وقيل: جوابه محذوف: ندِموا، أو: علِمو ا، وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ العطفُ على الجواب المحذوف.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾: قيل: ﴿هِيَ﴾ إشارةٌ إلى (١) الأبصار المذكورةِ بعدها؛ ابتدأ بالكناية ثم صرَّح بعدها للبيان.
وقيل: ﴿هِيَ﴾ عماد، وتقديره: فإذا أبصار الكفار شاخصةٌ، قال الشاعر:
بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ... فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا رأسُ (٢)
أي: فهل رأسٌ مرفوعٌ.
يقول: إن القيامة إذا قامت شخصت ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ارتفعت خوفًا لما ينالهم من الوعيد وتوقُّعًا لذلك ﴿يا ويلنا﴾؛ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ذكروا أولًا ما يشبه العذرَ: كنَّا في غفلةٍ كمَن لا يعلم بالشيء فيستعدَّ له، ثم يقولون: بل أَنذرَنا الرسل لكنَّا ظلمنا أنفسنا بالتكذيب وتركِ استعدادنا لهذا (٣).
* * *
(٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: أي: مرميٌّ
стр. 5182
به في النار، يقال: حصَبْتُه بالحصى (١)؛ أي: رميتُه بها؛ أي: تُرمون أنتم والأوثانُ في النار كالحطب يرمَى فيها (٢).
وقال الفراء: الحصَب: الحطَب بلغة أهل اليمن (٣).
وقال الهيثم بن عديٍّ: بلغة الحبشة (٤).
وقرأ ابن عباس ﵄ بالضاد المنقوطة فوقها (٥)، وهو ما هيَّجْتَ به النار.
وقال قطرب: بالصاد المعجمة تحتها (٦) أيضًا: الوقود (٧).
وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: الأوثان والعبَّاد فيها داخلون (٨)، و ﴿لَهَا﴾
стр. 5183
لتقدُّم محلِّ الفعل (١)، كما في قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
وقِرانُ الأصنام بهم لزيادة عذابهم (٢)، لأنها حجارة فتَحمى فيعذَّبون بها، ولزيادة حسرتهم، فإنهم عبدوها راجين نفعَها فحُرموه ونالهم بها زيادة ضرٍّ.
* * *
(٩٩ - ١٠٠) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾: أي: لأَمْكنَها دفعُ النار عن أنفسها فلم توقَع فيها.
قوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: العابدون والمعبودون.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أي: للكفار ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: صوتًا لصممهم، وفي السماع نوعُ تفرُّج فلم يعطَوا ذلك.
وقيل: لا يسمعون ما يسرُّهم.
* * *
(١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾:
روى محمد بن إسحاق: أن النبي ﷺ جلس يومًا مع الوليد بن المغيرة في
стр. 5184
المسجد، فجاء النَّضْر بن الحارث حتى جلس معهما، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول اللَّه ﷺ ، فعرَض له النضر بن الحارث، فكلَّمه رسول اللَّه ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ثم قام رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَي بنِ قيس ابن عدي السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد اللَّه بن الزِّبعري: واللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم أنَّا وما نعبد من دون اللَّه من آلهتنا هذه حصبُ جهنم، فقال ابن الزِّبعري: أمَا واللَّه لو وجدتُه لخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكلُّ مَن عُبد من دون اللَّه في جهنم مع مَن عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهودُ تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، فعجِب الوليد بن المغيرة ومَن كان في المجلس مِن قول عبد اللَّه بن الزبعري، ورأوا أنه قد خاصم واحتج، فذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "نعمْ، كلُّ مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده، إنما يعبدون الشياطين ومَن أمَرتهم بعبادته"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: عيسى بن مريم وعزير ومَن عَبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضَوا على طاعة اللَّه فاتخذهم مَن بعدَهم من أهل الضلالة أربابًا من دون اللَّه، وأَنْزَل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة لأنها بنات اللَّه، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (١).
стр. 5185
ثم اعتراضُهم إن كان على ظاهر الآية فهو فاسد؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ وذلك لا يتناول مَن (١) يَعقل، ولا يعمُّ الملائكة ونحوَهم، بل يقتصر على الأصنام.
أما لو قالوا: كلُّ معبود من دون اللَّه هل يكون مع عابده في النار؟ وهذا سؤال عامٌّ (٢) يتناول الكلَّ، لكن جواب رسول اللَّه ﷺ : "مَن أحبَّ أن يُعبد من دون اللَّه فهو مع مَن عبَده" يقتضي إخراج هؤلاء من ذلك (٣)؛ لأنَّهم لا يرضون بذلك فلا يَلزمه كلامُهم، وكان نزول هذه الآية الثانية بعد سؤالهم زيادةَ إيضاحٍ لهم، وكان تنبيهًا أنهم بما سبقت لهم من اللَّه الحسنى لا يكون لهم دخول النار.
وقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنة، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ومعناه: سبق لهم الوعدُ بها لإيمانهم وطاعتهم.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾؛ أي: عن النار مبعَدون لا يعذَّبون فيها.
وقيل: ﴿الْحُسْنَى﴾: السعادةُ، يعني: مَن سبقت له السعادةُ الأزلية؛ أي: الحكمُ منا بالسعادة.
قال الجنيد ﵀: سبقت العناية في البداية فظهرت الولاية في النهاية.
* * *
(١٠٢ - ١٠٣) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
стр. 5186
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: أي: صوتها، وهو قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾: وذاك في الجنة، ولهم فيها ما يشتهون.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾: أي: فزعُ القيامة، فهو أكبر الأفزاع.
وروي أن الفزع الأكبر إذا ذُبح الموت.
وقيل (١): إذا أُطبقت النار على أهلها.
وقيل: إذا أُمر بالكفار إلى النار (٢).
ورُوي: إذا نفخ في الصور النفخةُ الثانية.
وقال ذو النون المصري: هو فزع القطيعة.
وروي: إذا نادى المنادي ألَا إنَّ فلان بنَ فلان قد سُعِدَ سعادةً لا شقاوة بعدها أبدًا، ألَا إن فلانَ بن فلان قد شَقِي شقاوةً لا سعادة (٣) بعدها أبدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: تستقبلهم ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾؛ أي: يقولون لهم: هذا يومكم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾؛ أي: توعدون فيه الكرامةَ من اللَّه تعالى.
* * *
стр. 5187
(١٠٤) - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: أي: لا يَحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء؛ أي: السماوات؛ كما قال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وهو عبارةٌ عن نقض تركيبها.
وقوله تعالى: ﴿كطَيِّ السِّجِلِّ للكِتَاب﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿للكتاب﴾ على الواحد (١).
والسجل هو الكتاب.
وقيل: هو اسم كاتبٍ مخصوصٍ وهو رجل.
وقيل: هو ملَكٌ من الملائكة.
ومعناه: كما يطوي الكاتبُ الصحيفة فيصغِّرها بالطَّيِّ بعد طولها وعرضها، فكذلك نجعل السماوات على طولها وعرضها، وعلى هذا يكون قوله: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ داخلًا في المفعول؛ كقولك: أكرمتُك إكرام زيد لعمرو؛ أي: عمرًا.
وقيل: السجلُّ: الصحيفة، ومعناه: كما تطوى الصحيفة، ويكون هذا إضافةَ المصدر إلى المفعول، والأولُ كان إضافةً إلى الفاعل، وكلُّ ذلك جائز، ثم قوله: ﴿للكتاب﴾ له ثلاثةُ معان:
للكتابة: فيكون مصدرًا.
وللمكتوب؛ أي: لأجْل ما كُتب فيه.
стр. 5188
والثالث: على ما كُتب فيه، واللام بمعنى (على)؛ كما قال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾: أي: كما ابتدأناها أولَ ما خلقناها نُعيد خلقَها في القيامة.
وقيل: نجعلها سماءً واحدة كما كانت، قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهو قولُ الحسن: نعيدها بعد إهلاكها.
وقيل: هو مستأنفٌ؛ أي: نعيدُ الخلق يومَ القيامة كما خلقناهم أولَ مرةٍ حُفاةً عُراةً غُرلًا كما كانوا في بطون أمهاتهم، وهو قول الفراء (١)، يدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ وكان ذلك للخَلْق؛ كما قال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾: أي: وعدًا كائنًا لا محالةَ، و (على) كلمة تحقيق.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أي: محقِّقِين هذا الوعدَ فاستعِدُّوا له وقدِّموا صالح الأعمال للخلاص من الفزع الأكبر.
وقال القشيري ﵀: كانت السماء سقفًا مرفوعًا لأن الأولياء تحتها، والأرضَ فراشًا ممهدًا لأنهم عليها، فإذا ارتحل الأحباب طُوي الفراش ونُقض السقف (٢).
* * *
стр. 5189
(١٠٥) - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: قرأ حمزة بضم الزاي، وهي جمع (زِبْرٍ) بكسر الزاي وهو الكتاب، فيكون جمعًا، وقرأ الباقون بفتحها (١)، فكان واحدًا وهو الكتاب.
يقول: أثبتنا في الكتب المنزلة على الأنبياء، أو في زبور داودَ إذا كان على الواحد، أو في كتاب آخر مما أنزل.
﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: أي: بعد الكتابة في اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أي: أرضَ الجنة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ وينصرف إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾.
وقيل: الصالحون هم أمة محمد ﷺ .
قال وهب: كذلك قرأتُ في عدةٍ من كتب اللَّه تعالى، وأضيفت إليهم لأنهم أكثر أهلها، فقد روي أنهم ثلثا أهل الجنة (٢).
وقيل: معناه: أن أرض الشام يرثها الصالحون؛ أي: مؤمنو بني إسرائيل، كما قال: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقيل: معناه: أن أرض الدنيا ترثُها أمة محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
стр. 5190
فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، وقال رسول اللَّه ﷺ : "زُوِيتْ لي الأرض فأُرِيْتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زُوي لي منها" (١).
* * *
(١٠٦ - ١٠٧) - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾: يعني: إن فيما قصَصْناه عليكم لوُصولًا إلى الحق والصواب وإحرازًا للثواب ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾؛ أي: للَّذين همُّهم عبادة اللَّه والتذلُّلُ له (٢).
والبلاغ يعني البلوغ، كالصلاح والصلوح، والثبات والثبوت.
وقيل: ﴿لَبَلَاغًا﴾؛ أي: لكفايةً، قال الشاعر:
تزجَّ من دنياك بالبلاغِ... وباكرِ المِعْدةَ بالدِّباغِ
بكِسْرةٍ ليِّنةِ المَضَاغِ... بالملحِ أو ما خَفَّ من صِباغِ (٣)
وقيل: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي: في هذا القرآن.
وقيل: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾؛ أي: موحِّدين. وقيل: مطيعين.
وقال كعب: والذي نفسُ كعبٍ بيده هم أهلُ الصلوات الخمس (٤).
стр. 5191
وقيل: أي: لكلِّ بشر؛ لأنَّهم عباد (١) اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: ذكَر بعد إنزال القرآن إرسالَ الرسول ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنَّه بُعث داعيًا إلى اللَّه، ومرشدًا إلى دينه، ومنقذًا من الضلالة، ومنبِّهًا على ما فيه الفوزُ بالنعيم المقيم والنجاةُ من العذاب الأليم، وذلك رحمةٌ عامة للمؤمنين والكافرين، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥]، فالتبشير والإنذار رحمةٌ أجراها اللَّه تعالى على يديه.
وقال ابن عباس ﵄: تمتِ الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ومَن لم يؤمنْ به عُوفي مما أصاب الأمم مِن قبلنا (٢).
وقال عكرمة: قيل: يا رسول اللَّه، ألا تلعنُ قريشًا بما أتوا إليك؟ فقال لهم (٣): "لم أُبعَثْ لعَّانًا إنما بعثتُ رحمةً للعالمين، يقول اللَّه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ " (٤).
وما أتى به من القتال للدعوة إلى الإسلام، ومن الحدود للزجر عن الآثام، فهو استصلاح لهم كاستصلاح الوالدين الولدَ بالمعالجات في الأسقام، بالكيِّ والجراح والحَجم لبعض الآلام، فكان تحقيقًا للرحمة والإنعام.
* * *
стр. 5192
(١٠٨ - ١٠٩) - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: وهو أصلُ ما أُرسل به إليهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وهو كلمةُ (١) استبطاءٍ، وفيه أبلغُ تلطُّفٍ (٢) في الدعوة إلى الإسلام، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتُهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وتحقيقه: فانتهُوا، وكذلك هاهنا: فأسلِموا.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرضوا فلم يُسلموا ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي: لا مسالمة بيني وبينكم، فقد أعلمتُكم ذلك ظاهرًا مكشوفًا صرتُ أنا وأنتم في علمه سواءً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ أي: أعلِمْهم أنك قد نقضتَ ذلك العهد حتى تصيرَ أنت وهم في علم ذلك سواءً.
وهذا الإنذار كان إعلامًا بالمحاربة.
وقيل: كان إخبارًا أنه لا يوافقُهم على ما هم عليه، وكانوا يطمعون في ممايلته إياهم، فقطع بهذا طمعهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: قيل (٣): وما أعلم أقريبٌ ما توعدون به من العذاب على تولِّيكم عن الإسلام أم بعيدٌ؟ وذلك إلى اللَّه وعلمُه
стр. 5193
عنده (١)؛ أي: آذنتكم بالحرب على السواء وما أدري (٢) أقريب ذلك أم بعيد.
وقيل: ما توعدون من الساعة؛ أي: آذنتكم بالحرب في الدنيا، وما أدري متى تكون الساعة فتعذَّبون في الآخرة زيادةً على عذاب القتل في الدنيا.
* * *
(١١٠ - ١١٢) - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾: ما تجهرون به من القول بشرككم ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ من ذلك، فليس تأخير العذاب عنكم لخفاءِ حالكم، بل هو معذِّبكم في الوقت الذي قدَّره لذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾: أي: لعل إمهالَكم وتأخيرَ العذاب عنكم تشديدٌ للمحنة عليكم بزيادة المعاصي الموجِبة لزيادة العقوبات فلا تظنُّوه خيرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: أي: تمتيعٌ إلى مدةٍ، وهي وقتُ نزول العذاب في الدنيا، فإن كان هذا تخويفًا بعذابِ الآخرة فالحينُ هو الموت.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ ربِّ احكُمْ بالحقِّ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: قل رَبِّ خبرًا عن النبي ﷺ أنه قال هذا الدعاء، وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ أمرًا له بذلك (٣)؛
стр. 5194
أي: فوِّضِ الأمر إلى اللَّه وقل: يا ربِّ احكم بالحق بيني وبين هؤلاء بنُصرتي عليهم، وإظهارِ حقِّي على باطلهم، وإنزال (١) نقمتك عليهم، وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وعلى هذا: (الحق) هو ما يستحقونه.
وقيل: استُجيب هذا فيهم يومَ بدر.
وقيل: معناه: احكُم بحكمك وهو الحقُّ، فذكر النعت مكان المنعوت.
وقال قتادة: كان النبي ﷺ إذا شهد قتالًا قال: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: قرأ ابن عامر في روايةٍ بياء المغايبة (٣)، والباقون بتاء المخاطَبة.
أمره بأن يخاطب الكفار فيقولَ لهم: ربُّنا هو الرحمن المستعان على إزالة ما تصفون من الشرك، وما تقولون في صفتي وصفة القرآن ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ [الأنبياء: ٣] ﴿افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، هو المستعان على تغيير هذا، والحكمِ بيني وبينكم بالحق، ويكون ﴿قُلْ﴾ في أول الآية أمرًا بشيئين: أي: قل داعيًا ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقل: متوعِّدًا للكفار ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
ومَن قرأ بياء المغايبة فمعناه: قل للمؤمنين مبشرًا لهم ومطيِّبًا قلوبَهم: ربُّنا الرحمن يرحمكم وينصركم، المستعان على ما يصف الكفار من الباطل.
стр. 5195
وقيل: بقية الآية تتمة للدعاء أيضًا؛ أي: و ﴿قل ربِّ احكم بالحق﴾،
واعترِف في دعائك هذا أن اللَّه هو الرحمن والمستعان على ما تصفون، وهو ثناء مع الدعاء (١).
والحمد للَّه على نعمائه، والشكرُ على عموم آلائه، والصلاةُ على خاتم أنبيائه، ومبلِّغِ أنبائه، وعلى الباذلين مُهجَهم في قمع أعدائه.
* * *
стр. 5196
سورة الحج
стр. 5197
سورة الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يميت الأحياء ويُحيي الموتى (١) وهو على كل شيء قدير، الرحمنِ الذي رزقنا من بهيمة الأنعام وأمرنا بإطعام البائس الفقير، الرحيمِ الذي يتولَّانا وينصرنا، فنعمَ (٢) المولى ونعم النصير.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الحج أُعطي من الأجر بعددِ مَن حج أو اعتمر فيما مضى وفيما بقي" (٣).
وسورة الحج مكيةٌ إلا ستَّ آيات منها يقال: إنها نزلت بالمدينة يومَ بدر في اليوم الذي اقتتلوا فيه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] إلى قوله: ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] (٤).
وقيل: هي مدنية إلا آياتٍ منها (٥) نزلت بمكة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] (٦).
стр. 5198
وآياتها أربع وسبعون، وقيل: خمسٌ، وقيل: ستٌّ، وقيل: سبعٌ، وقيل: ثمانٍ (١).
والاختلاف في خمس آيات: ﴿الْحَمِيمُ﴾ ﴿وَالْجُلُوُدُ﴾ ﴿وَعَادٌ وَثَمُوُدٌ﴾ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وكلماتها ألف ومئتان وأربع وسبعون، وحروفها خمسة آلاف ومئتان وتسعة وثلاثون (٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] وهي الساعة، وذكرها في أول هذه السورة.
وانتظام السورتين: أن تلك السورةَ في ذكر الإيمان والطاعة وثوابهما، وفي ذكر الكفر والمعصية وعقابهما، وهذه السورة كذلك.
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾: أي: فلا تخالفوه فيما أَمر ونهى، واذكروا جزاء ذلك في الآخرة يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾: الزلزلة: شدةُ الحركة على الحالة (٣) الهائلة، وهي تضعيف الزَّلَل.
стр. 5199
وقيل: أراد بها شدائدها وأهوالها؛ كما قال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقيل: هي زلزلة الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾؛ أي: إن حركة الأرض بأهلها للبعث شيء عظيم.
ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئًا، فإن هذا اسم لها حالة وجودها.
وروي: أن النبي ﷺ كان في غزوة بني المصطلق إذ غشي الناسَ الكرى، فوقف النبي ﷺ وقرأ عليهم هذه الآية التي أنزلت عليه، فاجتمع إليه الناس وأطافوا به ثم أنصتوا، فقال: "أتدرون أيُّ يوم هذا؟ " قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم القيامة يومَ (١) يقول اللَّه تعالى لآدم: يا آدمُ ابعث بعثًا من ولدك إلى النار، فيقول آدم ﵇: وما بعث النار؟ فيقال له: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة"، فشَقَّ ذلك على الناس مشقَّةً عظيمة، وقالوا: يا نبيَّ اللَّه! فمَن ذا الناجي منا بعد هذا؟ فقال لهم: "إنكم في (٢) خليقتين لا يكونان في شيء إلا كثَّرتاه: يأجوج ومأجوج، فإن كملوا وإلا كملوا بالكفار والمنافقين" (٣).
стр. 5200
وفي رواية أبي سعيد قال بعدما ذكر خطاب آدم: "فعند ذلك يَشيبُ الصغير وتضع كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللَّه شديد"، فشق ذلك على الصحابة ﵃، وقالوا: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون ويبقى واحد، فأيُّنا (١) ذلك الواحد؟ ثم مضى رسول اللَّه ﷺ حتى نزل ونزل الناس، ثم راحوا (٢) إلى رسول اللَّه ﷺ كأنما على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا، فقال: "أبشروا، فمِن يأجوج ومأجوج ألفٌ ومنكم واحد، إني لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنة"، فكبروا اللَّه وحمدوه، ثم قال: ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود" (٣).
وفي رواية الحسن: فقال: "إن الأمم قد عُرضت عليَّ، فرأيتُ النبي يأتي في الثمانية، ورأيت النبي يأتي في الأربعة، ورأيت النبي يأتي في الاثنين، حتى رأيت النبي يجيء ليس معه أحد من أمته، حتى رأيتُ أمةً أعجبتني كثرتُها فقلتُ: يا رب، أمتي هذه؟ قال: بل هذا موسى ومَن معه من بني إسرائيل، ثم رأيت أمة أعجبتني كثرتها فقلت: يا رب، أمتي هذه؟ قال: بل هذا (٤) يونس ومَن معه من بني إسرائيل،
стр. 5201
ثم رأيت أمةً كذلك فقال: هذا عيسى ومَن معه، فقلت: يا رب؛ أين أمتي؟ قال: انظر، فنظرتُ قِبَل طريق مكة فإذا أنا بناسٍ كثير، ثم قال: انظر، فنظرتُ إلى طريق المشرق فإذا بناسٍ كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي فإذا هم بكلِّ نبيٍّ بُعث (١)، فقلت: يا رب رضيتُ رضيتُ، قال: مع هؤلاء سبعون ألفًا مع كلِّ واحد (٢) سبعون ألفًا ليس عليهم حساب ولا عقاب" فقام عكَّاشةُ بن مِحْصَنٍ الأسديُّ وقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك (٣) بها عكَّاشة" (٤).
وقيل: هي الزلزلة قبلَ يوم القيامة، وهي من أشراط الساعة.
* * *
(٢) - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾: أي: تنسى ولدَها وتَسْلو عنه.
وقيل: الذهول عن الشيء: هو الذهاب عنه وتركُه دَهَشًا وحيرة، من حدِّ صنع.
والمرضعة: التي تُرْضِع، والمرضع: لها ولد رضيع.
стр. 5202
وقوله تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾: أي: تُسقط الحبالَى أولادها من الفزع، والحمل بالفتح: ما كان في البطن، وبالكسر: ما كان على رأسٍ أو ظهر.
قالوا: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة (١) في الدنيا؛ لأنَّه لا حملَ ولا إرضاع بعد البعث.
وقيل: بل هو يومَ القيامة، وإن ماتت حاملًا تبعث (٢) حاملًا فتضع حملها للهول.
وقيل: هو مَثَلٌ؛ أي: هول ذلك اليوم على وجهٍ لو كان مثلُه في الدنيا لوضعت الحوامل وذَهَلت المراضع من شدته.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾: خطاب لغيرِ معيَّنٍ؛ أي: أيها الناظر (٣) ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، قرأ حمزة والكسائي: ﴿سَكْرى﴾ فيهما (٤)، والباقون بالألف فيهما (٥)، وهما جميعًا جمع سكران، وسكران وسُكارى كالكسلان والكُسالى، وسَكْران وسَكْرى كالعطشان والعَطْشى.
أي: تراهم من الدَّهش على حالٍ يُشاكلُ السُّكْرَ وما هم بسكارى على الحقيقة، لا أنه (٦) من الشراب.
ثم هذا ليس بتناقضٍ؛ لأنَّه لم يقل: هم سكارى وما هم بسكارى، بل قال: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾، وهو كقولك في السراب: ترى هناك ماءً وليس بماءٍ، وهو معنى قول
стр. 5203
الحسن: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾: أي: تراهم دَهْشَى وما هم بسكارى، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فأزال عقولهم وحيَّر قلوبهم.
* * *
(٣) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾: ومن الناس المأمورين بالتقوى في أول هذه السورة مَن يخاصم خصومةً شديدة ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في دين اللَّه.
وقيل: أي: يجادل رسولَ اللَّه ﷺ فيما يُخبِر به عن اللَّه أنه يَبعث العبادَ ويجازيهم، فيقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، و: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، و: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ونحوَه مما حُكي عنهم.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي بغير حجةٍ ولا شيءٍ يصح من جهة العلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾: أي: يأخذ هذا الإنكارَ وهذا الجدلَ من الشيطان بوسوسته، أو من شياطين الإنس بدعواهم، وقد قيل (٢): نزلت الآية في النضر بن الحارث، وكان يأخذ عن الأعاجم وعن اليهود والنصارى ما يطعن به على الإسلام، وهم شياطين الإنس.
* * *
(٤) - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
стр. 5204
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾: أي: حُكم على هذا الشيطان لتمرُّده أنَّ ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: اتَّبعه ووالاه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾: أي: الشيطان يُضلُّ هذا المتولِّي ﴿وَيَهْدِيهِ﴾؛ أي: يَدلُّه ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: النارِ الموقَدة.
وفتح الألف في قوله: ﴿فَأَنَّهُ﴾ لوقوع ﴿كُتِبَ﴾ عليه، وتقديره: كُتب عليه أنه يضلُّ مَن تولاه، إلا أنه لمَّا قدَّم السبب الذي يكون به الإضلال، وألقى عليه قوله: ﴿كُتِبَ﴾، ذكر بعده ما يقع عليه الفعل ففتَحه.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾: خاطب المجادِلين في الساعة وحاجَّهم بوجهين من الحجة:
أما أحدهما: فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾؛ أي (١): شكٍّ في أن اللَّه يبعث الموتى ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ أي: ابتدأنا خلقَ أبيكم منه.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةَ﴾: ثم خلقناكم في بطون أمهاتكم من النطفة، وهي ماء مَهِين جارٍ (٢).
стр. 5205
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: ثم جعلنا النطفة علقة، وهي الدم الجامد.
﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾: ثم جعلنا العلقة مضغةً، وهي لحمة قَدْرَ ما يمضغ.
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾: ما كان حيًّا ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ما كان سَقطًا (١). وهي نعتُ المضغة، فما نُفخ فيه الروح فهو مخلَّقٌ، وما سقط بغيرِ روحٍ فهو ليس بمخلَّقٍ.
والتخليق في الأصل: التقدير، فما صوِّر أعضاؤه فهو مخلَّق، وما سقط وهو لحمة مجتمِعةٌ فليس بمخلق (٢)، والتفعيل للتكرير، فما تكرَّر فيه الفعل فهو مخلَّق وما لا فلا، قال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦].
وقال: ﴿ثم أنشأناه خلقًا آخر﴾ ﴿لنبين لكم﴾: قال الحسن: أي: هذا الخلقَ.
وقيل: لنبين لكم قدرتَنا على ما نشاء.
وقيل: أخبرناكم بما يزول به الرَّيب في أمر البعث.
وقوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: مَن قضينا له حياةً إلى مدةٍ (٣) أقررناه في رحِم أمه إلى وقتٍ معلوم وهو وقت الولادة، وإنما قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾ ولم يقل: مَن نشاء (٤)؛ لأنَّه أراد به الحمل.
وقيل: هو بيان المدة؛ أي: ما شئنا أن نقرَّه فيه ستة (٥) أشهر أو أكثر.
стр. 5206
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: أي: صغارًا (١) لا تقومون بأمورِ أنفسكم، ولا تَعْقلون شيئًا، وإنما وحَّد لأنه على صيغة المصدر فصلح للجمع.
وقيل: أي: نخرج كلَّ واحد منكم طفلًا.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: أي (٢): ننقلكم من حالةٍ إلى حالةٍ إلى أن تبلغوا كمالَ القوى بالبلوغ.
وقرأ عاصم في روايةٍ: (ثم نخرجَكم) بالنصب، وكذا (نقرَّ) عطفًا على ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (٣).
وقرأ (٤) العامة بالرفع على الاستئناف.
ثم قال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: أي: يَتوفَّاه اللَّه تعالى بالموت شابًّا أو طفلًا.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي: أخسِّه، وهو الهرمُ والخرَف.
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أي: يزولُ عقله فلا يَعقل شيئًا وإن كان عاقلًا عالمًا قبل ذلك. هذا (٥) أحد وجهي الحجة.
والثاني: قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾: قيل: دارسةً بالية. وقيل: يابسةً لا نبات فيها؛ أي: في الشتاء.
стр. 5207
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾: أي: المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحرَّكت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: انتفخت.
وقيل: أضعفت النبات بالمطر.
﴿وَأَنْبَتَتْ﴾: أي: أخرجت النبات ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: من كلِّ صنفٍ حسن.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: رَبَتْ واهتزَّتْ، تربو أولًا ثم تهتزُّ.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: أي: يصرِّف الأحوال بالإنسان وبالأرض ليَدلَّ على أن (١) لهما صانعًا خالقًا (٢) لا صانعَ غيرُه، يقدر على ما يشاء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: أي: الذي قدر على إنشاء البشر مما ذكر، وإحياء الأرض الهامدة بالمطر، قادر على البعث بعد الموت (٣)، وإقامةِ القيامة، ومجازاةِ الخلق على ما عملوا في الدنيا يومَ المحشر والمنشر.
وقال القشيري ﵀: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: يحيي النفوسَ بتوفيق العبادة،
стр. 5208
والقلوبَ بأنوار المشاهَدة، وأحوالَ المريدين بحُسنِ إقباله عليها، والأوقاتَ بموافقةِ الأمر، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان التقدير (١).
* * *
(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: وهؤلاء طائفةٌ أخرى من المجادِلِين بظاهر حرف العطف.
وقيل: هي في النضر بن الحارث أيضًا، والتكريرُ للمبالغة في الذم والتقريعِ، كقولك لآخر: أنت فعلتَ كذا أنت فعلتَ كذا، ولأن في كلِّ آيةٍ بيانَ نوعِ جدلٍ، وكان يجادل في أوقات في أشياء.
وقد (٢) قيل: نزل في شأنه بضع عشرةَ آية.
وقوله في هذه الآية: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، قيل: بغير علمٍ بصحةِ ما يقول، وقيل: بغيرِ علمٍ بعاقبة ما يقول.
﴿وَلَا هُدًى﴾: ولا دليلٍ يكون معتقِده مهتديًا من جهةِ دلائل النظر.
وقوله تعالى ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ومِن غير أن يَشهد له على قوله كتابٌ منزلٌ بنور الدعوى.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
стр. 5209
وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾: نصبٌ على الحال، ومعناه: مُعْرِضًا متكبِّرًا، وترجمتُه: صارِفَ ناحيته وجنبه (١).
وقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجادلَ ليستزلَّ (٢) عباد اللَّه عن دين اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: عقوبةٌ مُهينةٌ فاضحةٌ، وقد قتل صبرًا يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: بنار جهنم ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾؛ أي: يقال له ذلك في النار.
وقيل له هذا حين هدّد به في الدنيا؛ أي: ذلك الوعيدُ لك بكَسْبك الذي قدَّمْته.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أي: وبأنَّ اللَّه ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: بواضعٍ الثوابَ والعقابَ في غير موضعهما.
* * *
(١١) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: أي: على وجه، وأصله: الطَّرَف والجانب؛ لانحرافه.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: سكن على الإيمان (٣) ﴿بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: محنة ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ارتد عن الإسلام.
قال ابن عباس ﵄: كان الرجل يَقدم المدينة، فإن ولدت امرأته
стр. 5210
غلامًا ونُتِجت خيلُه قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإن لم تلد امرأته غلامًا (١) ولم تُنْتَجْ خيله قال: هذا دِينُ سوء (٢).
وقيل: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على شك. وقيل: على وجَل. وقيل: على انتظار.
وهذه الأقاويل متقاربةٌ في المعنى؛ لأن مَن كان على طرفِ شيء لم يكن مستقرًّا، فيضطرب ويخاف السقوط وينتظرُ ما يكون الحال.
وقوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾: وخسرانُ الدنيا: أنه ارتدَّ لشدةٍ لَحِقَته، وبالكفر لا تزول تلك الشدة المقدَّرة بل تزداد، لو أُخذ فإنه يُقتل (٣) لردته، ثم عذابُ الآخرة من ورائه، فيخسرهما جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الظاهر الذي لا يَخفى على أحد.
* * *
(١٢) - ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾: وهو الصنم، فإنه بعد الردة يَفعل كذلك (٤).
стр. 5211
وقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ قيل (١): أي: في الدنيا إن لم يعبده ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾؛ أي: في الآخرة إن كان عبَدَه.
وقيل: لا يضره في الدارين ولا ينفعه في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: أي: في أقصى درجات البُعد والضلال (٢)، فإنه يَتعب ولا يُثمر تعبُه (٣) قط.
* * *
(١٣) - ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾: اللام لام القسم، تقديره: يدعو واللَّه مَن ضرُّه ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وهذا في القيامة؛ أي: مَن ضرُّه بإدخال النار أقربُ من نفعه بالشفاعة التي كان يرجوها، ولم يُردْ به أن الشفاعة موجودةٌ لكنها بعيدةٌ، بل أراد أنها معدومةٌ أصلًا، وهذا خارجٌ مخرجَ كلام الناس في الشيء يرجوه الإنسان وذلك مما لا يكون، فيقال له: عدمُ هذا أقربُ من وجوده، ولا قربَ للعدم.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: أي: يرجو الإنسان النصرَ والعون من مولاه وهو ابنُ عمه، ومن العشير وهو صاحبه ومُعاشره، فالوثنُ بئس موضعُ رجاءِ النصرةِ (٤) والعون، فإنه مما لا يكون.
وروي: أنها نزلت في قوم من بني أسد بن خزيمة قدموا المدينة فأسلموا،
стр. 5212
فأفسدوا طريق المدينة با لعَذِرات وقالوا: يا رسول اللَّه، أتاك (١) العرب بأنفسها وأتيناك بأهالينا وأولادنا، فمنُّوا (٢) بذلك على رسول اللَّه ﷺ ، وفيهم نزل (٣): ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] (٤)، فكانوا إذا ارتفع مرادهم وصحَّت أجسامهم ونما مالهم قالوا: هذا دينٌ صالح، فإن كان غيرَ ذلك قالوا: هذا دين سوء (٥).
وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: هذا رجل من المنافقين كان يُظهر تصديقًا ويُسِرُّ كفرًا، فكان يبعث إلى نظرائه من المنافقين فيقول لهم: إن كانت الدائرةُ على محمد وأصحابه فأنا معكم، وإن كانت الدائرة عليكم والظَّفَر لمحمد وأصحابه فأنا معهم، فهو قوله اللَّه تعالى: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾.
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 5213
الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: وهذا وعدٌ من عند اللَّه على التحقيق بكلِّ حال، لا لمن (١) عبده على حرف.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: قال ابن عباس وقتادة ﵃: ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: محمدًا ﷺ (٢)؛ أي: مَن ظنَّ من هؤلاء الذين يعبدون اللَّه على حرفٍ أن اللَّه تعالى لا ينصر محمدًا على أعدائه وأحبَّ أن لا ينصره ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فليعلِّق حبلًا إلى السماء العالية وليصعد ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعَ﴾ نصر اللَّه عن محمد ﷺ الذي يَنزل من السماء.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: أي: غيظه؛ أي: لا يقدر (٣) على ذلك فلْيَصبِرْ ولْيَرْضَ به.
وقيل: أي: مَن استعجل النصر لنبيِّ اللَّه وأظهر الضَّجر لتأخُّره مع تعذُّر وصوله إليه فليمدُد بسبب إلى السماء المعروفة فلْيتعلَّق به، ثم ليقطع حتى يخرَّ فيموت فلينظر هل يَذهبُ غيظه؟ أي: فلا معنى لضجره (٤) فلْيصبِر على مرارة الانتظار (٥).
وقال مجاهد والضحاك وابن عباس ﵃ في روايةٍ: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ الهاء راجعةٌ إلى قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾؛ أي: مَن ساء ظنُّه بربِّه في حقِّ نفسه، وظنَّ أنه
стр. 5214
لا يصل إلى نصره ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾: سماءِ بيته (١)؛ أي: سقفِه، ولْيَختَنِق (٢) به فلينظر هل يشفيه ذلك من غيظه (٣).
وهو على بيان أنه إذا كان لا ينتفِع به (٤) فلا وجه إلا الصبرُ على بلائه.
وقال جماعة: النصر هو الرزق، يقال: أرض منصورة؛ أي: ممطورة، و: نَصَر اللَّه مَن نصرَني؛ أي: أعطى اللَّه مَن أعطاني، وهو قول جماعة من المفسرين أن معناه: لن ينصره اللَّه؛ أي: لن يرزقه اللَّه، وهو خارج على هذين الوجهين كما بينَّا، ولفظ (٥) بعضهم: ﴿مَنْ كَانَ﴾ قانطًا من رزقِ اللَّه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فليختنق ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ﴾ يأتي ذلك برزقٍ لم يقدِّره اللَّه تعالى (٦).
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: كالذي أنزلناه عليك في الوضوح والبيان
стр. 5215
والحجة على مَن دعا من دون اللَّه شيئًا أنزلنا القرآن كلَّه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: علامات يُهتدَى بها إلى الحق.
قوله تعالى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾؛ أي: وأنزلنا أن اللَّه يهدي من يريد، ولذلك فتح (أنَّ) في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ لوقوع (أنزلنا) عليه؛ أي: لا اهتداء إلا بإرادته (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: فسرناه في سورة البقرة.
وهذا مبتدأ وخبره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وهو كقولك: إن زيدًا إنَّ الخير عنده لَكثير، وهو الجواب بجملة تامة، وهو كقول جرير:
إنَّ الخليفة إنَّ اللَّه سَرْبَله... سربالَ ملكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ (٢)
يقول: إن اللَّه ليس بغافلٍ عن أعمال الأمم المختلفة الأديان، وعما يعتقدونه ويقولون به، وإنه يفصل بينهم؛ أي: يقضي بينهم (٣) يوم القيامة فيما هم فيه مختلفون، فيَمِيز المحقَّ منهم من المُبْطِل، ويجزي كل واحد على وَفق عمله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: عالمٌ به حاضرٌ له لا يَعْزُب عنه شيءٌ، فهو حافظٌ لذلك كلِّه حتى يوصِل إلى كلِّ واحد منهم يوم الحساب (٤) جزاءه؛ أي: فلينظر كلُّ امرئ ما يعتقِد وما يقول وما يفعل، وهو أبلغ وعيد.
* * *
стр. 5216
(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمد العلمَ الذي يقوم مقام العِيَان ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الخلائق ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ منهم ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾؛ أي: الأشجار، جمع شجرة بحذف الهاء ﴿وَالدَّوَابُّ﴾.
وسجود هذه الأشياء: ما (١) فيها من أمارات الحدث، وأمارات الحاجة إلى ممسِكٍ يمسكها ومقيمٍ يقمُها لولاه لبَطلت ولم تَثْبت طرفةَ عين.
وقيل: سجود هذه الأشياء سجود ظلِّها؛ كما قال: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
وقيل: سجودها: خضوعها، فمَن كان من أهل السماوات وهم الملائكة ومن أهل الأرض من المؤمنين فخضوعهم بالصلاة وسائرِ وجوه التذلُّل، ومن كان كافرًا فبسجود ظلِّه، وهكذا سجود الشمس والقمر والنجوم جريانها (٢) بتسخير اللَّه تعالى، وأما الجبال والشجر والدوابُّ فسجودها سجود ظلها (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيُرُ مِنَ النَّاسِ﴾: المؤمنون بوجوههم اختيارًا، وهو خصوصٌ من عمومِ قولهِ تعالى ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وذاك عمومُ سجود الظلال في المؤمنين والكفار جميعًا اعتبارًا، فيجتمع في المؤمنين النوعان.
стр. 5217
وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: هم الكفار، وقيل: هو مستأنف.
وقيل: هو داخل في السجود أيضًا.
وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: عليهم؛ للَفْظِه وهو واحد كالكثير، وقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] فجَمع لمعناه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾: أي: ومَن يُهنه اللَّه بالإضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾؛ أي: من أحدٍ يُكرمه في الدنيا بالإيمان ولا (١) في الآخرة بنوعِ كرامة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: من إكرام وإهانةٍ وكلِّ شيء.
* * *
(١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: المذكورون في هذه الآية وفي الآيات التي قبلها، فالحاصل فريقان: مؤمنون وكافرون، فهذان (٢) الفريقان خصمان كلُّ فريق خصم للآخر يخاصمه في دينه.
وقوله تعالى ﴿اخْتَصَمُوا﴾: جُمع لأن كلَّ فريق منهم جمعٌ، فهما جمعان.
وقوله تعالى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾: ففريق يُقرُّون به ويوحِّدونه ويصِفونه بصفاته وينزِّهونه، وفريق يكذِّبونه ويصفونه بما لا يليق به، ثم بيَّن جزاء كلِّ فريق فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره.
стр. 5218
وقوله: ﴿اخْتَصَمُوا﴾؛ أي: يختصمون في اللَّه تعالى ويتحاربون (١) فيه، ويدَّعي كلُّ فريق أنهم هم (٢) المحِقُّون ومخالفوهم هم (٣) المبطلون، وهذا القول على العموم.
وقيل: هو على الخصوص:
قال ابن سيرينَ: نزلت في القوم الذين تبارَزوا يوم بدر؛ ثلاثة من المسلمين وهم كواسطة القلادة من القلادة: عليُّ بن أبي طالب وحمزةُ بن عبد المطَّلب وعبيدةُ بن الحارث بن عبد المطلب، وفي ثلاثةٍ من المشركين، وكانوا كواسطة القلادة من القلادة: عُتبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، وأخوه شيبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة بن ربيعة، فبارَز عليُّ بن أبي طالب ﵁ الوليد فقتله عليٌّ ﵁، وبارز حمزة ﵁ عتبةَ فقتله حمزة، وبارز عبيدةُ ﵁ شيبةَ فاختلفا ضربتين، فجرح (٤) كل واحد منهما صاحبه، ومال عليٌّ ﵁ على شيبة فقتله، ثم احتمَل عليٌّ وحمزة ﵄ عبيدةَ حتى أتوا به النبيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ -عتبةُ وشيبةُ والوليد- الآيةَ، ونزل في علي وحمزةَ وعبيدةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (٥).
стр. 5219
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في المسلمين واليهود، فقال المسلمون: ليس للَّه تعالى ولد، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه (١).
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وأبي جهل بن هشام لعنه اللَّه.
وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ثُنِّي الاسم لأنهما فريقان وجُمع الفعل لأنهما جمعان.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي: تُقطَّع، وذكر بصيغة الماضي لأنه كائن لا محالة، فهو كالثابت المتحقق. وتقطيعُ الثياب استعارةٌ عن اتخاذ الملابس لهم في النار.
وقيل: هي من نحاس وتصيرُ نارًا باشتعالها بالنار، وثيابُ الدنيا تقطعُ وتُخاط فذكر لهم ذلك، ويجوز أن يكون هذا ما ذكر في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: أي: الماء الحارُّ المغليُّ بالنار.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾: أي: يُذاب بالحميم ما في بطونهم
стр. 5220
من الشحوم والأكباد والأمعاء والأفئدة ونحوِها (١)، وهو وصف الحميم بغاية شدة الحرارة تُصب على الرأس ويذوب به ما في البطون (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْجُلُودُ﴾: ظاهرُه عطف على الأول، ومعناه: وتُحرَق الجلود، بإضمار فعل يشاكلُها -لأنها مما لا تذوب- كما قالوا ذلك في قول الشاعر:
علَفْتُها تبنًا وماء باردًا (٣)
أي: وسقيتُها ماء باردًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: جمع مقمعة وهي المِدقَّة يُقمع بها؛ أي: يضرب بها ردعًا وزجرًا وإذلالًا، يَضرب بها الزبانيةُ رؤوسَ الكفار، ﴿وَلَهُمْ﴾ بمعنى: أُعدَّ لهم ذلك يُضربون بها.
* * *
(٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾: ذكرنا (٤) له وجوهًا عند قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧].