فيها حقَّ المجاهدة (١)، ومدحهم، وافتتح هذه السورة بذكر ذلك الفلاحِ وتفاصيلِ العبادة ومدحهم بها.
وانتظامُ السورتين: أن هذه السورة مشتمِلة على ذكر صفات المؤمنين، ومُحاجَّةِ الكافرين، والترغيبِ والترهيب للغافلين (٢)، وكذلك تلك السورة.
* * *
(١ - ٢) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: قد فاز بما رجا وأمن مما خاف المؤمنون (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قيل: متذلِّلون، وقيل: خائفون، وقيل: ساكنون.
وقيل: الخشوع في الصلاة: سكونُ الأطراف، وتركُ الالتفات، والاشتغال بها عما يَشغل عنها.
ورُوي: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يَعبثُ بلحيته في الصلاة، فقال: "أمَا إن هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" (٤).
стр. 5287
قال أبو العالية: بلغني أن اللَّه تعالى لمَّا خلق الجنة أذِن لها في الكلام، فكان أولَ ما نطقت به أن قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآيات، فأنزل اللَّه تعالى بها (١) قرآنًا (٢).
وقال عمر ﵁: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي سُمع عند وجهه دويٌّ كدوي النحل، فمكثنا ساعةً، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه وقال: "اللهمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصنا، وأكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعطنا ولا تَحْرِمنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ علينا، وأَرْضِنا وارْضَ عنا" ثم قال: "قد نزلت عليَّ عشر آياتٍ مَن أقامهنَّ دخل الجنة"، ثم قرأ علينا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ (٣).
وعن ابن سيرين قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع رأسه إلى السماء، حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فخفض رسول اللَّه ﷺ بصره، ونظر إلى موضع سجوده (٤).
стр. 5288
وقال مجاهد: الخشوع: خشية القلب، وغضُّ البصر، وخفضُ الجَناح، وكان الرجل من العلماء إذا صلى هاب الرحمنَ أن يمدَّ (١) بصره إلى شيء أو يحدِّثَ نفسه بشيء من شأن الدنيا (٢).
وقال القشيري ﵀: الخشوع في الصلاة: إطراق السرِّ على بساط النجوى باستكمال نعت الهيبة، والذوب تحت سلطان الكشف، والانمحاء عند غلَبات التجلِّي.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾؛ أي: قد أدرك ثمراتِ القُرْب وفاز بكمال الأُنس مَن وقف على بساط النجوى بنعت الهيبة ومراعاةِ آداب الحضرة، ولا يكمل الأنس بلقاء الحبيب إلا عند فَقْدِ الرقيب، وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصًا للقُرْب النفسُ، ولا راحة للمصلِّي مع حضور (٣) نفسه، فإذا حبَس عنه نفسَه، وشاهِدُه عدمُ إحساسِه بآفَةِ نفسه، طاب له العيش، وتمت له النُّعمى، وتعجَّلت له البشرى (٤).
* * *
(٣ - ٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾:
قال ابن عباس ﵄: هو الحَلِف الكاذب (٥).
стр. 5289
وقال مقاتل: هو الشتم والأذى (١).
وقال الحسن والضحاك: هو الباطل (٢).
وقيل: هو ما لا يُجدي خيرًا.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: أي: لا يشغلون أنفسهم به.
وقيل: جملة الفضول وما لا يَحسن من القول والفعل.
وقال القشيري ﵀: ما شغل عن اللَّه فهو سَهْو، وما ليس للَّه فهو حَشْو، وما ليس بمسموع من (٣) اللَّه أو بمقولٍ مع اللَّه (٤) فهو لَغْو، وما فيه حظٌّ للعبد فهو لَهْو (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: أي: مؤدُّون.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: إلا من أزواجهم (٦)؛ أي: زوجاتهم.
стр. 5290
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: أي: إماؤهم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: أي: لا لومَ عليهم إن لم يحفظوا فروجهم من (١) نسائهم وإمائهم، فهذا حلالٌ وما وراء هذا حرام.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: طلب قضاء شهوةٍ من غير هاتين ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أي: المتعدُّون حدودَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿لأمانَتِهم﴾ (٢) والمراد بها الجنس، وهذا يشتمِل على حقوق اللَّه تعالى وحقوقِ عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢].
وقيل: هي العبادات وما ائتمن (٣) اللَّه عباده عليه من فرائضه وشرائعه، وأماناتُ الخلق ظاهرةٌ وهي داخلةٌ فيها، فالعهدُ يقع على ما يوثِّق اللَّه تعالى فيه على عباده بأن يقوموا به، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] ويقع على النذور والأيمان أيضًا، وعلى عهود الخلق فيما بينهم.
وقوله تعالى: ﴿رَاعُونَ﴾؛ أي: حافظون جميع ذلك.
وقال القشيري ﵀: الأمانات مختلفة: فأمانة قومٍ الوظائفُ بظواهرهم،
стр. 5291
وأمانةُ آخرين اللطائف (١) في سرائرهم، وأمانةُ قوم معاملاتُهم، ولآخرين (٢) منازَلاتهم، ولآخَرين مواصلاتهم، وكذلك عهودهم متفاوتة: فمنهم مَن عاهَده أن لا يعبد سواه، ومنهم مَن عاهده على أن لا يَقصد سواه، ومنهم مَن عاهده على أن لا يَشهد في الكونين سواه (٣).
* * *
(٩ - ١١) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿على صلاتهم﴾ والباقون: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ (٤).
﴿يُحَافِظُونَ﴾: أي: يداومون في أوقاتها على شرائطها ومراعاةِ حدودها وحقوقها ومعانيها.
وقال القشيري ﵀: لا تصادفُهم أوقاتها وهم (٥) غيرُ مستعدين لها، ولا يدعوهم المنادي إليها (٦) وليسوا بالباب، فهم في الصف الأول بظواهرهم، وكذلك في الصف الأول بسرائرهم (٧).
стр. 5292
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾: أي: الواجدون ثمراتِ أعمالهم.
والفردوس: الجنة بلسان الحَبَش.
وقال السدي: هو البساتين عليها (١) الحيطانُ بلسان الروم (٢).
وقال مجاهد: فردوس جبل في الجنة من أصله تتفجَّر أنهارها (٣).
وروى سمرة بن جندب عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "الفردوس ربوةُ الجنة العليا، وهي أوسطها وأحسنها" (٤).
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يموتون فيها ولا يخرجون عنها.
وقال القشيري ﵀: الإرثُ على حسب النسب (٥)، والنسبُ في استحقاق وعد الجنة بالإيمان في الأصل، ثم الطاعاتِ في الفضل، واستحقاقُ الإرث على تفاوتٍ في السُّهمان وبالفرض والتعصيب، كذلك في الطاعات فمنهم ومنهم (٦).
ثم إن اللَّه تعالى وعد الفلاحَ بالإيمان والطاعات في أول السورة، ونفى الفلاحَ
стр. 5293
بالكفر في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ولولاه لوقع عند العصاة أن الفلاح إذا كان بالإيمان مع الطاعات وفاتت الطاعات فات الفلاح، فسكَّن قلوبهم وذكر أن عدم الفلاح بالكفر لا بالمعاصي.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: بيَّن في هذه الآية ابتداءَ (١) خلقِ الإنسان، وذكر أن آخرَه الموت ثم البعثُ للجزاء، وهو تحريكٌ على الإيمان والطاعات التي بها ينالون الفردوس.
يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (٢) الآدميَّ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: أي: من طينةٍ مستلَّةٍ من كلِّ تربةٍ؛ لأن آدم ﵇ خُلق منها فكان أصلًا لأولاده، فجاز أن يضاف خلقُهم إليها إذا كان أصلهم مخلوقًا منها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾: أي: الإنسانَ، وهو ولدُ آدم بعد أن كان أصله الطين ﴿نُطْفَةً﴾ في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، فقذفه من الصُّلب حالة الالتقاء إلى رحم المرأة.
﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: هو (٣) الرَّحِم؛ أي: في مقرٍّ مكينٍ لذلك؛ أي: هُيِّئ له.
وقيل: معناه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ الآدميَّ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من نطفةٍ مسلولةٍ ﴿مِنْ
стр. 5294
طِينٍ﴾؛ أي: مخلوقةٍ من طينٍ وهو آدم؛ لأن النطفة سلَّت منه، والسُّلالة تقع على النطفة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، وتقديره: ولقد خلقنا الإنسان من سلالةِ آدم؛ قال الشاعر (١):
هلِ ابنُكَ إلا مِن سلالةِ آدمٍ... لكلٍّ على حوضِ المنيَّة مَورِدُ (٢)
وقيل (٣): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: من طينٍ إذا قُبِض عليه انسلَّ من بين الأصابع.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلنا ولده ﴿نُطْفَةً﴾، فأَضمَر واختصَر هاهنا وبسَطه في موضع آخر فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨].
والنطفة: المنيُّ، والنطفة: الماء القليل، ونَطَفَت القِرْبة (٤)؛ أي: قَطَرت.
* * *
(١٤) - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾: أي: نقلنا النطفةَ فجعلناها علقةً؛ أي: دمًا غليظًا.
قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾: أي: نقلنا العلقة فجعلناها قطعةَ لحم.
стр. 5295
قوله ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وابنُ عامر: ﴿عظمًا﴾ ﴿فكسونا العظم لحمًا﴾ على الواحد موافَقةً لِمَا قبلها (١)، وقرأ الباقون: ﴿عِظَامًا﴾ ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ كذلك (٢)؛ لأن الوجود كذلك.
أخبر أنه تعالى خلق الإنسان درجةً فدرجةً، إلى أن صارت النطفة التي هي كالماء عظمًا بما أَبْدع فيها عَرَضًا بعد عَرَضٍ.
قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾: أي: نفَخْنا فيه الروح فصار روحانيًا حيوانًا (٣) بعد أن كان جمادًا.
وقيل: هو نبات الشعر.
وقيل: هو تصريفُه إياه بعد الولادة في الطفولية وما بعدها.
وقال ابن عمر ﵄: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ هو استواءُ الشباب (٤).
وقيل: هو جعله (٥) ذكرًا أو أنثى.
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: قيل: تَعَظَّم. وقيل: دامت نعمُه وبركاته على خلقه. وقيل: تعالى.
وقيل: هو دوام بقائه؛ أي: المصوَّرون والمقدَّرون ليسوا بهذه الصفة، ولذلك قال بعده:
стр. 5296
(١٥ - ١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون﴾: أي: والبقاءُ للخالق دونكم.
وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ أي: أحسن المقدِّرين؛ قال زهير:
ولأنتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ... ضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري (١)
وقال تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]؛ أي: خلَقه محكَمًا يصلح لِمَا أُريد له.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾: أي: بعد نفخ الروح فيكم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾؛ أي: للجزاء بالأعمال، إذ خلقتكم (٢) للتعبُّد فاعلموا أنكم لم تُخلقوا عبثًا؛ كما قال في آخر السورة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وقال ابن عباس ﵄: كان عبد اللَّه بن سعدِ بنِ أبي سرحٍ أخًا لعثمان من الرضاعة، وكان يكتب لرسول اللَّه ﷺ ، فإذا أَملى عليه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كتب ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وإذا أملى عليه ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ كتب ﴿رؤوفًا رحيمًا﴾، فكان رسول اللَّه ﷺ يملي عليه هذه الآية، فلما بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ خطر بباله: فتبارك اللَّه أحسنُ الخالقين، فلما قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال عبد اللَّه: إن كنتَ نبيًا يوحَى إليك فأنا نبيٌّ يوحى إليَّ، فارتد -والعياذ باللَّه (٣) - ولحق بمكة كافرًا (٤).
وقال القشيري ﵀: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ عرَّفهم أصلهم كي لا يُعجبوا بفعلهم.
وقيل: عرَّفهم نسبتهم (١) لئلا (٢) يخرجوا عن حدِّهم، ولا يغلطوا في أنفسهم.
وقيل: بسط عذرهم عند الكافة، فإن المخلوق من سلالة ماذا ينتظر منه؟
وقيل: خلقه من طين لكنَّ القَدْر للتربية لا للتُّربة.
وقيل: ﴿سُلَالَةٍ﴾ ولكنها معدن العرفان وموضع المحبَّة ومتعلَّق العناية، وكذلك قال (٣): ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾؛ أي: قطرةً أجزاؤها متماثلة، وأبعاضُها متشاكلة، ثم جعل بعضَها لحمًا، وبعضها عظامًا، وبعضها شعرًا، وبعضها ظفرًا، وبعضها عصَبًا،
стр. 5299
وبعضها جلدًا، وبعضها مخًّا، وبعضها عِرْقًا، ثم خصَّ كلَّ عضوٍ بهيئةٍ مخصوصة، وكلَّ جزء بكيفيةٍ معلومةٍ.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يحتمِل: مِن سمعٍ وبصرٍ، وفكرٍ وغضبٍ، وإرادةٍ وقدرةٍ، وعلمٍ وكتابة، وحَدَاقة وملاحة، وشجاعة وجُبن، وحِقد وحَرَد، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يتقاصر عنها الحصر.
وقيل: هو أن هيَّأهم لأحوالٍ عزيزةٍ يُظهرها عليهم بعد بلوغهم إذا استووا وحصَل لهم كمال التمييز من فنون الأحوال، فلقومٍ تخليص من رِبْقة العبودية (١)، ولقومٍ تحرُّرٌ من رقِّ البشرية، ولآخرين تحقُّقٌ بالصفات الصَّمدية.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: خلق السماوات والأرضين والعرشَ والكرسيَّ، مع سائر المخلوقات من الجنة بزينتها ومن النار بأهوالها، وأخبر عنها ولم يعقِّبها بهذا التمدُّح الذي ذكر بعد ذكر (٢) خلقه بني آدم؛ تخصيصًا لهم.
وقيل: لما ذكَر نعتكَ وتاراتِ حالك، ولم يكن لك لسانُ شكر ينطق (٣)، ولا بيان مدح ينطلِق (٤)، ناب عنك بالثناء على نفسه، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾:
آخِرُ الأمر ما تَرَى... اللحدُ والقبرُ والثرى
стр. 5300
كسَر على أهل الغفلة سطوةَ غفلتهم، وفلَّ دونهم سيفَ صولتهم (١)، بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢).
* * *
(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: ثم بيَّن أنه خلَق ما به قِوَام معايشهم، وما يتوصلون به إلى أداء ما عليهم.
قال الفرَّاء: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سبعَ سماوات كلُّ سماءٍ طريقةٌ (٣)، سميت بها لأن بعضها فوق بعضٍ، من قولهم: طارَقَ بين الشيئين: جعل أحدهما فوق الآخر.
وقيل: سميت بها لأنها طرائق ملائكته (٤) للنزول والصعود.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾: أي: عما يحتاجون إليه في إقامة مصالحهم.
* * *
(١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: الآيات في بيان خلقِ ما يحتاجون إليه.
وقيل: ما كنا غافلين عما يفعله الخلق من الشكر على هذه الأنعام ومن كفران
стр. 5301
ذلك، وعلى هذا ﴿كُنَّا﴾ زائدة، وتقديره: ولسنا عن الخلق غافلين، كما في قوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨]؛ أي: بمقدارِ ما علمناه كافيًا لهم، مُصلحًا لغلَّاتهم، عائدًا بمنافع معايشهم.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: في العيون ونحوها ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾؛ أي: على إذهابه ورفعه عن (١) الأرض وتغويرِ العيون، فلا يبقى لكم ما تشربونه وتسقونه دوابَّكم وزروعَكم وجناتِكم، تهلكون عطشًا ﴿لَقَادِرُونَ﴾ لأن القادر على إنشاء الشيء قادر على إفنائه، يعرِّفهم منَّته في إنشائه وإبقائه (٢).
* * *
(١٩) - ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾: أي: بهذا الماء ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾:
قيل: أي: من الرُّطَب والعنب.
وقيل: ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من الجنات سوى هذين.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: قيل: من الفواكه.
وقيل: من الجنات؛ من حبوبها قُوتًا (٣)، وتتفكَّهون من فواكهها، وجمَعَ الأطعمة والفاكهة في الذكر.
* * *
стр. 5302
(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: عطفٌ على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: وأنشأنا بهذا الماء شجرةَ الزيتون من طور سيناء، قال ابن عباس ﵄ ومجاهد: أي: من جبل البَرَكة (١).
وقال قتادة والضحاك: أي: جبلٌ حسن (٢).
وقال ابن عباس ﵄: هو كثير الشجر، وهو الجبل الذي نودي منه موسى ﵇ (٣).
وقيل: هو فَيْعالٌ من السَّنا؛ أي: الرِّفعة.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بكسر السين، والباقون بفتحها (٤).
وخُصت هذه الشجرة بالذكر للعبرة؛ لأنها لا يراعيها أحدٌ بسقيٍ وغيره وتخرج (٥) الثمرةَ التي منها الدُّهن الذي تَعظُم به الفائدةُ وتَكثُر المنفعة.
وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء، والباقون
стр. 5303
بفتحها (١)، ووجه الفتح: أن الفعل يتعدَّى (٢) بالباء، ووجه الضم: أنه متعدٍّ والباء زائدة.
ومعنى إنباتِ الدهن: إنباتُ ثمرِ الدُّهن، وهو كعصر الخمر: عصرُ ما يصير من خارجه الخمرُ.
وقيل: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾؛ أي: تنبتُ هي ومعها الدُّهن؛ كما يقال: جاء فلان بالسيف؛ أي: ومعه السيف، ومعنى: معها الدهنُ؛ أي: في ثمرها ما إذا استُخرج (٣) كان دهنًا.
﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: أي: إدامٍ يُصْطَبغ به، والصبغ: هو الدُّهن، وإنما أدخل (٤) الواو لاجتماع معنيين في الزيت: معنى الادِّهان، ومعنى الاصطباغ، وتقديره: تَنبت بما يُنتفع به انتفاعَ الدُّهن من الاستصباح (٥) والتداوي والادِّهان، ويُنتَفع به انتفاعَ الإدام بالضم إلى الطعام.
وخصَّ النخيل والأعناب والزيتون هاهنا لأن العرب في الحجاز كانوا يرون هذه الأشياء، وذكرُ إخراجِ هذه الشجرة من طور سيناء تعريفٌ ببركتها، فإن هذا الجبل مباركٌ، وقد قال في صفة الزيتون: ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (٦) [النور: ٣٥].
* * *
стр. 5304
(٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: أي: ما تعتبِرون به؛ أي: تستدلُّون به على قدرة اللَّه تعالى وعجيب صُنعه (١).
وقوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾: قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بفتح النون من السَّقي، والباقون بضمها من الإسقاء (٢)، وهما واحد؛ يقول: نخرج لكم من بطونها لبنًا سائغًا خالصًا من بينِ فرثٍ ودم.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾: سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار والجلود وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: وهي لحوم (٣) الأزواج الثمانية وشحومُها ونحوها.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا﴾: أي: وعلى الأنعام في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾؛ أي: وعلى السفن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسفاركم، كما قال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ الآية [النحل: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾: ذكر بعد بيان بدءِ الخلق أنه هيَّأ لهم
стр. 5305
أسباب القيام بما لأجْله خلقَهم؛ من إتمام ما يقوم به المعاش، ومواترةِ الرسل لبيان ما به تُعُبِّدوا، وبدأ بقصة شيخ الأنبياء نوحٍ صلوات اللَّه عليه فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾.
﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوه وأطيعوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ أي: اتَّقوا.
* * *
(٢٤) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه﴾: أي: الأشراف فمن دونهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أنكروا كونَ الرسول من البشر، واختصاصَه بالرسالة من بينهم مع تساويهم في البشرية، وقالوا:
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يريد أن يكون ذا فضلٍ وعلوٍّ في المنزلة عليكم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: أن لا يُعبد غيره ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ للدعاء إلى ذلك، لا بشرًا مثلنا.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾: أي: بما يدعونا إليه نوحٌ من التوحيد وتركِ الشرك ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
стр. 5306
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أي: جنون، ولو كان عاقلًا ما ادَّعى الرسالة؛ لأن من المحال عندنا بعثُ البشر رسولًا.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾: أي: هو مجنون فلا تعجِّلوا بعقوبته، بل دعوه إلى مدةٍ، فإما أن يموت أو يرجعَ عن هذا أو تفعلوا به ما شئتم.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾: أي: انتقِمْ لي (١) منهم واحفظني من شرهم.
وقيل: ﴿انْصُرْنِي﴾ بتحقيق قولي لهم في العذاب أنه نازل بهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ من العذاب الذي أنذرتهم به إن لم يؤمنوا.
وقال هذا حين أيِس من إيمانهم حين أُوحي إليه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
* * *
(٢٧) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾: أي: أجبنا دعاءه وأرسلنا إليه رسولًا من السماء: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: اتخذِ السفينة بمرأًى منا وبما نوحي (٢) إليك من صفتها، وبعث إليه جبريل ﵇ حتى علمه ذلك.
стр. 5307
وحقيقة قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: واعلم أنا حافظون لك ومُوحون إليك بما تحتاج إليه في إتمامه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: عذابنا بأمرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ ذكرنا الأقاويل فيه في سورة هود.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾: أي: فأدخل في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: من كلِّ ذكرٍ وأنثى من الحيوانات ذكرًا وأنثى (١)، أراد أن لا ينقطع نسلها.
قال قتادة والحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، وأما البقُّ والذباب والدود فلم يحمل معه شيئًا منها إنما يخرج هذا من الطين.
وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتنوين ﴿اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (٢) أي: من كلِّ صنفٍ فردين ذكرًا وأنثى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾: أي: وأدخل أهلك أيضًا وهم نساؤه وأولاده ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: بالهلاك، فلا تُدخله الفلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾: أي: ولا تسألني نجاةَ الذين كفروا والإذنَ بالإدخال (٣) في السفينة فإني أغرقُهم في الطوفان.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 5308
وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: قال أبو عبيدة: أي: في الفلك (١)؛ أي: تمكَّنْتُم عليها راكبين.
قوله: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: من عذابهم.
وقيل: هو أمرٌ بالحمد على إهلاكهم، ففي هلاكهم نجاة المؤمنين.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون بضم الميم وفتح الزاي (٢). وبالفتح: النزول، وموضعُ النزول، وبالضم: الإنزال، وموضع الإنزال، ويَصلح كلُّ واحد منهما مرادًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي﴾: تكفي مَن أنزلتَه كلَّ ما به إليه حاجةٌ؛ وغيرُك لا يتهيَّأ له ذلك.
وقيل: أُمر بهذا الدعاء أن يقوله إذا نزل.
وقيل: أُمر بأن يدعو به وهو في السفينة يلتمس وجود ذلك إذا نزل.
ومعنى ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: اجعله نزولًا (٣) تُتابعُ به الخيراتِ عليَّ وعلى مَن معي حتى يَكثر أتباعُنا في الدين، فأجاب ذلك فقال: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨].
стр. 5309
وقال القشيري: الإنزال المبارك: أن يكون للَّه وباللَّه وعلى شهود اللَّه (١)، من غير غفلةٍ عن اللَّه، ولا مخالفةٍ لأمر اللَّه (٢).
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: أي: في ذلك الاقتصاص لعلاماتٍ على الحق يُعرف بها وجوبُ متابعة الأنبياء واستحقاقِ العقوبة على مخالفتهم، وأن اللَّه تعالى لا يعذِّب إلا بعد انتهاء الحجة، وأنَّ مَن فعل فعْلَهم جُوزي جزاءَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾: له وجهان في اللغة: وما كنا إلا مُبْتلين، وقد كنا مُبْتلين.
قال قتادة: أي: ابتلى اللَّه الناس قبلكم وكشفه (٣)؛ أي: لم يزل اللَّه يبتلي الأمم ليظهر المطيع من العاصي، فمَن أطاع نجا ومَن عصى هلك، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
وقيل: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ مِن بعد قوم نوح كما ابتليناهم.
وقيل: أي: إرسال الرسل إلى الأمم كان للابتلاء.
* * *
(٣١ - ٣٣) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
стр. 5310
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: ولم يسمه.
قيل: هو صالح، وقيل: هو هود، ﵉.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أرسلناه إليهم بهذا.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: أي: البعثِ ولقاءِ ما وَعد اللَّه في الآخرة.
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: ووسَّعنا عليهم ونعَّمناهم.
وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾: أي: يحتاج إلى غذاءٍ يقيمه كما تحتاجون أنتم، ولو كان نبيًّا لكان ملَكًا (١) مستغنيًا عن هذا.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أي: الانقيادُ للمِثْل والرضا بأنْ نكون دونه خسرانٌ.
وقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾: خبر (أنَّ) المذكورةِ أولًا قولُه: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ و (أنَّ) الثانيةُ مكرَّرةٌ للتأكيد.
وقيل: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ جملةٌ تامةٌ جُعلت خبرًا للأول، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣].
ومعناه: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ هذا المدَّعي للنبوة ﴿أَنَّكُمْ﴾ بعد أن تصيروا ترابًا وعظامًا باليةً لا لحومَ عليها ولا جلود تُخرَجون من قبوركم أحياءً (٢)؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار.
стр. 5311
(٣٦ - ٣٧) - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾: أي: بعيد بعيد هذا الموعودُ؛ أي: هو مما لا يكون.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: أي: ما الحياةُ إلا هذه الحياةُ القربى التي نحن فيها.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: قيل: هذا (١) على التقديم والتأخير: نحيا مدةً ونموت بعد ذلك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت.
وعلى التقدير على النظم معناه: يموت بعضنا ويحيا بعضنا.
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: ما هذا الذي يدَّعي الرسالة إلا رجل كذَب على اللَّه ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدقين.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ أي: فأوحى اللَّه إليه: عن قريب - وهو القليل من الزمان، و (ما) صلةٌ ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ قومك؛ أي: ليصيرُنَّ ﴿نَادِمِينَ﴾ على تكذيبهم إياك إذا أخذهم العذاب، ولا تنفعُهم الندامة.
* * *
стр. 5312
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: العقوبةُ الهائلة، أو حقيقةُ الصيحة من جبريل ﵇ ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: باستحقاقهم ذلك.
وقيل: بالأمر من اللَّه وهو الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾: أي: موتى بالِينَ كالغُثاء، وهو ما يأتي على وجه السيل من القصب والحشيش، شبِّهوا بالغُثاء في البِلَى وتفرُّقِ الأوصال، وفي أنهم (١) صاروا لا يُنتفَع بهم (٢) بوجهٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَبُعْدًا﴾: أي: فهلاكًا، وقيل: فبُعْدًا من كلِّ خير، الأولُ من باب عَلِم، والثاني من باب شَرُفَ.
﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾: أي: أممًا في أزمنةٍ شتَّى، وهاهنا إضمار: كذَّبوا أنبياءهم فأهلكناهم، والاختصارُ ما (٣) ذُكر في آخره: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 5313
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: أي: ما كان يتقدَّم أمةً من هؤلاء القرون الوقتُ المؤقَّت لعذابهم ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا يتأخَّرون عنه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾: أي: تِبَاعًا متَّصلِين ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ جهلًا منهم وتقليدًا لأسلافهم واستثقالًا للشرائع.
قوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾: في الإهلاك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٦١] الآيات.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: أي: صيَّرناهم إلى حالٍ يتحدث الناس بعدهم بذكرهم ويتعجَّبون منهم ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾: بالأعلام الدالة على صحة نبوتهما ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِين﴾؛ أي: حجةٍ ظاهرة.
وقيل: الآيات: المعجزات، والسلطان: القدرة والقوة والملك.
وقيل: السلطان: إيجاب الانقياد لهما.
قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: مر تفسيره ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: أي: تعظَّموا (١) عن الانقياد لهما ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾؛ أي: كانوا قد قهروا مَن في ناحيتهم من الناس واستعبدوهم.
стр. 5314
(٤٧ - ٤٨) - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾: أي: أنصدِّق آدميَّينِ مثلَنا في ادِّعاءِ الرسالة من اللَّه في وجوب الانقيادِ لهما علينا ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾؛ أي: وبنو إسرائيل لنا مطيعون يَرون أنفسهم لنا عبيدًا فكيف نكون نحن مطيعين لهما؟!
وقيل: ﴿عَابِدُونَ﴾: دائنون.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾: فصاروا من المغرقين في اليم.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراة ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى الحق.
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: عيسى ﴿وَأُمَّهُ﴾؛ أي: مريم ﴿آيَةً﴾: ولم يقل: آيتين؛ لأنهما باجتماعهما صارا آيةً واحدة، وهي ولادتُها إياه من غيرِ أب، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]؛ لأن كل واحدٍ منهما آيةٌ على حِدَة.
ومعنى هذه الآية: وجعلناهما ﴿آيَةً﴾؛ أي: علامةً يُستدل بها على قدرتي على اختراع الأجسام من غيرِ أصل كما خلقتُ عيسى من غيرِ أبٍ، وعلى أنِّي المتفرِّدُ (١) بالخلق والاختراع لا خالقَ غيري، وعلى صدقِ عيسى في دعوى النبوة، فلم أُخْلِ الناس في كلِّ وقتٍ من رسولٍ يدعوهم إلى الحق.
стр. 5315
وقوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾: أي: وجعلنا مأواهما مكانًا مرتفعًا، والربوة الراء وضمِّها وكسرها: المكان المرتفع على ما حوله، واختُلف فيها أين كانت؟
قال أبو هريرة ﵁: هي الرَّملة من فلسطين (١).
وقال سعيد بن المسيب: هي دمشقُ (٢).
وقال ابن زيد: هي بمصر، وقراها (٣) على الرُّبى، ولولاها غرقت بالماء (٤)، وهو قول الكلبي أيضًا.
وقيل: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة (٥)، وهو أنشر (٦) الأرض.
قال كعب: هي أدنى الأرض إلى السماء بثمانيةَ عشر ميلًا (٧).
وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: أي: ذاتِ استواءٍ يُستقرُّ عليها (٨).
وقال قتادة: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: ذاتِ ثمار (٩)؛ أي: لأجلها يَستقرُّ فيها ساكنوها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَعِينٍ﴾: ماءٍ جارٍ ظاهرٍ للعيون.
стр. 5316
قال سعيد والضحاك: ﴿وَمَعِينٍ﴾ مفعول من عِنْتُه أَعِينُه؛ أي: أصبتُه بعين (١).
قال ابن عباس ﵄: هذا الإيواءُ كان عند الولادة، وهو كما ذكر في سورة مريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] الآيات.
وقيل: كان هذا حين فرَّت مريم بابنها إلى مصر، فكانا بها سنين، ثم رجعت به إلى أهلها بعدما مات الملك الذي كانا هربا منه.
* * *
(٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾:
قيل (٢): أي: كنَّا نقول لكلِّ هؤلاء: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وإضمار القول في القرآن كثير.
وقيل: كان هذا خطابًا لعيسى ﵇ على إضمار القول، وتسميةُ الواحد بالجماعة تشريفٌ له.
وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ بذلك بغير إضمار القول، وتسميتُه بالرسل لكونه أفضل الرسل وسيدَ الرسل (٣).
стр. 5317
وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: لا يخفى عليَّ ما تعملونه فأنا مجازيكم عليه، فاجتهِدوا في الطاعات، وهي الصالحاتُ، وتجنُّبُ الحرام، وأكلُ الحلال وهو (١) الطيبات، وإذا كان الأمر للأنبياء ولنبينا على الخصوص بهذا فمَن سواهم أولى به.
* * *
(٥٢) - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم بكسر الألف وهو ابتداءٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بفتحها (٢) عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وبـ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ قاله الكسائي وأبو عبيد والفراء في قول، وعنه أنه قال: أضمر في أوله (واعلموا) أن هذه (٣).
يقول: هذا الذي تقدم ذكرُه من وصية اللَّه لرسله بالتوحيد والطاعة، ووصيةِ الرسل لأممهم، هو دينكم وملَّتكم (٤)، وهي واحدة لا تختلف في الأصل فالْزَموها وتمسَّكوا بها.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾: وحدي ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري، وقد أوضحنا هذا في آخر سورة الأنبياء.
стр. 5318
وقيل: الأمة: الجماعة والفريق؛ أي: هؤلاء الذين (١) ذكرتُهم جماعتكم وفريقكم الذين ينبغي أدن تقتدوا بهم وتكونوا من جملتهم.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصبٌ على القطع، ومعناه: هم فرقة مجتمِعة على التوحيد.
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أخبر عن تفرُّق أهل الكتاب في دينهم، يقول: فصار هؤلاء الذين أُمروا بالاجتماع على الدِّين الحقِّ فِرقًا في أمرهم؛ أي: في أمر دينهم.
قوله: ﴿زُبُرًا﴾: بضم الباء (٢)؛ أي: كتبًا، جمعُ زبور، وقال الحسن (٣) وقتادة ومجاهد وابن زيد: توزَّعوا وتقسَّموا كتبًا دانوا بها وكفروا بما سواها؛ كاليهود في قبول التوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، وكالنصارى في قبول الإنجيل وكفرِهم بالقرآن (٤).
وقرأ ابن عامر: (زُبَرًا) بفتح الباء (٥): جمع زُبرة (٦)؛ أي: جماعاتٍ كقطع الحديد؛ أي: تقسَّموا جماعاتٍ مختلفة متفرقة.
стр. 5319
وقال القشيري ﵀: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: فمستقيمٌ على حقِّه، وتائهٌ في غِيِّه، ومصرٌّ على عصيانه وفسقه، ومقيمٌ على إحسانه وصدقه، كلٌّ مربوط بحدِّه، موقوف (١) على ما قُسِم له في البداية من شأنه، كلٌّ ينتحل طريقة، ويدَّعي لحسن (٢) طريقته حقيقة، وعند صحوِ سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار في الطريق، وهم على يقينِ معارفهم، فلا ريب يتخالجهم ولا شبهة، وأهلُ الباطل في عمَى (٣) جهلهم وغبار جحدهم، وظلمةِ تقليدهم ومحنة شكِّهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: أي: فدَعْ يا محمد هؤلاء الضَّلالَ المتقطِّعين أمرهم بينهم في ضلالتهم وغفلتهم (٥)، والغمرة: ما يغمر القلب ويغطي عليه، فيغفل صاحبه عن النظر لنفسه، ومنه: الرجل الغمر، ومنه: غمرةُ الماء، ومنه قولهم: دخل في غُمَار الناس؛ أي: في زحمتهم بحيث يستَتِر عن الأبصار.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: أي: إلى وقت نزول العذاب بهم، ولا يَضيقنَّ قلبُك بتأخير نزول (٦) العذاب عنهم، وذلك الوقت قد يكون بالموت فيعرفون ذلك، وقد يكون بنزول العذاب ولا ينفعهم الندم؛ كما وقع بفرعون حين أدركه الغرق.
* * *
стр. 5320
(٥٥ - ٥٦) - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أيظنُّون أنما نزيدهم ونعطيهم على الترادف (١) من الأموال والأبناء ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ به (٢) ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: نجعله ثوابًا وكرامة معجَّلًا لهم على حسن صنيعهم عندنا، ﴿بَلْ﴾: هو ردُّ ما قبله؛ أي: ليس كذلك ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يعلمون أن ذلك لتعبُّدهم بالشكر والتوحيد والطاعة.
وقيل: نفعله استدراجًا لهم، وهو كقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥٥]، وإضمار (به) (٣) في قوله تعالى: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ كالإضمار في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]؛ أي: به، وقولِه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: باللَّه غيرَه.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾: أي: من خوفهم ربَّهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾ من عذابه.
وقال الضحاك: يخافون أن يُنزع منهم (٤) الإيمان.
стр. 5321
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بكتبِ اللَّه كلِّها، لا يفرِّقون بين كتبه كالذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم، وهم أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾: كشرك العرب.
* * *
(٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: أي: يُعطون ما أَعطوا من أموالهم في حقوق اللَّه.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾: أي: خائفة أن لا تقبلَ ولا ينفعَهم ذلك إذا رجعوا إلى جزاء اللَّه يوم القيامة.
وقرأت عائشة ﵂: (يَأتُون ما أَتَوا) (١)؛ أي: يفعلون ما فعلوا، وسألت عائشة ﵂ رسول اللَّه ﷺ فقالت: أهم الذين يَزْنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: "لا، هم الذين يصلُّون ويزكُّون ويحجُّون ويصومون ويخافون أن لا يقبل منهم" (٢).
وقال كعب: لو أن رجلًا كان له مثلُ عملِ سبعين نبيًّا، يخشى أن لا ينجوَ من عذاب يوم القيامة.
وقال الحسن: لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى خشي أن لا ينجو من عِظَم ذلك اليوم (٣).
стр. 5322
وقال الحسن: لقد عمِّرتُ عمرًا، وأدركت صدرًا من الناس، فوالذي (١) لا إله إلا هو: لهم فيما أُحِلَّ لهم كانوا أزهدَ منكم فيما حُرِّم عليكم، وهم لحسناتهم ألا تُقبل (٢) كانوا أشد خوفًا منكم لسيئاتهم أن يؤاخَذوا بها (٣).
* * *
(٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: أي: هؤلاء هم الذين يسارعون فيها لا الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم.
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: أي: إلى الخيرات، واللام بمعنى (إلى)، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: أوحى إليها.
وقيل ﴿لَهَا﴾؛ أي: لأجلها؛ أي: من جهة خيراتهم هم سابقون إلى الجنة.
وقال القشيري: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: مسارعٌ بقدمه من حيث الطاعات، ومسارعٌ بهممه من حيث المواصلات، ومسارعٌ بندمه من حيث تجرُّعُ الحسرات، والكلُّ مصيب، ولكلٍّ من إقباله على ما يليق بحاله نصيب (٤).
* * *
(٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
стр. 5323
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: أي: لا نحمِّل من الخيرات أحدًا شيئًا إلا ما في وسعه وهو دون طاقته.
وقال القشيري ﵀: مطالباتُ الشريعة مضمَّنة بالسهولة، فأما مطالبات الحقيقة فقد قالوا: ليس إلا بذلَ الروح وإلا فلا تَشتغل بالترَّهات، قال للمستضعفين: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال لأهل الحقائق: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ﴾ [الحج: ٧٨] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾: أي: كتبُ الملائكة فيها (٢) أعمالُ العباد.
وقوله تعالى: ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يبيِّن جميعَ ما عمله العبد على الصدق، فهذا الكتاب محفوظٌ عند ملائكة اللَّه، وأضافه إلى نفسه لأنهم يحفظونها بأمره، ويُخرَج يوم القيامة ويُحاسب عليه ويجازى به.
وقيل: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ تبناه فيما سبق بما هم (٣) عاملون، فهم يعملون ذلك ونحن نجازيهم به.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا يُنقص من ثوابهم ولا يعذَّبون بغير (٤) ذنب.
* * *
(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.
стр. 5324
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لكلام مضمَر، وكأنه (١): ليس تركُهم الإيمان لقصور في البيان؛ لكن قلوبهم في غطاء وغمرة؛ أي (٢): غفلةٍ؛ للحَميَّة الجاهلية، وإلْفِ التقليد، وترك التدبر.
﴿مِنْ هَذَا﴾: قيل (٣): أي: العذاب. وقيل: أي: مما سبق ذكره. وقيل: من الكتاب الذي عندنا.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: قيل: أي: سوى ذلك، يعني: هم عاملون أعمالًا ينضم ذلك إلى غمرتهم فيعاقبون على الكل.
وقيل: أي: أدنى من ذلك وهو المعاصي (٤)، والأول هو الكفر؛ أي: يعملون ذلك فيعاقبون على الكل (٥).
وقيل معناه: ولهؤلاء المشركين أعمال أُخر أقبح من هذه الأعمال التي ذكرناها عنهم هم يعملونها للحال لم نذكرها لكم.
وقيل: بل هذا إخبار عما يعملون بعد هذا، فلهم مدة يبقَون إليها ثم يأخذهم إذا جاء وقتُهم.
وقيل: معناه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من قبل نزول العذاب بهم، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] بيانُ غاية ذلك.
стр. 5325
وقيل: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: قلوبهم في غفلة عن (١) طلب الحق، ولهم أشغالٌ سوى الحقِّ هم بها مشتغلون منصرفون عن الحق.
وقال القشيري ﵀: لا يصلُح لهذا الشأن إلا مَن كان فارغًا عن جميع الأعمال، وأكثرُ أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأربابُ العقبى بعُقباهم، وأهلُ النار ببلواهم، وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه -حين الفراغ- عزيز (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] (٣).
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾: أي: منعَّميهم ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُون﴾؛ أي: يستغيثون ويضجون ضجيج مَن نزل به ما لا يقدر على دفعه، ونزل هذا بهم يوم بدر، أخذ اللَّه رؤساء مكة بالسيف فجأر أهل مكة لذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: أي: لا تضجُّوا بالاستغاثة إلى غيرنا، فلا مانع لكم من عذابنا.
ويحتمل (٤): لا تضجُّوا إلينا فلا نصرةَ لكم عندنا، والمراد بذلك النهي الخبرُ أنكم وإن ضجِجْتم فلا نصرةَ لكم.