثين لأن الموروث مِلكُك وعطيَّتك ومنك كان وإليك عاد.

стр. 5177

وقيل: معناه: إن تفضَّلت بهبةِ وارثٍ لي فهو منَّتُك (١) وإنعامُك، وإلا فكفى بك وارثًا، واللَّه أعلم بما أراد. * * * (٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾: قيل: عن العُقم، وقيل: أصلحنا أخلاقها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: الكناية عن زكريا وامرأته وأهل بيته. وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أي: في الشدة والرخاء (٢) ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾: خاضعين خائفين. * * * (٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: عطف على ما تقدم، وهي مريم، و ﴿أَحْصَنَتْ﴾؛ أي: أحرزت فرجَها من السِّفاح.

стр. 5178

﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾؛ أي: جبريلُ في جيبها ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من روحٍ خلقناها (١) نحن بعيسى على الخصوص، وهي إضافة تخصيصٍ كبيتِ اللَّه وناقةِ اللَّه. ذكَر مريم -وهي ليست من الأنبياء- بعد ذكر الأنبياء ليَتِمَّ ما أُريد من ذكر عيسى، ألا تَراه قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فجعلهما معًا آيةً واحدة؛ لأن الآية كانت باجتماعهما، وهي الأعجوبة للخلق والدلالةُ على نفاذِ قدرة اللَّه تعالى على ما يشاء، إذ وُلد عيسى من غيرِ أبٍ ووَلَدت هي من غيرِ زوج. * * * * (٩٢ - ٩٣) - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: قيل: هو خطابُ هؤلاء الأنبياء: إن هذا دينُكم دينًا واحدًا، نُصب على القطع، وكان الأنبياء كلُّهم على دينٍ واحدٍ في التوحيد والطاعة، وإنما اختلفت شرائعُهم وأحكامهم، وهو كقوله خبرًا عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وهي من الأَمِّ وهو القصدُ، وكلُّ ذي دِينٍ قاصدٌ إلى ما يَدِين به. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾؛ أي: وحِّدوني وأطيعوني؛ أي: اثبُتوا على هذا. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أي: تقسَّموا وتوزَّعوا أمرهم في أديانهم، يعني: بعضُ أممهم فعلوا ذلك فدانوا بأديانٍ مختلفة يهوديةٍ ونصرانيةٍ ومجوسيةٍ وإشراك. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾: فنجازي كلًّا جزاءَ مثله. وقيل: هذا خطابٌ للمشركين، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛

стр. 5179

أي: أنتم على دينٍ واحد وهو الكفر ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ آمِنوا بي ووحِّدوني وأطيعون ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ فاختلفوا يهودًا ونصارى ومجوسًا ومشركين (١) ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجازيهم. * * * (٩٤ - ٩٥) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾: أي: فإن سعيه مشكورٌ مقبول ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾؛ أي: نحفظ عليه أعماله فنجزيهِ بها. وقيل: تكتبها ملائكتنا بأمرنا فنُخرجُ لهم الكتبَ يوم القيامة فنحاسبُهم بها. وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿وحِرْمٌ﴾ بكسر الحاء، وقرأ الباقون: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (٢) والمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: كلُّ قرية أهلكناها بكفرها -أي: أهل قرية- فحرامٌ عليهم -أي: هم ممنوعون منه- أن يرجعوا إلى قريتهم أو إلى الدنيا فيتلافَوا ما فَرَط منهم؛ أي: فلْيجتهدوا قبل الهلاك إذًا فلا (٣) تدارُك بعد الهلاك. و ﴿وَلَا﴾ زائدة في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١].

стр. 5180

وقالت (١) عائشة ﵂ وعيسى بن عمر (٢): ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾؛ أي: واجبٌ وعزم، وعلى هذا التأويل ﴿لَا﴾ ليست بزائدةٍ بل هي ثابتة؛ أي: ثبَت هذا وتحقَّق ﴿إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الدنيا. * * * (٩٦ - ٩٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: أي: لا يرجعون، بل يبقَون (٣) في قبورهم معذَّبين إلى أن تُفتح جهةُ يأجوج ومأجوج (٤) وهو السد. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾: أي: من كلِّ مرتفعٍ من الأرض يُسرعون، و ﴿يَنْسِلُونَ﴾ (٥) عدُّوه من باب ضرب. وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾: قيل: الواو زائدة، معناه: اقترب، جوابًا لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا﴾، و ﴿الْوَعْدُ﴾ بمعنى: الموعود، و ﴿الْحَقُّ﴾: الصِّدق. وقيل: الواو للعطف، والجواب في قوله ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ على إضمارِ: (قالوا: يا ويلنا).

стр. 5181

وقيل: جوابه محذوف: ندِموا، أو: علِمو ا، وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ العطفُ على الجواب المحذوف. ﴿فَإِذَا هِيَ﴾: قيل: ﴿هِيَ﴾ إشارةٌ إلى (١) الأبصار المذكورةِ بعدها؛ ابتدأ بالكناية ثم صرَّح بعدها للبيان. وقيل: ﴿هِيَ﴾ عماد، وتقديره: فإذا أبصار الكفار شاخصةٌ، قال الشاعر: بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ... فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا رأسُ (٢) أي: فهل رأسٌ مرفوعٌ. يقول: إن القيامة إذا قامت شخصت ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ارتفعت خوفًا لما ينالهم من الوعيد وتوقُّعًا لذلك ﴿يا ويلنا﴾؛ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ذكروا أولًا ما يشبه العذرَ: كنَّا في غفلةٍ كمَن لا يعلم بالشيء فيستعدَّ له، ثم يقولون: بل أَنذرَنا الرسل لكنَّا ظلمنا أنفسنا بالتكذيب وتركِ استعدادنا لهذا (٣). * * * (٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: أي: مرميٌّ

стр. 5182

به في النار، يقال: حصَبْتُه بالحصى (١)؛ أي: رميتُه بها؛ أي: تُرمون أنتم والأوثانُ في النار كالحطب يرمَى فيها (٢). وقال الفراء: الحصَب: الحطَب بلغة أهل اليمن (٣). وقال الهيثم بن عديٍّ: بلغة الحبشة (٤). وقرأ ابن عباس ﵄ بالضاد المنقوطة فوقها (٥)، وهو ما هيَّجْتَ به النار. وقال قطرب: بالصاد المعجمة تحتها (٦) أيضًا: الوقود (٧). وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: الأوثان والعبَّاد فيها داخلون (٨)، و ﴿لَهَا﴾

стр. 5183

لتقدُّم محلِّ الفعل (١)، كما في قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وقِرانُ الأصنام بهم لزيادة عذابهم (٢)، لأنها حجارة فتَحمى فيعذَّبون بها، ولزيادة حسرتهم، فإنهم عبدوها راجين نفعَها فحُرموه ونالهم بها زيادة ضرٍّ. * * * (٩٩ - ١٠٠) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾: أي: لأَمْكنَها دفعُ النار عن أنفسها فلم توقَع فيها. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: العابدون والمعبودون. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أي: للكفار ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: صوتًا لصممهم، وفي السماع نوعُ تفرُّج فلم يعطَوا ذلك. وقيل: لا يسمعون ما يسرُّهم. * * * (١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: روى محمد بن إسحاق: أن النبي ﷺ جلس يومًا مع الوليد بن المغيرة في

стр. 5184

المسجد، فجاء النَّضْر بن الحارث حتى جلس معهما، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول اللَّه ﷺ ، فعرَض له النضر بن الحارث، فكلَّمه رسول اللَّه ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ثم قام رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَي بنِ قيس ابن عدي السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد اللَّه بن الزِّبعري: واللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم أنَّا وما نعبد من دون اللَّه من آلهتنا هذه حصبُ جهنم، فقال ابن الزِّبعري: أمَا واللَّه لو وجدتُه لخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكلُّ مَن عُبد من دون اللَّه في جهنم مع مَن عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهودُ تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، فعجِب الوليد بن المغيرة ومَن كان في المجلس مِن قول عبد اللَّه بن الزبعري، ورأوا أنه قد خاصم واحتج، فذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "نعمْ، كلُّ مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده، إنما يعبدون الشياطين ومَن أمَرتهم بعبادته"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: عيسى بن مريم وعزير ومَن عَبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضَوا على طاعة اللَّه فاتخذهم مَن بعدَهم من أهل الضلالة أربابًا من دون اللَّه، وأَنْزَل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة لأنها بنات اللَّه، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (١).

стр. 5185

ثم اعتراضُهم إن كان على ظاهر الآية فهو فاسد؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ وذلك لا يتناول مَن (١) يَعقل، ولا يعمُّ الملائكة ونحوَهم، بل يقتصر على الأصنام. أما لو قالوا: كلُّ معبود من دون اللَّه هل يكون مع عابده في النار؟ وهذا سؤال عامٌّ (٢) يتناول الكلَّ، لكن جواب رسول اللَّه ﷺ : "مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده" يقتضي إخراج هؤلاء من ذلك (٣)؛ لأنَّهم لا يرضون بذلك فلا يَلزمه كلامُهم، وكان نزول هذه الآية الثانية بعد سؤالهم زيادةَ إيضاحٍ لهم، وكان تنبيهًا أنهم بما سبقت لهم من اللَّه الحسنى لا يكون لهم دخول النار. وقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنة، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ومعناه: سبق لهم الوعدُ بها لإيمانهم وطاعتهم. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾؛ أي: عن النار مبعَدون لا يعذَّبون فيها. وقيل: ﴿الْحُسْنَى﴾: السعادةُ، يعني: مَن سبقت له السعادةُ الأزلية؛ أي: الحكمُ منا بالسعادة. قال الجنيد ﵀: سبقت العناية في البداية فظهرت الولاية في النهاية. * * * (١٠٢ - ١٠٣) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
следующие страницы →