← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

بالمعروف والنهي عن المنكر بأنفسهم، ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا في ذلك لم يتفرَّغوا من أنفسهم إلى غيرهم. وقيل: الأمر بالمعروف: حفظُ الحواسِّ عن مخالفة أمره، ومراعاةُ الأنفاس معه إجلالًا لقَدْره، ومن وجوهِ المنكر: الرياء والإعجاب والمساكَنة والملاحظة (١). * * * (٤٢ - ٤٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾: وهذا بيانُ قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وتسليةٌ للنبي ﷺ بما ينالُه من جهة الكفار من المكروه والمحذور، يقول: إنْ نَسَبك هؤلاء إلى الكذب فقد فعلَتْ قوم نوحٍ بنوحٍ (٢) كذلك. والتأنيث في ﴿كَذَّبَتْ﴾ لإرادةِ القبيلة أو الأمَّة أو الجماعة، وكذلك ما ذُكر بعده كذَّبتْ كلُّ أمةٍ نبيَّها ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ على ما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: وكذبت قوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وهم صدَّقوه، وإنما كذَّبه فرعونُ وقومه. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: طوَّلتُ لهم الزمانَ للحجة عليهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: أي: عاقبتُهم على كفرهم وتكذيبهم ومعاصيهم.

стр. 5252

وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: إنكاري وتغييري عليهم، ألمْ أبدِّلهم بالنعمة نقمةً، وبالكثرة قِلةً، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، وكذلك حالُ قومك. * * * (٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكم من أهل قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلكناهم وهم ظالمون أنفسَهم بالكفر، واضعون العبادةَ غيرَ موضعها. وقرأ أبو عمرو: ﴿أَهْلَكْتُها﴾ على موافقةِ ﴿أمليتُ. . . ثم أخَذْتُهم﴾، وقرأ الباقون: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ على موافقة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الحج: ٤١] (١). ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: فالقريةُ ساقطةٌ سُقوفُها أولًا ثم ساقطةٌ حيطانها على سقوفها. وقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: أي: وكم من بئرٍ معطَّلة بفِناء أهلها اندَفنتْ وصارت لا واردةَ لها ولا شاربةَ منها باندِفانها وغورِ مائها. وقوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: وكم قصرٍ مشيد. قال عكرمة ومجاهد: أي: مبنيٍّ بالجصِّ، والشِّيد: الجص (٢).

стр. 5253

وقال قتادة: أي: مرفوعٍ (١)، وقد شاد البناء؛ أي: رفعه وطوَّله. وقيل: أي: مزيَّنٍ، وقد شاده؛ أي: زيَّنه؛ أي: خلا عن سكانه وتداعَى للخراب بذهاب أهله. فهذا تنبيهٌ لهم ووعظ بمن كان قبلهم ممن كان أطولَ منهم أعمارًا وأقوى آثارًا، فأهلكهم اللَّه تعالى لعتوِّهم وتمرُّدهم. وقال الضحاك: إن هذه البئر كانت في حضرموتَ في بلدةٍ يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعةَ آلافِ نفرٍ ممن آمن بصالح ونجَوا من العذاب أتوا حاضوراء ومعهم صالح، فلما حضروا مات صالح فسمي: حضرموت؛ لأن صالحًا لمَّا حضر مات، فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمَّروا عليهم رجلًا يقال له: جليس بن جلاس بن سويد، وجعلوا وزيره سنحاريب بنَ سَوَادةَ، وأقاموا دهرًا وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام فأرسل اللَّه إليهم نبيًا يقال له: حنظلةُ بن صفوان، فقتلوه في السوق، فأهلكهم اللَّه عن آخرهم، وتعطلت (٢) بئرهم وخرب قصر ملكهم (٣). وقيل: إن ملكًا كافرًا كان له وزير مسلم ومعه أربعةُ آلافِ (٤) مسلم من خواصِّه، فغضب (٥) عليه الملك يومًا فهجره الوزير وذهب مع خواصِّه إلى أرضٍ طيبة فنزلوها

стр. 5254

وحفروا آبارًا خرج (١) من كلِّها ماءٌ مِلْحٌ، ومر بهم رجل فأمرهم أن يحفروا في موضعٍ أَراهم، ففعلوا فخرج ماء عذب، فوسَّعوها وبنوها حجرًا ذهبًا وحجرًا فضة، وجعلوها حظيرةً ولها أربعة آلاف باب بعدد ذلك (٢) الرجال، واتخذوا منازل، وطالت بهم المدة، وأتاهم الشيطان في صورة عجوزٍ صالحة ومكث عندهم، ودلت النساء على السَّحق عند غيبةِ الأزواج فظهر ذلك فيهنَّ، وأتاهم في صورة شيخ صالح بعد ذلك، وبعد مدةٍ دل رجالهم على إتيان البهائم إذا غابوا عن أزواجهم، ففشا ذلك فيهم، وأتاهم بعد ذلك (٣) النبيُّ -وقيل: نبي اسمه قحافة- فنهاهم فلم ينتهوا له (٤)، فغار ماؤهم فتضرعوا للنبيِّ حتى دعا اللَّه، فعاد الماء فلم يؤمنوا، فخوَّفهم إتيانَ العذاب بعد سبع سنين وسبعةِ أشهر وسبعة أيام وسبعِ ساعات، فاتخذوا قصرًا مَشيدًا لبنةٌ ذهبًا ولبنةٌ فضةً، وركَّبوا فيها اليواقيت وتحصَّنوا ولم يؤمِنوا به (٥)، فلما انتهت هذه المدة وهو يجدِّد لهم التخويفَ كلَّ ساعةٍ فلم ينتهوا، أمر اللَّه تعالى جبريل فخسف بهم وبها (٦).

стр. 5255

(٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أفلم يسافر هؤلاء في الأرض فيشاهدوا هذه القرى وآثار (١) وقائع اللَّه تعالى بها. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: أي: فيَحْضرَهم عقولٌ يتفكرون بها فيها فيَعتبِرون ﴿أو آذان يسمعون بها﴾؛ أي: يدعوهم ما شاهدوا إلى سماع وعظ الواعظ، وهذا استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد سافروا إليها وشاهَدوها ثم لا يعتبرون (٢) بها بإعراضهم عن التدبُّر، فهم متعامُون متصامُّون. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾: قيل: فإن القصة والحادثة، وقيل: فإن الأبصار، ثم أعاد ﴿الْأَبْصَارُ﴾ تفسيرًا للكناية وإزالةً للاشتباه؛ أي: لا تعمى الأبصار (٣) أبصارُ رؤوسهم عن رؤية هذه الآثار عِيانًا ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن التفكر فيها والاعتبار بها. وقيل: معناه: وإنَّ العمى ليس بعمى البصر وإنما العمى في الحقيقة عمَى القلوبِ؛ لأن منفعةَ بصر العين لا يَهْلِكُ بعدمها صاحبُها، وعدمَ بصر القلب يهلكُ صاحبه، وهذا كما يقال: ليس الغنى غنَى المال إنما الغنَى غنى النفسِ، ونحوِه. ثم القلب لا يكون إلا في الصدر، ومعنى تقييدِه به (٤): تحقيقُه بخاصته لا تمييزُه عن غيره، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].

стр. 5256

(٤٧) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: أي: يقولون: متى هذا العذاب الذي تُوْعِدُنا به وتَذكُر أنه كان للأمم السالفة؟ ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فإنه يتعالى عن الخُلف (١) والكذب، وهو آت لا محالة لكنْ لوقته الذي جعله له. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وأتاه الوعد يوم بدر فقتل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن زيد: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا﴾ من أيام الآخرة ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا (٢)؛ أي: فلا معنى لاستعجالهم وهم يصيرون إلى الآخرة ويعذَّبون فيها هذه المدةَ الطويلة. وقيل: إن يومًا من أيام العذاب في الثِّقل والطول كألفِ سنة مما تعدُّون في السلامة، كما قالوا: أيام الغموم طِوال وأيام السرور قِصار، فلا معنى لاستعجالهم العذاب (٣). وقيل: إن يومًا من الأيام التي خلق اللَّه تعالى فيها السماوات والأرض كألف سنة (٤)؛ أي: هؤلاء يستعجلونك بالعذاب، وإن يومًا من الأيام التي خلقتُ فيها السموات والأرض كألف سنة، وكنتُ قادرًا على أن أخلق جميع ذلك في لحظةٍ

стр. 5257

وأقلَّ، ولكنْ خلقتُه في المدة الطويلة ولم أُعجِّل، فكذلك أنا قادر على إنزال العذاب بهم ساعةَ عَصوني ولكنْ لا أُعَجِّل، ويدل عليه أنه قال في سورة (ق) (١): ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ق: ٣٦] ثم ذكر عَقيبه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]، فذكرُها بعد ذكرِ إهلاكهم (٢) إشارةٌ إلى هذا، فكذلك في (٣) هذه الآية. وقيل: هو إشارةٌ إلى ما ذكر في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فالملَك ينزل مسيرةَ خمس مئة سنةٍ -وهي من السماء إلى الأرض- ويصعد كذلك في ساعة، فهي مسيرة (٤) ألف سنة، يقول: لمَّا كان في قدرتي هذا فكيف أعجز عن إهلاك هؤلاء، لكن تأخيره لحكمة. * * * (٤٨ - ٥٠) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾: أي: في الدنيا ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجعُ في عذاب الآخرة؛ أي: فما ينبغي لهؤلاء أن يغترُّوا بإمهالي. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: جعل اللَّه إليَّ الإنذار دون إنزالِ العذاب، فلا يستعجلوا به.

стр. 5258

قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ للذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: حسن في الجنة، هذا لمن خاف بإنذاري فاتَّبَعني. * * * (٥١) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: أي: اجتهَدوا في أعلام الحقِّ للإبطال والتكذيب وصدُّوا الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مغالبين مقدِّرين أنهم يغلبوننا فيفوتوننا. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿معجِّزين﴾ (١)؛ أي مُثبِتين عجز الأنبياء والمؤمنين بذلك على زعمهم. وقال الكسائي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين و ﴿معجِّزين﴾: مثبِّطين. وقال الخليل: عاجَزَ فلان: ذهب فلم يُوصَل إليه (٢). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أي: الدائمون في النار الموقَدة. * * * (٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾: قيل: الرسول: صاحب الشريعة، والنبي: هو الذي يتَّبع الرسول في الشريعة؛ كهارونَ لموسى، ولوطٍ لإبراهيم، ﵈. وقيل: الرسول: المرسَل بالوحي، والنبي: هو المخبِر عن اللَّه بالوحي إليه، أو بالوحي إلى رسولٍ أُمر أن يأمره بالتبليغ أو بالرؤيا.

стр. 5259

وقيل: هما واحد، وفي الآية جمَع بينهما في الإرسال فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: وهذا متصل بقوله تعالى: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: إن مشركي عصرك يَسعون في آياتنا (١) المنزَلةِ عليك، وكذا كان (٢) كلُّ رسول يسعى الشيطانُ في الإلقاء في قراءته. وقوله: ﴿تَمَنَّى﴾؛ أي: تلا، وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ أي: في تلاوته؛ قال الشاعر: تمنَّى كتابَ اللَّه أولَ ليلهِ... وآخرَه لاقَى حِمَامَ المَقادِرِ (٣) وروي في ذلك: أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ في الكعبة أو في المسجد الحرام بحضرة المؤمنين والمشركين، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: تلك الغَرَانيقُ العُلا وإنَّ شفاعَتَهنَّ لتُرتَجى، فلما فرغ سجد وسجد المشركون والمسلمون، وبلغ الخبرُ مَن كان عند النجاشيِّ من المهاجرين، فرجع كثير منهم إلى مكة لِمَا توهَّموه من دخول المشركين في دِين رسول اللَّه ﷺ (٤).

стр. 5260

وأخذ أصحاب الظواهر بظاهره، وحملوه على قراءة رسول اللَّه ﷺ ذلك كلَّه، وتكلُّمِه بلسانه بهاتين الكلمتين، وهذا باطل على ما نبيِّن. فأما الغرانيق: فقد ذكر في "ديوان الأدب" أن الغُرْنُوق: الشابُّ الناعم (١). وذكر في "شرح الغريبين": أنه الحسن العالي (٢). وقيل: هو رئيس القوم. وقال الخليل: الغُرْنُوق والغِرْناق (٣): الشاب الأبيض والطائر (٤). وقال الأصمعي: هو الكُرْكِيُّ. وقال ابن الأنباري: هو الذَّكَرُ من الطير.

стр. 5261

وفي "الغريبين" أيضًا: الغِرْنَوق والغِرْناق والغِرْنيق: الشاب الناعم والطير (١). وكان المشركون يزعمون أن الأصنام تقرِّبهم إلى اللَّه تعالى وتشفَع لهم إليه، فشبَّهوها بالطيور التي تعلو وترتفع في (٢) السماء. وقال الحسن: إنْ ثبَت تكلُّمُ النبيِّ ﷺ بهذه الكلمات فهو على الإنكار عليهم (٣)، على تقدير إثباتِ ألف الاستفهام في أولها: أتلك الغرانيق العلى، كما في قوله خبرًا عن إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ أي: أهذا ربي. والصحيح المعتمد: أن النبي ﷺ لم يتكلم بها، فإنَّا لو توهَّمنا أنه تكلَّم بها فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إمَّا أنْ تكلَّم بها من جهةِ نفسه عمدًا اختيارًا، وهو كفرٌ، فلا يجوز أن يُظنَّ برسول اللَّه ﷺ ذلك، فإنه جاء داعيًا إلى الإسلام ناهيًا عن الكفر طاعنًا في الأصنام، فكيف يمدحها؟! وإمَّا أنْ أجرى (٤) الشيطان ذلك على لسان رسول اللَّه ﷺ جبرًا بحيث لم يَقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضًا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حقِّ غيره؛ قال تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فكيف يقدر على ذلك في حق النبي ﷺ ؟! وإما أن يقال: وقع ذلك على لسانه سهوًا وغفلة من غيرِ قصدٍ، ولا يجوز ذلك أيضًا؛ لأنه ﷺ كان أعقلَ الخلق وأعلمَهم فكيف يجوز عليه هذه الغَفلة؟! خصوصًا

стр. 5262

في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتمادُ والتصديقُ واحتمالُ الغلط والخطأ قائم، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فبَطَلت الوجوه كلُّها، ولم يبق إلا وجهٌ واحد، وهو أن النبي ﷺ سكت عند قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ والشيطانُ حاضرٌ، فتكلَّم الشيطان بهذه الكلمات متَّصلًا بقراءة النبيِّ ﷺ ، فوقع عند بعضهم أن النبيَّ ﷺ هو الذي تكلَّم بها، ويكون هذا إلقاءً في قراءة النبي ﷺ ، وكان الشيطان يتكلَّم في زمن النبي ﷺ ويُسمَع كلامه؛ كما ذُكر عنه في اليوم الذي مكَروا بالنبيِّ ﷺ في دار الندوة، وإبليس ظهر يوم أحدٍ على صورة شيخ نجديٍّ ونادى: ألَا إن محمدًا قد قتل، وقال (١) يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وقيل: لمَّا استعجلوه بالعذاب تمنَّى أن يعجِّل اللَّه لهم بالعذاب فأبطأ، فألقى الشيطان في أمنيَّته وساوسَ؛ كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقولُه تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يزيله عن القلب ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُلهِمه صدقَ مواعيده. وعلى التأويل الأول: فيُبْطِلُ اللَّه تعالى ما تكلَّم به الشيطان؛ أي: يُظهِرُ بطلانَه بالوحي بعده، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فيُثْبِتها (٢) ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان بها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بوقت إنزال العذاب وبقصد الشيطان ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يدعُه حتى يكشفَه ويزيلَه.

стр. 5263

(٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: نِفاقٌ. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: وللقاسيةِ قلوبُهم وهم الكفار، صار ذلك فتنةً لهم؛ اعتقَدوا كلام الشيطان كلامَ اللَّه وحقَّقوا (١) شفاعتَها ونفعها. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: وإن المشركين لفي خلافٍ للحق (٢) بعيد عنه. * * * (٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: أُعطوا العلمَ باللَّه وبدِينه وبالآيات ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: أنَّ نسخَ ما يُلقي الشيطان. وقيل: أنَّ القرآنَ الحقُّ من ربك. ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾: أي: فيصدِّقوا به ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تلينَ وتطمئنَّ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: لمثبِّتُهم (٣) على الهدى ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: دينِ الإسلام. * * * (٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.

стр. 5264

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: أي: في شكٍّ من إلقاء الشيطان، وقيل: من الحق. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: أي القيامةُ ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: قيل: يومٌ لا خيرَ فيه ولا فرحَ كالريح العقيم التي لا مطر معها؛ قاله الضحاك (١). وقيل: يوم لا ليلةَ بعده كالعقيمِ لا ولد لها (٢). واختُلف في ذلك اليوم: قال قتادة: هو يومُ بدر (٣)، قُتلوا فيه فلم يكن لهم بعده ليلةٌ في الحياة، والشكُّ يزول للكافر إذا مات، ويزول أيضًا بالقيامة. وقال أيضًا سعيد بن جبير وعكرمة: هو يومُ القيامة لا ليلةَ بعدها (٤). ومعنى الجمع بين الساعة وبينه: أن الأول ذكرُ القيامة والثاني ذكرُ عذاب يوم القيامة.

стр. 5265

وقيل: الساعة هي النفخة الأولى، وهي بموت كلِّ الخلائق، وبه تزول الشكوك، والثاني هو يوم البعث والجزاء. * * * (٥٦ - ٥٧) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: أي: إذا قامت القيامة فزالت غلبةُ المتغلِّبين ومعارضةُ المعاندين، وهو كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: يُنزل كلَّ واحد من هذين الفريقين منزلة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: هذا هو (١) حكم أحد الفريقين ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وهذا حكم الفريق الآخر (٢). * * * (٥٨ - ٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: هو تخصيصُ قوم من الفريق الأول، وهو خير المعطين لأنه لا يعطي أحدٌ عطاءه في الكثرة والجلالة والدوام وزوالِ الشوائب.

стр. 5266

وقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾: الجنة، وهذا وصف لها بكلِّ (١) جميل؛ لأن ما وقع موقع الرضا فقد كمل. وقرأ نافع: ﴿مَدْخَلًا﴾ بفتح الميم، وهو موضع الدخول، وقرأ الباقون بضمها (٢)، وهو موضع الإدخال. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾: بأحوال المهاجرين ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العذاب عن المشركين. * * * (٦٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾: أي: ذلك الموعود للمهاجرين كما أعلمناكم به، ولهم مع ذلك أنِّي أنصرهم في الدنيا على مَن بغَى عليهم. وقال مقاتل: التقَى جماعة من المشركين بجماعة من المؤمنين وقد بقي من المحرَّم يومان، فقال المشركون بعضُهم لبعض: إن أصحاب محمد لا يقاتلون في الشهر الحرام فتعالَوا نشدُّ (٣) عليهم ونقتلهم، فلما اضطرَّهم المشركون قاتلوهم وغلبوهم، ثم حدَّثوا أنفسهم مهتمِّين بما صنعوا في الشهر الحرام، فنزلت الآية وعذَرهم اللَّه تعالى (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: يعفو عنهم ويغفر لهم. * * * (٦١) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

стр. 5267

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: أي: ذلك الذي أخبرتُكم أني فاعلُه هو بأني قادر على ما أشاء؛ أُدخل الليلَ في النهار وأُدخل النهار في الليل بنقصان أحدهما وزيادة في الآخر، وبأني أنا السميع للأصوات والبصير للمبصَرات لا يخفى عليَّ شيء، ولا يخفى عليَّ المطيع من العاصي، والمؤمنُ من الكافر، والمهاجر من القاعد، ومتبع الشيطان من المخالِف، فلكلِّ واحد جزاءٌ مني على وَفْق عمله لا أعجز عنه. * * * (٦٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: أي: ما ذكرتُه من آيات قدرتي بأني أنا اللَّه المستحِقُّ للإلهية، ومَن كان إلهًا حقًّا كان قادرًا على كلِّ شيء، مصرِّفًا كلَّ شيء على ما أراد. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: قرأ نافع وابن عامر بتاء المخاطبة، والباقون بياء المغايبة (١). ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾: أي: الأصنامُ خاليةٌ عن هذه الصفات، فبطَل وصفُها بالإلهية. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾: أي: العالي على كلِّ شيء بالقهر والسلطان، دون توهُّم المكان. ﴿الْكَبِيرُ﴾: بالجلال والقدرة والكمال. * * * (٦٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.

стр. 5268

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أي: ألم تعلم -استفهام بمعنى التقرير- أن اللَّه أنزل من السماء ماء وهو المطر. ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾: أي: فتصيرُ بالنبات خضراءَ، فمَن قدر على هذا قدر على إنشاء الأجسام وعلى إحياء الموتى (١) وعلى كلِّ شيء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: عالم ببواطن الأشياء ﴿خَبِيرٌ﴾ بظواهرها. وقيل: ﴿لَطِيفٌ﴾: بارٌّ بخلقه ﴿خَبِيرٌ﴾ عالمٌ بمصالحهم. * * * (٦٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ملكًا وخلقًا ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾: المستغني عن ذلك كلِّه ﴿الْحَمِيدُ﴾: المحمودُ على جميع الأفعال، المنزَّهُ عن صفات الذم. وقيل: أي: المستحِقُّ للحمد وإنْ ضلَّ عن حمده الضالُّون. * * * (٦٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا بيانُ مِنَّتهِ بتسخير ما في الأرض من الحيوان وغيرِه لنا مما بنا حاجةٌ إليه في معاشنا (٢)، فلا أصلب من الحجارة والحديد، وقد ذلَّلهما لنا نتخِذُ منهما ما نريد.

стр. 5269

﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾: أي: وأنَّ الفلك، أو يكونُ عطفًا على قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: سخَّرها لكم تجري (١). وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: أي: بتسخيره وتصييره إياها كذلك علَّمكم صنعتها لتقطعوا بها المسافات البعيدةَ في المدة القريبة. وقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾: أي: يمنعها عن الوقوع ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بإرادته وتَخْلِيَته، فتقعُ إذا لم يمسكها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: فلِرَأْفته ورحمته هيَّأ لهم هذا كلَّه. * * * (٦٦) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾: وكنتُم مُضَغًا وعَلَقًا وعظامًا، ولولا إحياؤه لكنتُم جمادًا، فعل بكم ذلك وسخر لكم هذا كلَّه ليمتحنكم بالشكر. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: لآجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للحساب والجزاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: للنعم في الغالب ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. * * * (٦٧) - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: عيدًا (٢).

стр. 5270

وقال مجاهد وقتادة: أي: متعبَّدًا في إراقة الدم بمنًى وغيره (١). وقيل: هو جمع العبادات، وأصل النُّسُك: العبادةُ، والناسك: العابد، والمتنسِّك: المتعبِّد. ويطلق (٢) على الحج لأنه منها، وعلى القربان كذلك لذلك. قيل: لمَّا نبَّه اللَّه تعالى على قدرته وعلمه، وعلى أنه الإله الحقُّ، ووعد قبل ذلك مَن جاهد في دينه النصرَ (٣) بعد أن أذن لهم في القتال وأمرهم بالهجرة = أمر رسولَه ﷺ بالجدِّ (٤) في الدعاء إلى الدين، وعرَّفه وجه معاملتهم والاحتجاجِ عليهم، فقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾؛ أي: شَرَعْنا لكلِّ أمة خلت (٥) ضربًا من العبادة هم متنسِّكون به مأخوذون (٦) عليه، وهو كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾: أي: فليس لأحد من بقايا تلك الأمم منازعتُك (٧) ﴿فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: فيما تَأمر به أمتَك من الشرائع؛ إذ قد كانت لهم شرائع يخالفُ بعضها بعضًا، فكذا هذه الشريعة، فإنْ خالفْتَ تلك الشرائع فليس لهم منازعتُك فيها. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: أي: إلى دينِ ربك ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: دلالةٍ على سبيلِ رشدٍ.

стр. 5271

(٦٨ - ٦٩) - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾: ليُدْحِضوا بباطلهم حقَّك فلا تمارِهم. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من الكفر، والجدال بالباطل، والتعنُّتِ بعد ظهور الحجة. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: فيجزي المحِقَّ على حقِّه والمبطِلَ على باطله. وقيل: ولكلِّ أمةٍ جعلنا موضعَ قربانٍ يتقرَّبون بذلك إلى اللَّه تعالى، فأهلُ المِلَل معترفون (١) بذلك، فليس لهم منازعتُك فيما أتيتهم به من الذبائح لاتِّفاقهم على شرعة الماضين (٢)، فلا معنى لمنازعتهم إياك في ذبائح مكة، ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى طاعته فيما أَمر به من الحج والنحر، فهذا الجدال على هذا كان من أهل الكتاب المنكِرين فضلَ مكة وكونَ الكعبةِ قبلةً. وقيل: هو جدال المشركين المذكورُ في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهو قولهم: تأكلون مما أمتُّم ولا تأكلون مما أماته اللَّه تعالى. وقال الزجاج: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: فلا تنازعنَّهم، وهو مستقيمٌ في كلِّ فعلٍ يكون بين اثنين ونهي أحدهما نهي الآخر، تقول: لا يخاصِمَنَّك فلان؛ أي: لا تخاصمنَّه (٣)، وإنما نهى عنه لأنهم ما كانوا يجادلونه لطلبِ الحق بل للتعنُّت. * * *

стр. 5272

(٧٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: فلا يخفَى على اللَّه شيء من حالِ المجادِلين وتجرُّئهم (١) على ذلك يوم الدين. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾: أي: كلُّ ما في السماء والأرض فهو مكتوب في أمِّ الكتاب عنده قبل خَلْقهما. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: إثباتُه في الكتاب سهلٌ عليه لا يَلحقُه فيه مؤنةٌ كما يَلحق كَتَبةَ الخلق. وقيل: أي: الحكمُ بينهم يوم القيامة يسيرٌ لا يَلحقه ما يَلحق قضاةَ الخلق من الحاجة إلى استنباطِ وجه الحكم ونحوِ ذلك. وقيل: نزلت الآية في بُدَيلِ بن وَرْقاءَ الخزاعيِّ وبشرِ بن سفيان ويزيد بن خُنيسٍ من بني الحارث بن عبد مناف بن تميم، قالوا لأصحاب رسول اللَّه ﷺ : ما لكم تأكلون ما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون ما يقتله اللَّه تعالى؟! فنزل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢). وقال القشيري ﵀: جعل لكلِّ فريق شرعةً هم واردوها، ولكلِّ جماعةٍ طريقةً هم سالكوها، ومقامًا هم سكَّانه، ومحلًّا هم قُطَّانه، ربط كلًّا بما هو أهلٌ (٣)

стр. 5273

له، وأوصَل كلًّا إلى ما جعله محلَّه، فبساطُ التَّعبُّد موطوءٌ بأقدام العابدين، ومَشاهد الاجتهاد معمورةٌ بأصحاب الكُلَف من المجتهدِين، ومجالسُ أصحاب المعارف مأنوسةٌ بلزوم العارفين، ومنازل المحبِّين مأهولةٌ (١) بحضور الواجدين (٢). * * * (٧١) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً؛ لأنَّهم يعبدون ما لا يَضرُّ ولا ينفع، ولا يبصرُ ولا يسمع، وهذا ما لا حجةَ لأحد في عبادته، ولو كانت في ذلك حجةٌ لأنزلها اللَّه تعالى في كتابه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: يعبدون ذلك مقلِّدين آباءهم من غيرِ علم بذلك. قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: وهذا وعيد لهم؛ أي: وإذا نزل بهم عذابُ اللَّه في الدنيا والآخرة لم يكن لهم منه مانعٌ. * * * (٧٢) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: أي: وإذا قرئ على هؤلاء الذين يعبدون الأوثان كتابُنا الذي جعلنا آياته أعلامًا للناس إلى ما بهم إليه حاجةٌ، ووجدوها

стр. 5274

واضحاتٍ لا لَبْس فيها ولا موضعَ اعتراضٍ، وعجزوا عن معارضته ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾؛ أي: التغيُّرَ لسماعه والكراهةَ والاغتياظَ لتاليه. ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: أي: يبطشون بهم ويَثِبُون عليهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: أي: بأكرهَ من سماع القرآن عندكم. وقيل: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾؛ أي: بأشرَّ (١) وأغلظ. ﴿النَّارُ﴾: أي: ذلك هو النار ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنتم منهم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: وبئس المرجعُ النارُ. * * * (٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾: يَنتظِم بقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ يقول: يأيها الناس جُعل لي مَثَلٌ؛ أي: مِثْلٌ، وهو كالشَّبَه والشِّبْه (٢)؛ أي: جَعَل الكفار لي الصنمَ مِثْلًا (٣).

стр. 5275

﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: أي: استمعوا له (١) حالَ ما شبَّهوه بي؛ لتَقِفوا على جهلهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيها المشركون؛ أي: تَدَّعونهم آلهة، وقيل: أي: تعبدونها. وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾: أي: لن يقدروا على خلقِ ذبابٍ مع صغره وذلِّه (٢) ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ مع كثرتهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾: أي: ولو استَلَب الذباب من هذه الأصنام شيئًا ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي: لا يقدروا على أن يخلِّصوه منه، وجَزْمُه بكونه جزاءَ الشرط، والجمع بالواو والهاء والميم وهي لا تعقل لِمَا أنهم أنزلوها في هذه منزلةَ العقلاء؛ كما قلنا (٣) في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وقوله تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾: ضعفَ الصنمُ الذي سلبه الذباب شيئًا فصار طالبًا عند الذباب ما أخذه منه، والمطلوب الذبابُ ثبت عليه ما سلب، وتوجَّه إليه (٤) الطلب. وقيل: معناه على هذا: ضَعُفَ كلُّ واحد منهما، فلا فرقَ بين مَن عبد هذا أو ذاك، بل الذباب أقرب إلى القوة والعزة (٥) من الصنم الذي لا يَدفع سلبَ الذباب عنه.

стр. 5276

وعن ابن عباس ﵄: أن المشركين كانوا يلطخون أصنامهم بالعسل في كلِّ سنة مرةً، ويغلقون أبواب البيوت، فيدخل الذباب من (١) الكُوى فيأكل ذلك العسل، فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتُنا العسل (٢). فعلى هذا: الطالبُ الذباب والمطلوبُ الصنم (٣). قال ابن كيسان وابن زيد: كانوا يُحَلُّون الأصنام بالجواهر واليواقيت، فربما سقط منها واحد فيأخذها طائر أو ذباب، فلا تقدر الآلهةُ على استردادها، فالطالب في هذا القول الطائر والذباب والمطلوب الصنم (٤). وقيل: هذا منقطِعٌ عن الأول وهو الذباب، ومعناه: ضعُف الطالب من بني آدم حاجةً إلى الصنم والراجي منه نفعًا أو شفاعةً؛ إذ صار يؤمِّل جمادًا لا يدفع ولا ينفع، وضعف الصنم المطلوب منه الحاجةُ، وهو معنى قول الضحاك: ضعف العابد والمعبود (٥)، كانوا يطلبون في عبادتهم الثواب ما وصلوا إليه (٦). * * * (٧٤) - ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أي: ما عظَّموه حقَّ عظمته، وقيل: ما وصفوه حقَّ صِفَته.

стр. 5277

قال الفرَّاء: هو كما تقول في الكلام: ما عرفتُ لفلانٍ قَدْرهُ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾: على خَلْق ما يشاء من صغيرٍ وكبيرٍ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: منيع (٢) لا يقدر أحدٌ أن يسلب من ملكه شيئًا. وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؛ أي: بيِّن مثل لعبادة الكفار الأصنامَ، ثم لم يبيِّنه في هذه السورة، وبيِّن في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]. وقيل: ما ذكر هاهنا مَثَلٌ أيضًا تقديره: يا أيها الناس مَثَلُكم مَثَلُ مَن عبَد آلهةً اجتمعت لأنْ تخلقَ ذبابًا فلم تقدر عليه، وإنْ سلَبها الذباب شيئًا لم تستنقذه منه (٣). * * * (٧٥) - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: أي: يختار منهم رسلًا يُوحي على ألسنتهم كجبريل وميكائيل ونحوهما. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أيضًا رسلًا، منهم محمد ﷺ لتبليغ ما في هذه السورة وسائر رسالاته. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: عالمٌ بكلِّ شيء، فهو يعلم مواضع الاختيار والاصطفاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. * * * (٧٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.

стр. 5278

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: قبل خلقهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: بعد أنْ خلَقهم. وقال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا. وقيل على عكسه. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: أي: إلى علمه وتدبيره. وقيل: إلى اللَّه ترجع الأمور في الآخرة فيَجزي كلًّا بما عمِله، وهو تحريضٌ (١) على طاعة الرسل وقبولِ ما يؤدُّون. * * * (٧٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾: أي: صلُّوا ودُوموا عليها، وخصَّ الركوع والسجود بالذكر من بين أفعالها لأنهما هما المقصودان والأصلان في التذلُّل والخشوع الذي لذلك شُرِعت. قوله تعالى ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾: يقول: اقصدوا بالخدمة وأفرِدوا (٢) بالعبادة ربَّكم، لا كما يفعلُه هؤلاء المشركون من عبادة الأصنام الذين جُعِلوا للَّه شبيهًا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾: أي: ما هو محمودٌ في عقولكم: من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونحوها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: على رجاء الفلاح، والتعليقُ بالرجاء لاحتمالِ الخلل الذي يقع فيها.

стр. 5279

(٧٨) - ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. وقوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: قيل: أي: استفرِغوا جهدكم في إحياء دين اللَّه تعالى. وقيل: جاهدوا أنفسَكم وردُّوها عن الهوى واتِّباعِ الشهوة. وقيل: وجاهدوا الشيطان في رد وساوسه. وقيل: وجاهدوا الكفار. وإطلاقه يصلح لتناول الكلِّ ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١) وهو بلوغ أقصاه. وقيل: هذا في الائتمار بأوامره، وقولُه تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، في الانتهاء بنواهيه. قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: أي: اختاركم (٢) للذب عن دينه والجهادِ مع أعدائه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: أي (٣): ضِيق، وإن كان أمَر بالجهاد فلا تضييق فيه، ولذلك أزال الحرج في الجهاد عن الأعمى والأعرج، وعادمِ النفقة والراحلةِ، والذي لا يأذن له أبواه (٤)، ثم هكذا كلُّ أمور الدين.

стр. 5280

وقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: نصب على الإغراء؛ أي: الْزَموا ملة أبيكم إبراهيم. ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي: اللَّهُ شرَّفكم بهذا الاسم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبل أن يبعث محمدًا ﷺ ؛ لأنه كان سمَّى مَن اتَّبع ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا ﴿وَفِي هَذَا﴾؛ أي: القرآن. وقيل: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ. وقيل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: إبراهيمُ، لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقيل: أي: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ خطابٌ للعرب؛ لأنه أبوهم في النسب. وقال الحسن: هو خطابٌ لكل الأمة، وهو أبوهم ملةً، وحرمتُه عليهم كحرمة الأب، وكذلك في (١) الشفقة، وهما (٢) كما قال اللَّه تعالى في حق نبيِّنا محمد ﷺ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (٣). وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾: أي: في القيامة بأنكم قبِلتُم ما أتى به، وظهرت بذلك عدالتكم، وصرتُم (٤) شهداءَ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ للأنبياء على أممهم (٥) بتبليغهم إليهم الرسالة.

стр. 5281

﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: دُوموا على ذلك، والصلاة تذلُّل للَّه تعالى، والزكاة مواساةٌ لضعفاء (١) عباد اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: تقوَّوا (٢) بالتوكُّل على اللَّه. وقيل: تعلَّقوا بدين اللَّه. وقيل: امتَنِعوا عن أعدائكم باللَّه. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: متولِّي أموركم ومصالحِ دينكم ودنياكم، وقيل: وليُّكُم، وقيل: ناصركم. قوله تعالى ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾: لأن مَن تولَّاه لم يَضِعْ بحال (٣). وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: فإن مَن نصَره لم يُخذل بحال. وقال القشيري ﵀: المجاهدة على أقسام: مجاهدةٌ بالنفس: وهي أن لا يدخر ميسورًا إلا بذله في طاعته. ومجاهدةٌ بالقلب: وهي صونه عن الخواطر الرديَّة؛ مثلِ الغفلة عنه والعزمِ على مخالفته. ومجاهدةٌ بالمال: وهي بذلُ المال والجودُ والإيثارُ في حق خليقته. وقال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ ومن حق اجتبائه إياكم أن تعظِّموا أمر (٤) مولاكم.

стр. 5282

وقال: عَلِم قبلَ خلقك ما يكون منك، ولم يمنعه ذلك من اجتبائك (١)، فلا يمنعه ما يكون منك من العصيان عن مغفرتك (٢). وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: بالتبرِّي من الحول والقوة، والافتقارِ والاستعانة. وقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ إخبار عن عظمته ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ إخبار عن رحمته. قال: وقال تعالى لسليمان وأيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] (٣) وقال لنا: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وهذا أرجى لنا وأطيبُ لقلوبنا (٤). والحمد للَّه رب العالمين والصلاة على محمد خاتم المرسلين، واختم لي يا مولاي بالإيمان مع المؤمنين (٥). * * *

стр. 5283

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش المجلد الحادي عشر دار اللباب

стр. 5284

سورة المؤمنون

стр. 5285

سورة المؤمنون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق الإنسان من سلالةٍ من طين، الرحمنِ الذي يرزق البَرَّ والفاجر وهو خير الرازقين، الرحيمِ الذي يغفر ويرحم وهو خير الراحمين. ورَوى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكةُ بالرَّوح والريحان وما تَقَرُّ عينُه عند نزول ملَك الموت" (١). وهذه السورة مكيةٌ، وهي مئة وثماني عشرةَ آيةً، وقيل: تسعٌ، الاختلاف في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥]. وكلماتها ألفٌ وثماني مئة وأربعون (٢)، وحروفُها أربعةُ آلاف وثلاثُ مئة وسبعةٌ وتسعون (٣). وانتظام أول هذه السورة بآخر سورة الحج: أنه قال: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وقرَّر ذلك ببقيَّة السورة حيث أمَر بالمجاهَدة

стр. 5286

فيها حقَّ المجاهدة (١)، ومدحهم، وافتتح هذه السورة بذكر ذلك الفلاحِ وتفاصيلِ العبادة ومدحهم بها. وانتظامُ السورتين: أن هذه السورة مشتمِلة على ذكر صفات المؤمنين، ومُحاجَّةِ الكافرين، والترغيبِ والترهيب للغافلين (٢)، وكذلك تلك السورة. * * * (١ - ٢) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: قد فاز بما رجا وأمن مما خاف المؤمنون (٣). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قيل: متذلِّلون، وقيل: خائفون، وقيل: ساكنون. وقيل: الخشوع في الصلاة: سكونُ الأطراف، وتركُ الالتفات، والاشتغال بها عما يَشغل عنها. ورُوي: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يَعبثُ بلحيته في الصلاة، فقال: "أمَا إن هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" (٤).

стр. 5287

قال أبو العالية: بلغني أن اللَّه تعالى لمَّا خلق الجنة أذِن لها في الكلام، فكان أولَ ما نطقت به أن قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآيات، فأنزل اللَّه تعالى بها (١) قرآنًا (٢). وقال عمر ﵁: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي سُمع عند وجهه دويٌّ كدوي النحل، فمكثنا ساعةً، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه وقال: "اللهمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصنا، وأكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعطنا ولا تَحْرِمنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ علينا، وأَرْضِنا وارْضَ عنا" ثم قال: "قد نزلت عليَّ عشر آياتٍ مَن أقامهنَّ دخل الجنة"، ثم قرأ علينا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ (٣). وعن ابن سيرين قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع رأسه إلى السماء، حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فخفض رسول اللَّه ﷺ بصره، ونظر إلى موضع سجوده (٤).

стр. 5288

وقال مجاهد: الخشوع: خشية القلب، وغضُّ البصر، وخفضُ الجَناح، وكان الرجل من العلماء إذا صلى هاب الرحمنَ أن يمدَّ (١) بصره إلى شيء أو يحدِّثَ نفسه بشيء من شأن الدنيا (٢). وقال القشيري ﵀: الخشوع في الصلاة: إطراق السرِّ على بساط النجوى باستكمال نعت الهيبة، والذوب تحت سلطان الكشف، والانمحاء عند غلَبات التجلِّي. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾؛ أي: قد أدرك ثمراتِ القُرْب وفاز بكمال الأُنس مَن وقف على بساط النجوى بنعت الهيبة ومراعاةِ آداب الحضرة، ولا يكمل الأنس بلقاء الحبيب إلا عند فَقْدِ الرقيب، وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصًا للقُرْب النفسُ، ولا راحة للمصلِّي مع حضور (٣) نفسه، فإذا حبَس عنه نفسَه، وشاهِدُه عدمُ إحساسِه بآفَةِ نفسه، طاب له العيش، وتمت له النُّعمى، وتعجَّلت له البشرى (٤). * * * (٣ - ٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾: قال ابن عباس ﵄: هو الحَلِف الكاذب (٥).

стр. 5289

وقال مقاتل: هو الشتم والأذى (١). وقال الحسن والضحاك: هو الباطل (٢). وقيل: هو ما لا يُجدي خيرًا. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: أي: لا يشغلون أنفسهم به. وقيل: جملة الفضول وما لا يَحسن من القول والفعل. وقال القشيري ﵀: ما شغل عن اللَّه فهو سَهْو، وما ليس للَّه فهو حَشْو، وما ليس بمسموع من (٣) اللَّه أو بمقولٍ مع اللَّه (٤) فهو لَغْو، وما فيه حظٌّ للعبد فهو لَهْو (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: أي: مؤدُّون. * * * (٥ - ٦) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: إلا من أزواجهم (٦)؛ أي: زوجاتهم.

стр. 5290

قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: أي: إماؤهم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: أي: لا لومَ عليهم إن لم يحفظوا فروجهم من (١) نسائهم وإمائهم، فهذا حلالٌ وما وراء هذا حرام. * * * (٧ - ٨) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: طلب قضاء شهوةٍ من غير هاتين ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أي: المتعدُّون حدودَ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿لأمانَتِهم﴾ (٢) والمراد بها الجنس، وهذا يشتمِل على حقوق اللَّه تعالى وحقوقِ عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]. وقيل: هي العبادات وما ائتمن (٣) اللَّه عباده عليه من فرائضه وشرائعه، وأماناتُ الخلق ظاهرةٌ وهي داخلةٌ فيها، فالعهدُ يقع على ما يوثِّق اللَّه تعالى فيه على عباده بأن يقوموا به، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] ويقع على النذور والأيمان أيضًا، وعلى عهود الخلق فيما بينهم. وقوله تعالى: ﴿رَاعُونَ﴾؛ أي: حافظون جميع ذلك. وقال القشيري ﵀: الأمانات مختلفة: فأمانة قومٍ الوظائفُ بظواهرهم،
следующие страницы →