وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بكتبِ اللَّه كلِّها، لا يفرِّقون بين كتبه كالذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم، وهم أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾: كشرك العرب.
* * *
(٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: أي: يُعطون ما أَعطوا من أموالهم في حقوق اللَّه.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾: أي: خائفة أن لا تقبلَ ولا ينفعَهم ذلك إذا رجعوا إلى جزاء اللَّه يوم القيامة.
وقرأت عائشة ﵂: (يَأتُون ما أَتَوا) (١)؛ أي: يفعلون ما فعلوا، وسألت عائشة ﵂ رسول اللَّه ﷺ فقالت: أهم الذين يَزْنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: "لا، هم الذين يصلُّون ويزكُّون ويحجُّون ويصومون ويخافون أن لا يقبل منهم" (٢).
وقال كعب: لو أن رجلًا كان له مثلُ عملِ سبعين نبيًّا، يخشى أن لا ينجوَ من عذاب يوم القيامة.
وقال الحسن: لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى خشي أن لا ينجو من عِظَم ذلك اليوم (٣).
стр. 5322
وقال الحسن: لقد عمِّرتُ عمرًا، وأدركت صدرًا من الناس، فوالذي (١) لا إله إلا هو: لهم فيما أُحِلَّ لهم كانوا أزهدَ منكم فيما حُرِّم عليكم، وهم لحسناتهم ألا تُقبل (٢) كانوا أشد خوفًا منكم لسيئاتهم أن يؤاخَذوا بها (٣).
* * *
(٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: أي: هؤلاء هم الذين يسارعون فيها لا الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم.
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: أي: إلى الخيرات، واللام بمعنى (إلى)، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: أوحى إليها.
وقيل ﴿لَهَا﴾؛ أي: لأجلها؛ أي: من جهة خيراتهم هم سابقون إلى الجنة.
وقال القشيري: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: مسارعٌ بقدمه من حيث الطاعات، ومسارعٌ بهممه من حيث المواصلات، ومسارعٌ بندمه من حيث تجرُّعُ الحسرات، والكلُّ مصيب، ولكلٍّ من إقباله على ما يليق بحاله نصيب (٤).
* * *
(٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
стр. 5323
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: أي: لا نحمِّل من الخيرات أحدًا شيئًا إلا ما في وسعه وهو دون طاقته.
وقال القشيري ﵀: مطالباتُ الشريعة مضمَّنة بالسهولة، فأما مطالبات الحقيقة فقد قالوا: ليس إلا بذلَ الروح وإلا فلا تَشتغل بالترَّهات، قال للمستضعفين: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال لأهل الحقائق: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ﴾ [الحج: ٧٨] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾: أي: كتبُ الملائكة فيها (٢) أعمالُ العباد.
وقوله تعالى: ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يبيِّن جميعَ ما عمله العبد على الصدق، فهذا الكتاب محفوظٌ عند ملائكة اللَّه، وأضافه إلى نفسه لأنهم يحفظونها بأمره، ويُخرَج يوم القيامة ويُحاسب عليه ويجازى به.
وقيل: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ تبناه فيما سبق بما هم (٣) عاملون، فهم يعملون ذلك ونحن نجازيهم به.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا يُنقص من ثوابهم ولا يعذَّبون بغير (٤) ذنب.
* * *
(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.
стр. 5324
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لكلام مضمَر، وكأنه (١): ليس تركُهم الإيمان لقصور في البيان؛ لكن قلوبهم في غطاء وغمرة؛ أي (٢): غفلةٍ؛ للحَميَّة الجاهلية، وإلْفِ التقليد، وترك التدبر.
﴿مِنْ هَذَا﴾: قيل (٣): أي: العذاب. وقيل: أي: مما سبق ذكره. وقيل: من الكتاب الذي عندنا.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: قيل: أي: سوى ذلك، يعني: هم عاملون أعمالًا ينضم ذلك إلى غمرتهم فيعاقبون على الكل.
وقيل: أي: أدنى من ذلك وهو المعاصي (٤)، والأول هو الكفر؛ أي: يعملون ذلك فيعاقبون على الكل (٥).
وقيل معناه: ولهؤلاء المشركين أعمال أُخر أقبح من هذه الأعمال التي ذكرناها عنهم هم يعملونها للحال لم نذكرها لكم.
وقيل: بل هذا إخبار عما يعملون بعد هذا، فلهم مدة يبقَون إليها ثم يأخذهم إذا جاء وقتُهم.
وقيل: معناه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من قبل نزول العذاب بهم، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] بيانُ غاية ذلك.
стр. 5325
وقيل: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: قلوبهم في غفلة عن (١) طلب الحق، ولهم أشغالٌ سوى الحقِّ هم بها مشتغلون منصرفون عن الحق.
وقال القشيري ﵀: لا يصلُح لهذا الشأن إلا مَن كان فارغًا عن جميع الأعمال، وأكثرُ أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأربابُ العقبى بعُقباهم، وأهلُ النار ببلواهم، وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه -حين الفراغ- عزيز (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] (٣).
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾: أي: منعَّميهم ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُون﴾؛ أي: يستغيثون ويضجون ضجيج مَن نزل به ما لا يقدر على دفعه، ونزل هذا بهم يوم بدر، أخذ اللَّه رؤساء مكة بالسيف فجأر أهل مكة لذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: أي: لا تضجُّوا بالاستغاثة إلى غيرنا، فلا مانع لكم من عذابنا.
ويحتمل (٤): لا تضجُّوا إلينا فلا نصرةَ لكم عندنا، والمراد بذلك النهي الخبرُ أنكم وإن ضجِجْتم فلا نصرةَ لكم.
стр. 5326
(٦٦ - ٦٧) - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: القرآن ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: ترجعون القَهْقَرَى.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال أكثر المفسرين (١): ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالبيت، أو بالحرم، وكانوا ينكرون (٢) على كل الناس بكونهم أهل الحرم وأهل البيت.
وقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾: أي: متكلِّمين بالسَّمَر ليلًا حول الكعبة تقولون الهَجْر، وهو الهذَيان الذي في حقه أن يُهجَر ويُرفض، و ﴿سَامِرًا﴾ واحد (٣) بمعنى الجمع من وجوه:
أحدها: أنه جنس يصلح للجميع.
والثاني: أنه موضوع للجمع.
والثالث: أن الفاعل قد يستعمل للمصدر، ثم المصدر يصلح نعتًا للجمع.
والرابع: ما قال أبو عمرو الشيباني: يقال لمجلس القوم بالنهار: النادي، وبالليل: السامر، ثم ذكر (٤) المجلس يكون ذكرًا لأهله، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]؛ أي: أهلَ ناديهِ، وقال الشاعر:
لهم مجلس صُهْبُ السبال أذلةٌ... سواسيةٌ أحرارُها وعبيدُها (٥)
стр. 5327
وكانوا يجتمعون بالليل حول الكعبة ويتحدثون بالقبح في ذكر النبي ﷺ .
وقرأ نافع: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بضم التاء وكسر الجيم (١)، وهما لغتان هَجَر وأَهْجَر.
وقيل: في القراءة الأولى: أي: تهجرون الحق بالإعراض عنه، أو: تهجرون النبي ﷺ أو القرآن.
وقوله: ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن مكنيٍّ لم يسبق ذكرُه، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ثم يجوز أن يكون ﴿بِهِ﴾ -أي: بالبيت- صلةَ الاستكبار، ويجوز أن يكون صلةَ السَّمَر.
وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالنكوص المذكور في قوله: ﴿تَنْكِصُونَ﴾.
وقال الضحاك: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: الجوعَ، وذلك حين دعا النبي ﷺ على مُضر في القنوت: "اللهمَّ اشدُدْ وطاتكَ على مُضر واجعلها عليهم سنينَ كسِني يوسفَ" فألقى اللَّه عليهم الجوع حتى أكلوا الجيَف والأولاد (٢).
* * *
(٦٨) - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: أي: أفلم يتدبَّر هؤلاء القرآن ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا
стр. 5328
لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: وهذا توبيخٌ لهم بلفظ الاستفهام؛ كأنه قال: ما عذرُهم في الإعراض عن استماع القرآن من الرسول والنكوصِ على الأعقاب، أهو أنهم لا يتدبرون القرآن (١) الذي يخاطَبون به فالتقصيرُ منهم، أم يقولون: لو كان للَّه رسولٌ إلى العرب لأتى ذلك آباءنا الأولين، وإذا لم يأتهم لا يأتينا (٢)، وهذا ليس بحجة أيضًا؛ لأنَّه قد أتى غيرَهم من الأمم رسلٌ كثيرة قد سمعوا ذلك، وتناهت (٣) به الأخبار المتواترة إليهم، وهي أخبار صالحٍ وشعيبٍ وهودٍ، وهم رسل اللَّه إلى العرب.
* * *
(٦٩) - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: أم يحتجُّون في ترك سماعه من محمد ﵇ أنه مجهول فيهم، فلم يعرفوه بالصدق والعقل وشرفِ الأصل، وليس كذلك، بل قد عرَفوا مولده ومنشأه، وصدقه وأمانته، وخلالَه (٤) المحمودةَ، فما الذي ينفِّرهم (٥) عنه؟ وهو إشارة إلى ما وهبه (٦) اللَّه تعالى له (٧) ﵇ قبل أن يبعثه من أسباب القبول، من حسن التربية وتمام العصمة من أول حاله إلى مبعثه، لم يَعْلق به أمر شائن؛ ليكون ذلك أدعى إلى الركون إليه والقبول منه.
* * *
стр. 5329
(٧٠) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أي: جنون، فليس من حقِّه أن يُسمع كلامه.
وليس كذلك ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقّ﴾: أي: ليس (١) به شيء من هذا، لكن ﴿جَاءَهُمْ بِالْحَقّ﴾ والانقيادُ للحق تَنفر عنه طباعهم الجاهليةُ ميلًا منهم إلى الرئاسة في الدنيا والانهماكِ في لذاتها، وذلك قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
وقيل: الحق: التوحيد.
* * *
(٧١) - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: أي: لو كان الحق تابعًا لأهواء (٢) الناس لبطل نظام العالم؛ لأن الأهواء مختلفةٌ وطبائعَ الناس شتَّى متضادَّةٌ، فشهواتهم تتضادُّ وتتنافَى، واجتماع المتضادَّات محال ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأفضى ذلك إلى وجود ما لا يُتوهَّمُ وجوده في العقول، وهو باطل.
ولأن أهواءهم داعيةٌ إلى القبيح، والحقُّ يدعو إلى المحاسن (٣)، فلو اتَّبع أهواءهم لانقلبت الأدلة، وصارت الدلالة على القبيح (٤) دليلًا على الحَسَن، والدلالةُ على الحَسَن دليلًا على القبيح (٥)، وفي انقلاب الأدلة انقلابُ المدلول
стр. 5330
وسقوطُ حكم الأدلة، وفي ذلك فسادُ العالم، فإن بقاء العالم ببقاء أحكام الحق، وبقاءَ الأحكام ببقاء أدلتها.
وقيل: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فيما يعتقدون من الآلهة ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، كما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: أي: بما فيه شرفُهم وعزُّهم ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ بسوء اختيارهم.
وقيل: معناه: بذكر ما بهم (١) الحاجةُ إليه في الدين.
وهذه الآية على القولين تتصل بقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾؛ أي: وما ينبغي أن يكرهوه وفيه شرفُهم، وفيه ذكرُ ما يحتاجون إليه.
* * *
(٧٢) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾: قرأ ابن عامر بغير ألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي بالألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ بالألف (٢).
قال أبو عبيد وأبو معاذ (٣): هما لغتان.
стр. 5331
وقال الحسن: هو الأجر على العمل (١)، يقول: أهم يتَّهمونك (٢) فيما تدعوهم إليه أنك تسألهم عليه أجرًا فيظنون بك أنك تطمع في أموالهم، وهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: فما يؤتيك اللَّه من الأجر على طاعتك له في الدعاء إليه خيرٌ لك من عرَض الدنيا.
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: خيرُ مَن أعطى عوضًا على عمل؛ لأن ما يعطيه لا ينقطع ولا يتكرر وقد علمت ذلك ورضيت به، فما معنى اتهامهم لك بالطمع في أموالهم وهذا كله إخبارٌ أنهم متعنِّتون محجوجون (٣) من كلِّ وجهٍ في ترك الاستماع إليك والتدبر بما جئتهم (٤) به.
* * *
(٧٣ - ٧٥) - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾: فحقيقٌ أن يستجيبوا لك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: أي: عن هذا الطريق (٥) المستقيم لعادلون مُجانبون.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: زاغوا عن المحجَّة المثلى بقلوبهم فوقعوا في
стр. 5332
جحيم الفُرقة، وستزلُّ أقدامهم عن الصراط فيقعون في نار الحُرقة، فهم ناكبون في دنياهم وعقباهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾: متصل بقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.
﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أي: لتمادوا في عتوِّهم يتردَّدون؛ أي: لعادوا إلى الطغيان الذي به أخذناهم بالعذاب، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾: أي: لقد أخذنا مترفيهم بضربٍ (٢) من العذاب فما تذلَّلوا لربهم استكبارًا منهم على اللَّه تعالى وجراءةً.
ثم أخبر عن عنادهم فقال: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: في الشدائد فلا يُظهرون تذلُّلًا وانكسارًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: أي: متحيِّرون لا يدرون ما يصنعون.
وقيل: آيسون من الفرج.
قيل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ هو سبعُ سنين في الجوع والقحط، وهو قول مجاهد (٣)، وهو قوله: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢]، ﴿فَمَا
стр. 5333
اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ ما زادوا على قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] على الوعد لا على التحقيق؛ كقول قوم فرعون: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنون: ٧٧]، هو يوم بدر.
وقيل: الأول عذاب الدنيا بالشدائد، وقوله: ﴿ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عذابُ الآخرة في النار.
* * *
(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: عدَّد نعمه، وبيَّن قدرته؛ تنبيهًا على استغنائه عن طاعة خلقه، وأن إرساله الرسل والامتحانَ لم يكن للحاجة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾؛ أي: وربكم اللَّه الذي خلق الأسماع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لإدراك الأصوات والألوان ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ للتمييز بين الحق والباطل.
وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: لا تشكرون إلا قليلًا بقولكم: هو الصانع، ثم تشركون به غيره.
وقيل: أي: لا تشكرون له أصلًا، تقول العرب: هذه أرضٌ قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
стр. 5334
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: خلقكم في الأرض وبثَّكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تبعثون وتُجمعون للجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: هو المالك والفاعل بمجيء الليل والنهار أحدِهما بعد الآخر، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢].
وقيل: الاختلاف هو التفاوت (١) بالزيادة والنقصان، وهو الفاعل ذلك بهما.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أن اختلافهما دليل حدوثهما، وأن لهما محدِثًا لا شريك له عالمًا قادرًا مريدًا.
* * *
(٨١ - ٨٣) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ وهو قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: أي: لم يعقلوا ذلك ولم يتدبروا فيه ليَعلموا أنَّ مَن قدر على هذه الأشياء قدر على بعث الموتى فلا تستبعِدوا ذلك.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: سلَفُهم ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ وصرنا ترابًا وعظامًا بالية، أنبعث؟! وهذا محال.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قبل مجيء محمد ﷺ .
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما هذا إلا ما سطَّرتْه الأوائل من الأحاديث الأكاذيب.
стр. 5335
وقيل: نزلت الآية في آل أبي طلحة، منهم: طلحة وشيبة وأبو سعيد ومسافع (١) وأرطاة بن شرحبيل والنضر بن الحارث وأبوه (٢) الحارث بن علقمة بن كلدة؛ هم الذين قالوا هذا القول (٣).
وقال القشيري ﵀: ليس اختلاف الليل والنهار كلُّه في ضيائهما وظلمتهما (٤) وطولهما وقِصَرهما، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَر، وفي الرَّوح والنَّوح، فمِن الليل ما هو أضوأُ من النهار، ومن النهار ما هو أشدُّ ظلامًا من الليل، يقول قائلهم:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ... تخبِّر أن المانَوِيَّة تَكْذبُ
وقال آخر:
ليالي وصالٍ قد مضَيْن كأنها... لآلي عقودٍ في نحور الكواعب
وأيامُ هجرٍ أعقبَتْها كأنها... بياض مشيب في سواد الذوائبِ (٥)
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 5336
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فأَجيبوا.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: وإقرارهم أنها للَّه إقرارًا به أنشأها (١) فهو مالكها.
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: كأنه شيء كانوا عالمين به لوضوحه فنسُوه فذكَروه بالتنبيه عليه، فقيل: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا بذلك أن مَن قدر عليها قدر على إحياء الموتى.
وقيل: أفلا تتَّعظون فتعملوا بذلك فتتركوا الإشراك باللَّه تعالى؛ إذ هو القادر على هذا والأصنامُ غير قادرة عليه.
وقيل: أفلا تتَّعظون بذلك فتتركوا جحود البعث؛ إذ خالقُ هذه الأشياء لم يخلقها عبثًا بل ليَستأدِيَكم شكرَه عليها ثم يميزَ (٢) بين المطيع منكم وبين العاصي، وفي ذلك إثباتُ البعث والثواب والعقاب.
* * *
(٨٦ - ٨٧) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: قيل: ﴿الْعَرْشِ﴾: المُلك هاهنا، وكانت العرب تُقِرُّ بالملائكة وسكانِ السماوات فقرِّروا على ذلك (٣)، وأما العرش الذي هو سرير فثبوته عند أهل الكتب.
وقيل: كان ذلك مقرَّرًا (٤) عند العرب أيضًا بإخبار أهل الكتاب.
стр. 5337
قوله تعالى ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: وقرأ أبو عمرو في هذا وفي الذي بعده: ﴿سيقولون اللَّه﴾ وهذا ظاهرٌ موافق للابتداء، وقرأ الباقون: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١).
قال الفرَّاء وقطرب: هو (٢) محمول على المعنى؛ لأن قوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: للَّه هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيح، وإن مَن قال لآخر: مَن مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاه من أن يقول: مولاي فلان (٣)، وأنشدوا في ذلك:
إذا قيل مَن ربُّ القِيَان (٤) بموقفٍ... وربُّ الجيادِ الجُرْد قيل لخالد (٥)
وأنشدوا في عكسه شعرًا:
فقال السائلون لمَن حفَرْتُم... فقال المخبِرون لهم وزيرُ (٦)
أي: هو وزير (٧) الذي يُحفر له.
стр. 5338
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي: عذابَ اللَّه في اتخاذكم غيرَ اللَّه إلهًا معه وأنتم مقرُّون أنه خالقُ هذه الأشياء ومالكُها، والأصنامُ لا تملك شيئًا منها ولا تخلقه.
وقيل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ في جحودكم قدرتَه على إحياء الموتى مع اعترافكم بقدرته على خلق هذه الأشياء.
* * *
(٨٨) - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: يملك هذه (١) الأشياء كلها.
وقال مجاهد: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خزائنُ كلِّ شيء (٢).
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: أي: يمنع مَن يشاء مِن عباده ممن قصَد الإضرار به.
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: أي: ولا يُمنع ولا يمكن منعه (٣) مَن أراده اللَّه تعالى بسوء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فأجيبوا (٤).
وقيل: وهو يؤمِنُ مَن أخافه غيرُه ومَن أخافه هو لم يؤمِنه غيره.
* * *
(٨٩ - ٩٠) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
стр. 5339
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: ووجهُه ما مر؛ أي: للَّه قدرةُ ذلك ومُلك ذلك فاجتنبوا (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾: أي: فمِن أيِّ وجهٍ يخيَّل لكم الباطلُ حقًّا حتى تشركوا به غيره.
وقيل: فكيف تُخْدعون عن الحق.
قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: ليس كذبهم على اللَّه بنسبة الولد إليه لقصورِ البيان، فقد ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾ بالكتاب المبينِ ذلك، وأعطيناهم العقل الذي به يُتوصل إلى بطلان ذلك.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦].
* * *
(٩١) - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾: أي: لم يتَّخذ اللَّه الملائكة بناتٍ له ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾؛ أي (٢): ليس معه شريك في الألوهية.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: أي: ولو كان معه آلهةٌ لميَّز كلُّ إله ما خلَقه هو (٣) وحده، ولم يتركه مختلِطًا بمخلوقِ غيرِه، وظهرت المنازعة، وإذ لا منازع في شيء من المخلوقات للتمييز بطل قول المشركين.
стр. 5340
﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: لغَلَب؛ فإن الإلهين لو تُوُهِّما: فإما أن يكونا إذا أراد أحدهما شيئًا والآخر خلافَه يحصل (١) مرادهما، أو لا يَحصل شيء، أو يحصل مراد أحدها، ولا يجوز أن يحصل مرادُهما جميعًا؛ لأن الضدَّين لا يُتصور اجتماعهما، فلو لم يحصل مرادهما جميعًا فهما عاجزان فلا يكونان إلهين، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر فالذي حصل مراده هو القادر والآخرُ عاجز فبطل أن يكون إلهًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] على ما قدَّرنا.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: تنزيهًا للَّه عمَّا يصفه به هؤلاء.
وقيل ة هو بمعنى الأمر؛ أي: فنزِّهوه.
* * *
(٩٢) - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص بالخفض وصفًا لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء (٢)؛ أي: هو عالمُ الغيب والشهادة فلن يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحق دون قول هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾: تقدَّس عن الشركاء الذين يقولون.
* * *
(٩٣ - ٩٤) - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 5341
وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي﴾: (إنْ) شرطٌ و (ما) صلة والنونُ المشدَّدة تأكيد وكأنه قسم.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: من العذاب، ويجوز من أَوْعَد، ويجوز من وَعَد؛ كما قال: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢].
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: معهم وفي جملتهم في العذاب. أَخبر أنه يعذِّبهم، وأمره أن يدعو بهذا، وهو كما رُوي عنه أنه كان يقول: "وإذا أردتَ بقومٍ فتنة وأنا فيهم فاقْبِضْني إليك غير مفتون" (١).
و (الفاء) في قوله ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ لجواب قوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ ولولاه لم تصلح الفاء في الابتداء.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾: أي: على أن نعذبهم (٢) قبل أن نقبضك فتراه.
* * *
(٩٦) - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالمعاشرة التي هي أجمل
стр. 5342
﴿السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: معاملتَهم القبيحة؛ أي: فأحسِن معاملتَهم إلى أن تؤمرَ بقتالهم لتَسْلَم بذلك من أذاهم.
قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: من الشرك، فسنجازيهم (١) عليه ونأمرك بقتالهم لوقته.
وقال القشيري ﵀: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: ادفع الجفاءَ بالوفاء، ادفع ما هو حظُّك بما هو حقُّه (٢).
وقد فعل ذلك حين شُجَّ جبينه وأُدْمي وجهه، وكُسرت رَبَاعِيَتُه والبيضةُ على رأسه، فقال: "اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" (٣).
وقيل: الأحسن ما أشار إليه القلب، والسيئة ما دعت إليه النفس (٤).
* * *
(٩٧ - ٩٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: قيل: أي: نَزَغاته ووساوسه (٥)، وأصله: الطعن، وهو طعنٌ في القلب، وقد يكون في النفس فيقع به الصَّرع ونحوُه.
стр. 5343
وقيل: هو ما يوقعه الشيطان في القلب من ترك دفع السيئة بالأحسن واستعجالِ العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: أي: يأتوني.
وقيل: هو حالُ حضرة الموت، وأَخْوَفُ ما يكون حضورُ الشيطان في تلك الساعة، وهو لتعليم الأمة (١).
* * *
(٩٩ - ١٠٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: يقول: إذا ذكِّروا بالآخرة والبعث ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [المؤمنون: ٨٢] إلى آخره، هذا قولهم إلى أن يجيء الموت فيَتيقَّنَ بضلالته وجهالته في مقالته.
﴿قَالَ رَبِّ﴾ يستغيث أولًا باللَّه، فيقول: ﴿رَبِّ﴾ ثم يقول للملائكة الذين حضروه لقبض الروح: ﴿ارْجِعُونِ﴾؛ أي: ردُّوني إلى الدنيا ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾؛ أي: لأعمل صالحًا، و (لعل) أصله للشك، وهاهنا لليقين؛ لأنَّه حالة اليقين (٢)، وهو كإطلاقِ لفظة الظن في معنى اليقين في آيات.
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: له وجوه:
أحدها: في تركتي أؤدِّي حقوق اللَّه فيها وأتقرَّب بها؛ كما قال: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠].
стр. 5344
والثاني: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في الموضع الذي تركت؛ أي: الدنيا، تركتُ فيها التوحيدَ والطاعة، فالآن ﴿أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ في الدنيا: التوحيد والطاعة.
والثالث: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾؛ أي: فيما تركت العملَ به من الصالحات.
﴿كَلَّا﴾: ردٌّ لِمَا سأل؛ أي: لا ترجع.
وقيل: أي: ردٌّ لِمَا بعدُ؛ أي: لو رُدَّ إليها لا يَفي بها؛ كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾: قيل: ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كلمةٌ يقولها الكافر عند الموت.
وقيل: ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: قول اللَّه ﴿كَلَّا﴾ للردِّ ﴿كَلِمَةٌ هُوَ﴾؛ أي: اللَّه ﴿قَائِلُهَا﴾ وهو حقٌّ صدق لا خُلف له، وهو قوله ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: وأمامَهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع.
قال ابن زيد: هو الحاجز بين الموت والبعث.
وقال مجاهد: حاجز بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
وقال الضحاك: هو الحاجز بين الدنيا والآخرة (١).
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ جمع بعد ذكر ﴿أَحَدَهُمُ﴾ لأن أحدًا أضيف إلى الجمع فانصرف هذا إلى أولئك الجمع.
قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم للحساب والجزاء.
стр. 5345
وقال ابن عباس ﵄: هذا في الكافر إذا حضره الموت ورأى ما حلَّ به من نقمة اللَّه تعالى سأل الرجعة إلى الدنيا؛ لأنَّه علم أن اللَّه تعالى لا يقبل توبةً بعد الموت ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ أقول: لا إله إلا اللَّه مخلصًا ﴿كَلَّا﴾ هيهات، إن هذا كلام يقوله عند موته لندامته (١).
* * *
(١٠١) - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: للبعث ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: إذا سِيقوا إلى موقف الحساب شغلهم الحزن والخوف عن أن يتناسبوا في ذلك الموضع ليَعرف بعضُهم بعضًا بالنسب، ولا يتفاخرون أيضًا بالأنساب كما فعلوا في الدنيا، ولا يَسأل بعضهم بعضًا عن حاله كما يتساءلون في الدنيا على سبيل التعاطف.
وقيل: هذا حال الكلِّ على العموم، بدليل أنه فصَّل بعده حال الفريقين: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، ولا يُشْكِل هذا بقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن ذلك قولُهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢] ثم يساقون إلى الموقف ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقيل: فإذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: النفخةُ الأولى، فيُقطع التواصل والقرابات (٢) والتساؤل عن الحالات.
وعن (٣) ابن عباس ﵄: إذا نُفخ النفخةُ الأولى هلك كلُّ شيء إلا
стр. 5346
ما شاء اللَّه، وتقطَّعت الأنساب وذهبت المساءلة، ثم نفخ النفخةُ الثانية فقاموا جميعًا لربِّ العالمين ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١).
وقال النبيُّ ﷺ في صفة الصور: "إن عُظْمَ دارةٍ منه كعرضِ السَّماء والأرض" (٢).
ويقول إسرافيل في النفخة الثانية: أيتها الأجساد البالية، والجلود المتمزِّقة، واللحوم المتفرِّقة (٣)، والعظام النَّخِرة، والعروق المتقطِّعة، والشعورُ المتطايرة: قوموا فإنَّ الديان قد أقام القيامة، فيَحْيَون جميعًا في أقلَّ من لحظة (٤).
وفي الخبر: أن بين النفختين أربعين سنة؛ تمطر السَّماء، وتنبت الأرض، وتمضي فصول السنة وليس في السَّماء والأرض حيوان (٥).
وقيل: لا يُسألون في القيامة عن الأنساب، إنما يُسألون (٦) عن الأعمال، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 5347
(١٠٢ - ١٠٤) - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾: فسرنا الآيتين في سورة الأعراف وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّار﴾: أىِ: تحرقها ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلوح: تقلُّص الشفتين من العُبوس حتى تبدوَ الأسنان؛ أي: إذا لفَحت النار وجوههم تقلَّصت شفاههم وبدت أسنانهم، وتغيَّرت بذلك مناظرهم وقبحت صورهم، قال رسول اللَّه ﷺ : "تَقْلِصُ شفةُ الكافر العُليا حتى تبلغَ وسطَ رأسه، وتسترخي شفتُه السُّفلى حتى تَضْرِب سُرَّتَه" (١).
* * *
(١٠٥ - ١٠٦) - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: يقال لهم في النار: ألم يكن كتابي المنزلُ على رسولي يُقرأ عليكم.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: وتزعمون أنها ليست من اللَّه تعالى.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿شَقاوتُنا﴾ بالألف وفتح الشين، وقرأ الباقون: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين وحذف الألف (٢).
стр. 5348
ومعناه: قال أهل النار: غلب علينا ما سبق لنا (١) في سابق علمك، وكُتب في أمِّ الكتاب من الشقاوة.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾: في الدنيا عن طريق الهدى، وهو كقوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦].
وقيل: أي: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا﴾ الأعمال الرديَّة والأمور القبيحة التي شَقِينا بها ﴿وَكُنَّا﴾ في فعلها ﴿ضَالِّينَ﴾ عن الحق والصواب، وليس هذا باعتذارٍ بل هو اعترافٌ منهم بسوء الصنيع.
* * *
(١٠٧ - ١٠٨) - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾: أي: من جهنم ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾؛ أي: في الكفر والمعصية ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ بالعود؛ أي: فلا نعود.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾: أي: ابْعُدوا في النار ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وهو أبلغُ ما يكون من الإذلال.
قال الحسن: وهو آخِرُ كلام أهل النار، فلا يقدرون على الكلام بعده، فلا يبقى لهم إلا زفيرٌ وشهيق (٢).
وقال أبو الدرداء: يرسل على أهل النار الجوع حتى ينسيَهم ذلك كلَّ (٣)
стр. 5349
العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، فينشبُ (١) في حلوقهم، فيَذْكرون أنهم كانوا في الدنيا يُجيزون الغصص بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيُسقون الحميم، فإذا أدنوه من وجوههم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطَّع أمعاءهم، فيدعون خزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فيجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: يا مالك: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فيجابون بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فيقولون: ادعوا ربكم فليس أحد خيرًا لكم من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ إلى قوله: ﴿ظَالِمُونَ﴾ (٢).
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: فلا يجابون قَدْرَ الدنيا مرتين، ثم يقول اللَّه تعالى لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فما نبس القوم بعدها بكلمة (٣)، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم بأصواتٍ كأصوات الحمير أولُها زفيرٌ وآخرُها شهيق (٤).
стр. 5350
وفي حديث محمد بن كعب القرظي: أقبل بعضهم على بعض يَنبح نباحَ الكلب وأطبقت عليهم (١).
* * *
(١٠٩ - ١١٠) - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾: وهم المؤمنون ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾: قرأ حمزة والكسائي بضم السين، والباقون بكسرها (٢)، وهما لغتان:
قيل: هما بمعنى الهزء.
وقيل: بالضم من التسخير وبالكسر من الهزء (٣).
стр. 5351
أي: قصدتُم يا معاشر الكفار هؤلاء المؤمنين بالاستهزاء والقهر ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾: أي: أنساكم ولوغُكم بذلك ذكرَ اللَّه، وأضاف إليهم بطريق التسبيب، وهو كقوله في الأصنام: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾: مستخِفِّين بهم.
* * *
(١١١ - ١١٢) - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية (١): ﴿أنهم﴾ بالكسر على الاستئناف (٢)، و ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ بالضم: ما جوزوا به الجنة والكرامة.
وقرأ الباقون ﴿إِنَّهُم﴾ على وقوع الجزاء عليه؛ أي: جزيتُهم الفوز من العذاب والنَّيلَ للثواب.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾: إلى أن بُعثتم، يخاطبهم توبيخًا لهم على إنكار البعث واستبعاده.
стр. 5352
(١١٣ - ١١٤) - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: تقليلًا لمدة (١) الدنيا، كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
وقيل: نسيانًا له لعِظَم ما هم فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: العارفين عددَ ذلك فإنَّا قد نسيناه، وعلى تأويل التقليل: لا نتيقَّن بمبلغ عدد السنين فاسأل مَن يعرف ذلك.
وقيل: المراد من العادِّين هم الملائكة؛ لأنَّهم كانوا يَعُدُّون الأنفاس والأوقات.
وقيل: المراد به المنجِّمون لأنهم كانوا يحفظون ذلك.
وقال مجاهد وعكرمة والسدي وغيرهم: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾؛ أي: الملائكة (٢) الذين جعلهم اللَّه حفظةً يكتبون أيام الدنيا ويُحصُونها.
* * *
(١١٥ - ١١٦) - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾: أي: أفظننتُم في إنكاركم البعثَ أنا خلقناكم لعبًا بغيرِ فائدة، ولا نكلِّفكم في الدنيا ولا نبعثكم للجزاء (٣) في العقبى.
стр. 5353
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي بفتح التاء، والباقون بضمها (١)، الأول لازم والثاني هو ما لم يسمَّ فاعله من المتعدي.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: أي: جلَّ عن الأولاد والشركاء والأنداد ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: الذي يحق له الملك دون غيره.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾: الجليلِ في نفسه الخطيرِ في ذاته بجَعل اللَّه له ذلك الوصفَ.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الْكَرِيمِ﴾: الشريف (٢).
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾: أي: لا حجةَ له عليه؛ لأن البرهان عقليٌّ أو نقلي، وليس في واحد منهما ما يجوِّز أن يكون معه إلهٌ آخَرُ، وهذا وإن كان مذكورًا في موضع الصفة فليس لتمييز مَن يدَّعي ذلك بلا برهانٍ ممن يدَّعي ذلك ببرهان، بل هو صفةُ تحقيق لا صفةُ تمييز؛ كما في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: وهو جزاء هذا الشرط؛ أي: قد علم اللَّه ذلك منه وأعدَّ له جزاءه، ثم هو لا يفلح أبدًا ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
стр. 5354
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾؛ أي: هو الذي يحاسبه يوم القيامة ويجازيه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ذكر عدم فلاح الكافرين في آخر السورة، ووعد الفلاح للمؤمنين المطيعين في أول السورة.
وقيل: هذا في حالةِ الإكراه، ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾؛ أي: يتكلَّم به ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾؛ أي: لا حجة له في هذا التكلُّم، وهو أن يكون مختارًا، فإذا كان مكرهًا فله حجة؛ لأن اللَّه تعالى استثنى حالة الإكراه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، والمذكور في الآية هو الدعوة، وذاك قول باللسان، وذاك مع الإكراه لا يكون كفرًا، ولو كان مكان كلمة الدعوى ما يدل على الاعتقاد لم يمْكِنَّا الحمل على هذا التأويل.
* * *
(١١٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: نفى: الفلاح للكافر مطلقًا، ووعد الفلاح للمؤمن المطيع مطلقًا، ولما كان المؤمن العاصي على خوف التعذيب مدةً، أمر نبيَّه ﵊ بهذا الدعاء تعليمًا لأمته ﵇ أن يقولوه ليغفر اللَّه تعالى لهم ذنوبهم فيَصِلون إلى الفلاح، وهو أمرٌ له أن يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾؛ أي: للمؤمنين والمؤمنات ﴿وَارْحَمْ﴾؛ أي: وارحمهم، فيكون الدعاء منه ولكن (١) لهم.
وروى ابن مسعود ﵁ قال: كنتُ مع رسول اللَّه ﷺ في بعض طرقات المدينة، إذا برجل قد صُرع، فدنوتُ فقرأتُ في أذنه فاستوى جالسًا، فقال النبي ﷺ :
стр. 5355
"ماذا (١) قرأتَ في أذنه يا ابنَ أم عبد؟ " قلتُ: فداك أبي وأمي، قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، فقال النبي ﷺ : "والذي بعثني بالحق لو قرأها موقنٌ على جبلٍ لذاب" (٢).
والحمد للَّه ربِّ العالمين، ربَّنا أدخِلْنا الجنة آمين (٣)
سورة النور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي حرَّم السِّفَاح، الرحمنِ الذي شرَع (١) النِّكاح، الرحيمِ الذي وعد على السمع والطاعة الفلاح.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة النور كان له عشرُ حسنات بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي" (٢).
وعن أبي عطيةَ قال: كَتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: تعلَّموا سورةَ براءة وعلِّموا نساءكم سورة النور (٣).
وهذه السورة مدنية، وهي اثنتان وستُّون آية، وقيل: أربع، والاختلاف في اثنين: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
وكلماتها ألف وثلاثُ مئةٍ وستةَ عشر، وحروفُها خمسةُ آلافٍ وستُّ مئة وستةٌ وثلاثون.
стр. 5359
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه أُمر في آخر تلك السورة بسؤال الرحمة، ونيلُ الرحمة بأداء الطاعة دون فعل المعصية، فقد قال في أول هذه السورة في حقِّ مَن عصَى اللَّه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
وانتظام السورتين: أنه بدأ تلك السورة بخلقِ الإنسان، ثم بما أنعم عليه، ثم بالأمر بالتوحيد وعاقبةِ أهله وذكرِ الشرك وعاقبةِ أهله، وختم بالأمر بالدعاء، وبيَّن في هذه السورة المعاملاتِ والجزاءَ على الموافقات والمخالفات، وهو ترتيبٌ معقول يشهد بحُسنه الأصول.
* * *
(١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ﴾: أي: هذه سورة؛ أي: قطعةٌ ودرجةٌ من الكتاب الذي وعدْتُ أن أُنزله عليك.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: أي: أنزلناها إليك من السَّماء.
وقوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد، والباقون بالتخفيف (١)، ومعنى التخفيف: فرضُ العمل بها، فأضاف الفرض إليها اختصارًا لوضوح المراد.
قال الضحاك: أوجَبْناها (٢).
ومعنى التشديد: أنزلنا فيها فرائض مختلفةً وفرضناها عليكم وعلى مَن بعدَكم إلى يوم القيامة، والتفعيلُ في الفعل الثلاثي المتعدِّي يكون للتكثير والتذكير.
стр. 5360
وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: ليست بفريضةٍ واحدة، ولكنها فرائض (١).
وقال غير واحد من المفسرين: بيَّنَّاها (٢).
وقال مجاهد: بينَّا حلالها وحرامها (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لتتَّعظوا (٤) بها، وأكثرُ هذه السورة ترجع أحكامها إلى التستُّر والتعفُّف وما تَخلَّلها فهو من مقتضياتها.
ومن جلالةِ موقع (٥) أحكام هذه السورة من جملة أمور الدِّين ما ذُكر عن أبي وائل ﵁ قال: خطبنا عبد اللَّه بن عباس ﵄ وهو على الموسم فافتتح سورة النور وأخذ يفسرها، فقال رجل: ما رأيتُ كاليوم كلامًا خرج من رأس رجل، واللَّه لو سمعتْ بهذا التُّركُ (٦) لأسلمت (٧)، وفي بعضها: لو سمعت بهذا الدَّيلمُ لأسلموا (٨).
* * *