← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمد العلمَ الذي يقوم مقام العِيَان ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الخلائق ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ منهم ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾؛ أي: الأشجار، جمع شجرة بحذف الهاء ﴿وَالدَّوَابُّ﴾. وسجود هذه الأشياء: ما (١) فيها من أمارات الحدث، وأمارات الحاجة إلى ممسِكٍ يمسكها ومقيمٍ يقمُها لولاه لبَطلت ولم تَثْبت طرفةَ عين. وقيل: سجود هذه الأشياء سجود ظلِّها؛ كما قال: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]. وقيل: سجودها: خضوعها، فمَن كان من أهل السماوات وهم الملائكة ومن أهل الأرض من المؤمنين فخضوعهم بالصلاة وسائرِ وجوه التذلُّل، ومن كان كافرًا فبسجود ظلِّه، وهكذا سجود الشمس والقمر والنجوم جريانها (٢) بتسخير اللَّه تعالى، وأما الجبال والشجر والدوابُّ فسجودها سجود ظلها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيُرُ مِنَ النَّاسِ﴾: المؤمنون بوجوههم اختيارًا، وهو خصوصٌ من عمومِ قولهِ تعالى ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وذاك عمومُ سجود الظلال في المؤمنين والكفار جميعًا اعتبارًا، فيجتمع في المؤمنين النوعان.

стр. 5217

وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: هم الكفار، وقيل: هو مستأنف. وقيل: هو داخل في السجود أيضًا. وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: عليهم؛ للَفْظِه وهو واحد كالكثير، وقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] فجَمع لمعناه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾: أي: ومَن يُهنه اللَّه بالإضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾؛ أي: من أحدٍ يُكرمه في الدنيا بالإيمان ولا (١) في الآخرة بنوعِ كرامة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: من إكرام وإهانةٍ وكلِّ شيء. * * * (١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: المذكورون في هذه الآية وفي الآيات التي قبلها، فالحاصل فريقان: مؤمنون وكافرون، فهذان (٢) الفريقان خصمان كلُّ فريق خصم للآخر يخاصمه في دينه. وقوله تعالى ﴿اخْتَصَمُوا﴾: جُمع لأن كلَّ فريق منهم جمعٌ، فهما جمعان. وقوله تعالى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾: ففريق يُقرُّون به ويوحِّدونه ويصِفونه بصفاته وينزِّهونه، وفريق يكذِّبونه ويصفونه بما لا يليق به، ثم بيَّن جزاء كلِّ فريق فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره.

стр. 5218

وقوله: ﴿اخْتَصَمُوا﴾؛ أي: يختصمون في اللَّه تعالى ويتحاربون (١) فيه، ويدَّعي كلُّ فريق أنهم هم (٢) المحِقُّون ومخالفوهم هم (٣) المبطلون، وهذا القول على العموم. وقيل: هو على الخصوص: قال ابن سيرينَ: نزلت في القوم الذين تبارَزوا يوم بدر؛ ثلاثة من المسلمين وهم كواسطة القلادة من القلادة: عليُّ بن أبي طالب وحمزةُ بن عبد المطَّلب وعبيدةُ بن الحارث بن عبد المطلب، وفي ثلاثةٍ من المشركين، وكانوا كواسطة القلادة من القلادة: عُتبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، وأخوه شيبةُ بن ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة بن ربيعة، فبارَز عليُّ بن أبي طالب ﵁ الوليد فقتله عليٌّ ﵁، وبارز حمزة ﵁ عتبةَ فقتله حمزة، وبارز عبيدةُ ﵁ شيبةَ فاختلفا ضربتين، فجرح (٤) كل واحد منهما صاحبه، ومال عليٌّ ﵁ على شيبة فقتله، ثم احتمَل عليٌّ وحمزة ﵄ عبيدةَ حتى أتوا به النبيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ -عتبةُ وشيبةُ والوليد- الآيةَ، ونزل في علي وحمزةَ وعبيدةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (٥).

стр. 5219

وقال ابن عباس ﵄: نزلت في المسلمين واليهود، فقال المسلمون: ليس للَّه تعالى ولد، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه (١). وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وأبي جهل بن هشام لعنه اللَّه. وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ثُنِّي الاسم لأنهما فريقان وجُمع الفعل لأنهما جمعان. وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي: تُقطَّع، وذكر بصيغة الماضي لأنه كائن لا محالة، فهو كالثابت المتحقق. وتقطيعُ الثياب استعارةٌ عن اتخاذ الملابس لهم في النار. وقيل: هي من نحاس وتصيرُ نارًا باشتعالها بالنار، وثيابُ الدنيا تقطعُ وتُخاط فذكر لهم ذلك، ويجوز أن يكون هذا ما ذكر في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: أي: الماء الحارُّ المغليُّ بالنار. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾: أي: يُذاب بالحميم ما في بطونهم

стр. 5220

من الشحوم والأكباد والأمعاء والأفئدة ونحوِها (١)، وهو وصف الحميم بغاية شدة الحرارة تُصب على الرأس ويذوب به ما في البطون (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْجُلُودُ﴾: ظاهرُه عطف على الأول، ومعناه: وتُحرَق الجلود، بإضمار فعل يشاكلُها -لأنها مما لا تذوب- كما قالوا ذلك في قول الشاعر: علَفْتُها تبنًا وماء باردًا (٣) أي: وسقيتُها ماء باردًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: جمع مقمعة وهي المِدقَّة يُقمع بها؛ أي: يضرب بها ردعًا وزجرًا وإذلالًا، يَضرب بها الزبانيةُ رؤوسَ الكفار، ﴿وَلَهُمْ﴾ بمعنى: أُعدَّ لهم ذلك يُضربون بها. * * * (٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾: ذكرنا (٤) له وجوهًا عند قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧].

стр. 5221

ورويَ (١): أن جهنم تَجِيش فتُلقي مَن فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج منها فتعيدهم الزبانيةُ فيها بضربِ المقامع (٢). وقال الكلبي ومقاتل فيه تقديم وتأخير: قطعت لهم ثياب من نار ولهم مقامع من حديد يصب من فوق رؤوسهم الحميم، فيضربون بالمقامع على رؤسهم فتنشقُّ، ويصبُّ الحميم فيصل إلى الجوف فيذيب ما فيه (٣). وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أي: يقال لهم ذلك في النار. * * * (٢٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: وهو (٤) بيان جزاء الفريق الآخر ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: هو جمعُ جمعٍ: سوارٌ وأسورةٌ وأساورُ. وقال في سورة ﴿هَلْ أَتَى﴾: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]؛ قيل: يجمع لهم الذهب والفضة جميعًا، وهو أجمل. وقيل: بعضهم يحلَّى بالذهب وبعضُهم بالفضة.

стр. 5222

وقيل: الفضةُ للرجال والذهبُ للنساء. وقوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿ولؤلؤٍ﴾ خفضًا عطفًا على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، وقرأ عاصم ونافع: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ نصبًا (١)، على معنى: ويحلَّون لؤلؤًا. وقال سعيد بن المسيب: ليس من أهل الجنة أحدٌ إلا في يده ثلاثةُ أسورةٍ: واحدٌ من فضة، وآخرُ من ذهب، وآخرُ من لؤلؤٍ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: وهو من حرير الجنة لا يوجد من معناه في الدنيا إلا الاسم، ثم هو على ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشر. * * * (٢٤) - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: وهُدي هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد، وقيل: هو القرآن. قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: أي: صراطِ اللَّهِ المحمود وهو دينُ الإسلام، هو الطريق الموصل إلى ثواب اللَّه. وقيل: هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول في الجنة، وهو ما قال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 5223

[يونس: ١٠] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: طريقِ دار الإسلام، كما قال: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]. وقيل: ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: هو البشارات في الآخرة. وللقشيري (١) ﵀ في القول الطيب عبارات (٢): ذكرُ اللَّه، ما صدر عن سرٍّ صافٍ (٣)، الثناءُ دون الدعاء بالحاجة، إرشاد المريدين إلى اللَّه، الدعاء للمسلمين، الاستغفار من غير ذنب، ما أوجبه توهُّج القلب، ما قاله العبد في مقام الفناء وهو مستنطَق، المباسطة حالة البسط (٤). * * * (٢٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عاد الكلام إلى ذكر مشركي العرب. وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن خَطَلٍ، وذلك أن النبي ﷺ بعثه مع رجلين أحدهما أنصاريٌّ والآخرُ مهاجريٌّ إلى بعض القرى، فافتخروا في الطريق بالأنساب، فقتل عبد اللَّه بن خَطَلٍ الأنصاريَّ ولحق بمكة كافرًا، فلما كان يومُ فتح مكة أمر النبيُّ ﷺ بقتله، فقتله أبو بَرْزةَ الأسلميُّ وسعيد بن حُرَيثٍ القرشيُّ (٥).

стр. 5224

وظاهر الآية عامٌّ يتناوله وغيرَه. وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ عطفٌ على ﴿كَفَرُوا﴾ وهو مستقبَل وذاك ماضٍ، وله وجوه: قيل: فيه مضمرٌ: إن الذين كفروا هلكوا، ثم بدأ: ويصدُّون. وقيل: معناه: ومن شأنهم أنهم يصدون، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الفراء: الواو زائدة، وتقديره: يصدُّون، جوابًا للمبتدأ، وهو كقوله: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]؛ أي: ليرضوه (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون عن دين اللَّه. قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: ويصدون عن المسجد الحرام، وقيل: هو عتبة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾: يصلُّون فيه ويطوفون به، ويقيمون فيه سائر القُرب. قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: المقيمُ بمكةَ ﴿وَالْبَادِ﴾؛ أي: الساكنُ في البدو والآتي إليه؛ أي ليس لأحد أن يمنع أحدًا عنه. وقيل: المسجدِ الحرام هو الحرمُ كلُّه، والناس سواءٌ في النزول بمكة حيث شاؤوا، وفي حرمة الاصطياد والاحتشاش فيه. والسلف مختلِفون في جواز بيع بيوت مكة وإجارتها، وكانت بيوت مكة لا يُتخذ بها أبوابٌ حتى ظهرت السرقة فيهم، فقال عمر لرجل منهم -وهو أول مَن

стр. 5225

اتَّخذ بابًا-: أتَّخذتَ بابًا لتحتجِب به (١)؟ فقال: لا، ولكنْ أحرزتُ المتاع عن السرقة، فقال له: إنه لا يحل لأهل مكة أن يأخذوا أجور بيوتهم (٢). وفي جواز بيع أراضي مكةَ عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، قال في "الجامع الصغير": لا يجوز، وروى ابن زياد عن أبي حنيفة ﵁ (٣) أنه يجوز (٤)، وهو قول أبي يوسف. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءً﴾ قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب لوقوع ﴿جَعَلْنَا﴾ عليه، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾: الباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقيل: الإرادة بمعنى الهم؛ أي: مَن همَّ بإلحادٍ. قيل: هو الشرك. وقيل (٦): هو توبيخ لمشركي العرب. وقيل: هو القتل. وقيل: هو استحلال الحرام (٧).

стр. 5226

وقيل: هو احتكار الطعام بمكة. وقيل: هو ظلم الناس. والإلحاد في اللغة هو الميل، وفي الشرع: الميل عن الحق إلى الباطل، فكان عامًا للشرك ولكلِّ (١) معصية. وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾: قيل: الباء أداةُ تعديةٍ. وقيل: هو بيان الوجه؛ أي: على وجهِ الظلم. وقوله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: جزاءُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾، وهذا وعيدٌ على الإرادة فكيف بالتحقيق؟ واختُلف في جواب أول الآية، وقد ذكرنا وجهين، والثالث: أن آخره جواب الكلامين جميعًا، ونظيره: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ وبعده: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، وقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥] جوابُهما، وهذا لأن قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْا﴾ في تقديرِ: مَن يكفر. * * * (٢٦) - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾: وهو المسجد الحرام المذكورُ في الآية الأولى، يقول: واذكر يا محمد إذ مكنَّا لإبراهيم مكان هذا البيت؛ أي: موضعَه، حتى بناه على ما أَريناه منه، وهو البيت الذي تعبَّد قومك فيه غيري، ويصدونك وأصحابَك عن عبادتي فيه.

стр. 5227

قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾: أي: قلتُ له: لا تشرك بي شيئًا، وقد بينَّا في سورة البقرة أصلَ البيت وكيفيةَ بناء إبراهيم ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّر بَيْتِيَ﴾: قيل: طهِّره عن الأنجاس. وقيل: عن الأوثان؛ أي: أخرجها عنه ونحِّها عنه. وقيل: عن عبادة الأوثان. وقيل: هو عام يتناول كلَّ ذلك. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾: أي: لأجلهم. ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: هم المصلُّون، وهذه أركان الصلاة، وفصَل بين الأول وبين الأخيرين بالواو، وجمع بين الأخيرين بغير واوٍ؛ لأن القيام تعظيمٌ للَّه تعالى، والركوع والسجود تذلُّلٌ له، فاتَّحد هذان وغايرهما الأول. * * * (٢٧) - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: أي: نادِ فيهم، قال ابن عباس ﵄: لمَّا فرغ إبراهيم ﵇ من بناء الكعبة قال: ربِّ قد فرغتُ من بناء الكعبة، قال: فأذِّن في الناس بالحج، قال: ربِّ وهل يبلغ صوتي ذاك (١)؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، فصعد أبا قبيس وقال: يا أيها الناس، إني بنيتُ للَّه تعالى بيتًا فحُجُّوه (٢).

стр. 5228

وفي رواية: إن اللَّه ﷻ بنى بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه (١). وفي رواية: قال: إن اللَّه تعالى قد كتب عليكم حجَّ البيت العتيق فحُجُّوه، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك لبيك (٢). وروي: أن اللَّه تعالى أسمع صوته مَن قضى أنه يحج فأجابوه (٣). وقال مقاتل بن حيان: هذا أمرٌ للنبي ﷺ أن ينادي بالحج، وفعَل ذلك في حجة الوداع. وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: وعده بذلك، وهو (٤) جزمٌ لأنه جواب ﴿وَأَذِّنْ﴾، والرجال: جمع راجلٍ. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: أي: ركبانٌ على الإبل وغيرها من الدواب، وقد ضَمِرت لطول السفر. وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾: أي: الضوامرُ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريقٍ واسعٍ ﴿عَمِيقٍ﴾؛ أي: بعيدٍ، وقدَّم الرجال على الركبان إظهارًا لفضلهم (٥). ورُوي: أن الراكب له بكلِّ خطوة سبعون حسنةً، وللماشي سبعُ مئةِ حسنةٍ من حسنات الحرم، كلُّ حسنةٍ مئةُ ألفِ حسنة.

стр. 5229

وقال مجاهد: حج إبراهيمُ وإسماعيل ﵉ ماشيين، وكانا إذا قرُبا من الحرم خلعا نعالهما (١). وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ هذا ذُكر على وجه المدح لهم وسبيل الشكر عنهم، وكم قَدْرُ المسافة للدنيا بأجمعها (٢)، لكن جعل القَدْر لأفعالهم والعظمة لصنيعهم (٣)، وهو إظهار فضله وكرمه معهم (٤). * * * (٢٨) - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: يقول: وأذِّن في الناس بالحج ليشهدوا منافع. وقيل: أي: ليحضرو الأداء فرضه مشاهدَ ينتفعون بها في دينهم ودنياهم؛ كعرفاتٍ ومنًى والمشعرِ الحرام وغيرِها، وفيها الثواب في الآخرة والثناءُ والقبول في الناس، وسعةُ الرزق ببركته، وحصول الأرباح بالتجارة فيها، ولذلك اختلفت عبارات المفسرين فيها: قال بعضهم: هي منافعُ التجارة. وقال بعضهم: هي الأجر في الآخرة.

стр. 5230

وقال بعضهم: هي مناسك الحج. وحجَّ بعض الصالحين فكان عند كلِّ ميلٍ يصلِّي في البادية (١) ركعتين، ويقول: قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: قال الحسن وقتادة: هي أيام العشر، والأيام المعدودات هي أيام التشريق (٢)، وعليه أكثر السلف. وقيل: الأيام المعلومات هي أيام النحر. وقال هؤلاء: ذُكِرَ فيها ذِكْرُ اسم اللَّه على الأنعام، وهو يختصُّ (٣) بها. وقال الأولون: جعَل اللَّه الأيامَ العشر وقتًا للمنافع والذكر على الذبائح ثم (٤) للمنافع أيام مخصوصة منها، وهو يومُ عرفةَ لعرفات، ويومُ النحر لمنًى والأفعالِ فيها وللطواف بالبيت بمكهَ، فكذا الذكر على الذبيح يختص بيوم النحر منها. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: وقد فسَّرناه (٥) في أول سورة المائدة، وهي الإبل والغنم والبقر؛ أي: وليتقرَّبوا إلى اللَّه بالذبائح والنحائر ويذكروا اسم اللَّه عليها: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم منك ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين، ونحو ذلك، ويحتمل الشكر للَّه تعالى على هذه النعم. قوله تعالى ﴿فَكُلُوْا مِنْهَا﴾: أنتم ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الذي به بؤسٌ؛ أي: شدة.

стр. 5231

وقال الخليل: البائس: الذي نزلت به بليةٌ أو فاقةٌ، فيُرحم لما به (١). وقيل: البائس: الذي به ضرُّ الجوع، والفقير: الذي لا مال له. * * * (٢٩) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: واللام (٢) لام الأمر، والتَّفَث: الوسَخ والدَّرَن في اللغة. وقال نفطويه: معناه: ثم ليزيلوا عنهم أدرانَهم. وقال القُتبي: التَّفَثُ: الأخذ من الشارب والأظفار، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانة (٣). وقال الكسائي: هو حلقُ الرأس، وقصُّ الأظفار، وأشباهُ ذلك. وقال الفراء: هو نحرُ الإبل والبمَر والغنم، وحلق الرأس، وتقليم الأظفار، وأشباهها (٤). وقيل: ما بقي من الحج بعد الذبح والنحر من الحلق والتقصير. وقيل: ما عليهم من الحج. وقيل: مواقف الحج ومناسكه كلها (٥). وقيل: هو عمل الحج كلُّه.

стр. 5232

هذه أقاويل المفسرين، وتوجيهُها على اللغة: أن التَّفَث اللُّغوي الذي هو الشَّعَثُ والغَبرُ والدَّرَن هو شعار الحج، قال النبيُّ ﷺ : "الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ" (١)، وتقديره على هذا: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾؛ أي: وليتمُّوا أعمال حجِّهم مستديمين بذلك الشعثَ والتَّفَل. وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: أي: ومَن كان عليه نذرٌ بهديٍ فلْيَفِ به، وليس كلُّ أحد يلزمُه هديٌ، فلذلك ذكر النذر. وقيل: النذر: الالتزام، ومَن شَرَع في حجٍّ (٢) فقد التزَم أفعالَه، فهذا أمرٌ بإتمام الحج. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ولْيُوَفُّوا﴾ بالتشديد (٣)، والتوفية والإيفاء بمعنًى. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: وهذا أمرٌ بالطواف يوم النحر، وهو ركنٌ فيه (٤)، والطواف الأول طوافُ التحية وهو سنَّةٌ، والطوافُ الأخير طوافُ الصَّدَر وهو واجبٌ، وهذا الطواف طوافُ الزيارة وهو ركنٌ لا حجَّ بدونه. والبيت العتيق: الكعبة. وروي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن البيت العتيق، قال: "أُعتقَ من الجبابرة، ولا ينالُه جبارٌ أبدًا" (٥).

стр. 5233

وقال ابن عيينة: لأنه لم يملك قط (١). وقال الكلبي: أعتق من الغرق زمان الطوفان (٢). وقال بعض المفسرين: عَتَق في الجاهلية من أن يخرَّب أو يُقتلَ أهلُه. وقال الحسن وابن زيد: ﴿الْعَتِيقِ﴾: القديم، وهو أول بيت وضع للناس في الأرض (٣). وقال مجاهد: خلق اللَّه تعالى البيت العتيق قبل الأرض (٤) بألفي عام (٥). وقيل: العتيق: الكريم، وفرس عتيق؛ أي: كريم، وسمي به لأنه كريمٌ على اللَّه تعالى. * * * (٣٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.

стр. 5234

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: أي: ما قدَّمتُ ذكرَه من أمر الحج فهو كما قدَّمْتُه فالتزِموه ولا تخالفوه، مبتدأ حُذف خبره اختصارًا. وقيل: معناه افعلوا ذلك، أضمر الأمر في أوله، أو هو بنفسه منصوب على الإغراء، تامٌّ (١) بغير إضمار. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: أي: أمورَ الحج والعمرة والبيت، فراعاها ولم يتعدَّ حدودها. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: أي: أنفع له من أنْ لا يعظِّمها؛ لأنَّه يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا ترغيب وترهيب، وعمومُه يشمل الحج وغيرَه. والحرمات حقيقتُها: ما حرُم انتهاكُها (٢) ومُنع عن ارتكابها. وقيل: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ليس للتفصيل؛ أي: تعظيمُه خيرٌ له معدٌّ عند ربه مجازيهِ به (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: فسرناه في سورة المائدة: أن المستثنى ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾: أي: النَّجَس ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتبيين (٤) هاهنا لا للتبعيض؛ أي: اجتنبوا هذا النوع من الرجس فكلُّه خبيث؛ أي: اجتنبوا الأوثان أنْ (٥) تعظِّموها فتذبحوا لها وتذكُروا على ذبائحكم أسماءها.

стр. 5235

وقوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾: أي: الكذب، وهو ما يقال على (١) الذبائح من ذكر الأصنام، وما يتصل بها من كلمات هي شركٌ. * * * (٣١) - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: مستقيمين (٢) في تلك الحال على الدِّين الحق. ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾: أي: باللَّه (٣)، ختم الآية بوعيد الشرك، يقول: أمركم بالحج لتتقرَّبوا فيه بالقرابين إلى اللَّه تعالى، لا أن تذبحوا للأصنام وتتكلموا بالشرك (٤). وقيل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾؛ أي: بتسميتها آلهةً. وقيل: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ في التلبية وهو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكُه وما ملَك، وهذا قول مقاتل بن حيان (٥)، وهذا على نظمِ آخِر الآية بأولها في أمور الحج. وقيل هو ابتداءُ كلامٍ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾؛ أي: المآثِم ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ وهو عبادتها وتعظيمُها ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾؛ أي: الكذب في كلِّ شيء.

стр. 5236

وروي عن خريم بن فاتك ﵁ أنه قال: صلى رسول اللَّه ﵇ صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال (١): "عُدلت شهادةُ الزور بالإشراك باللَّه تعالى"، ثم قرأ (٢) هذه الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: قيل: أي: فمَثَلُه في بُعده من الهدى (٤) والحق وهلاكِه كمَن خرَّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: أي: تستَلِبه بسرعة ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تُسقطه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد، وهو قولُ قتادة (٥). وقيل: هو مَثَلُ حال الكافر في القيامة، يريد به أنه يكون يومئذٍ بهذه الصفة لا يملك لنفسه ولا يملك أحدٌ من الخلق له نفعًا ولا ضرًّا (٦)، ولا يمتنع من عذاب اللَّه، فهو بمنزلةِ مَن خرَّ من السماء فهو يهوي من غير أن يقدر لنفسه على خلافِ ذلك، فتخطفه الطير وتقطِّع مخَّه (٧) بمخاليبها ومناقيرها، فلا يملك دفع ذلك، أو بمنزلةِ مَن تحمله الريح من موضعٍ مرتفع فترمي به في منحدَرٍ بعيد، وهو معنى قولِ ابن عباس ﵄.

стр. 5237

(٣٢) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الذي عرَّفْتكم من أمرِ (١) الشرك، وهو كما عرَّفتكم ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: جمع شَعِيرة، والشعائر: هي أمور الحج؛ قال ابن زيد: منها رميُ الجمار، والسعيُ بين الصفا والمروة، ونحوُها (٢). وقال مجاهد: هي البُدْن، وتعظيمُها: استسمانُها واستحسانُها (٣)، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ﴿فَإِنَّهَا﴾: أي: هذه الفعلة، وهي تعظيمها ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: هي تصحيحُ النية وتجريدها (٤) للتقرُّب إلى اللَّه تعالى. * * * (٣٣) - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: على القول الأول -أن الشعائر هي أمور الحج- هذه المنافع ما فسرنا في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] وهي منافع المشاهد (٥) ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أي: مَحِلُّ إحرامها بالطواف بالبيت؛ أي: بعده.

стр. 5238

وعلى القول الثاني -أن الشعائر البدن- فالمنافع: ركوب ظهورها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الضرورة، ثم مَحِلُّ الشعائر إلى البيت العتيق؛ أي: نحرُها يكون في الحرم، فالبيت العتيق عبارة عن كل الحرم كما قلنا في المسجد الحرام. * * * (٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها (١)، ومعناهما واحد؛ أي: لكلِّ أهل دين سَلَفوا قبلكم شَرَعْنا قرابين. وقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: أي: ليتقرَّبوا بها ويذبحوها على اسم اللَّه دون أسماء الأصنام. ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: إلهكم وإلهُ الأمم كلِّها واحدٌ، والواجب أن يُتقرب إليه ويُذكر على الذبائح اسمُه دون اسم غيره. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أي: انقادوا بالعبودية (٢). ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾؛ أي: المطمئنِّين إلى وعد اللَّه، الخاشعين له، والخبت في اللغة هو المطمئن من الأرض. وقال الخليل: الخبت: ما اتَّسع من بطون الأرض (٣). فعلى هذا: المخبتُ هو الواسع الصدرِ في احتمال المكاره.

стр. 5239

(٣٥) - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: خافت من عظمته، فعظَّمت شعائر اللَّه وحَذِرت مخالفته. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في الزكوات والصدقات. يقول: وبشِّر هؤلاء بكلِّ خير، وكلُّه تفسير المخبِت، إذ لا (١) يقدر على هذه الأشياء إلا الخاضع للَّه تعالى بالعبودية. * * * (٣٦) - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: هي جمع بَدَنةٍ؛ كالتَّمر جمع تَمْرةٍ، وهي الإبل التي تُهدى، سميت بها لبدانتها؛ أي: ضِخَمها، ونصبُها بالفعل المذكور بعدها على تقدير التقديم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام دين اللَّه. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: وهو نفعُ الدِّين والدنيا. وقال الإمام القشيري ﵀: الخيرات فيها كثيرة: الركوب، والحمل،

стр. 5240

وشرب الألبان، والانتفاع بالأوبار، ثم بالاعتبار بخلقها كيف سُخِّرت للناس على قوَّتها وصُورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان في البروك (١) للحمل والركوب والنزول، وصبرِها على العطش في الأسفار، واكتفائها بقليل العلَف، ثم بما في طبعها من اللَّطافة حتى تستريحُ بالحُداء مع كثافةِ صورتها، إلى غير ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: جمع صافَّةٍ، وهي القائمة، وهي نصبٌ على الحال؛ أي: اذكروا اسمَ اللَّه عليها عند نحرِها وهي قائمةٌ شرطًا للذَّكاة وتسميةً للَّه تعالى، دون جعلِها للأصنام كفعلِ الكفار. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أي: سقطت على الأرض بعد نحرها قائمة. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾: قيل: القانع: الذي يَرْضَى بما يُعْطَى وبما عنده ولا يَسأل، والمعترُّ: الذي يتعرَّض لك أن تُطعمه. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادةُ: القانع: الذي لا يَسأل، والمعترُّ: الذي يَسأل (٣). وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع: الذي يَسأل، والمعترُّ: الذي يَتعرَّض ولا يَسأل (٤)، وعليه أهل اللغة، فيقال: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنوعًا من بابِ صنع؛ أي: سأل، وقَنِعَ يَقْنَعُ قناعةً من بابِ عَلِم: إذا رضي بما رُزق، قال الشمَّاخ: لمالُ المرء يصلحُه فيُغْني... مَفَاقِرَه أَعَفُّ من القُنوع (٥)

стр. 5241

أي: السؤال. وقال مجاهد: القانع: جارك الغني، والمعترُّ: الذي يجيئك (١) من الناس (٢). وقيل: القانع: الهر، والمعترُّ: الكلب؛ أي: اجعلوا لهما منه نصيبًا، والهر يتقاضى بصياحه، والكلب يقوم ساكتًا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ إباحة، ولو لم يأكل منها جاز. وقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا﴾ ندبٌ، ولو صَرف كلَّه إلى نفسه لم يَضمن شيئًا، وهذا في كلِّ هدي، هو نُسك لا كفارةٌ، وكذا الأضحية، فأما هديٌ هو كفارةٌ فعليه التصدُّق بجميعه، وما أَكَله ضمِنه، وكذا ما أَطعمه الأغنياءَ، وإنما مصرفُه الفقراءُ، فأما هديُ النُّسك والأضحية فيَحِلُّ لصاحبه والأغنياءِ، والمستحَبُّ في ذلك أن يكون نصفُه لأَكْله وإطعامِ أهله، ونصفُه للصرف إلى غيره. وقيل: يُجعل أثلاثًا: ثلثٌ يأكله ويطعمه أهلَه وأضيافَه في هذه الأيام، وثلثٌ يدَّخره لِمَا بعدُ، وثلثٌ يدفعه للناس. وكان الحسن البصري ﵀ يجعله أرباعًا: الرُّبع لنفسه وأهله، والرُّبع للمساكين، والربع لليتامى، والربع لأهل السجون، ويَتأول قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].

стр. 5242

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾: أي: كالذي أمرتُكم بنحرها ذلَّلْتُها لكم مع عِظَم أجسامها فلا تمتنعُ عليكم، ولو أعطيتُها ما أعطيتُ السباع لصعب عليكم نحرُها. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: فعلتُ ذلك بكم لتشكروا نِعمي بذلك. * * * (٣٧) - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾: أي: لا تبلغ رضاه ولا يكون مقبولًا عنده أعيانها ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾: وهو قصدُ الائتمار، وطلبُ الرضا، والاحتياطُ في ذلك، والتحرُّزُ عن الحرام والشبهة. وقيل: لمَّا أمرهم بأكلها ظنُّوا أنها ردَّت إليهم أو صارت (١) لهم لا للَّه تعالى، فأَخبر أن للَّه مِن عبده ما أَخلص له من النية والعمل، دون أعيان ما يَتقرب بها. وقال مجاهد: كان أهل الجاهلية يذبحون ويشرِّحون اللحم فيَنصبونه على أنصابٍ حول الكعبة، وينضحون ما أقبل منها (٢) بدمائها، فلما كان الإسلام ذكر المسلمون فعلهم لرسول اللَّه ﷺ فسكت، حتى نزلت هذه الآية (٣).

стр. 5243

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾: أي: كالذي ذكر ذلَّل هذه البُدن (١). وقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾: أي: لتعظِّموا اللَّه ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: أرشدكم إليه من دِينه، وأعاد ذكر التسخير لمعنًى غيرِ الأول، فإن الأول للشكر والثاني للتعظيم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: في أمور الحج والشعائر وسائر الشرائع. وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فتقولوا: اللَّه أكبر على ما هدانا. وقال القشيري ﵀: لا عبرةَ بأعيان الأفعال، لكن العبرة لقرائنها من الإخلاص، وإذا انضاف إلى اكتساب الجوارح خلاصاتُ القصود، وتجرَّدت (٢) عن ملاحظةِ أصحابها الأغيار (٣)، صلحت للقبول. وقال في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإحسان: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، وأمَارتُه: سقوط التعب عن صاحبه بالقلب، فلا يستثقل شيئًا في ذات اللَّه، ولا يتبرَّم بشيء (٤). * * * (٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.

стр. 5244

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ. . . ولولا دَفْعُ اللَّهِ الناسَ﴾، وقرأ نافع: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عن الذين آمنوا. . . ولولا دفاعُ اللَّهِ الناسَ﴾، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي [وابن عامر]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ. . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ (١). وعاد الكلام إلى ذكر المؤمنين والكفار، وبشارةِ المؤمنين بالفتح والنصر والعودِ إلى مكة التي صدَّهم المشركون عنها، وهذه الآيات في ذكرها وما يقام من الحج والقرابينِ بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بشارةٌ بدفع ضرر الكفار عنهم، وهو كما قال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقيل: كان هذا قبل الهجرة، فدفع عنهم بأنْ أَذِن لهم في الهجرة إلى المدينة، وأعانهم وقوَّاهم بالأنصار، وأذِن بالقتال وجهاد الكفار. وقيل: يدفع عنهم بتوفيقه وتثبيته إياهم على الحق عن فتنة الكفار بإعادتهم إلى الكفر (٢). وقيل: يدفع عنهم شدائد الآخرة وكثيرًا من شدائد الدنيا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾: العبادات أمانات، فمَن خالفها فقد خان. وقيل: المشركون كانوا يقرُّون بالصانع ثم يعبدون غيره وهذا خيانةٌ. وقيل: كل إنسان يُظهر الشفقة على نفسه وإرادةَ الخير بها، فإذا فعل بها ما يُهلكها فقد خانها، والخوَّان: الكافر على هذا، والكَفور: الذي يكفر نِعَمَ اللَّه عليه.

стр. 5245

ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ﴾؛ أي: لا يريد بهم الخير، ولا يجعل لهم العاقبةَ المحمودة، بل يكون ذلك للمؤمنين بالدفع عنهم. وقال القشيري ﵀: يدفع عن صدورهم نزغات (١) الشيطان، وعن قلوبهم خطرات العصيان، وعن أرواحهم طوارق النسيان (٢). * * * (٣٩) - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿أذِنَ﴾ بفتح الألف و ﴿يُقاتِلون﴾ بكسر التاء، ومعناه: أَذِن اللَّه للمؤمنين الذين يقاتِلون الكفار -أي: يحرِّضون على قتالهم- بالقتال، فقوله: بالقتال، هذا مضمر، وهذا طريق الدفع الذي قال: ﴿يدفع (٣) عن الذين آمنوا﴾. وقرأ عاصم ونافع في روايةٍ: ﴿أُذِنَ﴾ بالضم على ما لم يسمَّ فاعله ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء على ما لم يسم فاعلُه، وهم المؤمنون أيضًا لأن الكفار يقاتلونهم. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (٤): ﴿أُذِنَ﴾ بالضم ﴿يقاتِلون﴾ بالكسر. وقرأ ابن عامر: ﴿أَذِنَ﴾ بالفتح ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بالفتح أيضًا (٥).

стр. 5246

وذكر بعض المفسرين أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم لمَّا اشتدَّ عليهم أذى المشركين قبل الهجرة استأذنوا النبي ﷺ في قتل مَن قدروا على قتله سرًّا فلم يؤذَن لهم (١)، ووعدهم اللَّه تعالى بالدفع عنهم، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ لِمَا همُّوا به من قتلهم سرًّا، فلما هاجروا وقَرُّوا أذن لهم في قتالهم (٢). وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: أي: بسببِ أن المشركين ظلموهم في صدِّهم عن المسجد الحرام وإظهارِ دينهم. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: يُورثهم ديارَ عدوِّهم، ويَشفي به صدورهم، وهو إشارة إلى البشارة بذلك، وهذه الآية أول آية أُنزلت في الأمر بالقتال (٣). * * * (٤٠) - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: وهو بيان قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. ﴿أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: هو استثناءٌ منقطع بمعنى: لكن؛ أي: ﴿أُخْرِجُوْا. . . بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أي: من غير أن يستحقوا ذلك ويحقَّ عليهم ذلك، لكنْ لأنهم قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له على خلاف قولهم.

стр. 5247

وهذا الإخراج من مكة إلى المدينة إن كانت الآية نزلت بعد الهجرة إليها، وإن كان قبلها فهذا الإخراج من مكة إلى الحبشة؛ أي: إلجاؤهم (١) إياهم إلى أن هاجروا عنها إليها. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: لولا شرعُ اللَّه للأنبياء والأممِ من الجهاد. ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أي: لغَلب أهلُ الشرك أهلَ الإيمان؛ أي: وعطَّلوا ما بَنتْه (٢) أهل الديانات من مواضع عبادة اللَّه تعالى. قال مجاهد: الصوامع للرهبان (٣). وقال قتادة: البيع للنصارى (٤). وقال مجاهد: البِيَع كنائس اليهود (٥)، جمع بِيْعَةٍ. وقال الضحاك: الصلوات كنائس اليهود (٦). وقيل: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: هي مواضع صلوات المسلمين في منازلهم، والمساجدُ للجماعات.

стр. 5248

وقيل: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾؛ أي: وتُركت صلوات، على (١) إرادة أعيانها دون مواضعها. وقال الزجاج: أي: لهدِّمت صوامعُ في أيام شريعة عيسى، وبيعٌ في أيام شريعة موسى، ومساجد في أيام شريعة محمد ﵈ (٢). وقيل: ذُكرت الصوامع والبِيَع -وإن كانت تلك لغيرِ أهل الإسلام- وذلك لأن النصارى ينكرون أمر الجهاد ويَرَونه شنيعًا في الحكمة، والصابئون لا يرونه، فنُبِّهوا على حُسنه في العقول؛ إذ فيه بقاءُ أثر هذه الديانات التي يعتقدها هؤلاء. ثم قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾: هم الكفارُ ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بدلٌ عنه ﴿بِبَعْضٍ﴾ هم المؤمنون المقاتلون، فالدفع يقع بهم. وقيل: معناه: ولولا دفعُ اللَّهِ بأهل هذا الدِّين عن الأديان كلِّها؛ أي: لولا إقماعُ (٣) عبدة الأوثان وأهلِ التعطيل بخوف سيوف المسلمين لتغلَّبوا على أهل الأديان كلِّها (٤)، وفيه تعريفُ منَّةِ اللَّه تعالى بما عاد على (٥) أهل الأديان كلِّها من النَّفع بدِين الإسلام. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أي: في المساجد، هو الصحيح، فإن الذكر في البيع ونحوها محرَّفٌ غيرُ معتبَر. وقيل: يدفع اللَّه بالمقاتلين (٦) عن القاعدين، وبالشاكرين عن الكافرين،

стр. 5249

وبالصابرين عن الجازعين، وبالمصلين عن التاركين، وبالمصَّدِّقين (١) عن المانعين، وبالمطيعين عن العاصين، وبالذاكرين عن الناسين. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: هذا ظاهر. * * * (٤١) - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: هو نعتُ ﴿الذين يقاتلون﴾ أي: أُذِنَ بالقتال لهؤلاء الذين إنْ أعطيناهم المكنة والمكانة في الأرض ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وأقاموا الدِّين بألسنتهم وأيديهم، وألزَموا الناس ما هو مستحسَن عند (٢) العقل والشرع، ومنعوهم عما هو مستقبَحُ (٣) العقل والشرع. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: أي: خاتمتُها؛ أي: النصر والعلوُّ والغَلَبة خاتمةُ مَن نصَر دِين اللَّه، وهي للَّه، وإن تأخَّرت مدةً لحكمةٍ (٤) فهي موعودةٌ لهم، وهذا تطييبٌ لقلوبهم، وتثبيتٌ على الصبر. وقيل: أي: مرجِعُ الأمور إلى اللَّه في الآخرة، وهو المُثيب والمعاقِبُ، وهذا تحريكٌ لهم على الأعمال المذكورة في الآية.

стр. 5250

وكثير من المفسرين على أن هذه الآيةَ في الخلفاء الراشدين الأربعة. وقال الحسن: هي في حقِّ جميع هذه الأمة (١). وقال القشيري ﵀: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إذا طالت بهم المدَّة (٢) وساعدهم العمرُ، لم يستفرغوا (٣) أعمارهم في استجلاب حظوظهم، ولا في اقتناء محبوبهم في الدنيا ومطلوبهم، ولكن قاموا بأداء حقوقنا. وأقاموا الصلوات في الظاهر، وأداموا المواصلات في الباطن. وقيل: إقامة الصلاة بالوفاء (٤) بأدائها؛ تَعْلَمُ بين يديْ مَن أنت (٥)، وتناجي مَن، والرقيبُ عليك مَن، والقريبُ منك من. ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الأغنياء منهم يُؤتون زكاة أموالهم، وفقراؤهم يؤتُون زكاة أحوالهم، فزكاة المال من مئتين خمسةٌ للفقراء (٦) والباقي لهم، وزكاة الأحوال أن يكون من مئتي نفس مئة وتسعةٌ وتسعون ونصفٌ للَّه تعالى، ونصفُ جزءٍ من نفسٍ من مئتين لك (٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَبتدِئون (٨) في الأمر

стр. 5251

بالمعروف والنهي عن المنكر بأنفسهم، ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا في ذلك لم يتفرَّغوا من أنفسهم إلى غيرهم. وقيل: الأمر بالمعروف: حفظُ الحواسِّ عن مخالفة أمره، ومراعاةُ الأنفاس معه إجلالًا لقَدْره، ومن وجوهِ المنكر: الرياء والإعجاب والمساكَنة والملاحظة (١). * * * (٤٢ - ٤٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾: وهذا بيانُ قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وتسليةٌ للنبي ﷺ بما ينالُه من جهة الكفار من المكروه والمحذور، يقول: إنْ نَسَبك هؤلاء إلى الكذب فقد فعلَتْ قوم نوحٍ بنوحٍ (٢) كذلك. والتأنيث في ﴿كَذَّبَتْ﴾ لإرادةِ القبيلة أو الأمَّة أو الجماعة، وكذلك ما ذُكر بعده كذَّبتْ كلُّ أمةٍ نبيَّها ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ على ما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: وكذبت قوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وهم صدَّقوه، وإنما كذَّبه فرعونُ وقومه. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: طوَّلتُ لهم الزمانَ للحجة عليهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: أي: عاقبتُهم على كفرهم وتكذيبهم ومعاصيهم.

стр. 5252

وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: إنكاري وتغييري عليهم، ألمْ أبدِّلهم بالنعمة نقمةً، وبالكثرة قِلةً، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، وكذلك حالُ قومك. * * * (٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من أهل قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلكناهم وهم ظالمون أنفسَهم بالكفر، واضعون العبادةَ غيرَ موضعها. وقرأ أبو عمرو: ﴿أَهْلَكْتُها﴾ على موافقةِ ﴿أمليتُ. . . ثم أخَذْتُهم﴾، وقرأ الباقون: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ على موافقة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الحج: ٤١] (١). ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: فالقريةُ ساقطةٌ سُقوفُها أولًا ثم ساقطةٌ حيطانها على سقوفها. وقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: أي: وكم من بئرٍ معطَّلة بفِناء أهلها اندَفنتْ وصارت لا واردةَ لها ولا شاربةَ منها باندِفانها وغورِ مائها. وقوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: وكم قصرٍ مشيد. قال عكرمة ومجاهد: أي: مبنيٍّ بالجصِّ، والشِّيد: الجص (٢).

стр. 5253

وقال قتادة: أي: مرفوعٍ (١)، وقد شاد البناء؛ أي: رفعه وطوَّله. وقيل: أي: مزيَّنٍ، وقد شاده؛ أي: زيَّنه؛ أي: خلا عن سكانه وتداعَى للخراب بذهاب أهله. فهذا تنبيهٌ لهم ووعظ بمن كان قبلهم ممن كان أطولَ منهم أعمارًا وأقوى آثارًا، فأهلكهم اللَّه تعالى لعتوِّهم وتمرُّدهم. وقال الضحاك: إن هذه البئر كانت في حضرموتَ في بلدةٍ يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعةَ آلافِ نفرٍ ممن آمن بصالح ونجَوا من العذاب أتوا حاضوراء ومعهم صالح، فلما حضروا مات صالح فسمي: حضرموت؛ لأن صالحًا لمَّا حضر مات، فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمَّروا عليهم رجلًا يقال له: جليس بن جلاس بن سويد، وجعلوا وزيره سنحاريب بنَ سَوَادةَ، وأقاموا دهرًا وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام فأرسل اللَّه إليهم نبيًا يقال له: حنظلةُ بن صفوان، فقتلوه في السوق، فأهلكهم اللَّه عن آخرهم، وتعطلت (٢) بئرهم وخرب قصر ملكهم (٣). وقيل: إن ملكًا كافرًا كان له وزير مسلم ومعه أربعةُ آلافِ (٤) مسلم من خواصِّه، فغضب (٥) عليه الملك يومًا فهجره الوزير وذهب مع خواصِّه إلى أرضٍ طيبة فنزلوها

стр. 5254

وحفروا آبارًا خرج (١) من كلِّها ماءٌ مِلْحٌ، ومر بهم رجل فأمرهم أن يحفروا في موضعٍ أَراهم، ففعلوا فخرج ماء عذب، فوسَّعوها وبنوها حجرًا ذهبًا وحجرًا فضة، وجعلوها حظيرةً ولها أربعة آلاف باب بعدد ذلك (٢) الرجال، واتخذوا منازل، وطالت بهم المدة، وأتاهم الشيطان في صورة عجوزٍ صالحة ومكث عندهم، ودلت النساء على السَّحق عند غيبةِ الأزواج فظهر ذلك فيهنَّ، وأتاهم في صورة شيخ صالح بعد ذلك، وبعد مدةٍ دل رجالهم على إتيان البهائم إذا غابوا عن أزواجهم، ففشا ذلك فيهم، وأتاهم بعد ذلك (٣) النبيُّ -وقيل: نبي اسمه قحافة- فنهاهم فلم ينتهوا له (٤)، فغار ماؤهم فتضرعوا للنبيِّ حتى دعا اللَّه، فعاد الماء فلم يؤمنوا، فخوَّفهم إتيانَ العذاب بعد سبع سنين وسبعةِ أشهر وسبعة أيام وسبعِ ساعات، فاتخذوا قصرًا مَشيدًا لبنةٌ ذهبًا ولبنةٌ فضةً، وركَّبوا فيها اليواقيت وتحصَّنوا ولم يؤمِنوا به (٥)، فلما انتهت هذه المدة وهو يجدِّد لهم التخويفَ كلَّ ساعةٍ فلم ينتهوا، أمر اللَّه تعالى جبريل فخسف بهم وبها (٦).

стр. 5255

(٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أفلم يسافر هؤلاء في الأرض فيشاهدوا هذه القرى وآثار (١) وقائع اللَّه تعالى بها. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: أي: فيَحْضرَهم عقولٌ يتفكرون بها فيها فيَعتبِرون ﴿أو آذان يسمعون بها﴾؛ أي: يدعوهم ما شاهدوا إلى سماع وعظ الواعظ، وهذا استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد سافروا إليها وشاهَدوها ثم لا يعتبرون (٢) بها بإعراضهم عن التدبُّر، فهم متعامُون متصامُّون. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾: قيل: فإن القصة والحادثة، وقيل: فإن الأبصار، ثم أعاد ﴿الْأَبْصَارُ﴾ تفسيرًا للكناية وإزالةً للاشتباه؛ أي: لا تعمى الأبصار (٣) أبصارُ رؤوسهم عن رؤية هذه الآثار عِيانًا ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن التفكر فيها والاعتبار بها. وقيل: معناه: وإنَّ العمى ليس بعمى البصر وإنما العمى في الحقيقة عمَى القلوبِ؛ لأن منفعةَ بصر العين لا يَهْلِكُ بعدمها صاحبُها، وعدمَ بصر القلب يهلكُ صاحبه، وهذا كما يقال: ليس الغنى غنَى المال إنما الغنَى غنى النفسِ، ونحوِه. ثم القلب لا يكون إلا في الصدر، ومعنى تقييدِه به (٤): تحقيقُه بخاصته لا تمييزُه عن غيره، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
следующие страницы →